المقاطعة الاقتصادية.. هل هي سلاح فعال حقا؟

منافحا عمّا سمّاه "الدفاع عن حرية التعبير"، خرج الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون ليقول إن بلاده لن تتخلّى عن "رسم الكاريكاتير" المسيء للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-. تصريحات ماكرون تلك قوبلت بانتقادات شديدة في أجزاء كبيرة من العالم العربي والإسلامي، كما ظهرت احتجاجات عدة في دول منها بنغلاديش ولبنان على سبيل المثال، وانطلقت دعوات عديدة لمقاطعة البضائع الفرنسية.

ومع اتّساع رقعة المطالبات بالمقاطعة، خرجت الحكومة الفرنسية لتُناشد حكومات الدول المعنية بـ "ضرورة وقف الدعوات لمقاطعة السلع الفرنسية والتظاهر"، واعتبرت أن هذه الدعوات "تُشوِّه المواقف التي دافعت عنها فرنسا من أجل حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الديانة ورفض أي دعوة للكراهية"، في حين لم يغب عن تصريحاتها أن تُشير صراحة إلى أن هذه الدعوات تأتي من "أقلية متطرفة" حدّ وصفها، ولتؤكد الخارجية الفرنسية أن تصريحات الرئيس الفرنسي إنما تهدف فقط إلى مكافحة ما وصفته بـ "الإسلام الراديكالي، والقيام بذلك مع مسلمي فرنسا الذين يُشكِّلون جزءا لا يتجزّأ من المجتمع والتاريخ والجمهورية الفرنسية".(1)

 

إلا أنه على الضفّة الأخرى مما بدا وكأنه نجاح لحملات المقاطعة الشعبية، خرج المحلل الاقتصادي مازن أرشيد ليقول إن هذه المقاطعة "لن تؤثر على الاقتصاد الفرنسي"(1) إلا بشكل مؤقت، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل مقاطعة البضائع سلاح فعال للتأثير على حكومات الدول القوية؟ وبجانب هذا التساؤل الرئيس حول جدوى الفاعلية والتأثير نطرح تساؤلا فرعيا مفاده: كيف نفهم فعل المقاطعة في العالم الإسلامي الحديث؟

 

بحلول ستينيات القرن الماضي كان علم "البروباغندا" وأساليب الدعاية والتسويق والإعلانات التجارية قد انتشر في الولايات المتحدة الأميركية وسيطر على الوعي الجمعي للأميركيين، كما بدأ بالانتشار خارج أميركا، الأمر الذي دعا الفيلسوف وعالم النفس هربرت ماركوزه لانتقاد أساليب السيطرة على الوعي الجمعي التي بدأها إدوارد برنايز مؤسس مجال العلاقات العامة والبروباغندا الحديث في الولايات المتحدة الأميركية، الذي استند في بنائه إلى مدرسة التحليل النفسي لخاله عالم النفس فرويد. (2)

 

وفي صورة انتقادات وجَّهها للحكومة الأميركية، كان ما كتبه ماركوزه بمنزلة طلقات رصاص أطلقها نحو نظام الدعاية والإعلان السائد في الولايات المتحدة الأميركية واستخدمته في الترويج لحربها على فيتنام، كما استخدمته جميع الشركات لجذب المواطنين لشراء بضائعهم، وجادل ماركوزه أن نظام "البروباغندا" ليس فقط للتحكم في وعي الجماهير، بل كذلك للتحكم في لا وعيهم، أي جعل الأفراد يُقلِّلون من التعبير عن مشاعرهم وهويتهم الإنسانية عبر الانغماس في الاستهلاك، وقد سمّى ماركوزه أطروحته بـ "الإنسان ذو البُعد الواحد"، أي الإنسان الذي تم إسكات مشاعره وغضبه وتضامنه ومعاييره الأخلاقية مقابل أن يكون مجرد مستهلك للبضائع. (2) وبذلك، تحوَّل المجتمع الأميركي إلى مجتمع "التسامح القامع"، أي إن هذه المجتمعات الغربية هي مجتمعات شمولية بدون قهر خارجي، بدون ضرورة وجود شرطة، بدون قهر مفروض مرئي. لكن نظرة الإنسان في تلك المجتمعات للحياة -من داخله- تصبح مجرد سعي لزيادة الإنتاج وزيادة الاستهلاك، أي إنه يدخل بكامل إرادته وحريته دائرة الاستهلاك والإنتاج العبثية.

 

فيما بعد، ترجم المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري تلك الظاهرة إلى مصطلح "الإمبريالية النفسية"، حيث كتب أن الإمبريالية النفسية ظاهرة مرتبطة بالعلمانية الشاملة التي تُشير إلى عملية انفصال الحياة اليومية الحديثة عن الأخلاق والعقائد الدينية وارتباطها بآليات اقتصاديات السوق الحر، الذي تتحكم فيها قوانين العرض والطلب والمكسب والخسارة المنفصلة عن القيمة وعن أي غائية إنسانية، بالتالي "تم تنميط الإنسان الغربي وتدجينه، وأصبح من السهل تحويله إلى مادة استعمالية عبر تجييش الجيوش بالسيطرة عليهم نفسيا، ثم إرسالها لاستعمار العالم، وهذه هي الإمبريالية العسكرية التي تحدث بعد عملية السيطرة (3)، والإمبريالية النفسية نتيجة تلك السيطرة تُشير حسب المسيري إلى "السعار الاستهلاكي" الذي يهيمن على الإنسان من الخارج ويستبطنه المرء دون أن يشعر.

حيث قرَّرت الإمبريالية الغربية توسيع رقعة السوق لا بالغزو العسكري والتوسع الأفقي الذي يتطلب القوة العسكرية، وإنما عن طريق الانتشار الرأسي داخل النفس البشرية، إذن أصبح النظام العالمي حسب المسيري نظاما لعولمة هذه الإمبريالية النفسية عن طريق الاستهلاك لتحويل الإنسان الحديث إلى "إنسان ذي بُعد واحد لا يكترث بالوطن أو بالكرامة، ولا يهمه سوى البيع والشراء والمنفعة واللذة"، فيرى المسيري أن المجتمعات الاستهلاكية لا يهمها المعنى ولا تبحث عنه، إنما تبحث عن السلعة الأفضل والمتعة الأطول وقتا (3)، فتتحوَّل العقلانية والترشيد إلى قفص حديدي من الإنتاج والاستهلاك مثلما قال ماكس فيبر، ويصبح الإنسان محتجزا داخل هذا القفص لا يملك أي خيار سوى مزيد من الاستهلاك.

 

غير أن ما قاله المسيري يختلف عما حدث بعد أن وجَّه ماركوزه انتقاداته لنظام السيطرة الاجتماعية في أميركا عبر البروباغندا والإعلانات، فقد نشبت في الولايات المتحدة عدة احتجاجات طلابية بنهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، قاد هذه الاحتجاجات طلاب وشباب يساريون قالوا إن نظام السيطرة الاجتماعية خلق ضابط شرطة داخل عقولهم أرغمهم على الانغماس في الاستهلاك بدلا من التعبير عن تضامنهم مع المظلومين والفقراء، والتعبير عن آرائهم وإرادتهم تجاه قرارات الحكومة، خاصة بعد تورُّط الجيش الأميركي في حرب فيتنام. (4)

بالتالي بدأ هؤلاء الطلاب في مهاجمة محلات الأغنياء، مع دعواتهم لمقاطعة الشركات الكبرى التي تقود حملات الدعاية والإعلانات التجارية لزيادة أرباحها، والدعوة إلى إسقاط النظام الذي يقوم على الأنانية والجشع ومراكمة الأموال عبر إغراق الشعوب في الاستهلاك والمتع المؤقتة والمزيفة، إلا أن الحكومة الأميركية لم تقف مكتوفة الأيدي، فقد اشتبكت الشرطة الأميركية مع المتظاهرين وقاموا بقمع التظاهرات بمنتهى العنف والقسوة، إذ أظهرت الحكومة الأميركية قوة قمعية لم يتخيلها هؤلاء الطلبة، مما أنهى موجة المقاومة وأحدث تغييرات كبيرة في نظام البروباغندا، ودخل علم النفس الأميركي في مرحلة جديدة من محاولة إدماج هؤلاء الشباب الغاضبين بالنظام الرأسمالي والمجتمع الاستهلاكي عبر الانتقال من أطروحات فرويد وابن أخته غدوارد برنايز إلى ابنته آنا فرويد ثم أطروحة ماسلو (4)، وبدا أن القفص الحديدي للاستهلاك لا فرار منه.

 

"لا ينظر لنا الغرب باعتبارنا كيانا مستقلا لنا طموحاتنا المشروعة وأهدافنا المختلفة، وإنما على أننا مادة استعمالية لا بد من تنميطها حتى ندخل القفص الحديدي، قفص الإنتاج والاستهلاك، دون هدف أو غاية سوى المنفعة واللذة. فإن طرحنا أهدافا أخرى مثل التمسك بالأرض والدفاع عن العزة والكرامة ورفض التنافس بوصفها نقطة مرجعية، فإنه يخفق في تصنيفنا وينظر لنا باعتبارنا مخلوقات متعصبة لا عقلانية".

(عبد الوهاب المسيري، الهوية والحركية الإسلامية)

في عام 2005، نشرت جريدة دنماركية صغيرة تسمى "يلاندس-بوستن" صورة مسيئة للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، خرجت بعدها دعوات لمقاطعة المنتجات والبضائع الدنماركية تحوَّلت سريعا إلى حملة شعبية في كثير من البلاد الإسلامية، كما خرجت مظاهرات في كثير من البلاد حول العالم تحتج على الرسومات المسيئة، بما فيها كوبنهاجن نفسها التي خرجت بها مظاهرات تعترض على الإساءة للرسول. (5)

 

تطوَّر الأمر إلى موقف دبلوماسي حاد اتخذته كثير من الدول العربية والإسلامية تجاه الدنمارك، حيث قامت عديد من الدول بسحب سفرائها من الدنمارك اعتراضا على الرسوم المسيئة، وقد أدّت حملة مقاطعة البضائع الدنماركية التي شنَّها العالم الإسلامي حينذاك احتجاجا على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى تكبيد الدنمارك خسائر بلغت 134 مليون يورو، أي ما يعادل 170 مليون دولار، وقدَّر مصرف "يسكي بانك" كلفة المقاطعة على الاقتصاد الدنماركي بإجمالي 7.5 مليار كورون دانماركي، وتراجعت الصادرات الدنماركية إلى الشرق الأوسط بمقدار النصف، كما تراجعت صادرات الدنمارك إلى المملكة العربية السعودية المستورد الأول في العالم الإسلامي لمنتجات الدنمارك بنسبة 40%، فيما انخفضت صادراتها إلى إيران المستورد الثالث في السوق الإسلامية بنحو 47%، كما أوقفت ليبيا استيراد المواد الدنماركية بشكل مفاجئ، كذلك سوريا والسودان واليمن. (5)

 

غير أن قيمة الصادرات الدنماركية إلى الدول الاسلامية كانت تبلغ نحو 14 مليار كورون سنويا، منها 8 مليارات إلى الشرق الأوسط، ما يُشكِّل 3% فقط من إجمالي الصادرات الدنماركية، ما دفع الحكومة والخبراء الاقتصاديين -حينذاك- إلى الاستنتاج، مثلهم مثل كبير الخبراء الاقتصاديين لدى البنك المركزي ستين بوسيان، أن "الاقتصاد الدنماركي قوي بما فيه الكفاية لمقاومة مقاطعة كاملة من قِبَل دول إسلامية". (5)

رغم ذلك، تأثر الاقتصاد الدنماركي -ولو مرحليا-، الأمر الذي يجعلنا نُعيد النظر في فعل المقاطعة الاقتصادية، فهي ليست مجرد حملات شعبية غاضبة، بل هي بالأساس خيارات سياسية ورمزية اتخذتها الشعوب لتُعبِّر عن احتجاجها بشكل عالمي فعال ومؤثر. فإذا كان القفص الحديدي للنظام الرأسمالي ودوامة الاستهلاك لا فرار منها، حيث يُعيد النظام الاستهلاكي احتواء الغاضبين عليه مثل طلاب الولايات الأميركية، ثم يُعيد تشكيل وصياغة الروابط الاجتماعية والإنسانية في المجتمعات التي يغزوها، فهناك سبيل آخر اكتشفته الشعوب لمقاومة هذا النظام منذ عصر التحرر من الاحتلال الغربي وحتى حملة مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية احتجاجا على احتلال فلسطين وغزو العراق وأفغانستان.

 

وهذا ما حاجج حوله المفكر ت.م.مارشال حين تكلم عن الوجه الآخر للاستهلاك داخل النقاشات السياسية والنظرية الثقافية، إذ إن فعل المقاطعة ليس مجرد نوع من سياسة الممكن، بل هو فعل سياسي أخلاقي لا ينشد فقط العدالة، بل يلفت النظر إلى شعوب لم يعد لها في النظام العالمي الحالي إلا الهامش. (6)

 

كذلك يرى الأكاديمي الويلزي رايموند ويليامز أن السبيل لتحقيق نوع من المساواة ووضع مفهوم جديد للمواطنة ينبغي أن يهتم بأمرين: التوصُّل لبعض الحقوق وفرصة لجعل صوتك مسموعا، وضمان أن المجتمع سوف يُنصت لك. وإن كانت الممارسات السياسية قد حلَّ محلها زيارات الأسواق التجارية والتنقل بين القنوات التلفازية وثقافة التفاعل السلبي أو المحايد مع الأحداث السياسية، فإن النزعة الاستهلاكية أصبحت أساسا جديدا للتفاعل والمشاركة السياسية في العصر الحديث. وهذه الرؤية التي نشأت من داخل النظرية الثقافية قد جادلت بأن انتشار النزعة الاستهلاكية بين الناس العاديين يُعبِّر عن انتفاضة شعبية تنتظر الحدوث. (6)

 

على الجانب الآخر من تلك الرؤية، كتب زيجمونت باومان أن الاستهلاك في المجتمعات الحديثة قد قوَّض واجبات المواطنة، خاصة مع رغبة المستهلكين في بناء خيارات فردية أثناء التسوق، فـ "المستهلك يسهل إمتاعه، ويمل بسرعة، والتزاماته الجوهرية قليلة، ويُثمِّن عاليا الخيار الفردي فوق أي شيء آخر، فهو بلغة المواطنة تُوجِّهه الجماليات بدلا من الأخلاقيات". (6)

 

إلا أن سقوط المواطنة وصعود الاستهلاك وغياب التضامن في المجال العام، مع ظهور المجال العام الافتراضي على وسائل التواصل الاجتماعي، قد شكَّل امتدادا لما تحدَّث عنه عالِم الاجتماع الماركسي ستيوارت هول عن إمكانية تحوُّل السوق إلى مجال للحرية، خاصة بعد صعود الليبرالية الجديدة وآليات السوق الحر، وقد اتفق معه عالِم التاريخ الثقافي فرانك مورت، الذي جادل حول تعلق قرارات الاستهلاك لدى الناس العاديين بتصورات ثقافية ولغوية وهوياتية لا مجرد المتعة الفورية المؤقتة كما يقول زيجمونت باومان (6)، فالاستهلاك الذي أغرق الشعوب منذ منتصف القرن الماضي تحوَّل الآن إلى نوع من التعبير عن الذات لدى الشعوب المهمشة.

 

وسط العقد الثامن من القرن العشرين، قام مجموعة من الطلاب في مدينة أكسفورد وعدد من المدن البريطانية الأخرى بحملة احتجاجية على تورُّط بنك باركليز العلني في دعم حكومة جنوب أفريقيا وسياساتها في الفصل العنصري. (7)

 

استخدم النشطاء وسيلة بسيطة للضغط على البنك عبر رسم شكل من أشكال الجرافيتي بكتابة "للسود" فوق بعض آلات الصراف الآلي للبنك، و"للبيض فقط" على مواضع أخرى. ورغم أن الكلمات لم تؤثر على تقديم خدمات الصراف الآلي، فإنه أربك مستخدمي الصرّاف الذين "شُوهدوا حائرين أين يقفون وهم ينظرون لكلمات "للسود" و"للبيض فقط"". وحسب كتاب "حركات ثورية: قصص شعوب غيّرت مصيرها"، سبّبت تلك الحملة الاحتجاجية شعورا بعدم الارتياح لعملاء البنك، وعلى إثرها انخفضت حصة بنك باركليز السوقية من 27% إلى 15%. (7)

 

في عام 1986، أذعن البنك لتلك الحملات وسحب استثماراته من جنوب أفريقيا مُسبِّبا ضغوطا على النظام الذي تضرَّر اقتصاديا، وعقب مجموعة من التحوُّلات الأخرى في جنوب أفريقيا أُطلِق سراح نيلسون مانديلا في عام 1990، وأُجريت انتخابات ديمقراطية عام 1994، ولم يرجع بنك باركليز لتقديم خدماته المصرفية في جنوب أفريقيا حتى عام 2005. (7)

يذكر كتاب "حركات ثورية: قصص شعوب غيّرت مصيرها" الصادر عام 2010 نحو ثمانين قصة عن محاولات الشعوب للضغط والتأثير وتغيير أوضاعها السياسية والاجتماعية، لكن الوسائل الأكثر فاعلية كانت دائما متعلقة بالأمور الاقتصادية، حيث تلفت مايكا نافا النظر إلى الاستهلاك الأخلاقي والمقاطعات الاستهلاكية ودورهم في زيادة صور الوعي بالبيئة بين المستهلكين، مثلما حدث في بريطانيا من نضال المستهلكين ضد رغبة شركة أويل للغاز في التخلص من حمولات الغاز القديمة والنفايات الصناعية بشكل يضر البيئة، وكما في قصة دعم بنك باركليز لأنظمة الفصل العنصري. (8)

 

فيما يخطو عالِم الأنثروبولوجيا البريطاني دانيال ميللر بهذا الطرح خُطى أبعد، حيث يرى في ممارسة التسوق تجربة لتمكين الفرد، ففي حين تبدو ممارسة السياسة موسومة بالطابع البيروقراطي والتراتبي بجانب خطرها في البلاد العربية، يرى كلٌّ من نافا وميللر التسوق باعتباره عملية انتخاب يومية، يقوم فيها المستهلكون، الذين يمتلكون قوة لها اعتبارها، باتخاذ خيارات أخلاقية يومية تتعلق بالسلع التي يشترونها وطريقة شغلهم للمكان العام والخاص، حيث يجادل ميللر بأن التركيز على الاستهلاك لا المواطنة أصبح مجال الاستقلالية والاختيار. (8)

 

في هذا السياق، تأتي المقاطعة بوصفها فاعلية شديدة التأثير والجدوى داخل حقل الاستهلاك الذي أصبح حقلا أساسيا في عصرنا، حيث لا تؤثر المقاطعة فقط على مبيعات الشركات وصادراتها وأرباحها وسمعة منتجاتها في العالم، بل هي تصنع سحابة ممطرة من التضامن الأخلاقي بين شعوب وجماعات يضعها النظام الرأسمالي في خانة الهامش أو المستهلكين غير المؤثرين سياسيا واقتصاديا، إذ لا تُطيق الأسواق الحديثة "اقتصادا لا يقوم على السوق الحرة"، لا تُطيق تلك الحياة التي تُعيد إنتاج نفسها بنفسها من دون تبادل للنقود وزيارة المتاجر بشكل دائم، تلك الحياة لا قيمة لها وفق مُنظِّري اقتصاد السوق، بل إنها عدوان وتَحدٍّ وفق ممارسي اقتصاد السوق، "إنها فضاء لم يتحقق غزوه إلى الآن، ودعوة قائمة للإغارة والغزو". (9)

كذلك لا تُطيق الأسواقُ الحديثة القائمة على آليات السوق الحرة وجودَ أي مبدأ أخلاقي داخل عمليات البيع والشراء غير المنفعة والربح والخسارة، لأن تلك المبادئ الأخلاقية تُعطِّل عمليات التجارة وتُقلِّل الأرباح، مبادئ مثل الاشتراك الأسري في البضائع والخدمات، وتقديم العون للجيران والأصدقاء، ومقاطعة المنتجات التي تُحرِّمها الأديان، ما يسميه السياسي النيوزلاندي ألبرت هنري هالزي بـ "الاقتصاد الأخلاقي" الذي يسعى اقتصاد السوق لتدميره وتفكيك أي جماعات تراحمية إنسانية تقف خلفه. (9)

 

فالكائن الوحيد الذي يعتبره المُنظِّرون جديرا بالاهتمام هو الكائن الذي له الفضل في "استمرار دوران عجلة الاقتصاد" وتشحيم عجلات النمو الاقتصادي، الذي يسميه باومان "الإنسان الاقتصادي"، أي الفاعل الاقتصادي المنعزل المتمركز حول نفسه ومصالحه من أجل تحقيق أفضل الصفقات، مهتديا "بالاختيار العقلاني" وحذرا من السقوط فريسة لأية عواطف يستعصي تحويلها إلى مكاسب نقدية. (9)

 

كائن يجد في سِرْب الزبائن المتسوقين في المحال التجارية الجماعة الوحيدة التي يعرفها ويحتاج إليها، فهو إنسان "بلا صفات" أنضجته الحداثة فأصبح إنسانا "بلا روابط"، وهذا النوع من الرجال والنساء هم السكان المثاليون لاقتصاد السوق والأنماط التي تبث السعادة في نفوس مراقبي الناتج القومي الإجمالي. أما هؤلاء الذين لديهم مبادئ أخلاقية ويُشكِّلون شبكات من التضامن فهم العقبة الأكبر في وجه النظام الرأسمالي.

حيث أظهرت بيانات موقع ITC" Trade"، وهو مشروع تابع للأمم المتحدة، أن إجمالي صادرات فرنسا إلى دول العالم بلغ العام الماضي 555.1 مليار دولار، أي أكثر من نصف تريليون دولار، وبلغت صادرات فرنسا إلى 7 دول عربية العام الماضي نحو 29 مليار دولار، أبرزها كانت إلى المغرب والجزائر، ووصل حجم التبادل التجاري بين الجزائر وفرنسا في 2019 إلى نحو 10.209 مليارات دولار، شكَّلت منها صادرات فرنسا إلى الجزائر 5.513 مليارات دولار، مقابل واردات بقيمة 4.696 مليارات دولار، أما مع المغرب فقد بلغ التبادل التجاري العام الماضي قرابة 11.58 مليار دولار، منها 5.336 مليارات دولار هي الصادرات الفرنسية إلى المغرب. (10)

 

وبلغ التبادل التجاري بين فرنسا وتونس في 2019 نحو 9 مليارات دولار، وشكّلت صادرات المنتجات الفرنسية إلى تونس قرابة 3.8 مليارات دولار، فيما تبلغ صادرات فرنسا إلى قطر والإمارات والسعودية ومصر نحو 14 مليار دولار، أكثرها إلى قطر، حيث تبلغ 4.295 مليارات دولار، ويصب الميزان التجاري بين فرنسا وقطر في صالح باريس بواقع 3.537 مليارات دولار، حيث تستورد فرنسا من قطر بضائع بقيمة 758 مليون دولار فقط، مقابل صادرات بقيمة 4.295 مليارات دولار.

 

كذلك يصب الميزان التجاري لصالح باريس في تجارتها مع الإمارات بواقع 1.929 مليار دولار، حيث تُصدِّر فرنسا سلعا إلى الإمارات بأكثر مما تستورد منها بواقع 1.929 مليار دولار (صادرات 3.647 مليارات دولار، وواردات 1.718 مليار دولار)، وبلغت صادرات المنتجات الفرنسية إلى السعودية العام الماضي 3.361 مليارات دولار، وإلى مصر بقيمة 2.575 مليار دولار. (10)

 

كما بلغت صادرات فرنسا إلى تركيا في 2019 نحو 6.655 مليارات دولار، ومع الأخذ بعين الاعتبار تجارة باريس مع الدول العربية المذكورة أعلاه نجد أن صادرات فرنسا إلى الدول الثمانية (تركيا، الجزائر، المغرب، قطر، تونس، الإمارات، السعودية، مصر) هي حجم التجارة الذي تُهدِّده دعوات مقاطعة البضائع الفرنسية الآن.

 

في القرن الماضي عبَّر سيد قطب وعلي شريعتي عن نفورهما من العالم الذي أوجدته الرأسمالية الأوروبية، وتدخُّل سلطة رأس المال لتقويض قيم المجتمعات الإسلامية وإعادة صياغتها من جديد، وأدركا أن المجتمعات الإسلامية تحتاج إلى مفاصلة معرفية مع أسس المعرفة الاجتماعية والتوجيهية التي صاحبت توسُّع الإمبراطوريات في العالم معتمدة على تراكم رأس المال وتسليع العمل، فقدَّم سيد قطب وعلي شريعتي، كلٌّ على طريقته، عددا من الإجابات في شكل أطروحات حاولت توظيف القيم الإسلامية لمواجهة الواقع الجديد، ووضع تصورات لكيفية التعامل مع هذا الواقع. (11)

 

وتمحورت الإجابات حول القدرة على مقاومة الإغواء الذي فُطِر عليه النظام الاستهلاكي الرأسمالي من جهة، مع استخدام النقد المادي الذي وجَّهته الاشتراكية لهذا النظام من جهة أخرى، وكان كلٌّ منهما يرى أن هذه الإجابات ستكون بداية إعادة صياغة تصوُّر للعالم وفرصة لإنشاء مجتمع يقوم على العقيدة الإسلامية يصلح لأن يكون نموذجا يُحتذى به ومصدر إلهام لجيل جديد تربى على منظومة قيمية ستُسقط السلطة المادية المهيمنة. (11)

 

إلا أن أغلب الإجابات والأطروحات التي قدَّمها الإصلاحيون الإسلاميون لم تؤتِ ثمارها بالشكل المُتوقَّع، بل استطاع النظام الرأسمالي العالمي كل مرة أن يُجدِّد نفسه ويتجاوز ما يخلقه من أزمات، كما أن الهجمات العنيفة على أبراج التجارة العالمية نفسها لم تُسقِط النظام الرأسمالي العالمي، في الوقت نفسه، تزداد حمى الاستهلاك في جميع البلاد العربية والإسلامية وبلاد العالم الثالث، حيث تحرص الشركات والحكومات على غزو جميع المجتمعات وتفكيك كل أشكال الاقتصاد التقليدي والأخلاقي وتدميره وإحلال اقتصاد السوق الحر وبضائعه مكانه.

في هذا السياق، يبدو خيار المقاطعة الاقتصادية خيارا شديد الفاعلية والجدوى، فمن جهة لا يرفض خيار المقاطعة الاستهلاك بشكل كلي، حيث لم يعد في الإمكان رفض الاستهلاك كليا، فقد تحوَّل إلى واقع يومي لا يمكن تجنُّبه، ومن جهة أخرى تقوم المقاطعة باستبدال البضائع والسلع الأجنبية بسلع أخرى محلية أو من بلاد أخرى، مما يُشجِّع على دخول المبادئ الأخلاقية داخل عمليات التجارة والبيع والشراء، كما يُشجِّع الصناعة المحلية والاقتصاد الوطني.

 

وفي السياق نفسه، وبناء على أطروحات مُنظِّري النظرية الثقافية حول الدور الجديد للاستهلاك والمقاطعة داخل سياسات المواطنة ونسق الممارسات السياسية، تبدو المقاطعة الاقتصادية أُفقا جديدا لبناء شبكة من التضامن الأخلاقي والسياسي، ليس فقط ضد مَن يُسيئون للإسلام ونبيه، بل كذلك على المستوى الوطني، إذ تُعَدُّ المقاومة الاقتصادية هي أكثر وسائل المقاومة السياسية فاعلية في العصر الحديث.

________________________________________________________________________________________

المصادر

  1.  حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية.. استغلال لمشاعر المسلمين؟
  2. The Century of the Self, Ep 3 – There is a Policeman Inside Our Heads; He Must Be Destroyed (2002)
  3. الإمبريالية النفسية، د.عبد الوهاب المسيرى
  4. The Century of the Self, Ep 3 – There is a Policeman Inside Our Heads; He Must Be Destroyed (2002)
  5. خسائر بمليارات الدولارات.. كيف أثرت مقاطعة المسلمين لمنتجات الدول المُسيئة للرسول؟ (تسلسل زمني)
  6. النظرية الثقافية: وجهات نظر كلاسيكية ومعاصرة، تيم إدواردز
  7.  قوة شعبية أقوى من بطش السلطة
  8. النظرية الثقافية: وجهات نظر كلاسيكية ومعاصرة، تيم إدواردز
  9. الحب السائل، زيجمانت باومان، ترجمة حجاج أبوجبر
  10. بالأرقام.. من الخاسر في معادلة المقاطعة.. ماكرون أم أردوغان .. وأين العرب منها؟
  11. تحدي الرأسمالية، تشارلز تريب، ترجمة : د.محمود عبدالحليم

حول هذه القصة

بعد كشفه النقاب عن خطته التي يسعى من خلالها للتصدي لما سمّاه ظاهرة “المجتمع الموازي” في فرنسا، ووصفه الإسلام بأنه يواجه “أزمة” في جميع أنحاء العالم.. كيف نقرأ إساءة ماكرون للإسلام؟

22/10/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة