الكلاب في الحطابة.. كيف يتعايش الإنسان والحيوان في حواري القاهرة الشعبية؟

اضغط للاستماع

    

هل فكّرتَ يوما في الصلة بين أزقة الحارات الشعبية ساعة الفجرية وبين ألحان ونداءات الباعة المرتَجلة في هذه الصباحات؟ وهل ربطت يوما بين موسيقى التشيلو وترتر مناديل صبايا منطقة الموسكي وألوان ثيابهم الملونة الباهرة؟ هنالك من فعل هذا؛ الموسيقار المصري جمال عبد الرحيم الذي أحبَّ بيتهوفن وسافر إلى ألمانيا ليقتفي أثر ألحانه، وحينما عاد إلى القاهرة بعد إنهاء دراسته، ذهب إلى الحارات المصرية وتلمَّس موسيقاها وبكارتها اللحنية وأصغى السمع لإيقاع نغماتها العفوية، فخرج لنا بمعزوفات تعكس روح الحارة الشعبية، أشهرها معزوفتُه البديعة "ارتجالات على لحن بائع متجول".

   

ومثلما قدَّم جمال عبد الرحيم ارتجالات على لحن بائع متجوّل، كتب نجيب محفوظ معزوفاته الروائية عن حيوات البشر والحرافيش في الحارات الشعبية. فالحارة ينبوع القص المتدفِّق لأعمال محفوظ، إلا أن كائنات أخرى غير البشر ظلّت وحكاياتهم والأزقة وألحانها منسية ومُتجاهلا الحديث عنها رغم حضورها القوي في الحياة اليومية في هذه الحارات الشعبية، هذه الكائنات التي نقصدها هنا هي الكلاب.

 

في هذا التقرير نصحبكم في "ميدان" في جولة طويلة بين حارات منطقة الحطابة، حارة الحرافيش ودرب الوسطاني والصهريج والدحديرة والوسعاية والخوخة، لنكتشف حكايات الكلاب وعلاقتهم بالبشر في هذه المنطقة الشعبية الموجودة في قلب القاهرة التاريخية القديمة. نَعِدُك أيها القارئ أنك ستندهش من بعض هذه الحكايات، أبطالها الكلاب والبشر، ولا توجد إلّا في الحطابة، وقد تغيب في حواضر كبرى، حيث نرى عبر هذه الحكايات بعض القيم الأصيلة الباقية بين ارتجالات الحياة في هذه الحارات.

   

فثمّة أصالة تقترن بهذه الأماكن الشعبية تتناقض والصورة الراسخة في أذهان البعض عنها، بأنها نبع العشوائية، ومستودعُ الجريمة، ومستقرُّ القبح؛ لتُعيد هذه الحكايات مساءلة مفاهيم كالعشوائية والتحضُّر، وتنقل لنا قصصا لا نعرفها عن أماكن وأناس لا يجدون مَن يتحدّث عنهم. ولكن قبل أن نلج للحديث عن حكايات الكلاب والبشر في الحطابة، سنُعرِّج قليلا للتعرُّف على المكان نفسه.

  

الحطابة.. تاريخ المكان ما بين الأثر والركام

   

لم يسمع كثيرون عن منطقة الحطابة إلا من خلال أحد مشاهد فيلم "أبو علي"، حينما ذكر طلعت زكريا تلك الجملة التي أصبحت "إفيها" شهيرا فيما بعد: "أنت فاكر نفسك بتلعب في مركز شباب ليفربول أنت في مركز شباب الحطابة يلا"، ليبقى هذا المشهد الكوميدي هو الصورة الأكثر تداولا عن منطقة الحطابة. إلا أن للحطابة -وإن شئت الدقة شياخة الحطابة- تاريخا طويلا، إذ تقع الحطابة في حرم أثريّ وهو قلعة صلاح الدين الأيوبي، فهي منطقة أثرية تمتد بعمر القاهرة القديمة التاريخية، ولطالما ارتبطت الحطابة بتاريخ القلعة وموقعها على طريق خروج قوافل الحج.

 

وفي العصر العثماني عُرفت بمهنة الحطب، ليتغيّر اسمها من "تحت القلعة" إلى الحطابة، وظلّت منطقةً حرفيةً إلى أن سيطر محمد علي باشا على الباب الجديد لتدخل منه عربته، وأسَّس دار المحفوظات في قطاعها الشرقي، وظلّت الأفواج السياحية تدخل من الباب الجديد إلى أن أُغلق في بدايات القرن الحادي والعشرين مما أثّر سلبا على اقتصاد المنطقة. تضم الحطابة ٧ آثار مُسجّلة و٥ مبانٍ عامة ذات قيمة تاريخية عالية، بالإضافة إلى العديد من المباني التاريخية السكنية. فالحطابة نموذج للنسيج العمراني للقاهرة التاريخية، ذلك النسيج العمراني الذي لم يتغيّر منذ توثيقه في خريطة وصف مصر عام ١٨٠١، ولكنها حاليا مُدرَجة كعشوائيات ذات خطورة من الدرجة الثانية من قِبل صندوق تطوير المناطق العشوائية. (1)

   

    

فالحطابة في مُخيّلة الدولة منطقة عشوائية تستحق الإزالة، حيث تراها منبتا للبلطجة ومأوى شياطين الإجرام ومتعاطي المخدرات وتُجّارها. لذلك، فعلى الرغم من صغر حجم الحطابة وقلّة سكانها (فلا يتعدّى سكانها 500 (خمسَمئةِ) أسرة و2000 نسمة) فإن تاريخها يزدحم بمعارك كثيرة مع السلطة.

 

فعقب زلزال 1992 تهدمت مبانٍ كثيرة في الحطابة ونُقل كثير من الأهالي إلى مناطق أخرى، ومنعت الدولة السكان -بقوة القانون- من ترميم منازلهم، فالمخطط أن تسقط المباني بفعل الزمن الذي لا تخرّ قواه أبدا، ولا تُرمَّم المباني فيضطر أصحابها للرحيل وتُترك المنطقة خالية، ويُعاد استخدامها لصالح مستثمرين يزيلون آثار الركام ويمحون ذكرياتِ البشرِ وتاريخَ المنطقة بأموالهم ونفوذهم.

 

وبالفعل تحوّلت الحطابة -مع منع تراخيص الترميم بها- إلى حارات ممتلئة بالبشر والركام والخرابات، وكلمة "الخرابة" يطلقها أهل المنطقة على الأماكن المُهدَّمة الخالية، ففي الحطابة تختلط حياة البشر بأطلال بيوتهم وبيوت آبائهم وأجدادهم. (2) البيوت تتساقط وبعض البشر يغادر، والكثيرون يشيخون حيث ولدوا وعاشوا أول مرة في حارات الحطابة الضيقة، ولكن ظل في الحطابة شيء أصيل لم يتغيَّر بتغيُّر الزمن: روابط الجيرة الأصيلة، وبعض العادات والتقاليد، ومساقي الحيوانات والطيور التي تجاور البيوت المُهدَّمة، وحكايات وذكريات كثيرة بين الكلاب والبشر هناك تروي جوهر الحياة في تلك المنطقة التاريخية القديمة.

   

    

بداية الجولة وحكايات البشر والكلاب في الحطابة

من أمام مركز شباب الحطابة المجاور لدار المحفوظات العتيقة يصحبنا أحمد (الشاب الثلاثيني الذي وُلد وعاش كما عاش أجداده في الحطابة) في جولة بين حواري الحطابة، يحكي لنا فيها عن الكلاب والبشر والركام، يبدأ أحمد حديثه مع "ميدان" قائلا:

"إحنا عارفين الكلاب والكلاب عارفانا، الكلب غلبان مالوش حد وحارس وصديق، بينام على باب الأوض فبنسيبه، الكلاب جيرانا وأصحابنا، بيعرفوا مين الحنين عليهم ومين مش بيرحب بيهم، فرغم أن الكلاب في الحطابة مش مدربة بس بيفهموا لغة البشر كويس".

   

يتوقَّع أحمد أن عدد الكلاب في الحطابة ما بين 50-70 كلبا، ولكل مجموعة من الكلاب منطقة خاصة لها حدودها التي لا يخرج عنها أي كلب، ولا يُسمح لأي كلب جديد أن يتعدّى هذه الحدود، لذلك يصحب أحمد مجموعة من الكلاب، وعند حدود معينة يفارقونه لتصحبه مجموعة أخرى من الكلاب، وهكذا. يرى أحمد أن لتسمية الكلاب وقع السحر عليها وعلى علاقتها بالأطفال وبالمكان، فحينما أطلق أحمد اسم "شوقي" على أحد الكلاب البلدي، لاحظ أن الأطفال تحب اللعب معه بمجرد أن أصبح له اسم يُعرف به، ومن هنا بدأت رحلته في تسمية الكلاب في الحطابة، فسمى "سميرة" و"غزالة".

   

يروى أحمد لـ "ميدان" قصة "سميرة" و"غزالة":

"سميرة كلبة بلدي ولدت بجوار عمود كهرباء عارٍ، فكنا نخشى أن تُصعق بالكهرباء وتموت، ولم تكن قد أكلت أو شربت شيئا منذ وضعت صغارها، وفي الوقت نفسه لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها كي لا تؤذيه، فتشجّعت واقتربت منها واطمأنت لي، فنقلتُها وصغارها في شُقة في منزلنا على الطوب الأحمر، ومكثت في الشقة حتى كبر صغارها قليلا، سمّينا هذه الكلبة سميرة، وصارت صديقة للأطفال يأتون لها بالشيبسي والبسكويت وعصير القصب".

   

يُضيف أحمد:

"كنت أرى الفرحة في عيني سميرة لاهتمام أطفال الحارة بها. أما غزالة فهي كلبة أخرى هزيلة نحيلة، لونها أصفر وعيناها ملونة، تشبه الغزلان، فسميّتها غزالة، وتعرّفت عليها في حالة ولادة كسميرة أيضا".

   

نتجوّل في حارات الحطابة مع أحمد فيُخبرنا عن حسن، قائلا:

"لا يمكن الحديث عن الكلاب في الحطابة دون لقاء حسن، فقد اعتاد حسن تربية الكلاب وهي جِراء صغيرة حتى تكبر، ثم يُعيدها مرة أخرى إلى الشارع ويعتني بجراء أخرى. لذا، فكل الكلاب في الحطابة تعرفه، فحينما تأتي البلدية لتسميم الكلاب أو قتلها، يجري الأطفال إلى منزل حسن لإخباره، فينادي حسن على الكلاب، فتأتي إليه ويقوم بإخفائها من أعين البلدية، مُنقذا إياها من مصير الإبادة".

      

حسن صديق كلاب الحطابة

  

نتوجّه إلى بيت حسن، نجد الباب مفتوحا، يبدو أنه يستقبل ضيوفا، ناداه أحمد، استأذن حسن ضيوفه وأخذ كلبته "بسبوسة" وجاء معنا. "بسبوسة" كلبة بلدي تُقيم مع حسن هذه الفترة، واصلنا السير مع حسن و"بسبوسة" في أزقة الحطابة. حسن رجل أربعيني، يُربي الكلاب منذ تسعةٍ وثلاثين عاما، فقد فتح عينيه على الحياة فوجد والده يهوى تربية الكلاب والحمام، فنشأ محبا للكلاب، مولعا بتربية الحمام. يفهم حسن لغة الكلاب ونظراتهم ويبادلهم الحديث ويشارك معهم في اشتباكاتهم.

   

يذكر حسن لـ "ميدان" أنه حينما يذهب إلى منطقة المقطّم يأخذ بعض الكلاب معه، ولكن قوانين حياة الكلاب تُحتِّم عليهم أن يلزم كل كلب منطقته المحددة ولا يتخطاها لمنطقة غيره، وإلا نشبت اشتباكات بين الكلاب وبعضها بعضا، لذا ينظر حسن دائما خلفه وهو يركب الدراجة النارية، فإذا تخلّفت الكلاب عنه، عرف أنهم يشتبكون مع كلاب منطقة أخرى، فيرجع إليهم ليُشاركهم العراك مع هذه الكلاب. يتحدّث حسن عن الكلاب بصيغة الجمع، لا يفرق في اللغة بينهم وبين البشر.

  

يؤمن حسن بأن "كلبك يحرسك وأخوك يحبسك"، وتتشابه مقولة حسن هذه مع بعض المقولات التي وردت في كتاب محمد بن خلف المرزبان التراثي الشهير ذي العنوان المُثير "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"، الذي أورد فيه قصصا وحكايات وأشعارا كثيرة تُدلِّل على إخلاص ووفاء الكلاب عن البشر، ومما جاء فيه من أقوال في مديح الكلاب:

"اعلم، أعزك الله، أن الكلب لمن يقتنيه أشفق من الوالد على ولده والأخ الشقيق على أخيه، وذلك أنه يحرس ربه، ويحمي حريمه شاهدا وغائبا ونائما ويقظانَ، لا يقصر عن ذلك وإن جَفَوه ولا يخذلهم وإن خذلوه".

   

فقد تعلَّم "حسن" هذا الدرس مبكرا من كلب والده الذي ظل رابضا أمام قبر والده لمدة تزيد على عشرة أيام متواصلة رافضا أن يَبْرَحَ مكانه في الحر والقيظ الشديد، بينما غادر الجميع بعد انتهاء طقوس الدفن. وهذه القصة (إلزام الكلب قبر صاحبه) متكررة في حكايات كثير من الشعوب العربية وغيرها، حيث يروي ابن المرزبان أنه كان لأعرابي يُدعى الربيع بن بدر كلب قد ربّاه، فلما مات ودُفن صاحبه، جعل الكلب يضرب على قبره حتى مات. وكان لعامر بن عنترة كلاب صيد وماشية، وكان يُحسن مصاحبتها، فلما مات عامر لزمت الكلاب قبره حتى ماتت عنده، وتفرّق الأهل والأقارب.

     

   

"رُوي" هو أول كلب في حياة حسن، نشأ معهم في البيت، وصاحبهم 12 عاما، وحينما مات رُوي، قام أخوه الصغير بمشاركة أطفال الحطابة بطقوس الدفن، فحفروا للكلب قبرا في الجبل، ودأبوا على زيارته كل يوم خميس، فيجمعون أنفسهم ويجلسون على قبره. يُعلِّق أحمد على هذه الحكاية، فيقول لـ "ميدان":

"لقد ذكّرني حسن بقصة مماثلة، ففي جيلي كرّرنا هذه الحكاية مع أصدقائي حينما دفنّا معا في الجبل أول كلب صغير صاحبته في حياتي، فحينما كنت طفلا أحبو أتى والدي بجرو بلدي صغير للمنزل، وجد والدي هذا الجرو في أيدي أطفال صغار يعذبونه ويخنقونه بحبل فاشتراه منهم بجنيه واحد، نشأنا معا أنا وهذا الكلب، فكان ما زال يرضع وكنت ما زلت أحبو، فكبرنا معا، وأحيانا كنا نأكل من الوعاء نفسه.

 

وحينما كبُر كلبي كان يصحبني إلى المدرسة، ويذهب مع أمي إلى السوق، ورغم أنه قد يخوض بعض المعارك مع الكلاب التي نمر بمنطقتها في طريقنا، فإنه كان يُصِرّ على مرافقتنا، فهو كلب "جدع". وحينما قامت الحكومة بحملة تسميم للكلاب في الحارة، ماتت الكلاب وكان من بينها كلبي هذا، ولكنه قاوم الألم ومشَى حتى باب حجرتي ومات! من يومها وأنا أشتبك مع البلدية التي تؤذي الكلاب، وحينما مات كلبي ذهبنا في رحلة جماعية مع أطفال جيلي إلى الجبل لندفنه، هذا الكلب جعلني أحب كل الكلاب البلدي في الشارع".

   

يعود حسن ليحكي عن الكلاب باعتبارها أصدقاءه كالبشر أو أقرب كثيرا، ويؤمن حسن بأن للكلاب قدرة على التنبؤ بموت أصحابها أو مَن يحبون من البشر قبل وفاتهم، فيذكر حسن أنه يلاحظ دوما أن الكلب يحفر في الأرض قبل وفاة أي شخص يحبه بأربعين يوما، ويظل حسن قلقا، فهو لا يعرف مَن هذا الشخص الذي يحوم الموت حوله، فقد يكون هو شخصيا الذي سيزوره الموت قريبا. سألناه في "ميدان": كيف يكون رد فعلك وشعورك خلال هذه الفترة التي ترى فيها كلبا يحفر في مكان، بينما تؤمن أن أحدا ممّن تحبهم قد اقترب أجله؟ ينظر حسن في توتر قليلا، يهدأ ثم يقول: "الموت شيء مخيف، أنا ممكن اللي أكون هموت"، ثم يصمت.

 

من المواقف الطريفة التي يشاركها حسن مع "ميدان" عن أحد الكلاب الشرسة التي أتى به لتزويج كلبته السوداء الأثيرة التي سماها "بلاكي"، وهي من نوع البلاك كوت، نلحظ في طريقة حكيه كيف يخاطب حسن الكلب كشخص كامل الأهلية. يروي حسن أنه ذات يوم، منذ 15 عاما، ذهب إلى سوق الجمعة بالسيدة عائشة، فأنقذ أحد الأشخاص من الوقوع فريسة غش أحد الباعة هناك، فشكر له هذا الشخص صنيعه، وأعطاه كلبَه الشرسَ القويَّ الضخمَ أحمرَ اللونِ من فصيلة "الروت وايلر" ليزوّجه بكلبته، حتى تلد جراءً صغيرةً جيدةَ النسل، وتحمل مزايا والديها وجيناتهم الجيدة من حيث الذكاء والقوة، وقد ينتفع كثيرا من بيعها، كما أنه يحب بلاكي جدا، وأراد أن يتخيّر لها زوجا قويا ذكيا. ولكن الكلب كان شرسا فخافت بلاكي منه، وحينما وجد حسن دموعا في عينَيْ كلبته، أخذ يحنو عليها، ويقول لها: "معلش يا بلاكي، ده عشان تجيبي أطفال حلوين"، وشاهده الكلب الشرس الضخم يقترب من بلاكي، فتوعده!

   

  

فمن المعروف عن الكلاب -كما يُخبرنا حسن- أن الكلب الذكر دوما ما يريد أن يُثبت كامل رجولته في حضور أنثاه، حتى وإن كان كلبا "هفأ" -أي ديوثا أو ضعيف الشخصية- فلا يجوز أن تقترب من أنثى كلب والذكر أمامك، خاصة إن كنت غريبا عنه، فيروي حسن لـ "ميدان" الحوار الذي دار بينه وبين الكلب الشرس حينذاك:

– الكلب الشرس: "أنا مش قاعد عشان تطبطب عليها، هو أنا مش عاجبك يعني، مش شايفني!". 

– حسن: "معلش، ده أنا اللي جايب لك العروسة". 

– الكلب الشرس: "أبدا مش هتخرج من هنا إلا وأنت متعور".

   

يُضيف حسن: "وقفت في الحجرة لمدة ساعتين كاملتين ممسكا بالبطانية لِيَبْعُدَ الكلب عني وعن رقبتي خاصة، فالكلب شرس ومتدرب للهجوم على الآخرين بنبش رقابهم، ولم يكن أمامي أي خِيار، فسوف يخطف رقبتي جاعلا من حَنْجَرتي مزمارا ينفخ فيه، فاتصلت بصاحب الكلب فلم يأتِ، والكلب قد فُكّ قيدُه، ولا أعرف كيف أتصرف، وحينما حاول أخي الدخول لم يستطع، فالموت يقيم في الغرفة مرافقا للكلب".

 

وبعد محاولات حسن الفاشلة لإغفال الكلب مرة تلو أخرى، ينجح في آخر الأمر، ولكن ببعض الخسائر الفادحة، منها كسر تلفازه الدايو 16 (ستَّ عشرةَ) بوصة الذي كان قد اشتراه قبل تلك الحادثة بفترة قصيرة. شاعت هذه القصة عن الكلب الأحمر الشرس الذي كاد يقتل حسن في الحطابة بأكملها، وأصبحت قصة تتعاقب الأجيال روايتها والتندّر حولها، فقد كانت قصة الكلب الأحمر الشرس جزءا من ذاكرة أحمد وحسن المشتركة رغم الفارق العمري بينهما الذي يُقارب عقدا كاملا.

 

تساعد الحيوانات على إزكاء الجوار وزيادة التفاعل بين الجيران وبعضهم وبين الأجيال المختلفة، فلم يمنح حسن لأطفال الحطابة من الأجيال المختلفة حكاياته مع الكلاب والحمام فقط، ولكن كان يصحبهم إلى سوق الحيوانات والطيور في السيدة عائشة، فيشتري معهم الحمام ويُعرفُهم أنواع الطيور والكلاب المتنوعة.

 

فقد ساعد قُرب الحطابة من سوق السيدة عائشة الأسبوعي للطيور والحيوانات على انتشار هواية تربية الكلاب والحمام بين أبنائها، وأصبحت خبرة التعامل مع الحيوانات والطيور والعناية بهم خبرة متوارثة تنتقل من جيل لآخر، فيذكر أحمد أنه تعلّم تربية الحمام وعشق هذه الهواية من ابن عمته، فيقول أحمد لـ "ميدان":

"لقد تعلمت تربية الحمام من ابن عمتي رحمه الله، فبعد زلزال 1992 تهدّم منزل عمتي، وانتقلت وأولادها من الدحديرة بالحطابة إلى منطقة أخرى بعيدة عنا، وكنت أزورهم منذ الصغر فأصعد قبل أي شيء إلى سطح منزلهم حيث غيةُ الحمام فأمسكه وأطيره، فأهداني ابن عمتي أول حمامات أربيها منذ طفولتي، وما زلت أعشق الحمام، ولا أربيه بغرض الأكل وإنما أهوى اقتناء الأنواع الغالية منه".

     

  

يتّفق أحمد وحسن على أن للحمام مزايا عديدة مقارنة بالكلاب، فلا يُسبِّب الحمام أي أصوات مزعجة، وليس له رائحة كريهة، يطير في السماء عاليا، يلفّ العالم ثم يعود مرة أخرى. لكنّ لحسن فلسفته الخاصة حول الفرق بين الحمام والكلاب، فيوضحها حسن، قائلا:

"الكلاب تُقيم معنا على الأرض، ولكن الحمام ينتمي إلى السماء، الحمام أطهر وأشد ذكاء من الكلاب، فلو ذهبت بالحمام إلى الإسكندرية سيعود إليك مرة أخرى هنا، ولكن يصعب على الكلاب العودة، فالكلاب أوثق صلة بالمكان، والكلب ذكي في مكانه فقط. كما أن الحمام خيّر، ولكن الكلاب تحمل قدرا من النجاسة. لذلك لا بد أن أصعد إلى الحمام بطيب نفس، لأن النفس الحقودة والنظرة السيئة قد تُميت "الزغاليل" صغار الحمام". فالحمام وفقا لحسن: "عايز كل حاجة فيك طاهرة وخالصة لربنا، فلو صعد أحد للحمام بغير هذه الروح، سيموت الحمام".

      

من خلال تبادل الحديث مع حسن عن الفرق بين الحمام والكلاب، نرى كيف يَعُدُّ حسن الكلاب كائنات أرضية تشارك الدنس والنقاء مع البشر، ولكن الحمام كائنات سماوية تُقدِّس البراءة الخالصة والطُّهر الكامل. ومن المثير للدهشة أنه حينما غادر بعض أهالي الحطابة منطقتهم حينما سقطت منازلهم ورحلوا بعيدا، ظلّ الحمام يأتي من حين لآخر، ويحط على "غياته" القديمة أعلى البيوت المتساقطة، فيعود إلى دياره بعدما صارت أطلالا.

   

الحطّابة ليست جنة، وحيواناتها يعانون التهميش كأهلها، وبعض الأهالي يرون الكلاب كلها نجس، ويتجنبون الاقتراب منها، وهناك مَن يلعب معهم ويضع لهم الطعام ثم يذهب ليغتسل، ولكنهم جميعا يرفضون حملات الإبادة والقتل المُسلَّطة على الكلاب البلدي في الشوارع، لأن ذلك يُنافي حقوق الجيرة، فالحيوانات لها حق الجيرة كالبشر.

   

فهنالك في حواري الحطابة مَن عُرِفوا بانتسابهم إلى الحيوانات، سواء حيوانات يربونها أو يعتنون بها، كتلك السيدة التي تُلقَّب بـ "الست اللي بتأكل الكلاب والقطط"، وهي سيدة عجوز تأتي كل يوم بهياكل الفراخ لتُطعم بها الحيوانات الضالة، وحينما تغيب هذه السيدة تُفتقد. والسيدة الأخرى التي تُعرف بـ "الست اللي بتربي الخرفان اللي في الخرابة"، فهذا لقبها نسبة إلى خِرافها التي تربيها مع الماعز والفراخ والبط في الخَرَابة. ما يميّز الحطابة عن أي مكان آخر أن الحطابة منبت أصيل كشجرة ممتدة جذورها في الأرض منذ قرون، وثمة تقاليدُ فيها قديمة قِدَم المكان وآثاره، ففي الحطابة مساقٍ للحيوانات والطيور ومواضعُ لطعامهم تنتشر أمام البيوت في حواريها.

   

رحمة ونور.. مساقٍ ومواضعُ طعام الحيوانات أمام المنازل في الحطابة

  

يقول أحمد لـ "ميدان": "منذ وُلدت وجدتُ الناس تأتي بالأحجار وتجوّفها حتى تستوعبَ المياه لسقي القطط والكلاب والطيور"، ويُستعمل الحجر تحديدا لأنه يتحمّل كل العوامل الجوية. فتنتشر هذه المساقي أو ما أسماه أحمد بـ "كولدير الكلاب" في كل الحواري أمام البيوت وفي شوارع الحطابة الضيقة. فهذه المساقي عادة متوارثة بين الأجيال هناك منذ القِدَم، فيعتبرها الأهالي "رحمة ونور" لترتوي الحيوانات والطيور العطشى.

   

وفيما يلي عرض صور لنماذج من هذه المساقي:

   

نموذج من الأحجار التي يحفرها أهل الحطابة بأنفسهم لتجويفها وتوفير المياه فيها للحيوانات والطيور (الجزيرة)

  

من الحجر المجوف نفسه ويجاور باب البيت مباشرة. (الجزيرة)

  

شراب للحيوان العابر في الحجر المجوف ذاك في الصورة يجاور شراب المارة من البشر في هذه القلل المعلقة بتنسيق وترتيب معين (الجزيرة)

  

نموذج لإعادة تدوير حوض غسيل دورة مياه وبه مياه لشراب الحيوانات والطيور (الجزيرة)

     

صورة أخرى تؤكد انتشار فكرة استخدام الأحواض البلاستيكية في الحطابة لتوفير المياه للحيوانات المارة والطير (الجزيرة)

        

نموذج من العبوات البلاستيكية، "دلو" كبير من المياه يُخصّص لسقي الحيوان والطيور (الجزيرة)

          

ثمة زوايا يتوفر فيها بقايا طعام منزلي ومياه (الجزيرة)

    

صورة لإناء من الخشب مُخصَّص لوضع الطعام للحيوانات كالقطط والكلاب والطيور (الجزيرة)

    

الصورة التالية تعكس جزءا من جبل الحطابة المقابل لقلعة صلاح الدين، وتُقيم فيه بعض الكلاب حينما تنزعج من ضوضاء البشر في الحواري، ويبحث فيه بعض جامعي القمامة من الصِّبْية والفتيات الصغار والكلاب عما يمكن جمعه من بين هذه النفايات، وحتى وقت قريب كان يصعد أطفال الحطابة للعب الكورة على هذا الجبل، وتطلق نساء الحطابة دجاجاتها وطيورها في الشمس على هذا الجبل.

     

واجهة أحد البيوت القديمة في الحطابة وفي مدخل البيت قطة تأكل (الجزيرة)

     

تُفضِّل الكلاب في الشتاء المكوث تحت السيارات أو بجوار أي صندوق في ركن بعيد في أي زُقاق من الأزقة، بحثا عن الدفء. أما في الصيف، فتستظل بالشجر وتبحث عن الأماكن الطينية شديدة الرطوبة لتبسط يديها وتنام. ونجد في الصورة الآتية كلبا ينام في سكون فوق رقعة طينية تمنحه بعض الشعور بالرطوبة، قد ينظر البعض للكلب في هذه الصورة باعتباره قذرا، ولكنّ أهل الحطابة لا يرونه كذلك.

   

      

ماذا تُخبرنا كلاب الحطابة عن المدينة والتحضُّر والعشوائية؟

علاقة الكلاب بالبشر في الحطابة ليست مجرد عرض لحالة محلية يقل حدوثها في مناطق كثيرة في القاهرة أو أي مدينة أخرى، ولكننا نستطيع من خلال هذه الحالة شديدة المحلية التي تتميّز بهذا القدر من الخصوصية مُساءلة مفاهيم كبرى كمفهوم التحضُّر، وأنماط التمدُّن، وأشكال حضور الحيوانات في المدن الحديثة، والعلاقات الاجتماعية بين الإنسان والحيوان والمكان، ومفاهيم كـ "العشوائي" والجِيرة والعُزلة في المدن الحديثة.

 

فقد ارتبطت نشأة المدن بمسيرة التحديث التي فرضت تصوُّرا محددا عن شكل المدينة ونمط العيش فيها، ووضعت نموذجا للمواطن المثالي الذي ينبغي أن يعيش في هذه المدن الحضرية. ولم تفرض تصوُّراتها على البشر فحسب، ولكن على الحيوانات وسلوكياتها الطبيعية كذلك. فقد يُثير أكل القطط للفئران اشمئزاز فئة ليست بالقليلة من سكان المدن، ويُضحي أكل الذئاب للأرانب سلوكا غير مقبول. فليس هنالك مشكلة أن تقتل الذئاب الأرانب في البراري، إلا أن تلك المشاهد التي تنتمي للطبيعة يحظر وجودها في المدن. (3) فتتحوّل السلوكيات الطبيعية للحيوانات إلى سلوكيات غير حضرية، ويمنح سكان هذه المدن أنفسهم الحق في استبعاد هذه الحيوانات من حيّزهم المكاني بالقتل والإبادة.

   

تُوجِب الأنماط الحضرية المفترضة للمدن الحديثة نزع كل ما يتعلّق بالبربرية والوحشية والبدائية من أشكال عيش طبيعية احتك فيها الإنسان بالحيوانات المختلفة. فالعيش في المدن يتطلّب نوعا من التدجين: تدجين الإنسان والحيوان على السواء. لذلك كما يُطلق على الإنسان لفظ المتحضر يُطلق على الحيوان كذلك لفظ "الحيوان الحضري"(4) (urban animal).

      

كما تتفاوت المدن في المستوى الاقتصادي والدور السياسي والشكل العمراني، فإنها تتفاوت في السلوك الحضاري ومظاهر وجود الحيوانات الضالة في شوارعها
     

فدائما ما يُتوقَّع أن تحوي المدينة حيوانات محددة، كالقطط والكلاب والحيوانات التي تألف البيوت، بينما تتجاور الزراعة مع الثروة الحيوانية فتوجد حول محيط المدينة أو الريف، أما الذئاب مثلا فينبغي وجودها خارج المركز الحضري، فكل تحضُّر صاحبه تشريد للحيوانات بإبعادها عن المدينة، ولكن لا يقتصر الأمر على الحيوانات المفترسة لغيرها، ولكن كذلك على الحيوانات الأليفة التي تألف البشر وغيرها من الحيوانات.

 

فعلى الرغم من أن قاطني المدن في المجمل لا يخالطون الحيوانات كما كان في السابق منذ عهود بعيدة، فإنه كما تتفاوت المدن في المستوى الاقتصادي والدور السياسي والشكل العمراني، فإنها تتفاوت في السلوك الحضاري ومظاهر وجود الحيوانات الضالة في شوارعها. حيث يروي أحد الباحثين تجربته وعلاقته مع الحيوانات الأليفة في المدن التي عاش بها في إنجلترا وتركيا والهند وأميركا، وقد ذكر هذه المشاهدات في تجاربه الثرية المتنوعة في دراسته عن الحيوانات الحضرية في المدن الحديثة، فيقول إنه خلال زيارته الأولى لإنجلترا لم يرَ أيًّا من كلاب الشوارع أو قططها نهائيا، وأثناء إقامته الطويلة نسبيا في مدينة لانشستر، التي ما زالت تحتفظ بطابعها الريفي، فقد شاهد في المزارع والحقول البقر والماشية والبط والأحصنة وغيرها من حيوانات المزرعة، ولكنه لم يشاهد كلابا أو قططا ضالة.

 

كما أنه شاهدَ مواضع كثيرة للحيوانات المفترسة، لكنها تمكث في المحميات الطبيعية في مناطق محددة، وبعد إقامته في مانشستر أقام في مدينة ليفربول ولندن وأدنبرة، ورغم البَون الشاسع بين هذه المدن من حيث الديموغرافيا والحجم والكثافة السكانية، فإنها جميعا لا يوجد بها حيواناتٌ ضالة، إذ لَفَتَ نظره هذا الغياب لتلك الحيوانات، وهو ما أرجعه إلى تغيُّر طبيعة المدن الحديثة.

 

ففي مدن إنجلترا، نرى الحداثة متجسِّدة في قواعد مُحكَمة تُنظِّم العلاقة بين الإنسان والحيوانات أو الكائنات الأخرى. وقد كان من جهود التحديث في الإمبراطورية العثمانية -على سبيل المثال- جمع الكلاب الضالة في إسطنبول عاصمة الخلافة، فالتحكُّم في الحيوانات الضالة في الشوارع كان وما زال محل اهتمام إدارة المدينة في تركيا حتى اليوم. وفي كثير من المدن، حُفظت الحيوانات الأليفة خلف أبواب مغلقة داخل البيوت والفنادق والملاجئ والحدائق، وأصبح لها عياداتها الخاصة. فقد أخضعت مسيرة التحديث الحيوانات في المدن لسياسات طبية ورقابية من خلال سياسات عدّة، كالتعقيم أو الإخصاء وغيرها من أشكال التدخُّل الطبي، فتغيّرت طبيعة هذه الحيوانات عما قبل.

   

  

فنُظِّفت المدينة من الحيوانات الضَّالة وتحوّلت هذه الحيوانات الأليفة إلى جزء من العائلات كالأطفال، فأضحت حيواناتٍ بلا عمل تحتاج إلى الرعاية والاهتمام وتوفير التسهيلات من الرفاهية كالألعاب والملابس، ولها محالُّ لطعامها وزينتها ومستلزماتها، ولها حدائقها وغيرها من مظاهر الرفاهية. (5) ولكن ترتَّب على عملية التنظيف هذه وجود ظاهرة تُشكِّل تحديا للمدن الحديثة كما في مدن إنجلترا، فقد بدأت تزحف ليلا إلى المدينة بعض الحيوانات المفترسة كالذئاب مثلا بأعداد متزايدة تبحث عن طعام. حيث أدّى تدجين بعض الحيوانات، خاصة القططَ والكلابَ، بصورة مكثفة مع مسيرة التحديث والتقدُّم إلى خلل في النظام الغذائي (سلسلة الغذاء) لبعض الحيوانات المفترسة التي لم تجد طعامها فبدأت تهجم وتزحف إلى المدن لنيل غذائها كالذئاب.

   

وأصبحت ظاهرة هجوم هذه الحيوانات المفترسة على البشر لافتة في إنجلترا وفي إسطنبول، وذلك نتيجة لزيادة موجة التحضُّر المكثَّفة التي هدَّدت معيشة هذه الحيوانات المفترسة التي لم تجد وسيلة أخرى بعد تهديد بيئتها الطبيعة لصالح تحضُّر المدن سوى الهجوم على البشر والدخول لحيّز هذا التحضُّر من أجل البحث عن فرص للغذاء والبقاء. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل أخذ الإنسان مواطن وأماكن إقامةِ هذه الحيوانات المفترسة وتعدّى على حقوقها وهدّد فُرَصَ بقائها؟ مَن له الأولوية؟ مَن سكن هذه المناطق مِن الكائنات الحية أم الإنسان لمواصلة مسيرة تفوُّقه وسيطرته على الطبيعة ببناء الأبنية الضخمة المرتفعة والمدن الحضرية، لتهرب هذه الكائنات بعيدا عن إزعاج البشر ومدنهم أو تُعيد الكرّة في الهجوم عليهم حينما لا تجد ما تتغذّى عليه؟ (6)

 

رغم أن هذه الأسئلة لا تُثَار في مصر بالمستوى الذي ينشغل به عدد من الباحثين في دول أخرى كإنجلترا، فإننا بتنا في الآونة الأخيرة نشهد ظهور أسئلة أخرى مثل: ما مدى مشروعية إبادة السلطات للكلاب الضالة في شوارعها باستخدام سموم محرمة دوليا؟

   

  

فالقاهرة، كمدينة تغيّرت في علاقتها مع الحيوانات بتغيير التخطيط العمراني لها، إذ، كما هو معلوم، التغيير العمراني عادة ما يُصاحبه تغيُّر تصوُّرات البشر وعلاقاتهم بأنفسهم والمكان والحيوان. في السياق ذاته، يذكر المخطط العمراني هاوسمان (١٨٠٩-١٨٩١)، وهو مخطط عمراني غيّر من شكل باريس، أن وجود السيارات غيّر من النظر إلى الدواب والحيوانات في المدينة، حيث لم تَعُد الحيوانات لازمة من لوازم التنقل، ولكن أصبحت -مع كثرة التنقُّل بالسيارات- مظهرا غير حضاري. (7)

 

وهذا يتضح في الفرق بين القاهرة الخديوية والقاهرة الفاطمية، فبينما تميّزت القاهرة الخديوية بالشوارع والميادين الواسعة كميدان التحرير وطلعت حرب وغيرهما، لتعكس المعمار الأوروبي آنذاك قبل أن تتوغّل السيارات في شوارع القاهرة، فإن القاهرة الفاطمية (أو القاهرة التاريخية التي تُعَدُّ الحطّابة جزءا منها) شوارعها ضيّقة لا تستوعب السيارات، ولكنها تسمح بدخول الحيوانات والدواب. وقد عكست أسماء شوارع أحياء القاهرة التاريخية القديمة هذه العلاقة الحميمية والتفاعلية بين الإنسان والحيوان، فحملت شوارعها أسماء حيوانات مختلفة مثل بطن البقرة، قلعة الكبش، شق التعبان، تل العقارب، إلخ.

 

ولكن لم يَعُد للقاهرة القديمة وقيمها هذا الاعتبار، فأصبحت شوارعها الضيقة عيبا، وأسماء حواريها مَدْعى للاستغراب، وبعض مناطقها اعتُبرت أماكن عشوائية تستحق الإزالة، ففي القاهرة يعاني البشر والحيوانات من هذه التصوُّرات المُفترَضة لمعنى التحضُّر والعشوائية، فكما تُقام حملات كبيرة لإبادة الكلاب الضالة فإنه تُقام حملاتٌ أخرى لإزالة المناطق التي تُسمى "عشوائية" وما يصاحبها من نقل للبشر من أماكنهم باتجاه أماكن أخرى لا تتلاءم مع ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم واحتياجاتهم الفعلية، ففي الحطابة يترقّب الناس لحظة الانتقال من بيوتهم وهدم تاريخهم وذاكرتهم للقضاء على العشوائيات. وهذا يجعلنا نُثير سؤالا آخر حول تعريف العشوائيات، ومَن يملك سلطة تعريف مكان دون آخر بهذه الصفة؟

 

ما معنى العشوائي؟

   

تُثير حكايات الكلاب البلدي في الحطابة سؤالا، وهو: ما معنى العشوائي؟ وما معيار حكمنا على مكان ما بأنه عشوائي غير متحضِّر؟ فما العشوائيات، ومَن يعرفها، ومَن يحق له التسمية، ومن ثم مَن يملك قرار القضاء عليها؟ وفق الواقع المَعيش، هي السلطة التي تَمْلك أدواتِ العنفِ والإزالةِ وسطوةَ وضعِ القانون وسُلطةَ تنفيذه، كما ترغب ووفق ما تشاء.

 

تفتقر الحطابة إلى الخدمات التي لا توفّرها الدولة لسكانها، وتنتشر القمامة وتختلط بركام وأطلال البيوت في شوارعها، يرتكب بعض سكانها البلطجة وشرب المخدرات، كأي مكان آخر يختلط فيه الحسن بالسيئ، ولكن الحطابة كمكان تاريخي قديم يحمل جذورا من الأصالة تستحق أن نُصغي لها فنتعلّم دون أحكام سابقة ودون تعريفات لمفاهيمَ اجتماعية جاهزة، فـ "العشوائي" ليس إرثا طبيعيا حتميا، ولكن تمت صناعة الاسم وصار وصمة على مناطق تختلف عن السمت العمراني الحديث، فيُحمَّل لفظُ "عشوائي" بحمولة طبقية وعنصرية هائلة، لتُصبح الكلمة في ذاتها سلاحا مُشهرا في أوجه الفقراء كما يرى أستاذ التاريخ الاجتماعي والسياسات العامة في جامعة جنوب أستراليا آلن ماين في كتابه "العشوائيات: تاريخ من الظلم العالمي".

 

يتوافق قدر الكلاب في الحطابة وحظهم من التهميش ومن النظرة الدونية لهم مع أهل المكان، ولكن النظر إلى هذه الأماكن وتاريخها دون تصوُّرات سابقة عنها يفتح المجال لفهم أوسع وإدراك لممارسات أشمل وأكثر إنسانية في علاقة الإنسان بالحيوان والحيز المكاني، هذه الممارسات التي خرجت عفوية من البشر في تصرفات اعتيادية يومية أكثر استمرارية لأنها لم تُطبَّق قسرا، بل انتقلت كخبرة متوارثة من جيل لآخر، مثل مساقي الحيوانات والطيور في الحطابة كما عرضناها.

 

الجيرة والعُزلة في المدن الحديثة:

  

يذكر لويس ممفورد في كتابه "المدينة عبر التاريخ" أن الحركة العامة للعُزلة هي حقيقة العمران الحضري، فتكامل النظام يتطلّب إعادة التقاط الأفراد المعزولين بوصفهم معزولين معا. فقد عمد تصميم المدن الحضرية الحديثة على وضع أناس أغراب عن بعضهم بعضا في مكان واحد تنظّمه القواعد العامة والقوانين لا العُرف، لا تستند المباني الطويلة والأبراج الضخمة في عِمارتها إلى تعزيز الجيرة، بل إلى تكريس الوحدة، فتقيم كل أسرة نَوَوية في شقة منفردة ومنعزلة عمّن حولها من الجيران، لا تألف ولا تؤلف، مجموعة أغراب في مدن الوحدة. (8)

 

تنعكس العُزلة على حيوات البشر، ويأتي الإنسان ليقاوم هذه الغربة بمصاحبة كائنات أليفة، تمنح له الحب غير المشروط حتى وإن تطلبت هذه الرعاية وقتا وحمّلته تكلفة اقتصادية. فالحيوانات في المدن الحضرية تُعتبر وسيلة مقاومة للوحدة أو ملكية خاصة وعلامة تميُّز طبقي أو رفاهية اجتماعية، أو تُعزل الحيواناتُ نفسُها عن بيئتها الطبيعية وتُعرض للمشاهدة كما في حدائق الحيوانات. فيذكر جون بيرجر أن هذه النظرة المحدقة من الإنسان للحيوان (animal gaze) لعبت دورا في تطوُّر المجتمع الإنساني، وحوّلت حدائق الحيوانات إلى نصب تذكاري يخضع لثقافة الرأسمالية. (9)

 

تُخالف الحطابة النموذج السائد للمدن الحديثة باعتبارها جمعا بين أغراب، فالجيرة في الحطابة مفهوم واسع وشامل ومحدد للعلاقات الاجتماعية والإنسانية بها، فلا يوجد غريب في الحطابة عنها سوى الأغراب حقا غير المقيمين فيها، الجميع يعرف بعضُه بعضا، وهذا طابع المناطق الشعبية القديمة التي يتشارك أهله الزُّقاق نفسه ويمرون في شوارع الحارات نفسها، ولذا لم يكن صعبا أن يتعرف البشر فيها على الحيوانات في الشوارع التي يرونها كل يوم، فيحفظونها ويتشاركون معها الحيز نفسه والتهميش نفسه، ولأن مفهوم الجيرة ليس مجرد كلمة تقال ولكن جزء من صميم الحياة اليومية هنالك، امتد إلى الحيوانات كالكلاب، لذلك فإن البشر والكلاب في الحطابة جيران.

 

يتبقّى تأكيد واحد: ليس غرض هذا التقرير إضفاء نظرة رومانسية على المناطق الشعبية والحارات، ولكننا نود القول: ينبغي أن نُصغي إلى هذه الأماكن، وأن ندرسها دون أحكام سابقة، لأن تجارب البشر والحيوانات وحتى الكلاب تستحق ذلك.

———————————————————————–

هامش:

*لمعرفة المزيد عن تاريخ الحطابة يمكن زيارة هذه الصفحة هنا.

*للاطلاع على شكل الحياة في الحطابة يمكن قراءة إحدى التجارب الشخصية التي نقلت الحياة هناك كما تدوينة هاني درويش "في استعادة لثلاثة بيوت قاهرية" على الرابط هنا. 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة