المصابون بكورونا المستجد لا يعانون المرض فحسب.. لديهم مأساة "الوصم" أيضا

اضغط للاستماع

  

بعينين دامعتين وغصة في الحلق كانت هيام. س، اسم مُستعار، الطبيبة الثلاثينية المصرية، تُتابع هذا الخبر الذي انتشر على جميع صفحات زملائها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، تعرف عن نفسها التماسك، ويعرف جميع المُقربين عنها ذاك، تبدو لأعين المُحيطين المُقربين جامدة أمام كثير من المواقف الشخصية والعائلية التي قد تدفع آخرين للانهيار، لكنها وجدت أن رد فعلها تجاه ما تقرأ هو عينان دامعتان ويدان مُرتجفتان، أما عن الحادث الذي أثار فزع الطبيبة الشابة فستجده خلال السطور التالية:

   

نعش حائر ذهابا وإيابا لا يجد وسيلة لاستقراره، حيثما توجّه وجد حاملوه تجمهرا يرفض استقبال النعش أو دفن صاحبه، النعش يستقر به جثمان طبيبة مصرية، غير مُمارسة، توفت بعد أن أُصيبت بفيروس كورونا المُستجد، فعقب إعلان وفاة الطبيبة الستينية في مستشفى العزل بالإسماعيلية ووصلت أنباء عن تجهيز المقابر لاستقبال الجثمان، تجمهر أهالي قرية "شبرا البهو" التابعة لمركز أجا، محافظة الدقهلية بمصر، حيث مقابر عائلة زوج الطبيبة، أمام مقابر القرية لمنع دفنها في مقابر قريتهم، خوفا من انتشار الفيروس لديهم، وعندما وصلت الإسعاف بالجثمان تجمهروا أمام السيارة ورفضوا دخولها للمقابر.(1)

    

حاولت قوات الأمن وأسرة الطبيبة التفاوض مع أهالي القرية لدفنها في المقبرة المخصصة لها، لكن الأهالي لا يرضخون للتفاوض ولا يقبلونه، وينتهي الأمر بقيام الشرطة بإطلاق قنابل الغاز المُسيلة للدموع لتفريق تجمهر الأهالي والتمكن من دفن الجثمان.(2)

   

  

لم يكن هناك قلق طبي أو صحي يُذكر من الجثمان، فقد كُفِّن بطريقة شرعية، ووُضِع في كفن مُكوّن من ثلاث طبقات، طبقتين من القماش الأبيض والثالثة من الجلد لدفنه بالطريقة الشرعية، كما أنه وصل إلى المقابر في سيارة إسعاف مُعقمة، لكن الأهالي لم يُلقوا بالا لكل هذا، ولم يهتموا بأن تجمهرهم في ذاته قادر على إصابة بعضهم بالعدوى.

  

على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك يؤكد الدكتور محمد علام، نائب مدير مستشفى النجيلة المركزى بمحافظة مطروح بمصر، أنه لا يوجد أي خطورة من جثمان المتوفّى بعد اتباع الإجراءات العلمية في غُسله وتكفينه ووضعه داخل أكياس الموتى، ثانيا، ليس لدى أحد أي حق في منع أي شخص من دفن أحد أقاربه في المدفن المخصص له لأنه ملكه طالما لا توجد خطورة عليك. إذا كنت خائفا فالزم بيتك، واسأل أهل العلم، لكن إكرام الميت دفنه، والتجمع والتجمهر هو الذي يزيد فرص العدوى.(3)

      

    

إحباط وقلق في رُدهات المُستشفيات

وجدت هيام نفسها بعد قراءة تفاصيل ما حدث تدخل دائرة لا مُتناهية من أفكار ومشاهد لا ترحم، تذكّرت نفسها وهي تغسل يديها وتُعقّم ملابسها بالكامل وبشكل مُبالغ فيه قبل أن تدخل البيت حيث أمها وجدّتها كبار السن، وطفلاها اللذان لم يتجاوز عُمر أكبرهما الرابعة بعد، تذكّرت جارتها التي تخشى مُجرد لقائها وتدخل بأطفالها سريعا لشقتها إذا سمعت صوتها على السلم، تذكرت كل مشاعر القلق التي تنتابها بشكل يومي عمّا قد يحمله الغد، لكنّ الحادث رسم أمامها هاجسا جديدا لم يكن قد مرّ ببالها من قبل، هل من الممكن أن يد العون التي تمدها يوميا للآخرين بحكم عملها تتسبّب في حدوث فجيعة لأهلها مُشابهة لما تقرأ؟ هل من الممكن أن يكون مصيرها أو مصير أحد زملائها كمصير جثمان الطبيبة الستينية المُستقر بالنعش الحائر!

  

تعرف الطبيبة الشابة أن هذه ليست أفكارها وحدها، هي تسمع مئات التساؤلات بشكل يومي من عشرات الأطباء من زملائها في ردهات وبين حجرات المستشفى الحكومي الذي تعمل به، فبعد أن أصبحوا "الجيش الأبيض" يتذكرون الآن بسخرية ومرارة ما كانوا يتعرضون له في السابق من إهانات كانت قد تصل إلى حد التطاول بالأيدي أثناء ممارسة عملهم في استقبال المستشفيات الحكومية، لكن ماذا عمّا يحمله الغد؟

  

تقول هيام لـ "ميدان": "يقولون إن الطبيبة التي رفضوا دفنها لم تكن مُمارسة، ولم تُصب بالفيروس أثناء مُعالجة الآخرين، لكن هل هذا يُغيّر من الأمر شيئا؟! الأهالي فعلوا كل هذا لمُجرد علمهم أن طبيبة مُصابة توفيت وفي الطريق للدفن بمقابر عائلة زوجها، هل كانوا سيسلكون سلوكا مُختلفا لو عرفوا أنها كانت طبيبة مُمارسة؟! الوصم يطول الجميع، والعداء تجاه ضحايا الفيروس المتوفين لن يُفرّق بين طبيب ممارس أو غيره، الفارق أننا على خط النار حرفيا بشكل يومي، ونسبة إصابتنا أعلى بكثير من غيرنا، وهو ما يجعل من حقنا تماما القلق بشأن ما قد يفعلونه بنا بعد وفاتنا".

      

  

لم تكن هذه الواقعة هي الأولى من نوعها في رفض المصريين لدفن المتوفين بسبب فيروس كورونا المستجد (Covid-19) في مقابرهم، ففي إحدى قرى مركز كفر الدوار رفض الأهالي دفن جُثمان إحدى ضحايا الفيروس في مقابر عائلته، فقد تسبّب الخوف في اعتراض عدد من أهالي القرية على دفن المتوفّى في مقابر أسرته، وأبلغ أهل المتوفّى الشرطة، وحضرت 5 سيارات أمن مركزي حتى يتسنّى للأسرة دفن فقيدها.(4)

    

في المستشفى الذي تعمل به هيام، تدخل عليها الحجرة ممرضة ثلاثينية شابة، لم تتزوج وليس لديها إخوة وتوفي أبوها منذ عدّة أعوام، تعيش مع والدتها المُسنة في بيت صغير يكفيهما، بوجه مصفر وعيون زائغة، سألت المُمرضة الشابة هيام: "ماذا ستفعل بي أمي لو مُت ورفض الأهالي أن يدفنوني بمقابرنا؟ ألا يكفيني القلق اليومي عليها الذي ينتابني وأنا عائدة إليها لا أعرف إذا كنت مُصابة وأحمل لها العدوى أم لا؟ وليس لدي ترف المكوث بعيدا عنها لأن ليس لها غيري".

  

يحاول طبيب شاب زميلهما أن يُهدِّئ من روعهما، فيقص لهم ساخرا أنه يُحاول أن يُخفي هويته ولا يُظهر كونه طبيبا قدر المُستطاع لأن الناس تخاف التعامل معه وكأنه هو الفيروس شخصيا!

  

ويُعلّق على هذا محمد. ع، اسم مُستعار، طبيب شاب بأحد مُستشفيات الحُميات، لـ "ميدان": "نُصبِّر أنفسنا أنا وزملائي بشكل يومي لكثرة المواقف السلبية التي نتعرض لها، والتي ليس أقلّها أن سائق سيارة أجرة طرد زميلتنا من السيارة حينما علم أنها طبيبة واتهمها بأنها ستحمل له العدوى، نقول لبعضنا إن الناس بُسطاء ليس لديهم وعي ولا علم كافٍ، والأمر جديد عليهم كلية، والخوف قاسٍ لا يجعل أعتى الحكماء يستطيع أن يُحكّم عقله، لكننا نحتاج إلى أن نُرحَم كما نحاول أن نَرحم، نحتاج إلى أن تكف وسائل الإعلام عن الغناء والمديح لنا وأن تبدأ في ممارسة عملها وتوعي الناس بحملات مُكثفة لرفع وعيهم في التعامل مع الوباء ومعنا ومع بعضهم بعضا".

    

    

حالة استياء عارمة

"لو هتخاف من طبيب يندفن عشان هيعديك، وده احتمال مش وارد خالص، يبقى من حقه ميكشفش عليك عشان هتعديه، وده احتمال وارد جدا".

  

الكلمات السابقة مثّلت إحدى أكثر المُشاركات انتشارا على الصفحات الشخصية للأطباء وغيرهم على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بعد ما حدث من رفض دفن الطبيبة. أثارت الحادثة ردود فعل غاضبة واستياء عارما لدى مُستخدمي موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إلى الحد الذي جعل البعض يُطالب بإصدار قرار عاجل من النائب العام بإحالة كل مَن يعترض إجراءات دفن مريض كورونا إلى محاكمة عاجلة، وغرامة بمبلغ مالي كبير لكل مَن يعتدي بالقول أو الفعل على أي طبيب أو فرد من أفراد الخدمة الطبية والحبس في حالة تكرار الفعل، حتى تتوقف مشاهد الإهانة.

    

  

وعبّر آخر عن أن أداء سكان القرى والأرياف المصرية يتسم بدرجة كبيرة من انخفاض الوعي، بدءا من السخرية ممن يتخذ الاحتياطات الاحترازية وصولا إلى التجمهر لمنع دفن ضحايا الفيروس، بينما أرجع آخر هذه التصرفات إلى انتشار قلة الوعي والجهل الذي يورث الغلظة والقسوة وله القدرة على أن يمحو الصفات الإنسانية الفطرية الإيجابية.

     

"الأمر لا يحتاج إلى كلمات كبيرة عن الإنسانية والشفقة والمروءة واتباع السنة وكل هذه القيم التي يصبح مجرد ذكرها نوعا من الهراء في مواقف كهذه.. لكن ماذا عن الفطرة السليمة! التعاطف السوي!.. الخوف الفطري من تكرار المشهد في أحد الأقرباء؟!"، هكذا عبّرت طبيبة شابة عن صدمتها على صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

    

بينما كتبت طبيبة شابة أخرى مُعبّرة عن استنكارها لما حدث على صفحتها الشخصية أيضا قائلة: "النهاردة بجد أول مرة ألاقي كمية غضب وشتايم من الدكاترة كده، أول مرة أشوف زمايلي دكاترة الحميات والصدر مخنوقين بالمنظر ده، رغم إن الشغل في ظروف صعبة أقرب للاستشهاد، من أول أزمة الكورونا، بس كانت معنوياتهم مرتفعة. أول مرة أحسهم كارهين شغلهم وكارهين الوضع، ما يحدث الآن عواقبه وخيمة جدا، لازم الدولة تاخد إجراءات مشددة و حاسمة، لازم يبقي فيه ردع و عقاب بالسجن أو بدفع غرامة مالية كبيرة".

    

    

اتهام الموتى بنشر المرض ليس جديدا

خلال القرن التاسع عشر ضربت موجات من الرعب والهستيريا والخوف المرضي من مصاصي الدماء سكان نيو إنجلاند، وكان ذلك بسبب انتشار السل الذي أودى بحياة أُسر بأكملها في ولاية رود آيلاند وكونيتيكت وفيرمونت وأجزاء أخرى من شمال شرق البلاد. بين عام 1786، عندما بدأ المسؤولون عن الصحة في تسجيل معدلات الوفيات، وعام 1800، تسبّب المرض في وفاة 2% من سكان نيو إنجلاند، لم تكن حصيلة القتلى مرعبة فحسب، بل كانت أيضا الإصابة بالمرض وسيلة مروعة للموت.

  

يقول نيكولاس بيلانتوني، عالم الآثار المتقاعد في ولاية كونيتيكت: "المصابون بمرض السل فقدوا أوزانهم، وكانوا يُعانون من سعال الدم، وكانت جلودهم تتساقط ويموتون ببطء، كما لو كان هناك شيء ما يمتص منهم الحياة". كان هذا قبل معرفة الجراثيم، في وقت لم يكن الأطباء فيه قادرين على شرح كيفية انتشار بعض الأمراض المُعدية، فاعتقد القرويون اليائسون أن بعض أولئك الذين قضوا نحبهم بسبب مرض السل كانوا يخدعون أفراد أُسرهم الأحياء ويخفون حقيقة أنهم من مصاصي الدماء.(5)

  

وفي 19 مارس/آذار 1892، نشرت الصحيفة المسائية هيرالد شيناندواه بولاية بنسلفانيا قصة تصف ما أسمته بـ "الخرافة الرهيبة"، وهي قصة شاب يُدعى إدوين براون يعيش في ولاية رود آيلاند، وقد كان يُعاني من المرض لبعض الوقت، توفيت والدته وشقيقته الكبرى بسبب المرض نفسه، والمعروف الآن باسم مرض السل، سافر إدوين في رحلة استشفائية لكن صحته لم تتحسّن، وبينما كان بعيدا، أُصيبت شقيقته ميرسي أيضا بالمرض وسرعان ما توفيت. عندما عاد إدوين إلى المنزل بعد وفاة ميرسي، تدهورت صحته، وسيطر على والده اليائس اعتقاد قومي قديم، وهو عندما يُصاب أفراد من العائلة نفسها بمرض شديد يؤدي إلى الوفاة، فيمكن أن يكون ذلك بسبب أن أحد المتوفين كان يستنزف قوة الحياة من أقاربه الأحياء.

   

في وجود طبيب وبعض الجيران، قام الوالد اليائس باستخراج جثث كل فرد من أفراد الأسرة المتوفين بسبب المرض، وجد هياكل عظمية في قبور زوجته وابنته الكبرى، وعندما استُخرِجت جثة ميرسي كانت المُفاجأة؛ المُفاجأة كانت أن جسم "ميرسي" حُوفِظ عليه بشكل غريب، فعلى الرغم من وفاتها منذ عدّة أشهر، فقد بدا وكأن شعرها وأظافرها قد نَمَوَا، وعندما ثُقِبت، كانت بشرتها الحساسة لا تزال تحتوي على قطرات من الدم، وقد أكّدت هذه العلامات البارزة شكوك القرويين.

  

      

شاهد طبيب من القرية تشريح الجثة، وأوضح كيف أن الطقس البارد في نيو إنجلاند يُمكنه أن يُبقي جسدها محفوظا، وأن الأمر ليس علامة على وجود شيء خارق للطبيعة، لكنّ سكان المدينة المذعورين لم يستمعوا، وأزالوا قلب ميرسي وأحرقوه على صخرة قريبة، لكن عملية استخراج الجثث والحرق لم تفعل شيئا لمرض إدوين براون، فاستمر المرض وتوفي بعد شهرين.

    

ربطت الصحف بين هذه الطقوس الشعبية وأساطير مصاصي الدماء، وخاصة تلك الموجودة في أوروبا الشرقية، طُبعت قصص مصاصي الدماء في جميع أنحاء البلاد على الصفحات الأولى من صُحف نيو إنجلاند في القرن التاسع عشر، ووصفت طقوسا مماثلة في مواقع بعيدة، فقد كان الناس في المناطق النائية من أوروبا، مثل سكان نيو إنجلاند، يستخرجون الجثث عند انتشار مرض ما ويحرقونها.(6)

     

الاضطهاد والوصم ليس على الأموات فقط، بل على الأحياء أيضا

  

"إحنا عارفين إنتِ مين كويس.. عرفنا عنكِ كل حاجة.. كنتِ فاكرة إننا مش هنعرف؟ّ!"، بصوت مرتفع ولهجة عدائية اجتمع بعض الأهالي تحت شرفة طبيبة مصرية مُردّدين الكلمات السابقة، في البدء لم تتخيل الطبيبة الشابة دينا مجدي، طبيبة أمراض جلدية، بمستشفى حميات الإسماعيلية، أنها هي المقصودة، رددت لنفسها أنه حتما هناك خطأ ما، لكنها بعد أن أطلّت من شرفة مسكنها لتستكشف ما الأمر وجدت أنها هي المقصودة تماما، هكذا روت عبر مقطع فيديو بثته على صفحتها الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

  

وأضافت مجدي أنها عملت مؤخرا في مستشفى الحميات في الإسماعيلية، حيث ساعدت في اختبار الأشخاص المُشتبه بإصابتهم بفيروس كورونا المُستجد، وبسبب عملها، اضطرت الطبيبة لترك منزلها والإقامة بمنزل آخر كي تحمي أهل بيتها من ضعاف المناعة من احتمال إصابتهم بالعدوى.

  

وفي أحد الأيام فوجئت ببعض أهالي البناية التي تسكن فيها وبعض أفراد الأمن وهم ينادون عليها ويصيحون باسم صاحبة الشقة التي تسكن بها، متهمين إياها بأنها مصابة بالفيروس وأنها تعزل نفسها، وكذلك أنها "متحفظة" عندها بالبيت على حالة مصابة بالفيروس ولا تُراعي السكان الآخرين وتُعرّضهم للإصابة، وحاول الجيران المُتجمّعون طرد الطبيبة واتهموها بأنها آتية لتجلب لهم المرض حتى مكانهم!(7)

  

   

وصم المُصابين بالمرض بهذا الشكل إلى الحد الذي يصل إلى وصم الأطباء أنفسهم وكأنهم ارتكبوا جُرما ما يدفع البعض إلى رفض الاعتراف بالمرض والهرب من المُستشفيات وعدم الرغبة في تلقّي العلاج حتى لا يُوصَم اجتماعيا، وهي التجربة التي يرويها طبيب شاب على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قائلا: "بكشف على مريضة، وبسألها: بتشتكي من ايه؟ فردت: عندي شوية مغص، وكحت كام مرة وهي قاعدة، سألناها عندك كحة؟ قالت لأ خالص، طب خدي الحقنتين دول للمغص وتابعي في العيادة، ابنها خدني على جنب وقالي يادكتور دي عندها كحة وضيق نفس وحرارتها عالية من كام يوم ومش عاوزه تقول، بعتها تعمل "chest x ray" لقيت مفيش رئة أصلا كلها "ground glass opacity"، وفقا للبروتوكول اللي ماشيين عليه إن الحالة تُحوّل على طبيب باطني وهو بينسق مع عزل المحافظة، لو فيه مكان بيبعتها، ولو مفيش بتتحجز في العزل بتاعنا وتكمل فحوصاتها والـ "pcr" هنا".

  

يُضيف الطبيب قائلا: "على ما طبيب الباطني نزل من فوق كانت المريضة هربت من المستشفى، المريضة حرفيا جريت ومحدش عرف يوقفها، طبعا دي في نفس اليوم هتلف على مستشفيات البلد كلها وتعدي كام دكتور على كام ممرض".(8)

    

  

ماذا قد يحدث عندما يجتمع الخوف مع قلة المعرفة والوعي؟

تُعلِّق الباحثة الاجتماعية، سلمى. ص، اسم مُستعار، حول وصم واضطهاد المُصابين بالوباء والمُتوفين بسبب الفيروس قائلة لـ "ميدان": "لكي نفهم ما يحدث لا بد أن نفهم أولا المشاعر والدوافع التي تقف وراءه، في حالة انتشار الوباء، يكون صوت الخوف أعلى مما عداه، تشتعل داخل الإنسان غريزة بدائية شرسة، يُمكننا أن نصفها بأنها الرغبة في البقاء، وعندما تُسيطر هذه الغريزة قد تجد نفسك أمام كائن مذعور مُضطرب مُشوّه، هذه الغريزة قد تجعل الناس يسلكون أبشع وأحط أنواع السلوك على الإطلاق عندما يستشعرون الخطر، فهي التي جعلت الناس خلال الشدّة المُستنصرية يأكلون بعضهم بعضا، كما روت لنا كتب التاريخ، فحينما يُسيطر الخوف والذعر تتغير كيمياء الجسم، ويأخذ الإنسان موقفا من اثنين، إما القتال وإما الهرب، تغيير الحالة الفسيولوجية هذه قادر مثلا على جعل حرارة الجسم تتغير أو نبضات القلب تضطرب".

  

وتُضيف سلمى قائلة: "الذي يُهذّب المشاعر ويُرقّي الشعور هو المعرفة والوعي الإنساني، فنُصبح أرقى طباعا وأكثر رحمة وأقل أنانية، حينما تقلّ المعرفة ويتناقص الوعي، يُصبح الصوت القوي للغريزة لا يمكن التحكم فيه، فتجد الخوف وحب البقاء يتمثّلان في أبشع الصور كما سبق الذكر، بدءا من رفض دفن الموتى خوفا على النفس، وصولا إلى إمكانية أكل بعضنا لبعض، وفيما نتحدث بشأنه يجب رفع الوعي الطبي والصحي أيضا بشأن الوباء وكيف ينتقل الفيروس وكيف لا ينتقل، وحتى نرفع الوصم والاضطهاد عن المُصابين بالفيروس لا بد من حملات إعلامية مُكثفة، وحملات توعوية للقرويين والسكان المحليين تجوب القرى والنجوع وتوصل المعلومات والحقائق الصحية للناس بالاتصال المُباشر".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بينما تتصدّر النقاشات حول كيفية القضاء على فيروس كورونا والإستراتيجيات بالدول المختلفة لمجابهة هذا الفيروس، يطرح السؤال: هل يفتح نجاح الصين بمواجهة كارثة كورونا الباب لهيمنة نموذج التحكم البيروقراطي؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة