الوباء في زمن الإنترنت.. هل يحولنا فيروس (كوفيد – 19) إلى "زومبي"؟

اضغط للاستماع

   

"الجحيم هم الآخرون"

  

جملة كتبها جون بول سارتر، المفكر والفيلسوف الفرنسي، في نص مسرحيته "لا مخرج" ذات الفصل الواحد، لكنها اليوم يُعاد استخدامها بشكل معاكس ومناقض لما قصده مؤلفها، حيث تخيل سارتر في مسرحيته الجحيم على هيئة مكان مغلق لا وجود فيه لنار أو وسائل تعذيب أو كتب أو أي وسائل أخرى، فقط لا يوجد سوى مرايا تعكس وجوه ثلاثة أشخاص تختلف شخصياتهم عن بعض، ثم مع مرور الوقت والشعور بالملل، يبدأ كلٌّ منهم في تعذيب الآخر حتى النهاية، حيث يختم سارتر المسرحية بكلمته المشهورة أن هؤلاء الأشخاص هم الجحيم بذاته. 

      

ليس وحده الأدب مَن صوَّر جحيم العذاب النفسي والوصم الذاتي للآخرين، فالأوبئة هي الأخرى أثبتت تشابه البشر، لا في الملامح النفسية والاختيارات الأخلاقية فقط، بل كذلك في تعاملهم مع الأزمات والأوبئة، والتي تتراوح بين النرجسية والهشاشة، ففي كتابه "مفارقة القوة الأميركية" يقول البروفيسور الأميركي جوزيف ناي: "إن أقدم أشكال العولمة البشرية يتمثّل في انتشار الأوبئة مثل "وباء الجدري" في مصر القديمة عام 135 قبل الميلاد، ثم وصول المرض إلى الصين عام 49 للميلاد، ثم إلى أوروبا في العصور الوسطى عام 700 للميلاد، ثم ذهب مع الأوروبيين للأميركيتين عام 1520، ليصل في النهاية إلى أستراليا عام 1789 للميلاد". فعلى حد وصف جوزيف ناي، فالأمراض الوبائية تُعَدُّ دليلا كبيرا على ترابط البشر، وعلى قدر ترابطهم تأتي الشدائد، لكن على عكس ما يصف جوزيف، ومنذ اكتشاف أولى الإصابات بفيروس كورونا، عاشت الإنسانية أياما من الرعب والخوف والهلع، وتحوَّل العالم كما تخيَّل سارتر إلى جحيم تحت وطأة تسارع انتشار الوباء حول العالم.

     

  

فكما يحدث في الأفلام الأميركية حين ينتشر وباء فيتحوَّل البشر إلى "زومبي" كما في فيلم "حرب الزومبي العالمية" (world war z) أو مسلسل "الموتى السائرون" (the walking dead)، يخوض البطل رحلته برفقة شخص آخر، تُظهِر الرحلة مدى روعة أن تكون إنسانا بأخلاق وقيم أثناء الصراع للبقاء أصحاء على قيد الحياة، إلى أن يُصاب واحد منهم فيُقرِّر الآخر أن يقتل رفيقه بيده. تلك المعضلة الأخلاقية يُفسِّر سببها توفيق الحكيم في وصفه: "إن أزمة الإنسانية الآن وفي كل زمان هي أنها تتقدَّم في وسائل قدرتها أسرع مما تتقدَّم في وسائل حكمتها"، فعلى حد وصف الحكيم فإن طبيعة البشرية وغرائزها للبقاء دائما ما تتغلّب على حكمة البشرية وأخلاقها.

  

لكن في ظل وباء فيروس كورونا "covid-19" الضعيف في تأثيره، الكثيف في انتشاره، كما تؤكد منظمة الصحة العالمية، يبقى السؤال الأهم: لماذا يغتال الإنسان رفيقه حتى قبل أن يصيبه الفيروس؟ لماذا يتحول البشر إلى "زومبي" في نظرة الآخرين فتتصاعد نظرة وسلوك الوصم؟ 

  

الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.. حليف أم عدو؟

"إن تنظيم الإغاثة العاجلة للمنطقة المنكوبة هو قضية حياة أو موت؛ فكلما زادت سرعة الاستجابة، أُنقذ المزيد من الأرواح"

(أندريا وليامز)

  

في عام 1928 بمدينة فلوريدا الأميركية، وصلت تحذيرات لمكاتب التلغراف والمحطات الأرضية اللا سلكية من سفن في عرض البحار عن تحرك عاصفة مدمرة تجاه المدينة. بدأت محطات الأرصاد الجوية المحلية الموجودة على جزر المحيط الأطلنطي ترسل تقاريرها قبل أن يدمرها الإعصار في طريقه إلى فلوريدا، فلم تعد دائرة الأرصاد الجوية تتبع مسار العاصفة حين دُمِّرت مرافق الاتصالات في جزيرة بورتوريكو. (1)

   

كانت قلة وعدم دقة المعلومات وصعوبة وصولها سببا رئيسيا لفقدان آلاف الأشخاص لأرواحهم في أعصار أوكي تشوبي
    

تسبَّب عدم القدرة على تتبُّع العاصفة بدقة في زيادة كبيرة في عدد القتلى والجرحى، فعندما لم يظهر الإعصار بعد ساعات من موعد ظهوره المتوقَّع (بناء على التحذيرات القديمة وغير الدقيقة)، ترك الناس الأماكن التي احتموا بها، وعندما ضرب الإعصار بالفعل، كان الكثيرون في مواقع معرَّضة للخطر. راح ضحية ذلك الإعصار أكثر من 2500 شخص، وأكثر من 100 مليون دولار خسائر (تعادل مليار و400 مليون اليوم)، وعلى الرغم من الكوارث التي أحدثها ذلك الإعصار فإنه لم يُلاقِ اهتماما يُذكر في تاريخ الكوارث البشرية، ولم تُدرَس أهمية إتاحة المعلومات والتحذيرات في حالات الكوارث الطبيعية بشكل يناسب أهمية الأمر حسب رأي الكاتب الأميركي أندريا وليامز. (2)

 

علّق أندريا وليامز في كتابه "مقدمة إلى بيئة إعلام جديدة" قائلا: "يجب دراسة مفهوم وسائل الإعلام بين عام ١٩٢٨ والوقت الراهن؛ فمن المسلَّم به بالنسبة إلينا أنه بمجرد اطلاع السلطات على معلومات حيوية، فإن هذه المعلومات ستُنشر بسرعة عبر القنوات الإعلامية المتاحة على نطاق واسع. لكن في عام ١٩٢٨، لم تكن تلك القنوات الموجودة الآن (مثل التلفزيون، والهواتف المحمولة، والإنترنت) متاحة، ولم تكن هنالك قنوات (مثل الهاتف والراديو) متاحة إلا لعدد قليل جدا. كانت التحذيرات من الأعاصير تُرسَل عبر الصحف (ونتيجة لذلك كانت تصل بعد فوات الأوان بساعات أو حتى أيام)، أو عن طريق الهاتف (في إحدى مدن ولاية فلوريدا كان هناك هاتف واحد فقط، وكان على مالكه الذهاب من منزل إلى منزل في محاولة لتحذير جيرانه الأربعمئة) أو عن طريق الإذاعة (والتي كانت متاحة بدورها لنسبة صغيرة فقط من سكان فلوريدا) أو الأعلام التي يُلوِّح بها الأفراد من على قمم المباني العامة. وكان معظم سكان فلوريدا، لا سيما الفقراء منهم الذين يعيشون في المجتمعات الريفية، بعيدين عن نطاق أي قنوات اتصال جماهيرية، وكانوا مضطرين إلى الاعتماد على الشائعات التي تنتقل من أسرة إلى أسرة". (3)

 

كانت قلة وعدم دقة المعلومات وصعوبة وصولها سببا رئيسيا لفقدان آلاف الأشخاص لأرواحهم في أعصار أوكي تشوبي، فالحكومة المحلية توقفت عن العمل بسبب الإعصار، والحكومة المركزية أدركت فداحة الوضع بعد وقت طويل، بالإضافة إلى ذلك لم تلقَ اهتماما شعبيا أو تضامنا مجتمعيا مع ضحايا ذلك الإعصار لعدم إيصال المعلومات لهم. (4)

   

   

بالمنطق نفسه، وجَّهت جريدة واشنطن بوست تساؤلا في افتتاحيتها يوم 20 (فبراير/شباط) بعنوان "ماذا يعرف الرئيس الصيني عن فيروس كورونا ومتى علم به؟"، جاء في المقال نقد لاذع للإدارة الصينية، حيث تقول الصحيفة إن الإدارة الصينية أخفت عن الشعب الصيني المعلومات في الأسابيع الأولى للفيروس، كما أن المسؤولين فشلوا في إطلاق جرس الإنذار لتحذير العالم حتى بالرغم من أنهم علموا أن شيئا ما مقبل. استمر النقد الآتي من الولايات المتحدة، فخرج وزير الخارجية الأميركية بومبيو لينتقد كلًّا من الصين وإيران لاستمرارهما في إخفاء المعلومات الحقيقية عن تفشي الفيروس. 

   

الحال لم يكن أفضل في دولنا العربية، حيث أوقفت أغلب الدول العربية رحلاتها وأقفلت حدودها في وجه مواطني الدول العربية الأخرى، كان لدولة مصر نصيب الأسد في تلك الحالة، فظهرت روايات تُشكِّك في مصداقية النظام المصري بعد اكتشاف حالات مصابة لجنسيات قادمة من فرنسا وكندا والولايات المتحدة وتايوان فور عودتها لبلادها قادمة من مصر. وبعد نفي وتكذيب وتهوين من حجم الوباء ثلاثة أشهر، ثم اكتشاف وتصديق، بدأت تظهر حالات بشكل متزايد في مصر كما الحال في باقي الدول العربية.

   

وفي حين كانت دول كإيران تحاول أن تتكتّم على الحالات لديها، كانت الأخبار تنتشر في الفضاء الإلكتروني وتصل إلى كل شخص يهمه الأمر حول العالم، الأمر الذي وضع الأنظمة في وضع محرج أمام شعوبها، كما حدث لنائب وزير الصحة الإيراني الراحل، حين كان يُصرِّح بأن الأعداد في دولته لم تتجاوز المئة، في الوقت ذاته الذي كان يُجفِّف عرقه المتصبب بسبب الكورونا، ثم أظهرت صور للأقمار الصناعية حسب تحقيق نُشِر في صحيفة "الغارديان" يؤكد حفر النظام الإيراني قبورا جماعية لدفن موتى الفيروس، كما يصف كاتب التقرير جوليان بوجير أن "القبور الجماعية في مدينة قُم التي تُظهِرها صور الأقمار الصناعية تشي بأن الوضع بشأن تفشي وباء كورونا في إيران أخطر بكثير مما تعترف به الحكومة".

      

  

في ظل الخوف المتصاعد بين جميع البشر، انقسم سكان الدول العربية حول مدى مصداقية أنظمتهم ومدى استعداد دولهم لمواجهة خطر الفيروس، فأصبحت منصات التواصل الاجتماعي مساحات مفتوحة للنقاش والمواجهة بين طرفين، الأول يؤمن بمصداقية الدولة في تصريحاتها، والآخر يؤمن بالعكس في ضعف قدرة الأنظمة العربية على مجابهة مثل ذلك الوباء.

    

تحوَّل خطاب الإعلام المصري إلى الاعتراف بوجود حالات بعد أن بدأت دول عربية وغربية بمنع السفر من وإلى مصر خوفا من الوضع الصحي فيها، كما حدث مع دولة الكويت التي أوقفت رحلاتها مع مصر، على الرغم من أن الإصابات كانت تأتيها من رحلاتها من إيران، بينما لم تظهر أي حالات مصرية. كل تلك القرارات كانت تُشعِل مواقع التواصل الاجتماعي بين الجميع، وأصبح الوضع أخطر من مجرد الإصابة بكورونا، ففي ظل غياب الإعلام الرسمي تحوَّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى إعلام بديل لا يمكن التأكد من صحة المعلومات المتداولة به، لكنها قد تصبح كافية للهلع والخوف.

   

في عام 2005 ضرب إعصار كاترينا المدمر ولاية فلوريدا، وعلى الرغم من أن قوته التدميرية كانت أكبر من إعصار 1928، فإن عدد ضحايا كاترينا لم يتخطَ الألفين. قبل أن يضرب إعصار كاترينا فلوريدا كانت تتبَّع الأقمار الصناعية وطائرات البحث الإعصار، وكانت تتواصل باستمرار مع دائرة الأرصاد الجوية الأميركية التي نقلت على الفور المعلومات إلى الجمهور عن طريق الإذاعة والتلفزيون والإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال. كانت التحديثات حول وجهة العاصفة وشدتها متواصلة، بل تكاد تكون فورية، وكان من السهل إرسال التوجيهات بشأن التحضير للعاصفة -أوامر الإخلاء- من قِبل السلطات إلى المواطنين القلقين الذي يعيشون في المناطق التي سيضربها الإعصار. (5)

 

السبب الرئيسي في تجنُّب وقوع ضحايا أكثر هو ذاته الذي جعل المواطن العربي الموجود في أرض بعيدة عن الأراضي الأميركية يعرف عن إعصار كاترينا قدر معرفة المواطن الأميركي -إن لم يكن أكثر-، في حين إن إعصار 1928 لم يُلاقِ اهتماما بالقدر نفسه، والسبب هو تحول إعصار كاترينا إلى حدث إعلامي، حيث يتم إعلام الناس بالمعلومات المهمة والأساسية في مواجهة الخطر، وهذا هو الخطأ الذي وقعت فيه الصين وإيران وغيرهما من الدول العربية.

 

سلاح في يديك قد يقتلك..

"الحقيقة، الخوف على البلد ليس من فيروس كورونا، الخوف الأكيد من الفيروس الذي يُصيب الأخلاق والقيم، لأنه أكثر تدميرا، ليس لأفراد، بل لدول وشعوب بأكملها"

 هالة زايد، وزيرة الصحة المصرية

     

  

في يوم الجمعة السابع من فبراير/شباط، أعلنت وسائل الإعلام الصينية خبر وفاة الطبيب الصيني "لي ليونغ" بعد تكذيب مستشفى ووهان للخبر في البداية ثم تأكيد الخبر بعد ذلك. كان لي ليونغ على حد وصف تقرير صحيفة النيويورك تايمز واحدا من الأطباء القلائل الذين حذّروا من خطر فيروس كورونا قبل تفشيه، لكن السلطات الأمنية الصينية هدّدته وأجبرته على الصمت. فخلق موت لوينغ حالة استثنائية بين ملايين الصينيين، الذين لأول مرة يُوجِّهون أصابع النقد للنظام الصيني والحزب الشيوعي في التسبُّب في تلك الأزمة المدمرة، ويُطالبون بمساحة أوسع من الحرية. (6)

     

قصة الطبيب الصيني لي يونغ وتفاعل الصينيين معه يُحاكي ما قاله أندريا ويليامز: "على الرغم من أهمية وسائل الإعلام، فإنه من المهم أن ندرك أنها ليست كل ما يُهم. وإن تركيزنا على قضايا الطبقية وعدم المساواة والحريات يُذكِّرنا بأن بعض المشكلات والقضايا الاجتماعية لا تزال مستمرة، على الرغم من التغييرات الجذرية في وسائل الإعلام التي أصبحت جزءا من حياتنا جميعا". ينطبق وصف الكاتب الأميركي ويليامز كثيرا على بعض الأنظمة الموجودة في وطننا العربي، من بينها إن لم يكن أكثرها تشابها هي الحالة المصرية. (7)

     

يستقي الإعلام المصري المملوك للنظام أو التابع له معلوماته من الجهات الأمنية مباشرة منذ اللحظات الأولى عقب تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم، حيث أنشأ النظام أذرعته الإعلامية وقام بتولية مهامها مباشرة لرجاله الأوفياء في جهاز الأمن الوطني، كما في الأنظمة الشمولية والعسكرية والديكتاتورية حيث لا يوجد سوى صوت واحد هو صوت النظام، حتى ظهر فيروس كورونا (كوفيد-19) في نهاية ديسمبر/كانون الأول بمدينة ووهان بالصين، ليضع أنظمة الدول وجها لوجه بشعوبها. (8)

    

حيث تُوضِّح تغريدة وزيرة الصحة المصرية ضيقها بمدى انتشار الأسئلة المحيرة والاتهامات الموجهة للنظام ولها بشكل محدد، بسبب ضبابية المشهد وغياب المعلومات، ففي حين كان العالم يستيقظ على تزايد رهيب في أعداد المصابين في الدول كافة، صرّحت وزيرة الصحة أن مصر بخير وأنها خالية تماما من الفيروس، لكن الدولة مستعدة للتعامل معه بشكل قوي.

     

   

تلك التصريحات تلقاها الإعلام المصري وأعاد إنتاجها باستمرار، حتى أقسم أحدهم بأغلظ الأيمان والكتب السماوية أن مصر محمية من الله، وأن الإشاعات التي تنتج في وسائل التواصل الاجتماعي ستظل هنالك لأنها لن تستطيع أن تضر مصر، وأفرد الإعلام لفترة طويلة مساحات واسعة لاستضافة أطباء وشيوخ وقساوسة وإعلاميين مهمتهم الأولى طمأنة المشاهدين، وفي ظل استمرار ترديد تلك الطمأنينة الخادعة، وأن مصر ليست كباقي الدول وشعبها ليس كشعوبهم، استيقظ الإعلام على تعليمات جديدة مفادها أن كورونا قد وصل مصر. 

   

وجد المصريون أنفسهم أمام تناقض قاسٍ جدا، حيث استمر الإعلام المصري في تهوين الكارثة، وعدم وضعها في حجمها الطبيعي جعل الشعب يستمر في استخفافه بالفيروس، بل ويهتمون أكثر بالعاصفة الممطرة التي ضربت البلاد، لكن في ظل الأخبار المتزايدة والمستمرة عن تزايد أعداد المصابين كل يوم، وتصنيف منظمة الصحة للفيروس كوباء عالمي، كل ذلك جعل الشعب يبحث عن الحقائق، حتى وإن كانت ناقصة فهي أفضل من لا شيء، هنا برزت وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي لتلقي المعرفة. تُظهِر نتائج بحث المصريين من خلال مؤشرات غوغل أن بحثهم عن مواضيع تتعلق بفيروس كورونا احتل أكثر من 90% من بحثهم منذ 15 مارس/آذار، ثم بدأت في التضاعف في 16 و17 مارس/آذار لتصبح كلمة "فيروس كورونا" أكثر كلمات البحث استخداما.

     

بدأت تظهر نتيجة للتناقض والتضارب بين الخطاب الإعلامي الرسمي وما يجده المصريون على صفحات التواصل الاجتماعي من أخبار وتحليلات وإشاعات، جعلت وسائل التواصل الاجتماعي تسبق الإعلام الحكومي، فتتصدر وسائل التواصل الاجتماعي المشهد، كمصدر أول للحصول على المعلومة حتى وإن كانت مجرد إشاعة. فظهرت قوة تلك الإشاعات في مناسبتين، الأولى كانت تتحدث عن تطبيق الدولة لحظر التجول، بعد أن بدأت تنفد موارد الغذاء، تلك الإشاعة تسبّبت في مشاهد تكدس المواطنين وخلو المتاجر من البضائع، المشهد الذي أكّد بدوره صدق الإشاعة وضاعف مشاهد عمليات الشراء، مما جعل رئيس الوزراء المصري يخرج ليطمئن المواطنين قائلا: "لا داعي للتكالب، لدينا رصيد كبير من الطعام يكفي لعدة شهور"، لكن استمر المصريون في التكالب مدفوعين بالهلع والخوف. 

   

الإشاعة الأخرى كانت عن عمليات يقوم بها الجيش ليلا عن طريق المروحيات لرش مبيدات للقضاء على الفيروس، وصلت قوة ترديد تلك الإشاعة إلى أن خرج المتحدث العسكري لينفي تلك الشائعات، موضحا أن صفحته هي مصدر المعلومات الوحيد عن الجيش. في ظل استمرار الشائعات بعد أن فشلت كل محاولات الإعلام المصري لتهدئة وطمأنة المواطنين، تحوَّل إعلام الدولة إلى سلاح معطل لحساب وسائل التواصل الاجتماعي، بل ويضر بالنظام أكثر مما يفيده. 

   

   

كيف يُحوِّل الخوف البشر إلى مسوخ؟

"قوة الذئب من قوة القطيع"

جوزيف كبلنج

   

في عام 1894، نشر الكاتب والشاعر الإنجليزي روديارد كبلينغ كتابه الأهم "كتاب الأدغال"، والذي يحكي فيه مجموعة من القصص عن الأدغال، يقول في إحدى القصص التي اختار لها عنوان "قانون الذئاب" إن قوة الذئب هي من قوة القطيع، ما يشبه كثيرا مبدأ الأميركي ألكسندر هاملتون في كتاب "الأوراق الفدرالية" "بأن قوة رئيس الدولة والنظام من قوة الشعب"، فمبدأ التكامل والتعاون والترابط والعاطفية هي بالأساس صفات وعوامل مهمة من أجل بقاء المجتمع في قوة سواء كان إنسانيا أو حيوانيا. لكن هل تصمد تلك الصفات في الظروف الصعبة؟ للإجابة عن ذلك السؤال قد نحتاج إلى عقد مقارنة بين المجتمعين الإنساني والحيواني في ظل الظروف الصعبة لنختبر مدى قوة ترابطها. (8)

   

في إحدى محاضرات عالم الأحياء الهولندي الأميركي الدكتور فرانسيس دي ويل، تحدث عن المجتمع الحيواني وعن أهمية قيم مثل التعاون والتعاطف بين الحيوانات وبعضها، واستشهد بتجربة علمية قام بها مركز يوركس للأبحاث في عام 1937 لاثنين من حيوان الشمبانزي، حيث قاموا بإطعام أحدهما وتركوا الآخر، ثم حبسوهما ووضعوا طرفي حبلين داخل القفص، وفي نهاية الحبلين وضعوا صندوقا مليئا بالطعام لكنه ثقيل بحيث لا يمكن لشمبانزي واحد أن يجذب الحبل بمفرده، ثم بدؤوا في تدوين ملاحظاتهم؛ بدأ الشمبانزي الذي أطعموه في الإمساك بالحبل مع الشمبانزي الجائع بعد أن بدأ الثاني في القيام بحركات تعني طلب المساعدة، استمر الاثنان في جذب الحبل معا حتى نجحا، ثم بدأ الشمبانزي الجائع في تناول الطعام. (9)

     

  

فإن كان وصف جوزيف كبلنج لقانون الغابة ينبع من مبدأ أن قوة الذئب من قوة القطيع، أي إن التعاون والمشاركة بين الذئاب هي سر قوتهم، ما أكّده فرانسيس دي ويل في محاضرته، فمن ذلك المنطلق يمكن مقارنة قوة المجتمع الإنساني أثناء الأزمات والصعاب بالمجتمع الحيواني. 

   

في كتابه "الأوبئة والتاريخ: المرض والقوة والإمبريالية" للكاتب شيلدون واتس، يتغول شيلدون في تاريخ البشرية وكيف تتأثر علاقة البشر ببعضهم بسبب الخوف والجهل بالأوبئة التي كان من أخطرها وباء الطاعون. ففي صيف عام 1347، بدأت الفئران والبراغيث المصابة بالطاعون تنشر مرض الطاعون في أنحاء إيطاليا كافة، ثم في الدول الواقعة على جانبَيْ البحر المتوسط، وبانقضاء عام 1348 كان الطاعون قد انتشر في أرجاء الأرض، وفي خلال خمس سنوات فقط قضى الطاعون على أكثر من 24 مليون إنسان، بالإضافة إلى قتله لملايين الأطفال الصغار والنساء الحوامل، لم يميز الطاعون بين الأفراد والأشخاص ذوي المراتب العليا وغيرهم، إن كانوا موجودين في المكان الخطأ والوقت الخطأ يسقطون صرعى مثلهم مثل الجائعين من المشردين والفلاحين، وليس هنالك طريقة للتحايل والمقاومة، فهؤلاء الذين يتعافون قد يموتون في السنة القادمة. (10)

   

يصف المؤرخ الإيطالي "أنجيلو دي تورا" الحياة وقت انتشار الموت الطاعون قائلا: "بدأ الموت الأسود في سيينا في مايو/أيار 1348، كان شيئا قاسيا وفظيعا… يبدو أن الجميع تقريبا أصبحوا أغبياء عند رؤية الألم. من المستحيل للسان الإنسان أن يروي الحقيقة المروعة، ففي الواقع، الشخص الذي لم يتمكّن من رؤية مثل هذه الفظائع هو إنسان مبارك. فالضحايا كانت على الفور تقريبا، وكانوا ينتفخون من تحت الإبطين إلى الفخذ، ويسقطون أثناء الحديث. كان يتخلى الأب عن الطفل، والزوجة عن الزوج، والأخ عن أخيه، ويبدو أن هذا المرض يضرب من خلال التنفس فيموتون على الفور، وأفراد الأسر تدفن موتاهم في خندق قدر استطاعتهم، بدون كاهن، بدون مكاتب إلهية. حتى أنا أنجيلو دي تورا، دفنت أبنائي الخمسة بيدي… كما مات الكثيرون وهم يعتقدون جميعا بأنها كانت نهاية العالم".

    

  

لجأ الأوروبيون إلى رجال الدين المسيحي لرفع بلاء الموت الأسود عنهم، فكان أول رد فعل من رجال الدين القول "إن سبب انتشار الموت الأسود هو غضب الرب منهم فأرسل عليهم اللعنة"، ورفع البلاء يتطلب استئصال غير المؤمنين من الأرض، فبدأت حملات عنيفة لإبادة جماعية لليهود في جميع أنحاء أوروبا. بدأت أولى المجازر في أبريل/نيسان 1348 في مدينة تولون الفرنسية حيث فُصِلَ الحي اليهودي، وقُتِل أربعون يهوديا في منازلهم، وفي عام 1349 كانت ذروة انتشار المذابح الجماعية، فبداية من مذبحة برشلونة ثم مذبحة إرفورت، ومذبحة بازل حتى 14 فبراير/شباط 1349 حين قام سكان مدينة ستراسبورغ بحرق 2000 يهودي أحياء في مذبحة سميت بـ "عيد الحب"، الغريب هنا أنه لم يكن هنالك دافع لسكان ستراسبورغ لحرق الضحايا، فالطاعون لم يكن قد وصل للمدينة حتى تلك اللحظة. (11)

  

تكشف لنا مجزرة ستراسبورغ عما يخفيه الإنسان من شروره، فعلى الرغم من أن البابا كليمنت السادس أصدر خطابات بباوية عام 1348 يقول فيها: "لا يمكن أن يكون صحيحا أن اليهود هم سبب الطاعون، لأنه أصاب أجزاء كثيرة من العالم، ويصيب اليهود أنفسهم والعديد من الأجناس الأخرى التي لم تعش إلى جانبهم أبدا، وأن أولئك الذين ألقوا بلائمة الطاعون على اليهود قد "تم إغراؤهم" من الشيطان". (12)

   

   

كشف وباء الطاعون حقيقة أن خوف البشر وجهلهم أخطر من الأوبئة، ظهر الآن وباء كورونا ليكشف لنا مرة أخرى مدى خوف البشر وجهلهم حتى بالرغم من تطوّرهم، فمنذ الأيام الأولى لاكتشاف فيروس كورونا في الصين، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لأفراد مصابين بفيروس كورونا يتعمدون البصق في الأماكن المعرضة لاستخدام الآخرين، كمقابض الأبواب وأزرار المصعد في الصين وبعض الدول الأوروبية. تواكبت تلك السلوكيات مع ظهور موجة عالمية لوصم الصينيين والمعاملة غير الإنسانية لكل فرد يمتلك ملامح آسيوية، كما في حالة الشاب الصيني الذي يُعرِّف نفسه باسم أمير يدرس في جامعة لبنانية عما وصل إليه الحال من مضايقات الناس، ذلك التنمر والتعامل غير الأخلاقي الذي عزّز وجوده فيروس كورونا لم يتوقف فقط على الآسيويين والصينيين تحديدا، بل انتقل من مكان إلى آخر أسرع من انتشار كورونا ذاتها.

    

   

كما ظهرت على صفحات التواصل الاجتماعي موجات من الوصم والسخرية القاسية بين البلاد العربية وبعضها، وتهيج مع كل خبر إيقاف رحلات أو غلق الحدود بين دولة عربية وأخرى فتشتعل التعليقات بإلقاء التهم، فعلى سبيل المثال أعلنت وزارة الصحة السعودية عبر حسابها في تويتر عن إصابة 11 مصريا داخل أراضيها، لم يجلبوا الفيروس من مصر لكنهم أُصيبوا أثناء وجودهم هنالك، لكن كانت حالة الخوف والهلع قد سيطرت على الجميع، فلم تعد هنالك حاجة إلى التفكير.

    

  

ما أصاب البشرية اليوم لم يكن الفيروس، كان فقط مجرد محفز لا أكثر، أما البشر فلا يختلفون عن شخصية فرانكشتاين التي ابتكرتها الأديبة الإنجليزية ماري شيلي، التي تحكي عن قصة الدكتور فيكتور فرانكنشتاين الذي كوّن مخلوقا ضخما بمنظر بشع، صرخ وهرب منه بعد أن دبّت فيه الروح. فالبشر كما فيكتور فرانكشتاين صنعوا مخلوقهم الشرير بأيديهم وتطورهم ونرجسيتهم، لكن حين يظهر ذلك المخلوق يُسارعون إلى التبرؤ منه، وكأنما انتبهت ماري لتلك المحاولات فاختارت للمخلوق أن يحمل اسم صانعه أيضا، فرانكشتاين. (13) 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة