لا يقتل البشر فقط.. هل يعلن فيروس كورونا انهيار النُّظم السياسية؟

بدأت القصة في (ديسمبر/كانون الأول) 2019، ففي عشية رأس السنة الجديدة، ظهرت أعراض غريبة على بعض الأشخاص بمدينة ووهان الصينية عاصمة مقاطعة هوبي وأكبر مدينة بها، أعراض تشبه أعراض مرض الإنفلونزا العادية لكنها تتحول إلى ارتفاع حاد في درجة الحرارة وسعال حاد ينتهي بالموت المفاجئ، انتشرت بعد ذلك مقاطع مرئية على مواقع التواصل الاجتماعي لأشخاص يسعلون ثم يتساقطون موتى فجأة، في الشوارع والطرقات والمشافي والمؤسسات العامة بمدينة ووهان بالصين، وسرعان ما انتشر المرض في جميع المدن المجاورة لمدينة ووهان ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حتى وصل اليوم إلى نحو 150 دولة حول العالم (1).

   

   

في يناير/كانون الثاني 2020، أعلنت السلطات الصحية الصينية عن تمكُّنها من عزل وتحديد نوع الفيروس القاتل وأطلقت عليه اسم "إن كوف 2019″، وقالت إنه ينتمي إلى عائلة الفيروسات التاجية، التي تشمل فيروسات أخرى شديدة الخطورة مثل فيروس "سارس" أو متلازمة الجهاز التنفسي الوخيمة الذي سبّب موت نحو 9% من المصابين به، وفيروس "ميرس" أو متلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الأوسط الذي سبّب موت 35% من المصابين به، وكلهم ينتمون لعائلة "كورونا". ومنذ بداية يناير/كانون الثاني وحتى اليوم، وبعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا الجديد "جائحة عالمية"، سبّب الفيروس الجديد موت نحو 213 شخصا بالصين، لكنه وصل اليوم حسب آخر إحصائية إلى 5900 شخص من بين 157 ألف شخص مصاب به حول العالم (2).

   

في العاشر من مارس/آذار أعلن الرئيس الصيني، شي جينبينغ، الثلاثاء، أنه "تمت السيطرة عمليا" على تفشي فيروس كورونا المستجد في مقاطعة هوبي بؤرة انتشاره وعاصمتها ووهان، حيث قلّت حالات الإصابة إلى 19 حالة جديدة فقط (3) وهو أقل رقم أُبلِغ عنه منذ ظهور الفيروس، فيما ارتفعت حالات الإصابة بالفيروس بكلٍّ من إيران ومصر وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا بشكل كبير، فهل يرجع هذا التفاوت في مؤشرات الإصابة إلى الإجراءات الطبية والحكومية الصارمة التي اتخذتها الصين وتباطأت عنها كلٌّ من الدول المصابة؟

    

يخبرنا التاريخ بقصة مشابهة لقصة انتشار فيروس كورونا، فكما انتقل كورونا الجديد من الحيوان إلى الإنسان كما يُقدِّر المختصون، كذلك انتقل وباء الطاعون، الوباء الأشرس تاريخيا والملقب بـ "الموت الأسود"، من الجرذان/الفئران إلى الإنسان، حاصدا حياة ملايين البشر حول العالم، وطوال عشرة قرون هاجم وباء الطاعون الحيوانات والبشر حتى أصبحت المدن خاوية على عروشها، واستمر في هجومه إلى أن بدأ الطب الحديث مع الطبيب الألماني روبرت كوخ (1843-1910) الذي اكتشف الجراثيم، ثم وضع النظرية العامة للجراثيم.

  

قبل ذلك، كان الطاعون يحصد من ثلث إلى ثلثي سكان المدن والمقاطعات، لكن لأسباب ظلّت غير واضحة، بدءا من القرن الخامس عشر الميلادي، بدأت أعداد الوفيات تقل في أوروبا بينما ظل الطاعون زائرا متكررا يجوب العالم الإسلامي خاصة مصر، وبالرغم من تشابه الأفكار الطبية بين أوروبا والبلاد المملوكية والعثمانية، بل إن الطب كان أكثر تطورا في البلاد الإسلامية، فإن الإجراءات السياسية كان لها القول الفصل في التصدي للطاعون، فكيف اختلفت استجابة النخب السياسية الأوروبية للطاعون عنها في الشرق الإسلامي؟ وماذا تُعلِّمنا تلك القصة التاريخية للتصدي لفيروس كورونا الجديد؟

 

الطاعون يغزو العالم القديم

   

"بدأت الوفيات في سينا في مايو/أيار 1348، كان هذا فظيعا وقاسيا.. ليس مستطاعا للسان بشر أن يتكلم عن الفظاعة: هجرة الآباء للأبناء، والزوجة للزوج… ليس هناك مَن يقوم بدفن الموتى من أجل المال أو الصداقة.. وفي العديد من الأماكن في سينا وجدت حفرة كبيرة أُعِدَّت وكُوِّمَت بها أعداد غفيرة من الموتى… وأنا أنجلو دي تورا… دفنت أطفالي الخمسة بيدي. وكان هناك أولئك الفقراء الذين غطوا بالتراب ونبشت جثثهم الكلاب وأخذوا يلوكونها في المدينة. ولم يكن هناك أي أحد يبكي على أي ميت، حيث توقع كل واحد أن يموت".

 

بهذه الكلمات حاول "أنجلو دي تورا" في كتابه "حوليات سينا" أن يصف أوروبا بعد أن حل بها الطاعون ضيفا أسودَ في القرن الرابع عشر الميلادي (3)، لكن هذه الصورة التي رسمها المؤرخ "أنجلو" لا تعود إلى طاعون العصور الوسطى، بل تعود لما كتبه المؤرخ اليوناني القديم "ثوكيديدس" حول كارثة مرض قيل إنها حدثت بأثينا في عام 427 قبل الميلاد (3)، استعان بها الكاتب ليصف بها الطاعون في زمنه، لكن تلك الصورة لا تصف إلا جانبا واحدا فقط من الحكاية، فثمة الكثير من التفاصيل قد تجعل الصورة أكثر دقة في وصف أشرس وباء في تاريخ الإنسانية، لكنها قد تجعلها كذلك أكثر رعبا أيضا.

   

في صيف 1347 ميلاديا، وبشكل اعتيادي لم يلفت نَظَرَ أيٍّ من البحارة، اعتلت الفئران السوداء المصاحبة لقوافل قادمة من وسط آسيا متن بعض السفن التجارية الإيطالية في ميناء "كافا" على البحر الأسود، وفي هذه السنة مرّت بعض هذه السفن خلال الدردنيل بتركيا، ثم رست بـ "مسينا" بصقلية، بعد ذلك أبحرت إلى بيزا وجنوا ومرسيليا، بعض السفن التجارية الجنوية -نسبة إلى جنوا- أبحرت مباشرة من "كافا" إلى مصبات نهر النيل في مصر خاصة ميناء الإسكندرية ودمياط. وخلال بضعة أشهر، تفشّى وباء من نوع غير معروف للأطباء أو الحكماء حينذاك، وبدأ في قتل الرجال والنساء والأطفال على جانبَيْ البحر المتوسط.

 

وبانقضاء عام 1348 بدأ الطاعون أو الموت الأسود في مهاجمة السكان على طول شواطئ المحيطين الأطلنطي والبلطيق، بعد ذلك صعد إلى الأنهار وعلى طول الممرات وعبر الحقول، حتى وصل إلى عمق ريف أوروبا، فراح يهاجم المقاطعات والمدن والقرى، فكانت نسبة الوفاة بين ثمن إلى ثلثي عدد سكان المناطق المصابة، تاركا ما يقرب من 24 مليون قتيل، ووصفه المؤرخ شلدون واتس بأنه "أسوأ كارثة مرض وبائي في أوروبا منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية" (3).

    

   

أما نسبة الإصابة في الشرق الأوسط فكانت أكثر رعبا، فقد مات ما بين ربع وثلث السكان تقريبا، كتب حينها العالم المسلم الأندلسي "ابن الخطيب" يقول: "هذا مثال على المآثر العجيبة والقوة الإلهية، لأنه لم تحدث من قبل بمثل هذا الانتشار والاستمرار. ليس هناك تقارير مقنعة أُعطيت حوله، لأن المرض جديد…ا لله وحده يعلم متى سوف ينتهي هذا المرض".

 

لكن المرض لم ينتهِ في الشرق الإسلامي ولم تخف وطأته مثلما حدث في أوروبا حتى عصر محمد علي في مصر، ثم اكتشاف العوامل المسببة للوباء، وطريقة انتقاله، حيث اكتشف كلٌّ من روبرت كوخ عام 1876 ولويس باستيرعام 1877 اللذين عملا مستقلين أن ميكروب "الأنثراكس" (anthrax) مرض الأبقار والخيول الذي انتقل إلى الإنسان يُسبِّبه كائن دقيق جدا من الصغر بحيث لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، بعد ذلك، طبَّق كلٌّ من الطبيبين "شيبا سابورو كيتا ساتو" الياباني و"ألكسندر يرش" منهجية معلميهما على "الطاعون اللمفاوي" أثناء طاعون هونغ كونغ عام 1894، فوجدا أن عصويات معروفة الآن باسم "yersinia pestis" كانت موجودة في أنسجة الفئران الميتة بالطاعون والبشر على حدٍّ سواء.

 

وبعد سنتين تأكّدت الرابطة بين الفئران والإنسان ومرض الطاعون والبراغيث، فبمجرد أن يُصاب برغوث الفأر بعدوى العصويات، يصبح البرغوث غير قادر على هضم غذائه -دم الفأر- كما يصبح جائعا بضراوة، وبعد موت الفأر من الطاعون أو بغيره، يبحث البرغوث حوله بيأس، فيصادف أن يجد الإنسان بدمائه النقية والشهية فيقفز إليه ناقلا له عدوى الطاعون، والأدهى أن البرغوث يمكث في الحبوب والأرض الرملية والأشياء الناعمة البيضاء مثل الملابس الصوفية مدة 15 يوما كي يضع بيضه، فأصبحت التجارة مصدرا خطيرا لنقل العدوى كذلك.

 

يظهر هنا سؤالان مرتبطان ببعضهما: لماذا لم يكتشف الأطباء هذا الرابط بين الفئران والإنسان والطاعون مبكرا، رغم أن الفئران كانت منتشرة في أوروبا بشكل كبير؟ والأغرب لماذا لم يفكر أحد من العلماء في نظرية "العدوى"؟ والسؤال الآخر وهو ما يهمنا: لماذا خفّت وطأة وباء الطاعون في أوروبا قبل اكتشاف الأطباء للميكروبات المسببة له بنحو مئتي عام، بينما ظل يضرب مدن الشرق الإسلامي كالقاهرة وإسطنبول ودمشق وغيرها؟ في الإجابة عن هذين السؤالين تكمن تفاصيل كثيرة تحكي تطور علم الطب وعلم الأوبئة، لكن الأهم هنا أنها تحكي أهمية البُعد الاجتماعي والسياسي في التصدي للأوبئة.

   

سنوات نحسات ليس بها غير الموت والغضب

   

يقول المفكر والمؤرخ روزنبيرغ إنّ الوباء دراما تتكشّف خلال ثلاثة فصول: الفصل الأوّل مخاتل يميّزه نوع من الإنكار ربما لتطمين الذات أو لحماية المصالح أو لتشكك بمدى خطورة الأمر، والثاني الاعتراف بعد تزايد المرضى والموتى والبحث عن تفسيرات (سواء أخلاقية أو دينية أو علمية)، والثالث الاستجابة (4). وقد مرّت أوروبا بكل تلك الفصول، فخلال انتشار الطاعون وتساقط الموتى بدأ الحل البشري البدهي والسريع وهو الهرب، فمثلا في فلورنسا انتقل معظم أفراد 500 عائلة فلورنسية كبيرة إلى أماكن معروفة بخلوها من الطاعون، وأصبح الشعار في فلورنسا وجميع بلاد أوروبا "اهرب مبكرا، اهرب بعيدا، وعد متأخرا".

  

ولم يتبق في المدن -في ظل غياب رجال الإدارة والسياسة- إلا مجموعتان أخذتا المبادرة في توضيح وتفسير سبب وباء الطاعون؛ الأولى هم رجال الدين المسيحي، والثانية هم الأطباء المتعلمون بالجامعات أو الممارسون للطب بشكل حر وعام، لكنهم لم يستطيعوا تقديم شيء يُفسِّر الطاعون أو يساعد المرضى، وسرعان ما بدأ رجال الدين المسيحي في نشر تفسيراتهم الدينية التي تتلخّص في أن سبب الطاعون هو غضب الرب الذي أرسل لعنته على غير المؤمنين، وبالتالي بدأت عمليات التطهير الديني والقتل باسم الصليب، التي بدأت باستهداف اليهود بالقتل أو المنع من الاشتراك في الحكم أو الإدارة أو الفلاحة، وبالتالي اتجه اليهود إلى أعمال مختلفة مثل إقراض الأموال وبيع الأدوات الطبية وغيرها، بالإضافة إلى أن اضطهاد اليهود -كما يقول المؤرخ شلدون واتس- جعلهم يحرصون على التعلم، خاصة تعلم اللغات الشرقية ومنها العربية والفارسية والعبرية، مما جعلهم على اطلاع على علوم الطب الإسلامية في الأندلس ومصر ودمشق، العلوم التي كانت أكثر تقدُّما بكثير من الطب الأوروبي (5).

       

وبجانب استهداف اليهود واضطهادهم، بدأ رجال الدين المسيحي في تنظيم المواكب الدينية خارج المنازل وأمام الكاتدرائيات، ففي عام 1466 ميلاديا، كان حاملو الذخائر المقدسة الخاصة بالقديس "كريبين"، وهم أخوية دينية تعمل في صناعة الأحذية للفقراء، يقفون على رأس احتفال وقور حضره الآلاف يطوف المدينة في طريقه إلى كاتدرائية نوتردام للتخفيف من شدة الطاعون، لكن الأمر تحول إلى كارثة بشرية، فقد ضاعف الطاعون هجومه وانتشر خارج المدينة في كل مكان (5).

        

تمسّك عامة الناس بالمعتقدات الشعبية التي جعلتهم يُصدِّقون أن الشياطين والأرواح الهائمة هي العوامل المسببة للمرض والموت
     

في الوقت نفسه كان الطب القديم المعتمد على تعاليم جالينيوس التي تقوم على نظرية أن المرض يحدث بسبب عدم التوازن في الأخلاط الأربعة التي تُكوِّن الأمزجة الأربعة (المزاج الدموي والصفراوي والسوداوي والبلغمي)، والتي تتوافق مع نظرية العناصر الأربعة التي تُشكِّل أصل كل الأشياء في الوجود: النار والتراب والهواء والماء، علما يحتضر، حيث كتب الكاردينال جاستالدي، وزير الصحة في روما خلال وباء الطاعون في عام 1656-1657، بمرارة: "تُظهِر التجربة العملية أن العلاج المستعمل بواسطة الأطباء المتخصصين غير نافع وفي بعض الأحيان مؤذٍ" (5).

   

بالنسبة لعامة الناس، فقد تمسّكوا بالمعتقدات الشعبية التي جعلتهم يُصدِّقون أن الشياطين والأرواح الهائمة هي العوامل المسببة للمرض والموت، وفي نهاية القرنين الرابع عشر والخامس عشر، تمسّك المزارعون في ريف لوكسبورج ماسيف الوسطى بأن قوى ما وراء الطبيعة تتحكَّم في المرض من خلال التحكُّم في قوى الخير والشر التي تعمل عبر التناسق وعدم التناسق، وبالتالي بدأ هؤلاء المزارعون في صد الغرباء وعزل أنفسهم ولبس الجلد بدلا من الصوف الحامل للبراغيث، بل إن المزارعين في أرياف فرنسا وغيرها بدؤوا بقذف الغرباء الذين يهربون من المدن المصابة بالطاعون بالحجارة وصدهم ومنعهم من دخول القرى، وكان هذا أول تصرف صحيح لمقاومة الطاعون، وهو تحديد حركة الناس (5).

  

في الوقت نفسه، وجدت النخب الإيطالية والأوروبية التي تركت مدنها هربا من الطاعون الجماهير الثائرة تسيطر على المدن وتتحكَّم في مقاليدها وتجارتها، وهو الأمر الذي دعاهم للعودة مرة أخرى للمدن وانتزاع الحكم من أرباب الحِرَف، وساعدهم في ذلك ثقافة عصر النهضة الآخذة في التكوُّن، كتب المؤرخ مارشيوني سيتفاني في حولياته قائلا: "سُنّت عدة قوانين تمنع المواطنين من المغادرة بسبب القول بوجود الطاعون. لأنهم خافوا أن الصغير العنيد قد لا يغادر، وقد يثور، وقد يتحد معه المستاؤون، لكنه من المستحيل الاحتفاظ بالمواطنين في المدينة، لأن الوحوش الكبيرة والقوية تستطيع دوما القفز وتدمير الحواجز" (5). وعلى مدار تلك السنوات النحسات المظلمة التي كانت الوحوش الكبيرة تطوف خلالها في شوارع المدن الأوروبية، وحوش من البراغيث والفئران والثائرين، طورت النخب الفلورنسية والأوروبية سياسات جديدة تُمكِّنهم من تنظيم المدن تنظيما صارما وتخيف العامة وتمنعهم من الثورات تحت قناع مقاومة انتشار الطاعون، لكنها قد أفرزت في النهاية ما يُسمى تاريخيا بـ "مقاومة الطاعون"، وهي الإجراءات التي قضت على الطاعون في أوروبا نهائيا.

   

اختراع المقاومة على شفا الانهيار

   

في كتابه "ولادة الطب السريري"، يُشير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إلى أنه لا شيء ساهم في ظهور الوعي السياسي والسلطة السياسية مثل الوباء، حيث تصبح تجربة الموت تجربة جماعية، يشعر الناس جميعا بالمسؤولية تجاه أنفسهم ومدنهم وبلادهم، تحدث الفجوات التي يُسبِّبها الموت، يهب الناس للإمساك بالسلطة لكنهم يتصارعون مع عائلات ذات نفوذ ونخب ذات سطوة، يشرح المؤرخ شلدون واتس في كتابه "الأوبئة والتاريخ.. المرض والقوة والإمبريالية" كيف استعانت تلك النخب بأفكار الحركة الإحيائية التي ظهرت بأوروبا بعصر النهضة، وهي حركة تقوم بشكل أساسي على إحياء التراث اليوناني الروماني القديم ليس فقط في تعظيمهم للعقل، بل لقوة العقل بشكل أساسي، القوة التي تجعل الإنسان "إنسانيا"، وهو المصطلح الذي ارتبط بالحركة الإحيائية التي وصفت نفسها بأنها "إنسانية" تُعظِّم القدرات العقلية للإنسان وتُعظِّم الثقافة اليونانية الرومانية وتستبعد كل ما هو خارجها (5).

   

لذلك قامت تلك الحركة الإحيائية التي آمنت بها النخب الأوروبية باستبعاد الأفكار الصوفية الدينية، خاصة أفكار الأفلاطونية الجديدة التي تفترض أن كل الأشياء الحية ترتبط بسلسة عظمى للوجود، في هذه السلسلة، يأتي النوع الإنساني النبيل تاليا بعد الملائكة ويبتعد بحلقات عديدة عن الفئران ذات الرتبة المتدنية، الفكر الذي كان قد أعاق الاعتراف برابطة محتملة بين الإنسان والفئران قد تؤدي إلى انتشار الطاعون (5)، بيد أن هذه العقيدة الأفلاطونية المحدثة والتي كانت مختلطة بالمعتقد المسيحي – اليهودي بأوروبا، كانت قد خُرِّبت بالفعل بسبب الأفكار التجريبية التي جلبها الأطباء (التربويون) الجدد من الفكر والطب العربي الإسلامي، خاصة خلال احتكاكهم الطويل بالبيئة العلمية بالأندلس وتعلُّمهم عن نظرية العدوى التي كانت قد ظهرت في أفكار الطب العربي عن الطاعون (5).

  

خلال عصر النهضة وما تلاه من سنوات، بدأت الأفكار الإحيائية تمد النخب الأوروبية بالأفكار اللازمة لتثبيت سلطتهم في المدن، حيث تمسّكت الإحيائية بأن المجتمع "مماثل في تنظيمه للكائن الحي، وبهذا فإن الأوليجاركية (الأقلية) على رأس هرم السلطة تملك هيمنة أبوية على الطبقات الأدنى من العمال الذين يكسبون أجورهم من المدينة والفلاحين الذين يزرعون الأراضي، في المقابل تدين الطبقات الأقل للحكام بالسمع والطاعة" (5). غير أن تلك الأفكار الجديدة لم تنضج بسرعة، بل تعرضت للمقاومة والتهديد من سكان المدن الذين بدؤوا في الازدياد مرة أخرى نتيجة لتقاطرهم على المدن من الأرياف والمناطق البعيدة، وفيما كانت النظرة الدينية لهم في السابق على أنهم بشر على صورة المسيح يستحقون الرحمة والإشفاق، باتت النخب تنظر للمهاجرين الفقراء على أنهم مجرمون محتملون ربما يتّحدون لتخريب النظام الاجتماعي.

   

       

أصبحت السلطة الجديدة تنظر لهؤلاء الفقراء إضافة إلى كل الأجراء والجزارين وبائعي اللحوم وعمال الحانات والخابزين والبقالين على أنهم مصدر للمرض والقذارة في المدينة، فكان الإجراء المتبع معهم هو إرغامهم على الالتزام بأماكنهم بواسطة "المقصلة والكرباج وأنواع أخرى من العقاب" تستتر تحت قناع حماية المدينة من الطاعون، ونتج عن هذه النظرة الجديدة وتلك الإجراءات القاسية مفهوم "النظام" الذي برّر التدخُّل في حياة الناس العاديين خلال أزمة الوباء.

  

يحكي المؤرخ شيلدون واتس أن هذا النظام ظهر لأول مرة في فلورنسا وما حولها، ثم في فرنسا وإسبانيا، ثم استقر بعد عقود تالية في الممالك الشمالية مثل إنجلترا والسويد، حيث تطورت تلك الإجراءات لما يُعرف تاريخيا بـ "مبدأ التدخُّل"، وهو مبدأ يعطي لسلطة الحكومة حق التدخُّل في شؤون الناس وإرباك الحياة اليومية حسب رغبتها، وقد تكوّنت المقاومة الشاملة للطاعون بصورته الإيطالية الأولى من خمسة عناصر هي:

* سياسة دقيقة لانتقال البشر من المناطق المصابة بالطاعون إلى تلك التي ما زالت خالية باستعمال الحجر الصحي البحري والبري.

* دفن إجباري للموتى بالطاعون في حفر خاصة، والتخلص من متعلقاتهم الشخصية.

* عزل المرضى بالطاعون في مستشفيات الأمراض المعدية، وحجز عائلاتهم في منازل أو في غرف مؤقتة بعيدا عن الأماكن المأهولة.

* اضطلاع الوحدات المحلية بمسؤوليتها في فرض الضرائب لتقديم خدمة طبية مجانية وإطعام الناس الموجودين في العزل.

* تقديم المعونة لمن انهارت حياتهم نتيجة غلق الأسواق والذين لا يملكون مخزونا من الطعام يعتمدون عليه.

   

وخلال تنفيذ تلك السياسات الجديدة نشأ ما يُعرف بـ "المجالس الصحية"، وهي مجالس إدارية مفوضة من الحكومة ومن النخب كانت تعمل بمنتهى الصرامة لتنفيذ السياسات الجديدة، خاصة على الفقراء بالمدن الأوروبية، تحت شعار "الذهب والنار والمشنقة"، الذهب لدفع التكاليف، والنار لحرق البضائع المشكوك فيها، والمشنقة للفقراء الذين يتحدّون سلطة مجلس الصحة.

     

   

وبفضل النخب وشبكة علاقتها من العائلات الكبيرة في المدن، اكتسبت المجالس الصحية سلطة حديدية، ليس فقط في تنظيم المدينة وفرض الحجر الصحي، بل حتى في تغيير الثقافة الشعبية المتعلقة بإكرام دفن الموتى في ساحة الكنيسة، حيث كان موظفو الصحة يقومون بدفن جثث الموتى بالطاعون وتغطيتها بالجير الحي، كما استفادت تلك العائلات من تجارة الزرنيخ السام، الذي استخدمه الأوروبيون في قتل الحشرات والفئران وأحيانا المرضى منعا لانتقال العدوى (6)، ورويدا رويدا تولّد الشعور الجمعي بالالتزام، رغم وجود مقاومة قوية لسياسات الحجر الصحي الجديدة، خاصة من أصحاب التجارة الذين تأذّت تجارتهم بسبب الحجر الصحي، لكن في كل مرة تتخلّى مدينة ما عن الحجر الصحي يتحوّل الأمر إلى درس قاسٍ يتساقط خلاله البشر موتى ببشاعة، مما يدفع باقي المدن والدول المركزية التي بدأت في التكوُّن بعد معاهدة ويستفاليا عام 1648 إلى الالتزام بسياسات الحجر الصحي والاستمرار في تطهير المدن أو عزلها بالكامل بواسطة الجيوش والتعامل بكل صرامة مع المخالفين.

   

أعطى نمو وكلاء مذهب التدخُّل بجانب انخفاض وطأة المرض والموت الأمل للأرستقراطيين والنخب أنهم يستطيعون حل أي مشكلة إذا ما عملوا معا، وبدأت الحكومات في تفعيل إجراءات مراقبة الطرق وعزل المناطق الموبوءة والتخلي عن الأفكار القديمة بأن الطاعون كان بسبب الأبخرة العفنة وحلت مكانها نظرية العدوى، وفي النهاية أسفر الجمع بين الحجر الصحي للسفن القادمة والضوابط المفروض على اليابسة عن تراجع الطاعون تدريجيا دون أن يتوصل العلماء والأطباء التجريبيون إلى سببه الحقيقي، وانتهى الطاعون من أوروبا نهائيا بعد أن أنهى سلام بلجراد الحرب النمساوية – العثمانية عام 1739، وبعده أنشأ النمساويون حجرا صحيا ومنطقة تحكم في الطاعون غطت نحو نصف إقليم سلوفينيا وكرواتيا، وكان على الأفراد القادمين من الأراضي العثمانية أن يخضعوا للكشف الصحي والحجر الصحي الذي كان يستمر لـ 48 يوما، كذلك خضعت البضائع للتفتيش والتطهير والحجر في مخازن يسكنها الفقراء، الذين يُطلق عليهم النار مباشرة إذا ظهر عليهم أعراض المرض (7). لكن الطاعون ظل يجوب الشرق الإسلامي كله حتى نهاية القرن التاسع عشر.

     

الطاعون في مصر.. مرض قديم وموت متجدد

لم تكن الأمراض الوبائية مجهولة في العالم الإسلامي، خاصة الطاعون الذي ذكره الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ومات به بعض صحابته الكرام مثل سيدنا أبو عبيدة بن الجراح، وقد كتب الشاعر والصحابي العربي المسلم حسان بن ثابت واصفا الطاعون فقال:

  

"صابَت شَعائِرُهُ بُصرى وَفي رُمَحٍ

مِنهُ دُخانُ حَريقٍ كَالأَعاصيرِ

أَفنى بِذي بَعلَ حَتّى بادَ ساكِنُها

وَكُلُّ قَصرٍ مِنَ الخِمّانِ مَعمورِ

فَأَعجَلَ القَومَ عَن حاجاتِهِم شُغُلٌ

مِن وَخزِ جِنٍّ بِأَرضِ الرومِ مَذكورِ".

      

  

وكما أُصيبت أوروبا بالطاعون الأسود في أربعينيات القرن الرابع عشر الميلادي، أُصيبت البلاد الإسلامية خاصة مصر التي كانت تحت حكم دولة المماليك، وقد سجّل المؤرخون المسلمون وقائع تفشي وباء الموت الأسود في حواضر الإسلام الكبرى، حيث كتب المؤرخ أبو حفص عمر بن الوردي عن طاعون عام 1348 قائلا: "يا له من زائر، من خمس عشر سنة دائر، ما صين عنه الصين، ولا مُنع منه حصن حصين، سلّ هنديا في الهند، واشتد على السند، وقبض بكفيه وشبك، على بلاد أزبك، وكم قصم من ظهر، فيما وراء النهر، ثم ارتفع ونجم، وهجم على العجم، وأوسع الخطا، إلى أرض الخطا، وقرم القرم، ورمى الروم بجمر مضطرم، وجرّ الجرائر، إلى قبرص والجزائر، ثم سدد الرشق، إلى دمشق، فتربع وتميد، وفتك كل يوم بألف وأزيد، فأقل الكثرة، وقتل خلقا ببثرة، فالله تعالى يجري دمشق على سنتها، ويُطفئ لفحات ناره عن لفحات جنتها، ثم طلب حلب، ولكنه ما غلب، ومن الأقدار، أنه يتتبع أهل الدار، فمتى بصق أحد منهم دما، تحققوا كلهم عدما، ثم يسكن الباصق الأجداث، بعد ليلتين أو ثلاث. سألت بارئ النسم، في دفع طاعون صدم، فمن أحس بلع دم، فقد أحس بالعدم. اللهم إنه فاعل بأمرك، فارفع عنا الفاعل" (8).

 

ولم تكن الخسائر بسبب تفشي الطاعون في الشرق بأقل منها في الغرب الأوروبي، فقد بلغت الخسائر في حياة البشر ما يقرب من ثلث السكان، في القاهرة على سبيل المثال والتي كان تعداد سكانها يُقدَّر قبل الطاعون بنحو نصف مليون نسمة، حيث كانت ثاني أكبر مدن العالم حينذاك، لقي نحو مئتي ألف نسمة حتفهم بين أكتوبر/تشرين الأول 1347 ويناير/كانون الثاني 1349، وقيل إن الجثث كانت تتناثر في كل مكان على طول الطرق بين القاهرة ومدن الدلتا والصعيد والإسكندرية، ومع وفاة أو هرب آلاف العمال انهار إنتاج الحرير والقطن، ثم بارت الأراضي الزراعية بعد فرار الفلاحين إلى القاهرة أو دمشق أو المدن الكبرى بحثا عن الطعام أو عن علاج من "طعن الجن" الذي كان يظن المزارعون أنه سبب الوباء الأسود (9).

 

لكن بالرغم من استئصال الطاعون لسكان عدد من القرى بالكامل، فإن العديد من المزارعين ظلّوا على قيد الحياة في الضواحي وخارج القرى، حيث كانوا يعودون بعد انتهاء الوباء إلى المدن والقرى ويعاودون التجارة والزراعة ويفلحون الزرع مرة أخرى، بالضبط كما حكى نجيب محفوظ في رواية "الحرافيش" عن عودة "عاشور" الناجي الوحيد من الوباء ليصبح اسمه "عاشور الناجي" الذي تتكرر قصته مرارا بأسماء مختلفة بعد كل نازلة أو وباء، فبعد أن أتى الطاعون ثم المجاعة على الأخضر واليابس خلال أعوام 1347-1348-1349، عادت قرى الدلتا في مصر والبالغ عددها 2300 قرية إلى إنتاج القمح والمواد الغذائية بعد ثماني سنوات فقط تغذي القاهرة الكبرى مرة أخرى، وداخل العاصمة نفسها استعادت الأعمال الحرفية والبيع والشراء والتجارة نشاطها تأكيدا لمبدأ "الاستمرارية والتكيف" الذي ظل يُعبِّر عن الحياة في مصر طوال تاريخها (9).

      

ميدان – حتى بعد سقوط دولة المماليك في مصر ودخول العثمانيين لم يستطيعوا هم كذلك التصدي للطاعون
     

لكن مبدأ الاستمرارية لم يُنقذ الناس يوما، ولم يوقف قط وباء الموت الأسود الذي كان يحصد أرواح الناس حصدا، ورغم تقدُّم الطب الإسلامي العربي في ذلك الوقت وتمتُّع عالم الأفكار الإسلامي بكثير من النظريات والتنوع في التفكير، عكس عالم الأفكار بأوروبا الذي كان يمتلئ بمعتقدات وثنية وخرافات الأفلاطونية المحدثة، فإن الطب العربي لم يستطع، ولا البيمارستانات التي أنشأها المماليك، إنقاذ الناس، ولم تنشأ بالمجتمع العربي مجموعة أو نخبة مختصة واحدة تقود الناس نحو التعافي، بل اكتفى العلماء بنصائح النظافة واكتفى الوعّاظ بالحض على ترك المنكرات والخمور وفعل الخيرات، بل لم تُقدِّم السلطة السياسية ذاتها شيئا ينقذها من المرض، وحتى بعد سقوط دولة المماليك في مصر ودخول العثمانيين لم يستطيعوا هم كذلك التصدي للطاعون، وبات الضيف الأسود كل بضع سنين يطوف بعواصم الشرق من الهند وحتى المغرب العربي دون أن يجد أمامه أي مانع.

 

الموت تحت راية الاستسلام

بخلاف حفنة من الرسائل التي وضعها أطباء مثل ابن خاتمة وابن الخطيب والتي حاولت التوفيق بين نظرية فساد الهواء المسببة للمرض في الطب اليوناني القديم وبين نظرية العدوى التي نقلها الأطباء التجريبيون في الغرب إلى الثقافة الأوروبية فمكّنتهم من عزل البشر وتحديد حركتهم لتقليل العدوى، لم يُقدِّم العلماء المسلمون أي تفسير يُساعد الناس في التصدي للطاعون سوى فكرة "الاستسلام لقدر الله" وتقبُّل إرادة الله، والحث على أعمال الخير ومواساة المرضى وحُسن تكفينهم وإكرامهم بالجنازة والدفن. ورغم وجود نص نبوي صريح يحث على "الحجر الطبي"، أي تحديد حركة البشر حين يقع وباء الطاعون، فإن المسلمين لم يلتزموا به إلا نادرا، أما القوانين التي كانت تخرج لمنع الناس من النزول للشوارع فقد كانت تُقابَل بالعصيان والاحتقار من العلماء والنخب نفسها، حتى تُرفع بعد رفض الناس لها أو موت الحاكم نفسه (10).

  

كانت مصر حينذاك تحت حكم "المماليك"، الدولة العسكرية ذات القوة والبأس، قوة أوقعت الملك لويس الرابع عشر الفرنسي في الأسر عام 1250، كما دمّر المماليك الحملة الصليبية السادسة، وأجبروا المغول على التقهقر إلى أراضيهم بوسط آسيا عام 1258 بعد أن استباحوا ودمّروا بغداد، حاضرة الإسلام الكبرى وأكبر مدن العالم حينذاك، وكادوا أن يصلوا إلى مصر ويخربوا أوروبا، ثم انتصر المماليك مرة أخرى على المغول بقيادة تيمورلنك عام 1400، كان المماليك دائما منتصرين، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا في تطبيق سياسات ناجحة للتصدي للطاعون، وبدلا من ذلك اتخذوا قرارات فردية كعادتهم العسكرية، وعندما فشلت تلك القرارات فرّ عدد كبير من المماليك، وتحصّن آخرون بقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة ليدافعوا عن مصالحهم ضد المماليك المنافسين (11).

    

  

لكن الطاعون كان قد وصل إلى القلعة، وتساقط نزلاء القلعة جثثا هامدة، وفي النهاية انخفض عدد المماليك من عشرة آلاف مملوك إلى نحو خمسة آلاف (11)، لكن إيرادات احتكار دولة المماليك لبيع قصب السكر، ثم احتكارهم لبيع التوابل إلى الوكلاء الأوروبيين، قد ساعدت على بقاء النظام المملوكي مدة أطول، وفيما اهتم المماليك بمصالحهم وضرائبهم وسلطتهم البائدة لا محالة دون أدنى سياسات مدنية تعمل على التصدي للوباء، وترك الأمر بالكامل للوعّاظ والعلماء والأطباء وفاعلي الخير، كان الأمر مشابها لدى النخب التجارية بمصر.

  

فقد كان الاهتمام الأول لكبار التجار في القاهرة والإسكندرية ومدينة قوص الواقعة في جنوب مصر والتي تتحكم في طريق الأقصر من النيل إلى البحر الأحمر هو تحصيل الإيصالات والكمبيالات بصفة منتظمة، وبعد أن فرض السلطان الأشرف برسباي احتكارا حكوميا للبهارات في عام 1423، انتقلت العديد من أُسر التجار ببساطة إلى الهند واستمروا في التجارة من هناك، ويذهب المؤرخ شلدون واتس اعتمادا على بعض المصادر التاريخية إلى أن هجرة هؤلاء التجار هي سبب انهيار عوائد الضرائب وليس اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح هو السبب الحقيقي الذي أدّى في النهاية إلى ضعف الدولة المملوكية وهزيمتها وسقوطها عام 1517 لتصبح مصر ولاية عثمانية (11).

  

وعلى عكس أوروبا، لم يهتم أحد في مصر سواء كانوا مماليك أو تجارا أو حتى ولاة عثمانيين فيما بعد بتطبيق حجر صحي مثل الذي طبّقته إيطاليا في موانئها، واكتفت الحكومات الإسلامية سواء كانت مملوكية أو عثمانية بالموقف العام في الشرق الإسلامي كله من الطاعون والمتلخّص في "التدابير الروحية" والدعاء والدعوة إلى التسليم لقدر الله والاستسلام لإرادته والاستسلام لحكم القوي المتغلب وبطشه.

    

  

ويذكر المؤرخون (12) أن خلال موجات الوباء المتكررة كان المسلمون يكرّرون التدابير نفسها مستسلمين حاملين نعوش موتاهم، أو فارّين من القرى إلى المدن، ومن مدن إلى أخرى، وحتى القرن التاسع عشر لم يفرز المجتمع الإسلامي بحثا علميا واحدا يتأمل في طبيعة الطاعون ويحاول تطوير النظرة الطبية له، حتى وصل الوالي محمد علي إلى سدة الحكم في مصر وبدأ في فرض الحجر الصحي في عام 1834، لكنه فشل هو الآخر في التصدي للوباء، فقد كان يُطبِّق سياسات من القرن السابع عشر لا تتفق والبيئة الشرقية، ولم تنجح سياسات محمد علي في التصدي لوباء الطاعون إلا عام 1844 بعد أن بدأ الناس في التعاون ومواجهة السفن القادمة من موانئ البحر المتوسط المشتبه فيها بإجراءات صحية صارمة.

   

كورونا.. هل يصبح طاعون العالم من جديد؟

مثله مثل الطاعون، انتقل فيروس كورونا من الحيوان إلى الإنسان، مخلفا وراءه حتى الآن 5900 قتيل، والعدد في ازدياد، والمصابون في ازدياد، وكما اختلفت استجابة النخب السياسية للطاعون في كلٍّ من الشرق الأوسط وأوروبا، واجه فيروس كورونا طرق تصدٍّ مختلفة بين دولة شرقية شمولية استبدادية مثل الصين ودولة دينية مثل إيران ودول غربية ديمقراطية مثل إيطاليا وألمانيا وإنجلترا وشبه دولة عسكرية مثل مصر، حيث تعاملت الصين مع الفيروس كعدو قومي وأعلنت الحرب عليه بكل الوسائل الممكنة، وفرضت حجرا صحيا صارما على مدينة ووهان منبع الفيروس، فتعاملت الصين مع كورونا كجحر نمل أو خلية نحل أُصيب قلبها فانكب أعضاء الخلية كلها على أنفسهم ليُصلحوا ما أصابهم.

  

أما إيران فقد أرادت أن تضع كورونا في خانة جديدة من خانات المؤامرة الشيطانية التي تحيكها أميركا عليها، وعندما بدأ الوباء في التفشي داخلها لم تجد الحكومة لديها أي فكرة أو منهج أو نظام صحي للتصدي، فشاع الخوف ولجأ الناس للمراقد مثلما لجأ الأوروبيون قديما للكنائس، فزادت الكارثة وحُفرت المقابر الجماعية وربما ينهار النظام السياسي كله.

      

تعاملت الحكومة المصرية مع الوباء بتباطؤ واستخفاف وبالتالي تفشى المرض، وانتشر دون أن يكون لدى الحكومة المصرية أي جاهزية طبية
   

أما الألمان والإنجليز فتعاملوا معه كما هو كوباء، وبدأت الإجراءات الصحية وإجراءات العزل الصحي والحجر الطبي وربما تصل إلى فرض حالة الطوارئ وعزل المدن بالكامل، وهي منهجية نجحت من خلالها أوروبا قديما في التصدي للطاعون.

       

أخيرا، نجد الحكومة المصرية قد تعاملت مع الوباء بتباطؤ واستخفاف، وخوف من وقوع المصالح الاقتصادية وانخفاض عوائد السياحة والضرائب، وبالتالي تفشى المرض، وانتشر دون أن يكون لدى الحكومة المصرية أي جاهزية طبية أو خطة إستراتيجية لمواجهة الوباء، وحالات الإصابة في تزايد مستمر بعدما أعلنت وزيرة الصحة المصرية عن وضع 300 أسرة تحت الحجر الصحي بمحافظة الدقهلية، وبعد أن تواترت التبليغات عن مصريين مصابين بالفيروس في إيطاليا وأميركا والكويت، وبعدما علّقت عديد من الدول رحلات السفر بينها وبين مصر.

    

   

فبعد ما يقرب من سبعة قرون، ما زال تعامل الحكومة المصرية مع الوباء مثلما تعامل المماليك والعثمانيون مع الطاعون، وما زالت النخب التجارية والسياسية في مصر تلجأ للهرب مُفضِّلة مصالحها التجارية وفعل الخير على مساهمتها في الإصلاح السياسي وتولّي المسؤولية السياسية وقت الأزمة، باستثناء الأطباء الذين يكافحون وسط نظام طبي متهالك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ومساعدة المصابين في مصر، لكنّ مصدرا حكوميا (13) قد أكّد أن ملف التعامل مع فيروس كورونا في مصر تحت يد المخابرات العامة، وغير مسموح لأي شخص الإعلان عن نِسَب الإصابة الحقيقية، وقد رفضت المخابرات اقتراحا قدّمته وزارة الصحة بغلق المتاجر وفرض حظر تجول جزئي منعا لانتشار العدوى، فما زالت مصر يحكمها نظام عسكري لا يستطيع التخلي عن مصالحه التجارية، وسط توقعات بغلاء الأسعار وازدياد البطالة والكساد في ظل توقف النشاط التجاري والسياحي بسبب الفيروس، والخوف الأكبر هو أن يحدث ما حدث مرارا طوال تاريخ مصر وهو أن يصاحب الوباء مجاعة تُهدِّد حياة ملايين المصريين.

   

في النهاية، يُخبرنا ميشيل فوكو (14) أن مهمة الطبيب ليست طبية فقط بالتصدي للوباء، بل هي في الأساس سياسية "أولا، بالكفاح ضد الحكومة المستبدة الفاسدة، قبل الكفاح ضد الوباء والمرض"، فكما يُعلِّمنا التاريخ وتشهد تجربة كلٍّ من النخب الأوروبية والعربية في التصدي للطاعون أن الإنسان لن يُشفى من المرض إلا إذا أصبح أولا حرا مكافحا ضد الاستبداد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة