موت القديم وميلاد الجديد.. كيف ينظر فرانسيس فوكوياما لأزمة كورونا وما بعدها؟

يتناول البروفيسور الأميركي بجامعة ستانفورد، ومؤلف الكتاب الشهير "نهاية التاريخ"، الواقع الاقتصادي والسياسي في أعقاب جائحة "كوفيد-19″، محددا عوامل الفشل والنجاح في التصدي للأزمة، والعواقب السلبية لانتشار المرض، كانتشار الفاشية وأشكال متطرفة من كراهية الأجانب ومعاداة الهجرة، إلى جانب العواقب الإيجابية، بما قد يُمثِّله التعامل الحكومي مع الأزمة من أفول لسياسات السوق الحرة، أو اندثار مظاهر عديدة من النيوليبرالية، بحكم الحاجة إلى الحكومة والتنظيم الحكومي المتماسك في التصدي لأزمات مقبلة، إلى جانب ما أظهرته الأزمة من زيف القيادات الشعبوية وأفضلية الحكم الرشيد وحكم المؤسسات على حكم الرئيس المعادي لتقاليد الحكم الديمقراطي. لكن ما الذي ستعنيه الجائحة بالنسبة للهند، وبالنسبة للجنوب العالمي؟ وكيف ستُعيد تشكيل العالم الحالي؟

 

للأزمات الكبرى تبعات كبرى قلّما تكون بالحسبان. فالكسادُ الكبير جلب الانعزالية، والتعصب القومي، والفاشيّة، والحرب العالمية الثانية، وإن كان قد أفضى أيضا إلى "الاتفاق الجديد"، أو ما يُعرف بصعود الولايات المتحدة كقوّة عالمية عُظمى، والتحرر من قوى الاستعمار. في حين أدّت هجمات 11 سبتمبر/أيلول إلى اثنين من التدخلات الأميركية الفاشلة، بصعود إيران وأشكال جديدة من الراديكالية الإسلامويّة. أمّا الأزمة المالية عام 2008 فقد استفزت الشعبويّة المعادية لتقاليد المؤسسة التي أبدلت وجوه الزعماء حول العالم. وسوف يتناول المؤرخون في المستقبل التبعات الكبرى التي أعقبت جائحة كورونا؛ غير أن التحدّي يكمن في معرفتها حاليا.

 

يتضح لنا سابقا لماذا تنجح بلدان دون أخرى في التعامل مع الأزمة حتى اللحظة، ولدينا كل الأسباب للاعتقاد بأنّ الأمور ستستمرّ على ما هي عليه. ذلك أن المسألة لا تتعلق بنوع النظام الحاكم. فقد أبلت بعض الديمقراطيات بلاء حسنا، لكن بعضها لم يفعل ذلك، والأمر ذاته ينطبق على بلدان الحكم الأوتوقراطي. فالعوامل المسؤولة عن تحديد الاستجابة الناجعة للجائحة هي قدرة الدولة، وثقة المجتمع، والقيادة. وقد اتسمت الدول التي حازت ثلاثتها -أي أجهزة دولتية عالية الكفاءة، حكومة يثق بها المواطنون وينصتون إليها، والقادة المؤثرون- بأداء مثير للإعجاب، وتمكّنت من الحد من آثار الضرر الذي لحق بها. أما البلدان التي كانت منهارة على مستوى الدولة، ومجتمعاتها منقسمة، أو حظيت بقيادة ضعيفة، فقد أخفقت في التعامل مع الأزمة، وتركت مواطنيها واقتصاداتها عُرضة لتبعات الجائحة.

 

وكلما عرفنا مزيدا عن "كوفيد-19″، المرض الذي تسبّب به فيروس كورونا المستجد، بدا أن أمد الأزمة سيطول لسنوات بدلا من شهور. صحيح أن الفيروس أقلّ فتكا ممّا كان يُعتقد في البداية، لكنه أكثر تفشيا وقابلية للانتقال دون أعراض واضحة. فيروس إيبولا فتاك جدا لكن من الصعب الإصابة به، ذلك أن مرضاه يموتون بسرعة قبل التمكن من نقله للآخرين. أما "كوفيد-19" فهو على النقيض تماما، فالناس لم يأخذوه على محمل الجد المطلوب، وهو ما تسبَّب في انتشاره الذي سيستمر في أنحاء العالم ملحقا المزيد من خسائر الأرواح. لن تكون هناك لحظة يعلن فيها بلد عن انتصاره على المرض، وبدلا من ذلك، فإن الاقتصادات ستشرّع أبوابها ببطء وتردد، ذلك أن أي تقدّم يحرزه الاقتصاد ستعرقلهُ موجات إضافية من الإصابة والعدوى. إن الآمال المعقودة على تعافٍ يأخذ مسارا تصاعديا تبدو مفرطة في التفاؤل، فالأمر أقرب إلى تعافٍ يتخلّله موجات مد وجزر من الإصابة. إن عالم الاقتصاد لن يعود إلى شيء مما كان عليه قبل "كوفيد-19" في أي وقت قريب.

 

اقتصاديا، فإن الأزمة المطوّلة ستعني مزيدا من الإخفاق للأعمال التجارية والتدمير لصناعات مثل مراكز التسوق، وسلاسلِ البيع بالجُملة، والسفر. لقد كانت مستويات تركيز السوق(*) في اقتصاد الولايات المتحدة تتصاعد بثبات طيلة عقود، والجائحة ستؤدي إلى مزيد من تصاعد هذه المستويات. وحدها الشركات الضخمة بأموالها الهائلة ستجتاز العاصفة، مع استفادة عمالقة التكنولوجيا من معظم الغنائم، بما أن أهمية التواصل الرقمي ستزداد أكثر من ذي قبل.

 

وقد تكون العواقب السياسية أكثر وضوحا. فمن الممكن إخضاع الناس إلى إجراءات مستميتة من التضحية الجماعية بالذات لفترة من الزمن، لكن ليس للأبد. إن جائحة مستمرة ممزوجة بفقدان هائل للوظائف، وكساد ممتد، إلى جانب أعباء ديون غير مسبوقة، ستؤدي حتما إلى خلق التوترات التي تتحول إلى صدام سياسي، وإن كانت الأطراف الضالعة في هذه التوترات غير واضحة بعد.

وسيستمر توزع الهيمنة العالمية بالانتقال شرقا، بما أن شرق آسيا كان أفضل في احتواء الأمر من أوروبا والولايات المتحدة. فمع أنّ الجائحة بدأت في الصين، ومع أن بكين تسترت عليها في البداية سامحة بانتشارها، فإن الصين ستستفيد من الأزمة، بحدود نسبية على الأقل. في أثناء الجائحة، حاولت حكومات أخرى اتسم أداؤها بالضعف في البداية التستر على الأمر أيضا، وبشكل أكثر وضوحا وعواقب أكثر فتكا بمواطنيها. أما بكين فقد تمكّنت على الأقل من استعادة السيطرة على الوضع وتتجه إلى التحدي التالي، ألا وهو إعادة السرعة والاستقرار إلى اقتصادها من جديد.

 

على النقيض من ذلك، فقد كانت استجابة الولايات المتحدة سيئة جدا، ومَثّلت شاهدا على انهيار مروّع لمكانتها. تتمتع البلاد بقدرات هائلة على مستوى الدولة، وقد شيّدت سجلا مثيرا للإعجاب في خضمّ الأزمات الوبائية الماضية، لكن مجتمعها المنقسم بشدة حاليا وافتقار قائدها الحالي إلى الكفاءة قد شكّلا عائقا أمام عمل الدولة بالشكل الفعال. لقد أذكى الرئيس نيران الانقسام بدلا من بث روح الوحدة، وعمد إلى تسييس عمليات توزيع الدعم، وألقى بمسؤولية اتخاذ القرارات المهمة على عاتق حكام الولايات بالترافق مع تأجيج الاحتجاجات ضدهم لرغبتهم بحماية الصحّة العامة، وتهجم على المؤسسات الدولية بدلا من الدفاع عنها. العالم يشاهد التلفاز أيضا، وقد تسمّر في دهشة بينما الصين تمضي إلى إيضاح البون الشاسع بينهما.

على مدار السنوات التالية، قد تؤدي الجائحة إلى تراجع نسبي للولايات المتحدة، وإلى تآكل متواصل للنظام الليبرالي الدولي، وعودة ظهور الفاشية حول العالم. لكنها قد تؤدي أيضا إلى عودة الديمقراطية الليبرالية، وهو نظام لطالما ألجم المتشككين، وبرهن على قدرات متميزة لناحيةِ المرونة والتجديد. ستظهر عناصر كلتا الرؤيتين في أماكن متفرقة؛ ولسوء الحظ، فما لم تتبدل طرق التعامل الحالية بشكل دراماتيكي، فإن المشهد المستقبلي العام سيكون قاتما وكئيبا.

 

من السهل تخيُّل التبعات التشاؤمية. فقد أخذ التعصب القومي، والانعزالية، وكراهية الأجانب، والهجمات ضد النظام الليبرالي الدولي، بالتصاعد خلال السنوات الماضية، والجائحة سستسرّع وتيرة هذه الأمور فحسب. إذ استفادت الحكومات في هنغاريا والفلبين من الأزمة في إعطاء الضوء الأخضر لسياسات الطوارئ، مما أبعدها بشكل إضافي عن المسار الديمقراطي. وذهبت العديد من البلدان الأخرى، بما فيها الصين، والسلفادور، وأوغندا، إلى اتخاذ تدابير مماثلة. وبدأت عوائق التنقل تظهر في كل مكان، حتى في قلب أوروبا؛ وبدلا من التعاون لمصلحة شعوبها، انكفأت الدول على نفسها، وتشاحنت ضد بعضها، وحولت خصومها السياسيين إلى أكباش فداء لمحرقة إخفاقاتها الخاصة.

 

صعود التعصب القومي سيزيد من احتمالية نشوب صراع عالمي. فقد يرى الزعماء في النزاع مع الأطراف الخارجية مصدر تشتيت مفيد عن إخفاقات السياسة الداخلية، وقد يُشكِّل ضعف أو هشاشة الخصوم مصدر إغراء للاستفادة من الجائحة في زعزعة استقرار أهداف معينة أو خلق حقائق جديدة على الأرض. لكن بالنظر إلى القوة المقلقة المستمرة للأسلحة النووية والتحديات المشتركة التي تواجه اللاعبين الكبار، فإن الأزمات الخارجية ستكون مستبعدة بصورة أكبر من الأزمات الداخلية.

 

أما البلدان الفقيرة بمدنها المكتظة وأنظمتها الصحية المتهالكة فسوف تتعرض لضربة قاصمة. نحن لا نتحدث فقط عن التباعد الاجتماعي، بل إن أبسط مظاهر النظافة الشخصية كغسل اليدين صعبة جدا في البلدان التي لا يمتلك العديد من المواطنين فيها أي وصول منتظم للمياه النظيفة. كما أن الحكومات قد فاقمت سوء الأوضاع بدلا من تحسينها، سواء كان ذلك عن سبق تصميم، عبر استفزاز التوترات الأهلية وتفتيت التماسك الاجتماعي، أو بانعدام الكفاءة المحض. فقد فاقمت الهند، على سبيل المثال، من سوء الأوضاع بالإعلان المفاجئ عن الإغلاقات على مستوى البلاد دون التفكير في عواقب الأمر على عشرات الملايين من العمال المهاجرين الذين تكتظ بهم كل المدن الكبرى. حيث عاد قسم منهم إلى بيوتهم في الريف، ناشرين المرض معهم في أرجاء البلاد، لكنها ما إن بدأت بفرض حظر التجول حتى وجد عدد كبير من هؤلاء العمال أنفسهم محتجزين في المدن بلا عمل أو مأوى أو رعاية.

كما أن النزوح الذي تسبّب به التغير المناخي كان يُشكِّل أزمة تغلي على نيران هادئة في الجنوب العالمي. ومما لا شك فيه أن الجائحة ستُضيف إليها مزيدا من الغليان، دافعة بأعداد ضخمة من السكان في البلدان النامية إلى هوامش العيش الكريم. لقد أتت الأزمة على آمال مئات الملايين من الناس في البلدان الفقيرة ممن تمكّنوا طيلة عقدين من الزمن من الاستفادة من النمو الاقتصادي المستمر. والغضب الشعبي سيتفجّر، ذلك أن جيشان التوقعات المرتفعة هو في نهاية المطاف وصفة كلاسيكية للثورة. سيبحث اليائسون عن الهجرة، وسيستغلُّ القادة الديماغوجيون الأوضاع للاستيلاء على السلطة، أما الساسة الفاسدون فسينتهزون الفرصة للسطو على ما يمكنهم الاستيلاء عليه. وموجة جديدة من محاولات الهجرة المتدفقة من الجنوب العالمي إلى الشمال ستُقابل بتعاطف أقل ومقاومة أكبر هذه المرة، بما أن الجائحة ستسوّغ اتهام المهاجرين على نحو أكثر مصداقية بجلب المرض والفوضى.

 

أخيرا، فإن ظهور ما يسمى بـ "البجعة السوداء"(**) هو بحكم التعريف غير متوقّع، لكن احتماليته آخذة بالتزايد كلما نظر المرء إلى الصورة الأوسع. لقد رسّخت الكوارث الماضية رؤى ومذاهب وأديانا جديدة أخذت طابعا يُنذر بنهاية العالم، وكانت تنبثق من المؤرقات الحادة التي ألحقتها المصاعب المتزايدة. ومن الممكن رؤية الفاشية، في الحقيقة، كأحد هذه المذاهب التي انبثقت من العنف والنزوح الذي ولّدته الحرب العالمية الأولى وتبعاتها. وقد كانت نظرية المؤامرة تزدهر في بقاع مثل الشرق الأوسط، حيث يتم تجريد المواطن العادي من سلطته ويُسلب قراره. أما اليوم، فقد انتشرت هذه النظريات بشكل واسع في البلدان الغنية أيضا، ويرجع الفضل في ذلك في جزء منه إلى البيئة الإعلامية المتصدعة التي تسبّب فيها كليّا الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن المرجّح أن تُشكِّل المعاناة المستمرة مادة خصبة يستغلها زعماء الشعبوية.

 

بالرغم من ذلك، ومثلما تخطّت آثار الكساد الكبير توليد الفاشية إلى ضخ دماء جديدة في عروق الديمقراطية الليبرالية، فإن الجائحة أيضا قد تتمخّض عن شيء من التبعات السياسية الإيجابية. كان الأمر في العادة يتطلّب صدمة خارجية عنيفة من هذا النوع لإخراج الأنظمة السياسية المتصلبة من ركودها وخلق الظروف الملائمة لإدخال إصلاحات بنيوية طويلة الأمد، ومن المرجح بأن يتكرر هذا النمط من جديد، في بعض الأماكن على الأقل.

 

إن الحقائق العملية للتعامل مع الجائحة ترجّح كفة الاحترافية والخبرة، فقد افتُضحت الديماغوجيّة وانعدام الكفاءة سلفا. وحريّ بهذا الأمر أن يؤدي في نهاية المطاف إلى خلق تأثير الاختيار المفيد، بمعنى أن يُكافأ الساسة والحكومات الذين يؤدون عملهم على نحو جيد ويُعاقب أولئك الذين يُخفقون في أداء عملهم. لقد حاول يئير بولسونارو، الذي قام بتفريغ مؤسسات بلاده الديمقراطية بثبات على مدار السنوات الماضية، أن يلتف على مخرج للأزمة، وها هو الآن يتخبط في دهاليز كارثة صحية ما لم يكن يقود بلاده إليها. أما فلاديمير بوتين رئيس روسيا فقد حاول أن يُقلِّل من أهمية الجائحة في البداية، ثم زعم أن روسيا تُحكِم سيطرتها على الأوضاع، لكنه سيكون مطالبا بتغيير نبرته بينما "كوفيد-19" يتفشى في ربوع الاتحادية الروسية. لقد كانت شرعية بوتين تتآكل سلفا قبل هذه الأزمة، ولعلّها تُسرّع العملية في أثناء انتشارها.

لقد ألقت الجائحة بنور ساطع على المؤسسات الحالية في كل مكان كاشفة مزاياها وعيوبها. لقد تعمّقت الفجوة بين الأثرياء والفقراء، على مستوى الناس والبلدان، بفعل الأزمة، كما أنها سوف تتزايد بشكل أكبر خلال الركود الاقتصادي. لكن إلى جانب المشكلات، فقد أبانت الأزمة أيضا عن قدرة الحكومات على توفير الحلول بالاعتماد على مجموعة من الموارد في خضم ما يحدث. إن التصابر الذي تُولِّده عبارة "وحدنا في الأمر معا" قد يُعزِّز التعاضد الاجتماعي ويؤدي إلى تطوير إجراءات حماية اجتماعية أوسع مع الوقت، كما أدّت المكابدات القومية الجماعية في أعقاب الحرب العالمية الأولى والكساد الكبير إلى انبثاق دول الرعاية الاجتماعية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

 

وقد يُخمد ذلك الأشكال المتطرفة من النيوليبرالية، أيديولوجية السوق الحر التي ابتكرها الاقتصاديون بجامعة شيكاغو مثل غاري بيكر، وميلتون فريدمان، وجورج ستيجلر. فخلال ثمانينيات القرن العشرين، قدّمت جامعة شيكاغو تبريرها الفكري لسياسات الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر، الذين اعتبروا أن حكومة ضخمة ذات سياسات تدخلية ستُشكِّل عائقا أمام النمو الاقتصادي والتقدُّم الإنساني. في تلك الأيام، كانت هناك أسباب جيدة تدعم تقليص العديد من أشكال الملكية الحكومية والتنظيم الحكومي. لكنّ هذه الجدالات تصلّبت إلى مذهب ليبرتاري يكيل العداء لتدخل الدولة في ظل جيل من المثقفين المحافظين، لا سيما في الولايات المتحدة.

 

بالنظر إلى أهمية تدخُّل الدولة الحازم بهدف إبطاء تقدُّم الجائحة، سيكون من الصعب المحاججة، كما فعل ريغان في خطابه الافتتاحي الأول، بأن "الحكومة ليست حلا لمشكلتنا؛ الحكومة هي المشكلة". وسيصعب على أي شخص بناء حجة معقولة مفادها أن القطاع الخاص وإحسان الأثرياء يمكن أن يُمثِّلا بديلا عن دولة ذات كفاءة خلال حالة طوارئ وطنية. في إبريل/نيسان الماضي، أعلن جاك دورسي، المدير التنفيذي لتويتر، عن مساهمة مالية بمقدار مليار دولار للتصدي لـ "كوفيد-19″، في لفتة خيرية طيبة. في ذلك الشهر أيضا رصد الكونغرس مبلغ 2.3 تريليون دولار أميركي للحفاظ على الأعمال التجارية والأفراد الذين طالتهم أضرار الجائحة. قد تستمر معاداة الدولة في أوساط المحتجين ضد الإغلاقات، لكن استطلاعات الرأي تُشير إلى أن غالبية الأميركيين يثقون بمشورة الخبراء الطبيين الذين نصّبتهم الحكومة في التعامل مع الأزمة، وهو ما قد يمنح مزيدا من الدعم للتدخلات الحكومية في التصدي لمشكلات اجتماعية ضخمة أخرى.

 

وربما تكون الأزمة قد أطلقت العنان للتعاون الدولي من جديد. فمع أن قادة الدول يتبادلون إلقاء اللائمة، يعمل العلماء ومسؤولو الصحة العامة حول العالم على تعميق روابطهم واتصالاتهم. إنْ أدّى انهيار التعاون الدولي إلى كارثة وحُكم عليه بالفشل، فإن الحقبة التالية ستشهد التزاما متجددا بالعمل متعدد الأطراف بهدف تعزيز المصالح المشتركة.

 

لقد كانت الجائحة بمنزلة اختبار ضغط عالمي. فالبلدان التي حظيت بحكومات شرعية متمكّنة ستتخطى الأزمة بنجاح نسبي، وقد تعتنق إصلاحات تزيد من قوتها وثباتها، لتمهّد الطريق أمام ارتفاع كفاءتها المستقبلية. أما البلدان التي حازت إمكانيات ضعيفة على مستوى الدولة أو اتسمت بقيادة مهزوزة فإنها ستكون في مواجهة أزمة، إذ ينتظرها الركود والفقر والقلاقل. والمشكلة هي أن أعداد الفئة الثانية تتخطى الأولى بكثير.

 

لسوء الحظّ، فقد بلغ اختبار الضغط من الصعوبة بأن تكون قلة من الدول مرشحة لاجتيازه. فلكي تتعامل مع المراحل الأولى من الأزمة بنجاح، لم يكن على البلدان فقط أن تمتاز بإمكانيات وموارد مناسبة على مستوى الدولة، ولكن أيضا أن تتسم بقدر كبير من التوافق الاجتماعي والقادة ذوي الكفاءة الذين يوحون بالثقة. وقد استوفت هذه الشروط كلٌّ من كوريا الجنوبية، التي أوكلت مهمة إدارة الوباء إلى بيروقراطية صحية احترافية، وألمانيا من خلال أنجيلا ميركل. وكان الغالب هو حكومات تُخفق بطريقة أو بأخرى. وبما أن إدارة الأشواط المتبقية من الأزمة ستكون أمرا صعبا، فمن الممكن لهذه الاتجاهات القومية أن تُصبح العُرف السائد، مما سيجعل التفاؤل بشكل أكبر أمرا صعبا.

 

الأسباب الأخرى التي تستدعي التشاؤم هي أن السيناريوهات المتفائلة تتطلّب نوعا من الخطاب العام العقلاني والتعلم الاجتماعي. لكن الرابط بين الخبرة التكنوقراطية والسياسة العامة أضعف مما كان عليه في الماضي، عندما حازت النخب مزيدا من النفوذ. إن شرعنة السلطة التي أدّت إليها الثورة الرقمية قد عمدت إلى تسوية الهرميات المعرفية بهرميات أخرى، وعمليات صنع القرار السياسي اليوم يقودها في الغالب إمّعات مسلحون. وهذه ليست بالبيئة المثالية لمساءلة الذات الجماعية البنّاءة، وقد يظل جزء من الحكم السياسي مقترنا بزيادة العبء بدلا من تخفيفه.

وأكبر متغير هو الولايات المتحدة. لقد تمثّل سوء حظ البلاد الأكبر بأن يكون في دفة قيادتها أقلّ الزعماء كفاءة وأكثرهم استقطابا في التاريخ الحديث حينما ضربت الأزمة، كما أن أسلوبه في الحكم لم يتبدل تحت الضغط. بما أنه أمضى فترة ولايته الرئاسية في حرب مع الدولة التي يترأسها، فقد عجز عن توظيفها بشكل مؤثر عندما كان الأمر يتطلّب ذلك. وبالنظر إلى أن حظوظه السياسية تكون أفضل بالمصادمة والمشاحنة بدلا من بث روح الوحدة القومية، فقد استخدم الرئيس الأزمة كوسيلة لافتعال المشاجرات وزيادة الشقاق الاجتماعي. إن سوء الأداء الاجتماعي خلال الأزمة له عدة أسباب، لكن أكثرها أهمية كان زعيما قوميا يفشل في القيادة.

 

إن حظي الرئيس بولاية ثانية في نوفمبر/تشرين الثاني، فإن فرص عودة شكل أوسع للديمقراطية أو النظام الليبرالي الدولي ستكون أقل. أيًّا كانت نتيجة الانتخابات، فإن الاستقطاب المشدود عن آخره في الولايات المتحدة سيزداد. ذلك أن عقد انتخابات خلال الجائحة سيكون صعبا، كما أن الأطراف الخاسرة المستاءة ستعمل على التشكيك بشرعيتها. وحتى إن ظفر الديمقراطيون بالبيت الأبيض والكونغرس ومجلس الشيوخ، فإنهم سيرثون بلدا منهارا. فالمطالبات بالتغيير سيقابلها جبال من الديون والمقاومة المتعنّتة من معارضة ملتوية. كما أن المؤسسات القومية والدولية ستكون أضعف ومترنّحة بفعل سنوات من الإساءة، وإعادة بنائها سوف تتطلّب قدرا مماثلا من السنوات، هذا إن كان الأمر ممكنا في المقام الأول.

 

مع عبور الجزء الأكثر إلحاحا ومأساوية، فإن العالم يتجه إلى إجهاد طويل كئيب ستخرج منه في نهاية المطاف بعض الدول بشكل أسرع من غيرها. من المستبعد حدوث تشنجات عالمية عنيفة، كما أن الديمقراطية والرأسمالية والولايات المتحدة قد برهنت مرارا على قدرتها على التغيير والتكيُّف من قبل، لكنها ستحتاج إلى ابتكار أدوات جديدة.

_________________________________________________________

الهوامش

* تركيز السوق: هو مقياس لعدد الشركات في صناعة محددة أو في سوق محدد، بالإضافة إلى الحصص السوقية التي تحتفظ بها كل شركة بشكل تقريبي. ويعطي تركيز السوق فكرة عن توزيع المنتجين في السوق، كما يعطي مقياسا لمقدار التنافس في صناعة معينة مما يساعد بدوره في حساب الأرباح.

** البجعة السوداء: نظرية البجعة السوداء هي نظرية تُشير إلى صعوبة التنبؤ بالأحداث المفاجئة. تقوم هذه النظرية على الفكرة السائدة بأن البجع كله أبيض، أما وجود البجع الأسود فهو نادر ومفاجئ، وكان ذلك قبل أن يُكتشف البجع الأسود في أستراليا الغربية الذي كان حدثا غير متوقع ومفاجئا.


هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

بينما تتصدّر النقاشات حول كيفية القضاء على فيروس كورونا والإستراتيجيات بالدول المختلفة لمجابهة هذا الفيروس، يطرح السؤال: هل يفتح نجاح الصين بمواجهة كارثة كورونا الباب لهيمنة نموذج التحكم البيروقراطي؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة