الأخ الأكبر يطارد الفيروس.. هل تفتح إجراءات مكافحة كورونا الباب للحكم الشمولي؟

ميدان – الأخ الأكبر يطارد الفيروس.. هل تفتح إجراءات مكافحة كورونا الباب للحكم الشمولي؟
اضغط للاستماع

   

خلال تصريحاته للإشادة بإجراءات الصين للحد من انتشار فيروس كورونا، عقّب بروس إيلوارد، كبير مستشاري رئيس منظمة الصحة العالمية بقوله: "إن ردود فعل الدول، فيما يتعلق بمواجهة الأوبئة، لا تُقاس فقط بكونها ديمقراطية أو سلطوية، وما يجب على العالم تعلُّمه من الصين أن الأمر الرئيسي هو السرعة في اتخاذ الإجراءات المناسبة وتنفيذها".

  

أتى هذا التصريح بطبيعة الحال بعدما بات يُعرف بالمعجزة الصينية في محاصرة فيروس كورونا، الذي وإن كان قد بدأ من الصين تحديدا في إقليم ووهان، فإن الصين نجحت في تسجيل معدلات تنخفض بشكل مستمر في عدد الإصابات والوفيات، وصلت في الأيام الأخيرة إلى انعدام الإصابات، خاصة مع أسلوب التوسُّع في الكشف على الحالات الذي تنتهجه الصين(1).

    

   

يكشف تصريح المستشار الأول لمنظمة الصحة العالمية عن أسئلة عديدة تتعلّق بكفاءة النظم الشمولية في إنجاز المهام وتحقيق معايير الأمن ومواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية مثل فيروس كورونا والتوابع الاقتصادية المترتبة على انتشار الفيروس وتعطل الحياة العامة، خاصة أمام التخبط الغربي في مواجهة انتشار الفيروس مثلما حدث في إيطاليا، وكذلك التخبط البريطاني بين إستراتيجية مناعة القطيع أو تعميم إجراءات العزل والحظر وإغلاق المُدن، وصولا إلى الارتفاع المرعب لأرقام الإصابات والوفيات في الولايات المتحدة الأميركية.

 

فهل يفتح نجاح الصين في مواجهة كارثة كورونا الباب لهيمنة نموذج التحكم البيروقراطي وحكم الخبراء بدعوى السلامة العامة وأولوية الكفاءة الذي تُجسِّده الصين خاصة في ظل التراجع العالمي للأيديولوجيا الليبرالية على مستوى العالم؟

 

الصين المعجزة.. الصين الكابوس

للوهلة الأولى بدت الصين تنينا على ورق، دولة ضخمة عملاقة عاجزة أمام فيروس صغير، ومع إجراءات إغلاق الحدود وحظر الطيران والتنقل منها وإليها، واجهت الصين كارثة على مستوى الصحة العامة غير مسبوقة، أُعلِنت حالة الطوارئ القصوى، وأُغلِق العديد من الأقاليم وانتشر الجيش في الشوارع معلنا حظر التجوال الكامل، مع ارتفاع رهيب في معدل الإصابات والوفيات وصل إلى مئات يوميا، بدت الصين على شفا الانهيار أو في قلبه بالفعل، واستعد العالم على إثر ذلك لأسوأ السيناريوهات.

    

   

من قلب هذه الكارثة، جاءت الإشارات على نحو مفاجئ وغير مُتوقَّع بانخفاض أرقام الإصابات، وبدأ المصابون في التعافي، حتى أعلنت منظمة الصحة أن الصين استطاعت تجاوز ذروة انتشار الفيروس ونجحت في محاصرته، في الوقت الذي بدأت فيه الدول الغربية تعاني من انتشار الفيروس، حتى ازدادت أرقام الإصابات والوفيات بطريقة مرعبة في كلٍّ من أوروبا والولايات المتحدة، لتقوم الصين بمد يد العون للدول الغربية مثل إيطاليا وصربيا، وتُعلن غلق الحدود من جانبها حتى لا ينتشر الفيروس في سكانها، كأول دولة ناجية تماما من خطر انتشار الفيروس(1).

    

تُسوِّق الصين نموذجها السياسي القائم على الجدارة وحكم الخبراء باعتباره البديل الأكثر كفاءة من الديمقراطيات الليبرالية في الغرب، حيث يرى فوكوياما أن النظام الصيني يستمد جذوره من تقليد طويل من نظام الجدارة وامتحانات الوظيفة المدنية القائم في الصين منذ مئات السنين، حيث يعتمد النظام الصيني على حكم الخبراء والتكنوقراط الموهوبين المتخصصين كبديل عن الديمقراطية والانتخابات، تكنوقراط متخصصين يدعمهم جهاز بيروقراطي ضخم يمتد لتنظيم مناحي الحياة كافة في الصين من الاقتصاد والصحة والثقافة والصحة العامة والتعليم بالإضافة إلى تحكُّمه في السياسة بدلا من الانتخابات والتمثيل السياسي(2). 

     

النموذج الصيني الذي قضى على الفيروس هو ذاته التي يُراقب ويُعاقب مُسلمي إقليم الإيغور على أفعال حياتية كالوضوء والطهارة
   

في تبشير ديستوبي كعادته، يُحذِّر سلافوي جيجك(3) من أن الصين هي مستقبل البشرية المُظلم، ففي ظل تراجع الأنظمة الديمقراطية وعدم كفاءتها الواضح، وظهور تيارات شعبوية من داخلها تحتقر قيم حقوق الإنسان والحريات والمؤسسات التمثيلية، تزداد في المقابل جاذبية النموذج الصيني، خاصة في ظل النجاحات اللافتة للصين في التنمية والاقتصاد والسياسة الخارجية، حيث يؤكّد الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك أن انتشار فيروس "كورونا"، يُطلق العنان لتعميم كثير من الأوبئة الثقافية، ليس فقط العنصرية وعزل الأعداء وتصليب الحدود القومية، ولكن أيضا في إيجاد آليات تقنية محلية وعالمية للتحكم في الحياة بدعوى مواجهة الأزمات والحفاظ على الصحة والسلامة العامة.

  

هنا يصبح النموذج الصيني كابوسا، في عصر تقوم الأنظمة السياسية فيه على السياسة الحيوية (Bio-politics)، أي السياسات التي تجعل الجوانب الحياتية العادية لحياة السكان، مثل الصحة والمواليد والوفيات، الحياة الجنسية(4)، حتى المُمارسات المتعلقة بالنظافة العامة، موضوعا للإدارة والتحكم من طرف الدولة، فالنموذج الصيني الذي قضى على الفيروس هو ذاته التي يُراقب ويُعاقب مُسلمي إقليم الإيغور على أفعال حياتية كالوضوء والطهارة. هنا، يصبح الحديث عن نجاح النموذج الصيني حديثا عن نجاح للشمولية والاستبداد وديكتاتورية التكنوقراط في مواجهة فشل الأنظمة الديمقراطية الليبرالية القائمة على حقوق المواطنة والحريات والتمثيل السياسي.

  

عقيدة الصدمة وتعميم حالة الاستثناء

بحسب الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس(5) فإن الديمقراطية ليست وصفة نهائية لحل جميع المشكلات، وليست فكرة عقلانية مطلقة بدون أي افتراضات سابقة قد تكون غير علمية أو غير عقلانية، حيث تفترض الديمقراطية أن البشر قادرون بلغتهم العادية وقدرتهم على التواصل وتداول الحجج والأفكار فيما يتعلق بشؤونهم الحياتية الأساسية، عبر النقاش في حيز عام حرّ، بعقلنة القرارات العامة ومنع تغوُّل السلطة التي تملك قدرات هائلة على التحكم بحياة البشر وحرياتهم. 

    

   

هذا الافتراض السابق للديمقراطية هو ما تبني عليه الكاتبة ناعومي كلاين(6) نظريتها حول عقيدة الصدمة، حيث تُصيب الصدمات العامة، سواء كانت طبيعية أو مفتعلة، المجتمع بالتشويش وتنشر حالة من الارتباك وعدم الثقة وغياب القدرة على التفكير الجمعي السليم، مردفة أن هذا بالضبط ما يحدث في حالة انتشار فيروس كورونا، فمع موجات الهلع لا مكان للحجج الجيدة والحوار العقلاني، بل يمكن تمرير أي إجراء غير عقلاني أو غير عادل بحجة تجنُّب الكارثة والخطر القائم، وتصبح الديمقراطية ونقاشاتها العقلانية ترفا، مُحذِّرة من مخاطر استبدال السياسة بالتحكم البيروقراطي-التكنوقراطي على النمط الصيني. 

  

وأردفت كلاين أنه إذا سادت القناعة بأن الديمقراطية ليست إحدى أجوبتنا الإنسانية المهمة في مواجهة الوباء، فسيُفتح الباب في المستقبل لإجراءات سلطوية شديدة القسوة، بدعوى السلامة العامة، وسيُعتَبر البشر حينها غير مؤهّلين لإدارة شؤونهم الأساسية، لأنهم لا يملكون معرفة التكنوقراطيين/الخبراء، ومن ورائهم مسؤولو السُّلطة التنفيذية، الذين يجب أن يتمتعوا بالسرعة والحزم لتنفيذ توصيات الخبراء، مضيفة أنه في التاريخ القريب، استُخدِمت موجات الهلع الصحي والاجتماعي والأخلاقي لتغليب سياسات معينة، أو فرض وقائع سلطوية جديدة، حيث كانت البداية في ممارسات الأنظمة الشمولية الأكثر قسوة، بما فيها النازية، التي قامت باستغلال هذه الموجات، أو ساهمت بتصاعدها(7)، وصولا إلى الليبرالية الجديدة التي اعتمدت في صعودها على إستراتيجية الصدمة لتمرير إجراءات لا يمكن تمريرها في ظل الأوضاع العادية الديمقراطية(8).

   

حيث يتوقَّع عدد من المراقبين(9) أن القرارات التي سوف يتخذها الناس والحكومات في الأسابيع القليلة القادمة يمكن لها أن تُحدِّد شكل العالم لسنوات قادمة، ليس فقط على مستوى الرعاية الصحيّة، بل أيضا على مستويات الاقتصاد والسياسة والثقافة، حيث إن ما يُسوَّق الآن في ظل حالة الصدمة كتدابير احترازية ومؤقتة من الوارد جدا -خاصة إذا طالت الأزمة- أن تؤسس نفسها كتقليد وقائي وسياسي اعتيادي تتخطى حالة الاستثناء لتصبح جزءا من نظام حياتنا لسنوات قادمة.

    

   

بالعودة للصين والسياسة الحيوية، تتباهي الحكومة الصينية بقدرتها على محاصرة الفيروس بإمكانياتها العالية في مراقبة كل حركة في الصين تقريبا، حيث "راقبت هواتف الناس عن كثب واستفادت من مئات ملايين كاميرات قراءة الوجوه، كما ألزمت الأفراد بالفحص والإبلاغ عن حالتهم الصحية ودرجة حرارتهم، بهذا نجحت السلطات الصينية في تحديد المشتبه بحملهم الفيروس بسرعة ثم تتبّع حركتهم والتعرّف على كل مَن تواصلوا معهم. كما استُخدمت مجموعة من تطبيقات الهواتف الذكية في تحذير مُستعمليها عند اقترابهم من أشخاص مصابين"(9)، كل هذا تم تمريره ليس في حالة الصدمة فقط، بل بتوصيات من خبراء طبيين في مجال مكافحة الأوبئة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والتنفيذية.

    

يُعلِّق الكاتب السوري أحمد سامي الكيال أن "هذا النمط من السلطوية، التي تحمي البشر من أنفسهم، تُقلِّص الأفراد إلى وضعية الحياة العارية، حسب مصطلحات المفكر الإيطالي جيورجيو أغامبين، أي حياة بيولوجية مستباحة، تستثنيها السلطة الحيوية من الضمانات القانونية والسياسية تماما كما في حالة مسلمي الإيغور، وتحرمها من وضعية الحياة المؤهلة، المرتبطة بالحقوق والتمثيل السياسي. تصبح السيادة هنا أكثر أهمية من القانون، ولا يبقى أي مانع لتغوُّل الأجهزة السلطوية. وإذا كان أغامبين يرى أن من خصائص السلطة السيادية استبعاد أقليات معينة من وضعية الحياة المؤهلة، فإن حكم الخبراء والتحكم البيروقراطي-التكنوقراطي في عصر الأزمات قد يُهدِّد بتقليص حيز تلك الحياة إلى أقصى درجة، فيُستبعد أغلبية السكان من الحماية القانونية. المسألة لا تتعلق فقط بحدث باستثنائية تفشي فيروس "كورونا"، يمكننا تخيل مدّ المنطق السيادي هذا إلى مجالات حياتية أخرى: قضايا البيئة والاقتصاد واللجوء والأخلاق، فلكلٍّ من هذه القضايا خبراؤها الذين يدّعون امتلاك معرفة أشمل من بقية المجتمع".

    

   

هكذا، يرى عدد من المُعلِّقين أن الصين نجحت بالفعل فيما فشل فيه الآخرون، بسبب نظامها التكنوقراطي الصارم، لكن ما يغفل عنه أصحاب هذه القناعة هو مسؤولية النظام السُّلطوي الأمني الصيني في تفشي كورونا في الأصل، حيث تجاهلت الحكومة عن عمد التحذيرات عن انتشار الوباء في بدايته، وأسكتت الطبيب الصيني الشاب الذي نشر عن الموضوع بدعوى الحفاظ على الأمن والمصلحة العامة كما يعرفها خبراء النظام الأكفاء، مما أدى إلى عدم عزل الفيروس في مراحله المبكرة جدا، وهو ما يعني في التحليل إذا كانت الصين نجحت بفضل نظامها الصارم في حصار الفيروس، فإن باقي العالم يدفع ثمن عدم وجود حرية رأي وتعبير داخل الصين.

  

قبل قرنين، حذَّر الأناركي الروسي ميخائيل باكونين(10) من احتمالية خضوع المجتمعات الحديثة تحت رحمة التقنيين والخبراء التكنوقراط، الذين يحكمون باسم الكفاءة ومعرفة الصواب والمصلحة العامة، وهو مجتمع تنتفي فيه الحريات السياسية والاجتماعية بالضرورة، فقضايا المجتمع والسياسة ليست مسائل علمية ورياضية بسيطة يمكن حلّها عبر مجموعة من الخبراء، بل هي تعبير عن اختلافات في المصالح والقيم والهويات، تحل في إطار من السياسة وصراع على الهيمنة بين القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة مما يتطلّب درجة كبيرة من الجدل العام والتواصل والتعبير الحر عن الذات والأفكار والمصالح، وما يُطرح في الدول الشمولية وحكم الخبراء بوصفه الحل التكنوقراطي أو الحل العلمي أو حتى الحل الأخلاقي غالبا ما يكون نتيجة لتحيزات أيديولوجية ما، تدفعها مصالح اجتماعية أو طبقية محددة.

  

بينما تتصدّر النقاشات حول كيفية القضاء على فيروس كورونا والإستراتيجيات في الدول المختلفة لمجابهة هذا الفيروس في الفضاء العالمي، يحق لنا أيضا التساؤل حول شكل العالم بعد كورونا، فالأسئلة عن الإستراتيجيات المُتَّبعة في إجراءات مكافحة انتشار الوباء هي أسئلة صحية وسياسية في الآن ذاته.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة