حفاظا على الكوكب.. ماذا يقول العلم عن خطاب الحدّ من الإنجاب؟

هل يسير الكوكب نحو انفجار سكّاني أم أنّ العدد الحالي مجرّد ذروة يتبعها انكماش؟ تحاول المقالة التّالية من مجلة نيوساينتست الإجابة عن هذا السؤال من بين أسئلة أخرى مثيرة للجدل فيما يخصّ موضوع الكثافة السكانية على سطح كوكب الأرض، وتحاول تناولها من منظورات مختلفة غير متوقّعة، ليس أقّلها مآخذ على الطريقة التي تقيس بها الأمم المتحدة النموّ وتتوقّعه بحيث ترسم صورة قاتمة للبشرية.

 

في مقاطعة سوهو التي كانت منطقة متهالكة سابقا، وعلى بُعد نحو 10 دقائق سيرا على الأقدام من مكاتب نيو ساينتست في لندن، تحتفي مضخّة ماء ولافتة وحانة بذكرى أحد أعظم الاختراقات في تاريخ البشرية، وهي خطوة حاسمة اتُّخذت قبل 200 عام تقريبا في سبيل قهر الأمراض المعدية.

 

تُذكِّرنا أزمتنا الصحية العالمية الحالية كم نخشى أن نعود إلى الأيام التي كانت فيها العدوى القاتلة تحصد أرواح معظمنا. ولكن أيضا بطريقة ما، فقد كان التقدُّم في هذا المضمار ذلكَ الزّمن خطوة أولى على الطريق نحو الهلاك الكوكبي. وقد زادَ النجاح ضد الأمراض المعدية إلى جانب التطورات الرئيسية الأخرى من فرص بقائنا، وارتفعت معه أعداد البشرية مما يزيد بقليل على 1.25 مليار شخص في ذلك الوقت إلى 7.8 مليارات نسمة الآن.

 

والآن، تُجبرنا أشياء مثل التغير المناخي وانحسار التنوع البيولوجي وتدهور المحيط الحيوي وفيروس كورونا على النظر في إرث ذلك النجاح. لقد أصبح الوباء أحدث بؤرة اشتعال لمسألة قديمة مثيرة للجدل على نحو مميّز: هل تفيضُ أعداد البشر عن قدرة كوكب الأرض؟

 

يصعُب إنكار قوّة المحاجَّة الأساسية التي تقول إنّه مع أعداد أقل منا سيكون هناك نسبة أقل من انبعاثات الغازات ومن التلوّث والنفايات ومساحة أكبر لنا ولبقية العالم الطبيعي للبقاء على قيد الحياة والازدهار. فلننتهِ من الأمر إذن، فلنتحدّث عن السكّان وعن مصيرهم عالميا وعمّا يعنيه ذلك بالنسبة لكوكب الأرض، وماذا ينبغي لنا أن نفعل للحد من نموهم، لكن علينا أن نتوخّى الحذر، فَالعثور على الإجابات ليسَ بسهولة طرح الأسئلة.

 

ثمة مصدر واحد للطفرة التي حصلت في صفوف السكّان خلال القرن الماضي أو خلال منتصفه وهو التقدُّم. في عام 1854 حلَّ الطبيب البريطاني جون سنو لغزَ انتقال الكوليرا من مقبض محمّل بالجراثيم لمضخة مياه في شارع برود في سوهو كان السبب وراء أكثر من نصف وفيات الأمراض المعدية في إنجلترا. آنذاك، توفي واحد من كل أربعة أطفال قبل رؤية سن الخامسة، وكان متوسط العمر المتوقع يتأرجح عند 40 عاما.

 

لكن ابتداء من القرن التاسع عشر في الاقتصادات المتّجهة حثيثا نحو التصنيع، بدأت سلسلة من القفزات في الصحة وبنية الصرف الصحي في خفض الوفيات في جميع أنحاء العالم. وفي الوقت نفسه، سمحت الأساليب الأكثر كفاءة في الإنتاج الزراعي والتغذية المحسنة لمزيد من الناس بالعيش بأريحية لفترة أطول دون جوع مدقع. وفي عام 1860، بلغت نسبة وفيات الأطفال في العالم أكثر من 40%، أما اليوم فتبلغ هذه النسبة نحو 4% عالميّا، وهي نسبة ضئيلة تُشكِّل منها الاقتصادات المتقدمة 1%. في أوروبا الغربية، يبلغ متوسط العمر المتوقع الآن نحو 80 عاما. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يزيد الرَّقم على 60 عاما بعد أن كان 44 عاما قبل نصف قرن من الزمن.

 

ويُمثِّل هذا التغير في معدلات الوفيات الطور الأول في "التحوُّل الديموغرافي"، ويُقصد به التغير المزلزل الذي تتنتقل فيه الدول على مدى عقود من الزمن من معدلات ولادة ووفيات مرتفعة إلى معدلات أدنى لكليهما. قلة من الناس لديها مشكلة في الطور الأول، وتقول ديانا كول العالمة السياسية في بيركبيك، جامعة لندن: "الجميع سعداء بانخفاض الوفيات".

ابتداء من القرن التاسع عشر في الاقتصادات المتّجهة حثيثا نحو التصنيع، بدأت سلسلة من القفزات في الصحة وبنية الصرف الصحي في خفض الوفيات في جميع أنحاء العالم

ولكن مع ارتفاع الأعمار تضاعفت أعدادُ السكّان، وفي أواخر عشرينيات القرن الماضي، بلغ عدد سكان العالم ضعفَ المليارِ نسمة تقريبا التي بلغها في القرن التاسع عشر. وبحلول منتصف السبعينيات، تضاعف العدد مرة أخرى واقترب من 4 مليارات نسمة. وبعد نصف قرن ها هو على وشك أن يتضاعف مرة أخرى حيث يبلغ أكثر من 7.8 مليارات نسمة.

 

وفي هذا العام سيُولَد من السكّان أكثر من ضعف أعداد المتوفّين، وسيرتفع عدد البشر بنحو 80 مليون نسمة رغم الوباء. وتُقدِّر شعبة السكان في الأمم المتحدة أن 9.7 مليارات نسمة سيكونون على سطح كوكب الأرض في عام 2050 مقابل 10.9 مليارات نسمة في عام 2100.

 

تستند هذه الأرقام إلى "معدل الخصوبة العالمي" الذي يُعرَّف بأنه عدد الولادات لكل امرأة. وإن زدتَّ هذه الوتيرة بمقدار نصف طفل لكل امرأة ستصل إلى "متغيّر مرتفع" يقترب من 16 مليار إنسان في نهاية القرن الجاري.

 

يقول جون ويلموث، رئيس شعبة السكان في الأمم المتحدة: "ليس هناك فارق كبير في التوقعات السكانية على مدى السنوات الثلاثين أو الأربعين المقبلة. لكنها بدأت تتفاوت في النصف الثاني من القرن الحالي، وبصراحة لا أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي سيحدث في مثل هذه الفترة الزمنية". وتضيف  كول: "ليس الأمر بالمطمئنِ كلّيا، ولا يمكنك قراءة المتغير السكاني العالي دون أن تقول لنفسك "يا إلهي!"".

 

ظاهريّا، عدد أقل من الناس يعني آثارا أقل، وسنضرب مثلا بتغير المناخ الذي لربما كان أكثر مشكلاتنا البيئية إلحاحا. في عام 2017، درست كيمبرلي نيكولاس وزميلها سيث واينز في جامعة لوند في السويد التدابير التي يمكن للناس في الاقتصادات المتقدمة اتخاذها للحد من أثرهم الكربونيّ. وفي حال كان لهؤلاء النَّاس تأثير جيليّ -أي إن كان من المرجّح لكلّ طفل ينجبه المرء أن يُنجب أطفالا بدوره- كان إنجاب طفل واحد أقل هو المقياس الوحيد الأكثر فعالية، وهو ما يحدُّ بمقدار 120 طنا من ثاني أكسيد الكربون سنويا بالنسبة للمواطن الأميركي العادي.

وجاء التأثير التالي الأكبر عبر العيش بدون سيارة عند 3 أطنان من ثاني أكسيد الكربون سنويا للشخص العادي في الولايات المتحدة، بعد ذلك كان تجنُّب الطيران، واقتناء الطاقة الخضراء، والتحول إلى اتباع نظام غذائي نباتي. تقول نيكولاس: "إن إنجاب طفل هو قرار حياتي ضخم شخصيا ومهنيا وماليا وبكل شكل ممكن، لما يحمله من تأثير كبير على إرث الكربون الذي نتركه في الغلاف الجوي".

 

لكن الأمر لا يتعلَّق الأمر فقط بالانبعاثات الكربونيّة، ويقول إيدو إفيوم من لجنة الغابات في ولاية كروس ريفر في كالابار، نيجيريا: "إن تراجع التنوع البيولوجي يحدث بسبب زيادة أعداد البشر والاستهلاك غير المستديم". ويمكنك أن ترسم رسما بيانيا يُوضِّح أعداد البشر وانقراض الأنواع الأخرى لتجدَ أنّهما يسيران في إيقاع موحَّد. ويعتقد إيدو إفيوم أن تدميرنا للمساحات الآمنة للطبيعة يوفر سبلا جديدة للأمراض "الحيوانية" مثل فيروس كورونا المستجدّ للقفزِ من الأنواع الأخرى إلى منطقتنا.

 

ويقول الخبير الاقتصادي بارثا داسكوبتا في جامعة كامبريدج: "خلاصة القول هي أننا نتمادى في الطلب على الطبيعة. إن تأثيرنا البيئي يتحدد في المقام الأول من خلال ثلاثة أشياء: كم يستهلك كلٌّ منا، وكفاءة التقنية في تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات نستهلكها، وعددنا نحن؛ لكننا نتلافى الحديث عن النقطة الأخيرة. نحن نتغاضى عن هذا العامل ألا وهو عددنا".

 

لم يكن الخطاب العام خجولا دائما، ويعود عُمر المخاوف بشأن قدرة الكوكب على الحفاظ على عدد كبير منّا إلى قرنين على الأقل عند كتابات رجل الدين الإنجليزي توماس مالثوس، ثمَّ في الستينيات جلبت الموجة الأولى من الحركة البيئية تساؤلات وجدانيّة حول أعداد سكان العالم حينما لم يكد عددهم يتجاوز نصف ما هم عليه اليوم.

 

وفي عام 1972، نشر "نادي روما"، وهو تجمُّع من السياسيين البارزين والاقتصاديين والعلماء والدبلوماسيين، تقرير "حدود النمو"، وهو تقرير استخدم نماذج محوسبة للتنبؤ بانهيار الأنظمة العالمية في منتصف إلى أواخر القرن العشرين حالَ استمرار الاتجاهات الحالية آنذاك للنمو السكاني واستهلاك الموارد.

 

وهكذا بدأت "الثورة الخضراء" في الزراعة تنطلق منذ أواخر الستينيات، مما سمح لمزيد من الناس بالحصول على الغذاء بشكل أكثر أمانا. وبدأ الطور الثاني من التحول الديموغرافي فعلا، حيث بدأت معدلات المواليد في الانخفاض في جميع أنحاء العالم. إن محرّكات هذه العملية متشابكة ولكنها تتعلق بزيادة التحضر والتعليم والتقدم المادي. ويؤدي ارتفاع مستويات التعليم إلى زيادة عدد الأشخاص الذين لديهم عدد أقل من الأطفال، إذ هُم ينجبون أطفالهم في سن متأخرة، وحيث تميل النساء الأكثر صحة وتعليما إلى المطالبة بحقوق تتعدّى عتبة الإنجاب ورعاية الأطفال. كما أنَّ توفر الإجهاض ومنع الحمل يساعدان في تعزيز هذه الاتّجاهات على نطاق واسع.

وإذا كنا نبحث عن أسباب انحسار القلق إزاء موجة النمو السكاني في منتصف القرن العشرين، فذلك لأنّ المعدل العالمي للنمو السكاني حاليا قد انخفض إلى نحو 1% سنويا عن نقطة أعلى كانت تزيد على نحو 2% سنويا في أواخر الستينيات. وفي مساحات واسعة من أوروبا وأميركا الجنوبية، تبلغ معدلات الخصوبة أو تقترب من "معدل الإحلال" البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، وهو المستوى الذي يضمن استقرار عدد السكان. وفي بعض أجزاء العالم، لا سيما اليابان وكوريا الجنوبية وروسيا وبعض الدول في شرق وجنوب أوروبا، تقل الخصوبة عن هذا المعدل وينخفض عدد السكان. ولكن الخصوبة آخذة بالانخفاض حتى في الأماكن التي لا تزال فيها هذه الزيادة قائمة مثل جنوب آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.

 

وإحدى المشكلات الأساسية في الحديث عن الكثافة السكانية لدى البشر هي ضبابية هذه الاتجاهات، وتستند توقعات الأمم المتحدة كثيرا إلى تطبيق نماذج الطور الثاني من التحوُّل الديموغرافي وانخفاض معدلات المواليد في الأماكن التي مرّت بهذا الطور سلفا (أي في الاقتصادات المتقدمة) على أماكن لم تمرّ بها بعد.

 

فولفجانج لوتز هو عالم ديموغرافي في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية في النمسا، وأحد العلماء الـ 15 الذين اختارتهم الأمم المتحدة لإنتاج أحدث تقرير للتنمية المستدامة العالمية الصادر في سبتمبر/أيلول عام 2019، وهو ناقد صريح لهذا النهج، ويقول: "أسميه استقراء إحصائيا أعمى"، فالنمذجة تتمُّ ببيانات غير كافية من العالم الحقيقي للبلدان المعنية.

 

ويجادل لوتز وزملاؤه بأن الاقتصادات النامية تتحوّل بسرعة أكبر عن تلك التي كانت في الاقتصادات المتقدمة الآن، وأن نماذج الأمم المتحدة أبسطُ من أن تأخذ في الاعتبار ذلك الأمر، ويقول لوتز: "لقد رأينا ذلك في كل بلد آسيوي، والآن نراه مرة أخرى في كل بلد أفريقي"، ويقول: "في كل مكان تقريبا، يكون لدى النساء الحاصلات على تعليم عالٍ خصوبة أقل ووتيرة ولادة أقل مقارنة بالنساء الأقل تعليما. وما من مكان، على الأقل قبل انتشار الوباء، كان الحصول على التعليم بوتيرة أسرع يتحسّن فيه بشكل أكبر مما كان عليه في بقاع من أفريقيا".

يتتبع أحدث نموذج للنمو السكاني نشره لوتز في عام 2018 الاحتمالات المستقبلية وفقا لخمسة "مسارات اجتماعية اقتصادية مشتركة" للتنمية العالمية، وتبدو هذه المسارات مشابهة جدا لسيناريوهات الأمم المتحدة حتى عام 2050، ولكنها تنحدر بسرعة. وفي جميع السيناريوهات عدا واحد، يبلغ عدد سكان العالم ذروته قبل نهاية القرن، وهو "سيناريو المتوسّط الافتراضي" عند نحو 9.5 مليارات نسمة في عام 2070. وفي حالتين من هذه السيناريوهات، ينتهي عدد السكّان عند رقم أدنى ممّا هو عليه اليوم.

 

وقد اكتسبت هذه الصورة المتفائلة بعضا من الجاذبية مع كتب مثل الكوكب الفارغ لعام 2019: صدمة انخفاض عدد سكان العالم. فهل تحل مشكلة السكّان نفسها بنفسها؟

 

لكن ليس بحسب ويلموث، إذ يقول: "ما من حجة بالقول إن التغيير في المستقبل سيكون أسرع مما كان عليه في الماضي. وأعتقد أن ما يقلقنا في الأمم المتحدة هو أن وتيرة التغيير قد تكون أبطأ مما نتوقع".

 

ويبدو أن أزمة المناخ المتفاقمة تُشير بالتأكيد إلى ناقوس الخطر؛ فعددُ السكان لا يزال في ارتفاع، وتُشكِّك كول أيضا بأننا نصل إلى المشاهد الختامية لرواية تاريخية كبرى تنتهي حتما بانخفاض معدلات الوفيات والخصوبة. في الواقع، إنها قلقة من أن الاتجاهات الأخيرة قد تكون على وشك الذهاب في الاتجاه المعاكس. الجميع سعداء بانخفاض معدل الوفيات، لكن الأمر قصة مختلفة مع انخفاض الخصوبة.

 

هناك العديد من الأسباب التي تجعل الناس والجماعات في جميع أنحاء العالم يعتمدون المواقف "الموالية للولادة" بحجة ارتفاع الخصوبة، وأحد هذه الأسباب هو أن الاعتبارات الاقتصادية تُشير في كثير من الأحيان إلى فائدتها، على الأقل على أساس نماذج النمو الاقتصادي القائمة على خلق المزيد من الناس من أجل المزيد من الطلب على السلع والخدمات. ومن المؤكّد أن الاقتصادات النامية تجني ثمار شرائح السكان الشباب مع ازدهار القوى العاملة تماما كما فعلت الاقتصادات المتقدمة اليوم في وقت سابق، وتقول كول: "إذا ذهبت إلى الهند فإنّك لن تُصدِّق التغيير الذي حدث في 10 سنوات. ويمكنك أن ترى لماذا يشعر الهنديّون بأن هذا الأمر مرغوب".

 

الدول الأخرى في ميدان التحوّل الديموغرافي، حيث تتساوى معدلات الخصوبة مع مستوى الإحلال أو تكون أدنى منه، تصارع مشكلة مغايرة. ومع وجود عدد أقل من السكّان يصبح من الصعب الحفاظ على النمو الاقتصادي والشؤون المالية المستقرة والتماسك المجتمعي. وفي الدول التي تمتلك نُظم رعاية اجتماعية متقدمة للغاية يصبح هذا الأمر حالة متنامية بطيئة التفاقم من حالات "تناسب الإعالة"، حيث يوجد عدد كبير من السكان المسنين وغير النشطين اقتصاديا تدعمه عائدات ضريبية من مجموعة متضائلة من السكان العاملين.

ثم تحوَّلت الحلول لهذه المشكلات -الضرائب المرتفعة وتوفير رعاية اجتماعية أقل سخاء والتقاعد المتأخر- هي نفسها إلى قضايا سياسية ساخنة في العديد من الاقتصادات المتقدمة، وهناك بديل واحد -ارتفاع مستويات الهجرة للحفاظ على السكان في سن العمل- وهو بديل لا يقلّ خطورة، بينما سلكت اليابان طريقا مختلفا: السعي إلى الروبوتات بوصفها وسيلة لاستبدال الناس الذين لا يولدون.

 

إن التحديات المرتبطة بشيخوخة السكان تُشكِّل عاملا كبيرا في نجاح الحركات الشعبوية القومية في أجزاء كثيرة من العالم. ومن المؤكد أن الخطاب الذي يدعو إلى النمو السكاني باعتباره مسألة مصير وطني آخذ في الانتشار في بلدان من بينها المجر وإيطاليا وإيران وأماكن أخرى.

 

تقول نيكولاس: "إن قرار الإنجاب قرار شخصي للغاية، ومن الطبيعي له أن يكون كذلك. لقد قدمت دراستنا المعلومات لتزويد الناس بخيارات أكثر دراية، ولكن الناس يتفاعلون بقوة وعاطفية إذا شعروا أن قراراتهم تتعرض للتهديد أو الاعتداء". وتقول كول إنها مرّت بتجارب مماثلة، إذ بدا أنها تلمّح  إلى الحد من الحرية الإنجابية: "إذا ذكرتُ ذلك في الولايات المتحدة على سبيل المثال فإن النسويات سيعاملنني كما لو كنت نازية نوعا ما".

 

ولا أحد يتحدث بعناية عن السكان اليوم يدعو إلى ذلك. في عام 1967، اعترفت الأمم المتحدة أن الأفراد قادرون على تقرير ما إذا كان لديهم أطفال وكم عدد الأطفال بوصفه حقا أساسيا من حقوق الإنسان. وقد حوكمت مناهضة الإنجاب القسريّة عدة مرات، وكانت لها عواقب وخيمة عموما على حقوق الإنسان. استهدفت برامج التعقيم في جميع أنحاء الولايات المتحدة خلال القرن العشرين بشكل غير متناسب مع النساء من مجتمعات الأقليات. وأدّت سياسة الطفل الواحد الشائنة التي انتهجتها الصين في فترة 1979 إلى 2013 إلى الإجهاض الانتقائي الواسع النطاق للإناث، فضلا عن التعقيم القسري للنساء. وفي بعض أنحاء الهند، عُقِّم أكثر من 6 ملايين رجل لديهم أكثر من طفلين أو ثلاثة أطفال قسرا خلال حالة الطوارئ من عام 1975 إلى عام 1977. وقد اعتُبر على نطاق واسع أنَّ الولايات المتحدة تهدف جزئيا عبر أموال المساعدات القادمة منها أو من أماكن أخرى إلى تنفيذ أجندة معادية للمسلمين. إنه شبح "تحسين النسل" أو الـ "Eugenics" يطلّ برأسه من جديد.

 

يقول ويلموث: "في بعض الأحيان كانت ردة فعل البلدان تأخذ شكل تدابير عدوانية بحيث تحوّلت إلى انتهاكات لحقوق الإنسان"، وأضاف: "تشكّلت لديهم قناعة بأن الأمر ضروري للخير الجماعي وبُرِّر غزو غرف نوم الناس وأرحام النساء بالرغبة بالسيطرة على النمو السكاني".

 

لذا فالحديث عن السكان محفوف بالمخاطر، ولكننا نحتاج في هذه المرحلة إلى إلقاء نظرة فاحصة على الفخ الذي كنا نتحاشاه لبعض الوقت بمجرّد الحديث عن الأمر.

 

المسألة هي أنه في أماكن مثل بريطانيا، ترتفع معدلات الخصوبة بوتيرة أدنى من معدل الإحلال، وكان المعدّل ليكون أقل من ذلك لولا ارتفاع معدلات الخصوبة بين النساء المولودات خارج بريطانيا. وفي الوقت نفسه، لا تزال معدلات الخصوبة في أجزاء من العالم، لا سيما في أفريقيا الوسطى، تبلغ ثلاثة أطفال أو أربعة أو خمسة أو أكثر لكل امرأة. وفي سيناريو الأمم المتحدة لمتوسط التغير السكاني، يأتي نصف الزيادة السكانية في العالم بحلول عام 2100 من تسعة بلدان فقط، ثمانية منها بلدان نامية: الهند ونيجيريا وباكستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وتنزانيا وإندونيسيا ومصر، ويحل في المرتبة التاسعة اقتصاد مُتقدِّم يتيم هو الولايات المتحدة بفضل مستويات عالية من الهجرة والسكان الشباب نسبيا.

 

ولكن بالنسبة للوتز، فإن الحجج القائمة على الأرقام الخام وحدها حجج واهية، ويقول: "يُركِّز الناس كثيرا على حجم سكان العالم، وهو رقم لا يؤثر شخصيا على حياة أحد، لأن ما تختبرونه هو النمو السكاني في منطقتكم أو على الأكثر في بلدانكم أنتم".

 

وهذه هي النقطة التي علينا العودة إلى الأساسات فيها. إن مبرر الحديث عن السكان في المقام الأول هو قلقنا إزاء تأثير البشرية على الكوكب، لذلك علينا أن ننظر من أين يأتي ذلك الأثر. وفي حالة تغير المناخ، الأمر واضح جدا، يقول ويلموث: "إذا نظرتم إلى الأسباب الدافعة إلى الزيادة في انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي على مرّ التاريخ، فمن المؤكد أن النمو السكاني كان عاملا مهما، ولكن العامل الأكبر كان التغير في نصيب الفرد من الانبعاثات"، وأنَّ الأمر يعتمد على كيفية قياس [نصيب الفرد من الانبعاث]، وعلى مدى الفترة الزمنية التي نقيس فيها، وعلى الشريحة السكانية التي نقيس نصيب أفرادها من الانبعاثات، وهكذا. ويؤلّف السلوك الإنساني في الانبعاثات الثلثين بينما يؤلّف عدد البشر الثلث في هذه المعادلة.

 

وهذا يُحوِّل الأضواء بعيدا عن معدلات الخصوبة في أجزاء "أخرى" من العالم إلى مستويات الاستهلاك لدى الناس الذين يجلسون في رخاء نسبي في الاقتصادات المتقدمة، يقول لوتز: "لا يساهم الفقراء في أفريقيا، حيث يتزايد عدد السكان بسرعة أكبر، على الإطلاق في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري".

 

دعونا نُضِف بعض الأرقام، إذ يقول البنك الدولي إنه في عام 2014، وهو آخر عام تتوفَّر عنه أرقام شاملة، بلغ متوسط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمي 5 أطنان للفرد الواحد. وبالنسبة للصين، كانت 7.5 أطنان للفرد، وبالنسبة للولايات المتحدة كانت 16.5 طنا للفرد، وفي أستراليا 15.4 طنا للفرد. وبالنسبة لدولة عادية في نادي الاقتصادات المتقدمة، وهي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلغ هذا الرقم 9.6 أطنان. والأرقام التي تقابلها من الاقتصادات النامية الثمانية التي من المتوقع أن تشهد أكبر زيادة في عدد السكان وفقا لأرقام الأمم المتحدة هي: الهند 1.7 طن للفرد الواحد، ونيجيريا 0.5، وباكستان 0.9، والكونغو 0.1، وإثيوبيا 0.1، وتنزانيا 0.2، وإندونيسيا 1.8، ومصر 2.2. ومن المُسلَّم به أن أكثر هذه الأرقام تطرُّفا هو أنّ نحو 160 مواطنا من إثيوبيا أو جمهورية الكونغو الديمقراطية لديهم تأثير مناخي أقل من تأثير مواطن أميركي واحد.

هذه الحسابات التبسيطية لها عيوبها بطبيعة الحال، ذلك أن الانبعاثات من الاقتصادات المتقدمة قد انخفضت أو استقرت في السنوات الأخيرة، في حين أن الانبعاثات من الاقتصادات النامية آخذة في الارتفاع مع تطورها واكتسابها طبقة وسطى متعطشة للاستهلاك. على سبيل المثال، قد يكون فارق الانبعاثات بين الشخص العادي المولود في الهند والولايات المتحدة على مدار الحياة أقل مما تُشير الأرقام.

 

كما أن غازات الدفيئة لا تقول كل شيء عن تأثيرنا على أنظمة دعم الحياة. ومع أنّ اللوم الكامل في تدمير غابات الأمازون المطيرة ليس على عاتق الشركات المتعددة الجنسيات الجشعة التي تفي بمطالب المستهلكين الغربيين وحدها، تظل هناك معادلة بسيطة لها وجاهتها: بحسب إفيوم، في حين أن عدد الناس على هذا الكوكب عامل مهم، فإنّ "الاستهلاك غير المستدام في المناطق المتقدمة من العالم هو عامل رئيسي في انخفاض التنوع البيولوجي".

 

أما بالنسبة للأوبئة، فمع أن تدميرنا للطبيعة والتعدي على الموائل البرية لا يساعد بالطّبع، فإنَّ من الصعب تحديد علاقة سببية بين احتمالها أو شدتها وبين عددنا على كوكب الأرض: فقد حدثت الجوائح المُهلِكة في نهاية المطاف على مدار التاريخ البشري المسجل كما تُشير كول، وليس من السهل القول إن المزيد من الناس الذين يعيشون باكتظاظ في المدن يُحفِّزها بالضرورة. تُظهِر قصة العالم جون سنو وقت الكوليرا كيف أن التحضُّر قد وفّر للناس تاريخيا إمكانية الوصول إلى الصرف الصحي الحديث والمعرفة الطبية والرعاية التي يمكن أن تحدّ من انتشار الأمراض، ومن ناحية أخرى فقد سهل أحد أوجه الاستهلاك الفائق -وهو عبور العالم على متن الطائرات- كان بلا شك من انتشار الفيروس.

 

إن حالة الطوارئ التي تلوح في الأفق في مجال تغير المناخ تعطينا سببا آخر للتراجع عن اقتراح السيطرة على السكان بوصفه حلًّا لمشكلات العالم. وبالنظر إلى أنَّ تأثير إنجاب المزيد من الأطفال يمتد على مدى أجيال، فإن وجود عدد أقل منهم لن يساعدنا في العقد التالي أو ما بعده. علينا أن نخفض الانبعاثات ونتجنّب الاحترار العالمي الكارثي. وتقول نيكولاس: "إن عامل السكان عامل مهم على المدى الطويل في مدى الاحترار الذي نختبره في نهاية المطاف، ولكن بالنسبة للمناخ الذي نعيش فيه حياتنا، وكذلك ما ترثه الأجيال المقبلة، من الأهمية بمكان للغاية وقف تلوث المناخ اليوم. وهذا يُشير إلى أن التركيز على الناس في الاقتصادات المتقدمة لا بد أن يُعيد التفكير في نماذجهم الاقتصادية التي يُغذّيها الاستهلاك، مع مساعدة الناس في أماكن أخرى على التنمية على نحو أكثر استدامة".

 

ولكن هناك حدٌّ لمدى ما يمكننا أن نستغرقه في هذه المناقشات، يقول ويلموث: "علينا أن نقبل الاتجاهات السكانية إلى حدٍّ ما، وعلينا أن نقبل التغييرات التي تحدث، وعلى العالم أن يُكيّف طرق عيشه، وإلا فإنك ستمنع الناس من إنجاب الأطفال تماما، وهذا سيكون له عواقب وخيمة لا نريد مجرد التفكير فيها".

——————————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن New Scientist ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة