الانقضاض على أراضي المصريين.. تاريخ الصراع على الأرض في مصر

 

في ليلة صيفية من شهر يونيو/حزيران، وقعت جريمة اغتيال غامضة في قرية "تناغه" الواقعة على بُعد نحو ثلاثين كيلومترا من جنوب مدينة أسيوط بصعيد مصر، غير أنها لم تكن حادثة اغتيال عادية، فقد كانت الضحية شخصية مُقرَّبة من الحاكم نفسه، مما أصاب القصر بالذعر، وأمر الحاكم بضبط كل الأسلحة بالقرية والقرى المجاورة ومصادرتها، وتوقيع عقوبات شديدة على أي فلاح يحمل سلاحا مع عزل عمدة هذه البلدة. (1)

 

وقعت هذه الحادثة عام 1863 في عهد الخديوي إسماعيل الذي لم تُثنه تلك الحادثة أو غيرها عن نيته في الاستيلاء على أراضي الفلاحين، فبعدها بعام فقط، وتحديدا في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1864، استولى إسماعيل على عزبة كبيرة في قرية نجع حمادي بعد استيلائه على ثلاثين ألف فدان من 26 قرية بالشرقية في عام الحادثة. (1)

 

اندلعت بعدها انتفاضة مسلحة بدأت في قرية قاو بالقرب من جرجا وأربع قرى مجاورة حتى وصلت لأسيوط، مما استدعى مجيء محمد فاضل باشا مفتش الصعيد مع قوة مسلحة، وتبعه الخديوي نفسه، فيما تولّى القيادة إسماعيل باشا أبوجبل ناظر الجهادية، وقد أحرقوا قرية قاو والقرى الأربعة المحيطة بها عن آخرها وأرسلوا الذكور الناجين من السكان إلى السجن في السودان. أما أقارب قائد الانتفاضة فقد سيقوا عشرة عشرة، يرقدون أمام الجنود، فتُقطع رؤوسهم بالبُلَط، وقد كوفئ فاضل باشا بعد عودته إلى العاصمة بترقيته إلى مجلس الأحكام. (1)

 

بعد ذلك، وطوال تاريخ مصر الحديث، ستصبح هذه الانتفاضات الريفية والصدامات العنيفة مع قوات السلطة، مثل تلك التي شهدها الريف المصري في شهر سبتمبر/أيلول الماضي بعد أن هدّد الرئيس عبد الفتاح السيسي بنشر الجيش في كل أنحاء مصر وإبادة القرى ذات الأبنية المخالفة و"المتعدية على أراضي الدولة"؛ ستصبح حدثا مُتكرِّرا وصراعا متصاعدا في تاريخ مصر منذ بداية القرن العشرين.

وحتى محطته الأخيرة قبل حدوث الانقلاب العسكري في مصر، حين نشبت الاحتجاجات الواسعة والعنيفة خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، بعد صدور قانون "المستأجرين" عام 1992، الذي أشعل احتجاجات عام 1997 التي مهّدت للحراك الاجتماعي والسياسي الذي استمر في مصر حتى عام 2010 وتكلَّل بالثورة المصرية التي أطاحت بمبارك في فبراير/شباط 2011.

 

لكن تلك الاحتجاجات الريفية التي هدّدت عرش مصر منذ عهد "محمد علي"، ثم الاحتلال الإنجليزي، حتى ثورة يناير، يبدو أنها عادت مرة أخرى، فكيف تصاعدت هذه الاحتجاجات منذ قرنين تقريبا وحتى الآن؟ ولماذا تريد السلطة في مصر الانقضاض على أراضي المصريين؟ والسؤال الأهم كيف تستولي الحكومة على أراضي المصريين؟

 

"لقد بلغ نظام الابتزاز والنهب الجماعي نقطة يصعب تجاوزها، فمصر الآن ضيعة واحدة كبيرة يجعل السيد فيها عبيده يعملون من دون حتى أن يُطعمهم".

(مقيم أوروبي في مصر في ثلاثينيات القرن العشرين) (2)

في مارس/آذار من عام 2016، أي بعد ثلاث سنوات تقريبا من الانقلاب العسكري في مصر، أصدر موقع "ميدل إيست آي" تقريرا ذكر فيه أن المؤسسة العسكرية المصرية تستحوذ على ما بين 80-90% من أراضي مصر عبر شركات وهيئات تابعة للجيش المصري، مثل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الذي يتبعه نحو 21 شركة تغطي مجموعة واسعة من القطاعات التي تشمل الزراعة والمنتجات الغذائية، وتقوم تلك الشركات باستغلال الأراضي ومَن يعملون بها -إذا كانوا لم يُطردوا- لتجارتهم الخاصة، مما ضيّق الحال على الفلاحين وصغار التجار. (3)

مشهد يبدو نسخة مكررة من عصر ولّى، فخلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي اشتعل الريف المصري بالاحتجاجات والعنف ضد أصحاب الأطيان والأعيان وأعضاء جهاز الدولة الذين فرضوا حبس رهن الأراضي واستولوا على أراضٍ شاسعة، فيما تُشير الوثائق التاريخية أن زحف الدولة على أراضي الريف وممارسة السيطرة على الأراضي والعمالة الزراعية تزايد بشكل كبير وملحوظ منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ الأمر الذي زاد من حِدَّة الاحتجاجات في الريف المصري لدرجة جعلت الدولة المصرية تأمر بسحب كل الأسلحة النارية من أُسر الفلاحين عام 1939 قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية (4)، إذ لطالما كانت مسألة الأرض هي "محور السيادة وبسط نفوذ السلطة في مصر، وهي محور الصراع الاجتماعي بين جميع الأطراف، حتى داخل جهاز الدولة نفسه، وهي المصدر الرئيسي للثروة".

 

فبعد هزيمة المماليك، ألغى العثمانيون نظام المقاطعات العسكرية الذي كان سائدا خلال حكم المماليك، واعتمدوا نظاما قائما على جباية الضرائب، فقسّموا الأرض إلى أمانات يكونُ مسؤولا عنها عدد من الأمناء، والأمين مهمته الأساسية هي جمع الضرائب وتسليمها للخزانة في مقابل راتب سنوي، لكن هذا النظام لم يستمر بسبب قلة عدد الأمناء وعدم جاهزية النظام البيروقراطي بمصر حينذاك لضبط عملية إدارة الأراضي، وبذلك حلَّ نظام الالتزام مكان "الجباية"، وهو النظام الذي بدأ تطبيقه في الربع الأول من القرن السادس عشر. (5)

 

وقُسِّمت بموجبه الأراضي ذات الخراج الزراعي في مصر وكانت تسمى "الأراضي الديوانية" إلى نواحٍ، كل ناحية مُقسَّمة إلى 24 قيراطا، وهي الأرض التي يتولاها الملتزم، فتُعرض أراضي الفلاحة في المزاد العلني، ويقوم الملتزمون بجمع ضريبة الأراضي وتسمى "أعشار الأرض" من الفلاحين وتسليمها لخزينة الدولة، وفي المقابل يحصل الملتزمون على "الفايظ" وهو راتب مما يفيض عن الأرض، بالإضافة إلى قطعة أرض دون ضرائب تسمى بـ "الوسية"، وأراضي الوسية هي أراضٍ خاصة للملتزم نظير دفعه الضرائب مقدما ليعتاش منها، ويقوم الفلاحون بزراعتها له باعتبارها جزءا من إيجار الأرض التي يزرعونها. (5)

 

إلا أن مساحة أرض الوسية لم تكن تزيد على 10% من أراضي الفلاحة، وكان من حق الفلاح زراعة ما يريد من محاصيل على أن يُسلِّم الملتزم نصيبه للخزانة، ومن حق الفلاح توريث الأرض التي يزرعها أو تكليف شخص آخر بالقيام بذلك أو رهنها، ولم يكن من حق الملتزم أن يقتلع الفلاح من أرضه ما دام يدفع الضرائب ويصون الأرض الزراعية، ولم يكن من حق الملتزم توريث الالتزام، بل كان عقد الالتزام يُجدَّد سنويا، وكانت المحكمة الشرعية هي الحكم بين الفلاحين والملتزمين. (5)

 

لكن لا الفلاح ولا الملتزم كانا يملكان الأرض، الأرض جميعها ملك للدولة أو السلطان، وكان الملتزم يُعتَبر موظفا في الدولة أو جامعا للضرائب يحصل على فائض وقطعة أرض عن هذه المهمة التي يؤديها للسلطنة، إذ هو بمنزلة نائب السلطان في هذه المساحة. هذه العلاقة الثلاثية تشتمل على ثلاثة أشكال من الاستحواذات أو الملكيات أو الحقوق المتقاطعة، ملكية أصلية للسلطان الذي هو خليفة الله في الأرض، وملكية الإنابة للملتزم الذي هو وكيل السلطان، وملكية أثرية للفلاحين الذين يزرعون الأرض ويستخدمونها، ولا يستطيع الملتزم طرد المزارع منها إلا وفق شروط أقرَّها السلطان، ولا يستطيع السلطان نفسه نزع الأرض من مزارعيها خوفا من بوارها. (5)

وضمن هذه العلاقة المعقدة، كانت الأرض ذاتها في العصر العثماني الأول تخضع لأشكال متعددة من الحقوق في الوقت نفسه، مما يُحقِّق حالة من التوازن والاستقرار بين المالك الأصلي والحائز والمنتفع، والثلاثة لهم حقوق قانونية في الأرض وفق عقود محددة تحت مظلة نظام "الحيازة" الذي يُنظِّم كيفية منح حق الحصول على الأراضي والتحكُّم فيها ونقلها، فضلا عن المسؤوليات والقيود المرتبطة بكل حائز، فالنظام الذي كان سائدا يمكن وصفه بأنه نظام متعدد الحقوق والواجبات ويستند إلى قاعدة حقوقية واسعة تشتمل على الشريعة الإسلامية والقانون النظامي العثماني والعُرف المتفق عليه من قديم الأزل. (5)

 

استمر نظام "الالتزام" حاكما قرابة 156 عاما منذ عام 1649 تقريبا إلى أن قام محمد علي بإلغائه عام 1814، وبمجرد إلغاء نظام "الالتزام" دون تنظيم واضح لحقوق المزارعين والملتزمين، وقع خلل كبير في نظام ملكية الأراضي في مصر استمر حتى يومنا هذا، فقد "أحدث محمد علي انقلابا في أنماط استغلال الأرض وعلاقات الإنتاج، ليجعل طريقة الإنتاج وأساليب الري في الريف المصري تصب في صالح توسيع الإنتاج من أجل السوق العالمي". (5)

 

بدأ محمد علي باستخلاص الأراضي من أيدي الملتزمين والمماليك قبل أن يُعيد توزيعها كما أراد، واستهل هذا الاستخلاص بفرض ضرائب على أراضي "المسموح" التي كانت في حوزة الأعيان ومشايخ البلد، واستعاد الأراضي كلها من الملتزمين غير القادرين على دفع الضرائب الجديدة التي فرضها، وأنهى هذه الإجراءات بمذبحة القلعة عام 1811، ثم طارد المماليك الفارين واستحوذ على التزاماتهم وأراضيهم، وأعطى لمَن بقيَ وخضع منهم "الوسيات" التابعة لهم باعتبارها أرضا معفية من الضرائب، كما خصَّص لهم معاشا يُسمى "فائض الالتزام". (5)

محمد علي

وابتداء من العام 1826 مُنحت الأبعاديات والعُهَد لخواص الوالي ولبعض مشايخ الأعيان وكبار مشايخ القرى، وأضحت ملكيات فردية عام 1826، أما الجفالك فتحوّلت عام 1838 إلى ملكية خاصة وتلتها أرض العهدة عام 1846. حيث كانت الجفالك والعهدة اقتطاعا من أراضي "الآثار" التي كان يزرعها الفلاحون المصريون، في حين كانت الأبعاديات في أطراف القرى والأراضي المتروكة.

 

فحُوِّل مليون فدان من الأراضى الأثرية إلى أراضٍ ملكية، وتحوَّل الفلاحون الأثريون، الذين كانوا يتمتعون بحقوق حيازة وتوريث هذه الأراضي إلى عمال زراعة أو سداسين (يحصلون على سدس المحصول). (5) إلا أن الفلاح المصري لم يكن الخاسر الوحيد من إلغاء نظام الالتزام وإعادة توزيع محمد علي للأرض، فقد خسرت الأرض المصرية محاصيلها للأبد لصالح القطن وقصب السكر.

 

"لقد عدت للتو من رحلة في الريف، وما لا تخطئه عين من أمارات الثورة التي رأيتها، ويا لها من مؤشرات استياء، ويا له من قلق! ليته كان معي بعض الوزراء أو الوجهاء أو الإقطاعيين ليسمعوا بآذانهم كيف تُذكر أسماؤهم، ليتهم كانوا معي عندما مررت في الإقطاعيات الشاسعة لوزير الداخلية وتلك التي يملكها أقاربه".

(الزعيم السياسي المصري أحمد حسين)

بنهاية عصر "محمد علي" كانت الجفالك والأبعاديات، بالإضافة إلى العُهَد التي منحها الباشا لنفسه ولأفراد عائلته وللمتنفذين من العائلات البرجوازية، هي النواة التي تشكَّلت منها طبقة كبار المُلّاك. أما الفلاحون فقد أشارت اللائحة الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 1847 إلى أنه "لا يجوز انتزاع الأرض منهم إلا في حال عدم القدرة على زراعتها أو سداد خراجها". (5)

لكن في الحقيقة، لم تُضف تلك اللائحة جديدا، فهذه الحقوق كانت مكفولة سلفا في ظل الالتزام، بل فَقَدَ الفلاح حق توريث الأرض في حال عدم قدرته على زراعتها. وفي عهد سعيد صدر في يناير/كانون الثاني 1855 قانون يشترط حصول المنتفع على شهادة من المديرية لنقل الأطيان، كما اعترف بالميراث للأرض الأثرية للأبناء والذكور والإناث بشروط خاصة، ثم أتبع ذلك باللائحة السعيدية التي تُقر الملكية الكاملة لكل حائز، وحرية التصرف في الأرض بالنسبة لأراضي الأبعاديات. (5)

 

حتى وصل إسماعيل لعرش مصر، ليبدأ عصر جديد دخلت فيه مصر حقبة النمو الرأسمالي، حيث قام بإجبار الفلاحين على زراعة القطن الذي كانت مصانع بريطانيا تحتاج إليه خاصة بعد نقص إمدادات القطن الأميركي خلال الحرب الأهلية الأميركية، فتوسعت القروض ونمت الاستثمارات ودخلت المصارف الإنجليزية والفرنسية والبلجيكية، وبلغ إجمالي القروض 91 مليون جنيه في نهاية عصر إسماعيل، وفي الوقت نفسه نَمَا نفوذ الأعيان والمشايخ وعُمد القرى؛ فكان أول مجلس شيوخ عام 1899 معظمه من مشايخ الأقاليم والقرى، ومن بين النواب الـ 75 مَثَّل العُمد من 58 إلى 64 مقعدا، حيث اعتمد عليهم إسماعيل لمواجهة الأرستقراطية التركية الألبانية. (5)

 

ومثلما فعل الخديوي السيسي في أيامنا هذه بتجميع الأموال من الفلاحين ومُلّاك الأرض بحجة "التعدي على أملاك الدولة"، أصدر الخديوي إسماعيل بعد وقوع مصر في مصيدة الديون قانونا لتجميع الأموال، عُرِف بقانون "المقابلة" الذي يكفل للمنتفع أو الحائز صك ملكية الأرض إذا دفع مرة واحدة -مُقدَّما- ستة أمثال الضريبة المفروضة على الأرض، مع إعفائه بعد ذلك من نصف الضريبة المُقرَّرة بصفة دائمة (5)، لكن البلاد بعد ذلك دخلت تحت سيطرة الدائنين الأوروبيين الذين ألغوا القرار، واستحوذوا على الأراضي، حتى قامت بريطانيا باحتلال مصر 1882.

 

ووفق الواقع الجديد، أعادت سلطة الاحتلال الإنجليزي مسح الأراضي المصرية وتنظيمها، حيث احتوى القانون المدني الأهلي الذي صدر في 28 ديسمبر/كانون الأول 1882 في مادته التاسعة على أن "تُسمى ملكا العقارات التي يكون للناس حق التملُّك التام لها، وتُعتبر في حكم تلك الأراضي الخراجية التي دفعت المقابلة"، وعُدِّل القانون بعد ذلك في 1896 كي يُلغي شرط دفع المقابلة، وفي أثناء ذلك تطوّر قطاع رأسمالي في ظل التوغل الأوروبي والاندماج في السوق العالمي. (5)

 

انتشرت بذلك شركات الرهن العقاري والشركات الزراعية التي بدأت نشاطها في 1888، مثل شركة الأخضر، وشركة أبو قير، والشركة المساهمة للري في البحيرة، والشركة العقارية المصرية، وشركة الدائرة السنية، وشركة مصر المساهمة الزراعية والصناعية، والشركة المصرية الجديدة، وشركة مصر للأراضي والرهانات، وصندوق الرهن المصري، والشركة العقارية المصرية، وبنك مصر العقاري، وقد وصلت أملاك الرأسماليين إلى 627,586 فدانا عام 1919. وفي عام 1930 كان في مصر نحو 3.4 ملايين فدان مرهونة للبنوك العقارية والزراعية وبنوك الأراضي، وكان جانب كبير من الأراضي مرهونا للأجانب، وفي عام 1949 كان هناك 19 مؤسسة عقارية برأس مال إنجليزي أو بلجيكي تستثمر أموالها في تجارة الأراضي وليس في الإنتاج الزراعي، وكانت تمتلك 180 ألف فدان. (5)

 

وفي الفترة بين 1911 وحتى 1912 توغلت الرأسمالية المالية في الزراعة المصرية، عقب تأسيس البنك العقاري المصري، وزادت نسبة المراهنات، وانتشر الاستحواذ على الأراضي الزراعية لصغار الفلاحين، فنُزِعت ملكية أراضٍ تُقدَّر بـ 1.1 مليون فدان نتيجة لانخفاض أسعار المحاصيل الزراعية بسبب الأزمة الاقتصادية لعام 1907، فأقلق فقدان الأراضي الزراعية إدارة كتشنر، فأصدر قانون 31 لسنة 1912 الذي سُمِّيَ قانون خمسة الأفدنة، وبذلك تحوَّل 93.5% من مُلّاك الأراضي إلى فئة الخمسة أفدنة فأقل، حفاظا على زراعة القطن لمصانع بريطانيا. (5)

 

لكن يبدو أن الاحتلال كان أرحم بالفلاحين من نظام السيسي الذي يحكم مصر حاليا، ففي عام 2014 أصدر السيسي قانونا يُنظِّم الأراضي التي يرفع الجيش يده عنها، وفي هذا القانون جاء بند يُتيح للمؤسسات الفرعية التابعة للقوات المسلحة تكوين شركات منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام أو الخاص، لتحويل الأراضي العسكرية لأغراض مدنية، تُشارك بها المؤسسة العسكرية بقيمة الأرض فقط في مشاريع استثمارية ربحية لصالح المؤسسة العسكرية، أي إن القانون يُبيح للجيش استغلال الأراضي في مشاريع ربحية بعد الاستيلاء عليها بوضع اليد. (6)

وفي 12 يوليو/تموز من عام 2016 أصدر السيسي القرار رقم 313 لتخصيص مساحة 6174.17 فدانا من الأراضي المملوكة للدولة لصالح القوات المسلحة، ثم صدر قرار جمهوري بتخصيص الأراضي الصحراوية بعمق 2 كيلومتر على جانبي 21 طريقا جديدا يتم إنشاؤها وإصلاحها لوزارة الدفاع، على أن تُعتبر مناطق إستراتيجية ذات أهمية عسكرية لا يجوز تملُّكها. (6)

 

ثم وافق السيسي على إعادة تخصيص مساحة 3.17 كيلومتر مربع، نقلا من الأراضي المملوكة للقوات المسلحة وأراضي وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، لصالح وزارة الدفاع، ثم صدر القرار الجمهوري رقم 272 لسنة 2016 بالموافقة على إعادة تخصيص قطعة أرض من الأراضي المملوكة للدولة بمساحة 1284638 م٢ بالعين السخنة بمحافظة السويس لصالح الجيش، وفي اليوم ذاته صدر القرار رقم 234 لسنة 2016 بإعادة تخصيص مساحة 244 فدانا من أراضي الدولة أول طريق (القاهرة/الفيوم) الصحراوي لاستخدامها في معسكرات الأمن المركزي بالجيزة لصالح وزارة الداخلية. (6)

 

ثم في أغسطس/آب 2016 أُعيد بموجب قرار جمهوري تخصيص مساحة 107.55 فدان من الأراضي المملوكة للدولة غرب بورسعيد لصالح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، مع تخصيص 14 ألفا و596 فدانا للقوات المسلحة غرب وصلة الضبعة بقرار جمهوري رقم 101 لسنة 2017.

 

وفي مارس/آذار 2017 صدر القرار الجمهوري رقم 85 لسنة 2017 بالموافقة على تخصيص قطعة أرض بمساحة 1351 فدانا من الأراضي المملوكة للدولة بجهة شرق النيل لصالح القوات المسلحة للاستزراع السمكي، ثم صدر القرار رقم 86 لسنة 2017 بالموافقة على إعادة تخصيص مساحة 1141254 فدانا من الأراضي المملوكة ملكية خاصة شرق العوينات لصالح القوات المسلحة.

 

بالإضافة إلى تخصيص جميع الأراضي التي سيُقام عليها مشروع العاصمة اﻹدارية الجديدة بين مدينتي القاهرة والسويس، ومشروع مدينة محمد بن زايد السكنية لصالح وزارة الدفاع ممثلة في جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، وفي 27 (يوليو/تموز) 2017 قرَّر السيسي إعادة تخصيص 360 فدانا بمحافظة مطروح لصالح القوات المسلحة، كما قرَّر السيسي تخصيص 4.7 فدان لإنشاء محطة كهرباء لصالح القوات المسلحة. (6) وحتى الآن لم ينتهِ مسلسل الاستيلاء على أراضي المصريين، الأمر الذي يُشير إلى الخلل الواضح في قانون ملكية الأراضي في مصر.

 

في عام 1863، منح إسماعيل باشا، الوالي العثماني في القاهرة، مئة فدان للقهوجي الخاص به، ومئة أخرى لحلّاقه، وخلال ثمانية عشر شهرا خصَّص لمَن يحيطون به من ضباط الجيش وكبار الموظفين وأعضاء العائلة الحاكمة والخدم أكثر من ستين ألف فدان من وادي النيل، وفي هذه الفترة القصيرة نفسها أضاف خمسين فدانا لأملاكه الخاصة. (7)

 

فبعدما أزال محمد علي نظام "الالتزام"، أصبحت الأرض في مصر ملكا للسلطان يمنحها لمَن يشاء، ضاربا بعرض الحائط حقوق المزارعين المنتفعين منها، وبمرور السنوات واستمرار مسلسل الاستيلاء على الأراضي ومنحها لخاصة السلطان وحاشيته، تبلورت طبقة من المُلّاك العقاريين واستحوذوا على نحو 40% من مساحة الأرض الزراعية، ونَمَا نمط جديد للسيطرة على الفلاحين والأرض، بدأ في الظهور بعصر محمد علي عبر الجفالك والأبعاديات والعُهَد، وتبلور في صورة "العزبة"، ففي 6 يناير/كانون الثاني 1880 أُوقف العمل بقانون المقابلة لآخر مرة، واعتُرِف بحقوق الملكية التامة على الأرض لكل مَن دفع المقابلة كلها أو بعضا منها، وبذلك تمتع معظم مُلّاك الأراضي الزراعية في مصر بحق الملكية التامة، ما عدا حائزي الأراضي التي لم تُدفع عنها المقابلة.

 

وفي 15 إبريل/نيسان 1891 تحت حكم الخديوي توفيق، حصل حائزو الأراضي التي لم تُدفع عنها المقابلة حقوق الملكية التامة أسوة بأرباب الأطيان الخراجية التي دفعت عنها المقابلة كلها أو بعضها، وبعد إقرار قانون الملكية الخاصة بعامين كان عدد العِزَب في الدلتا وحدها 5 آلاف عزبة يسكنها 12% من السكان، وفي عام 1890 كانت نصف الأراضي الزراعية في البلاد خاضعة لهذا النظام، حيث تصبح الأرض ويصبح الفلاحون ومساكنهم في العزبة ملكا لصاحبها.

 

وفي عشرينيات القرن العشرين وصل عدد العِزَب إلى 17 ألف عزبة، ووصل تمدُّد العِزَب عام 1923 ليُشكِّل نصف المساحة التي يسكنها الفلاحون، فكانت العزبة وسيلة للسيطرة على الفلاحين والأرض وحبسهم، ولكن هذه المرة عبر نزع ملكيتهم وتقييدهم عبر الديون والعوائد الطفيفة. (10)

فلم يكن قانون الملكية الفردية أو العقارية الذي أقرّه الخديوي في مصر قانونا لتنظيم الواقع وتحقيق العدالة وإحلال القواعد القانونية مكان الأفعال الاعتباطية الاستبدادية للسلطان، وإنما كان القانون مُفصَّلا لصالح فئات معينة، أي يحوي بعضا من الخصوصية لكنه في الوقت نفسه تجريدي ومُعمَّم على الجميع، وبدلا من أن ينظم القانون الواقع، جاء من أعلى لإسكاته، وبدلا من أن يخلق حكم القانون قطيعة مع أشكال القوة الاعتباطية، أعاد ترتيبها وأعاد توزيع عملياتها وآثارها، حيث كان نموذج العزبة آلية إعادة الترتيب هذه. فظاهريا تبدو القوانين هي ما تُنظِّم العلاقات والحقوق بالعِزَب، بينما باطنيا يسودها الفوضى والقوة الاستبدادية القهرية (9)، وهي الصفة التي ستُلازم القوانين في مصر حتى يومنا.

 

ومع نمو ملكية الأراضي لغير الفلاحين وانفصال الملكية عن الارتباط بالأرض حدث نمو للإيجارات الزراعية، حيث قفزت مساحات الأراضي المؤجرة من 17% من جملة الأراضي عام 1939 إلى 60% عام 1950. فشهد الريف المصري حالة من الغليان نتيجة لتدهور سُبُل عيش الفلاحين، ونمط الاستغلال السائد عبر الإيجارات الزراعية، وكلما ارتفعت الإيجارات الزراعية زادت هبات الفلاحين في الفترة بين 1947 إلى 1952، حيث ارتفع معدل الإيجارات الزراعية بين 1936 إلى 1950 بمعدل 472%. (10)

 

فيما اشتعلت الاحتجاجات بالريف المصري في صيف 1951، حيث شهد 49 إضرابا ومواجهات عنيفة بين الفلاحين والإقطاعيين، كان أبرزها في بهتوت وسدارة وكفر نجم وزنين بالجيزة، وميت فضالة بأجا، والسِلاو وفارسكور بالدقهلية. (10) ورغم كل تلك الاحتجاجات، بدا أن نظام الملكية قد استقر بعد مرور نصف قرن على إقرار حقوق الملكية الكاملة وإلغاء كل أشكال الحيازات الأخرى وتحويل الفلاحين إلى عمال تراحيل أو عمال بالمدن، لكن هذا الاستقرار انهار فجأة مع انقلاب يوليو 1952.

 

"التطبيق العربي للاشتراكية في مجال الزراعة لا يؤمن بتأميم الأرض وتحويلها إلى مجال الملكية العامة، وإنما يؤمن استنادا إلى الدراسة وإلى التجربة بالملكية الفردية للأفراد في حدود لا تسمع بالإقطاع، من هنا فإن الحلول الصحيحة لمشكلة الزراعة لا تكمن في تحويل الأرض إلى الملكية العامة، وإنما تستلزم وجود الملكية الفردية للأرض وتوسيع نطاق هذه الملكية بإتاحة الحق فيها لأكبر عدد من الأجراء".

(الميثاق الوطني، عبد الناصر 1962)

رغم كل تلك الاحتجاجات التي شكَّلت زخما كبيرا لحركة الضباط، لم يكن قانون الإصلاح الزراعي جذريا حتى بمقاييس العصر الذي اتخذت فيه، وإنما مال الضباط إلى الحلول البرجوازية مع خطاب شعبوي يُظهِر الإصلاحات كأنها إصلاحات جذرية، لكن البنك الدولي المؤسسة الرأسمالية قد وصف القانون وقتها بأنه ليبرالي توافقي، فقد نص على إعادة توزيع 13% من مساحة الأراضي، كما أعطى تعويضات كبيرة وبفائدة مرتفعة للمُلّاك. (10)

 

كان قانون الإصلاح الزراعي أولى الخطوات التي اتخذتها السلطة الجديدة، فقد أُعلن القانون بعد 45 يوما فقط من قيام تنظيم الضباط الأحرار بطرد الملك وتعيين حكومة جديدة، وقد تسبب القانون في ضجة كبيرة أسفرت على سبيل المثال عن استقالة حكومة ماهر رفضا للقانون، كما جرت مقاومة مسلحة للقانون أشهرها العصيان المسلح الذي قاده السيد عدلي لملوم أحد كبار المُلّاك والأعيان بالمنيا، وشنَّ عديد من الأعيان حملات تشهير داخلية وخارجية على القانون. (10)

 

غير أن قانون الإصلاح الزراعي لم يكن من اختراع عبد الناصر ولا مجلسه، إنما كان استكمالا لجهود الإدارة الإنجليزية في مصر لاستقرار الأوضاع في الريف والحفاظ على المُلّاك الزراعيين من فئة الخمسة أفدنة كي لا تقل واردات القطن المصرية التي تُغذِّي مصانع النسيج في بريطانيا، بجانب تجنُّب تحوُّل الفلاحين إلى ثوار محتملين خاصة مع تزايد انتشار الأفكار الاشتراكية والشيوعية. (10)

 

كما أن عبد الناصر قد قرَّر إرضاء كبار المُلّاك والإقطاعيين، فأصدر قانون رقم 178 لسنة 1952 بشأن الإصلاح الزراعي الذي جاء في مادته الخامسة دفع تعويضات مجزية للمُلَّاك عن الأراضي التي انتُزعت منهم: "يكون لمَن استولت الحكومة على أرضه وفقا لأحكام هذا القانون الحق في تعويض يعادل عشرة أمثال القيمة الإيجارية لهذه الأرض مضافا إليها قيمة المنشآت والآلات الثابتة وغير الثابتة والأشجار، وتُقدَّر القيمة الإيجارية بسبعة أمثال الضريبة الأصلية المربوطة بها الأرض، فإن لم تكن الأرض رُبطت عليها هذه الضريبة في التقدير العام لضرائب الأطيان المعمول به منذ أول يناير/كانون الثاني 1949 لبوارها أو رُبطت بضريبة لا تجاوز فئتها جنيها للفدان يُقدَّر ثمنها بمعرفة اللجنة العليا لتقدير أثمان أراضي الدولة".

وفقا لهذه المادة من قانون الإصلاح الزراعي قُدِّرت التعويضات (عشرة أضعاف القيمة الإيجارية التي تساوي سبعة أضعاف الضريبة)، أي ما يعادل سبعين ضعفا للضريبة العقارية التي كانت عام 1949 نحو 3 جنيهات للفدان سنويا، ليصل بذلك التعويض على الأرض قيمة تقارب 210 جنيه، مع الأخذ في الاعتبار أن ثمن الفدان كان يعادل نحو 400 جنيه فإن التعويضات مَثَّلت نصف قيمة الأرض، بينما في دول عديدة طبقت الإصلاح الزراعي لم تُدفع أي تعويضات لكبار المُلّاك مقابل انتزاع الأراضي منهم، ثم صدر في 1964 قانون رقم 104 فألغى التعويضات، أي بعد 12 عاما من القانون الأول. (10)

 

كما أنه وفقا للمادة 11 من القانون، أُلزم الفلاحون المنتفعون من إعادة التوزيع بدفع ثمن الأرض بما يساوي مبلغ التعويضات الذي قرّرته الحكومة لكبار المُلّاك، وبفائدة سنوية قدرها 3% ويضاف إليها 15% نفقات توزيع، وأن يُسدَّد ثمن الأرض بالتقسيط على مدار ثلاثين عاما. وقد خفَّف التعديل الصادر عام 1958 الفائدة من 3% إلى 1.5%، ثم بعد ذلك صدر تعديل آخر عام 1961 عبر قانون 128 الذي قرَّر خفض المبلغ -الذي لم يُسدَّد- إلى النصف، وخفض الفائدة السنوية إلى النصف أيضا، وفي عام 1964 خُفِّض المبلغ إلى الربع، بينما في دول أخرى لم يدفع الفلاحون ثمنا لأراضٍ مُنحت لهم. (10)

 

إلا أن تعويض الإقطاعيين وتغريم الفلاحين لم يكن العوار الوحيد للقانون، فقد استبعد القانون الفلاحين المعدمين وعمال الزراعة من توزيع الأراضي، حيث نصّت المادة التاسعة من القانون أن من شروط الحصول على الأرض أن يقل ما يملكه من الأرض الزراعية عن خمسة أفدنة، وأن يكون عاملا بالزراعة لفترة طويلة، ووفقا لهذا الإجراء استُبعِد مليونا عامل زراعي وفلاح معدم من عملية إعادة التوزيع مع تحديد قيمة أجر العامل الزراعي. (10)

وفي عام 1961 صدر قانون الإصلاح الزراعي الثاني، قانون رقم 27 لسنة 1961 الذي خفّض سقف الملكية من 300 إلى 100 فدان لكل أسرة، ثم خُفِّض سقف الملكية إلى 50 فدانا لكل أسرة عام 1969، لكن هذا التخفيض في الحقيقة لم يحدث على أرض الواقع، فوفقا لإجراءات قوانين الإصلاح الزراعي التي نُفِّذت بين سنة 1952 إلى 1970، أُعيد توزيع مساحة إجمالية وصلت إلى 817538 فدانا، أي 13.5% من الأراضي الزراعية، لصالح 341982 أسرة تضم نحو 1.7 مليون فرد، أي 9% من سكان الريف المصري في ذلك الوقت، يضاف إلى ذلك المساحات التي انتُزعت برعاية وزارة الإصلاح الزراعي، وهكذا يصل مجموع الأراضي إلى أكثر من 950000 فدان انتقلت من يد إلى يد أخرى، أي نحو 15% فقط من الأراضي المزروعة وقتها. (10)

 

وخلال هذه الإجراءات، حقّقت الدولة مكاسب من إعادة تقنين الضرائب على الأطيان، فقد ارتفعت ضريبة الأراضي من 5.8 ملايين جنيه عام 1952 إلى 21.8 مليون جنيه عام 1967، كما أن المبالغ التي جُمعت من المنتفعين من أرض الإصلاح الزراعي بلغت 8.2 مليون جنيه، كما جمعت الحكومة من تسويق بعض الحاصلات الزراعية مبلغ 2.4 مليون جنيه. (10)

 

بنهاية الحقبة الناصرية، كان قطاع الزراعة في مصر عبارة عن قطاع عام كبير يضم 970 ألف فدان، ففي الواقع لم تمنح الدولة الفلاحين ما استولت عليه من أراضي المُلّاك الإقطاعيين بوصفها ملكية فردية مطلقة بالمفهوم التقليدي، فهي وإن أعطتهم شهادات تملُّك فقد بقيت المالك الحقيقي للأرض، تتخذ القرارات المتعلقة بالإنتاج والاستثمار والتوزيع، وبذلك زاد الخلل في نظام تملُّك الأراضي في مصر، الخلل الذي سيتحول إلى سرقة علنية فيما بعد.

 

مع تولّي السادات الحكم بدأ عصر جديد للزراعة المصرية، ففي أكتوبر/تشرين الأول 1971 أصدر الرئيس قرارا بتعويض الإقطاعيين السابقين عن الأرض التي صُودِرَت عام 1952 قدره 70 مثل ضريبة الأطيان الزراعية بالإضافة إلى القيمة السوقية للمنشآت والحدائق التي كانت على تلك الأراضي. وفي عام 1972 أُلغي العزل السياسي الذي كان مفروضا على 12 ألف مواطن ممن شملتهم الإجراءات الناصرية السابقة، وفي ذلك العام أيضا أُلغيت الحراسات على ممتلكات 1200 من العائلات المصرية الغنية، ثم ألغيت جميع الحراسات المتبقية في أغسطس/آب 1981. (10)

وبعد حرب أكتوبر وبداية الانفتاح الاقتصادي في عام 1975، أُعيد النظر في بعض بنود قانون الإصلاح الزراعي، ووافق مجلس الشعب في 23 يونيو/حزيران 1975 على قانون يُعطي المالك الحق في طرد المستأجر من الأرض في حالة تأخُّره عن سداد الإيجار لمدة أكثر من شهرين، كما حُلَّ الاتحاد التعاوني الزراعي ووُزِّعَت ممتلكاته، وأخيرا صدر القانون 117 لسنة 1976 بإنشاء البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي وبنوك القرى التي أُنيط بها مهمة تمويل الزراعة بدلا من التعاونيات التي كان قد أنشأها الأهالي وأَمَّمها نظام عبد الناصر. (10)

 

كما أصدر السادات قانون 1981 ليجعل الحد الأقصى لملكية الفرد 100 فدان، و300 للأسرة، وعشرة آلاف لشركات الأفراد، و50000 للشركات المساهمة. وبنهاية حقبة السادات كانت القوانين والظروف مهيَّأة لبداية عصر جديد من الاستيلاء على أراضي المصريين، لتعود العِزَب والمزارع الضخمة التي يملكها الشركات والمستثمرون والمؤسسة العسكرية بدلا من إقطاعيي العهد الملكي.

 

فمع وصول مبارك للحكم وتفاقم الأزمة الاقتصادية، جدَّدت مصر التفاوض مع المؤسسات الدولية بشأن الإصلاح الاقتصادي والتثبيت الهيكلي، وخلال التسعينيات والعقد الأول من الألفينيات، سارت مصر خلف توجيهات البنك الدولي وهيئة المعونة الأميركية، كي تتخلَّص الدولة من كل مهامها في الإنتاج الزراعي والفلاحي، وتتخلَّى عن دورها في تحديد مقننات التسميد وأسعار مدخلات الزراعة ومخرجاتها وترك ذلك لقوى السوق والمستثمرين. (10)

 

في الوقت نفسه، سخَّرت الدولة كل إمكاناتها من أجل استصلاح الأراضي الصحراوية وتسليمها للمستثمرين، وقلَّصت دعم المزارعين في الوادي والدلتا، ودعمت المستثمرين في الزراعة الصحراوية، وحرَّرت سعر الإيجارات الزراعية مما أدّى إلى ارتفاعها، وخفّضت أسعار الأراضي الجديدة لكبار المستثمرين لتصل إلى 50 جنيها للفدان، وجعلت مدة عقود الإيجارات الزراعية لا تزيد على ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، بينما أعطت عقودا إيجارية للمستثمرين لمدة تصل إلى 99 عاما.

 

في عام 1992، وافق البرلمان المصري على القانون الذي سُمِّيَ "إصلاح العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر"، وقد تضمن ذلك القانون زيادة القيمة الإيجارية من 7 أمثال الضريبة السارية على الأطيان الزراعية إلى 22 مثل الضريبة خلال الفترة الانتقالية التي تبلغ خمس سنوات، ثم بعد ذلك تترك الحرية للسوق لتحديد قيمة الإيجار. (10)

 

وعندما بدأ التنفيذ، تسبَّب القانون في طرد نحو 904 ألف مستأجر، مما يعني قرابة خمسة ملايين أسرة مصرية، 431 ألف أسرة منهم تضرَّروا كليا من جرّاء القانون، و472 ألف أسرة فقدت في المتوسط 46% من دخلها، فاشتعلت الاحتجاجات في الريف مرة أخرى عام 1997 وحدثت صدامات عديدة بين المُلّاك والمستأجرين، حيث سجَّل مركز الأرض لحقوق الإنسان أن الصدامات قد أدّت إلى موت 87 شخصا وإصابة 545 آخرين وقُبِضَ على 798 شخصا. (10)

 

استخدمت قوات السلطة العنف الشديد لفض الاحتجاجات، حتى ظنَّت أن الأمر قد استتب لها، إلا أن الغضب والظلم لا يمكن إماتته، فقد انتقلت تلك الاحتجاجات منذ عام 2005 إلى المدن، وزادت الحركات الاحتجاجية المدنية، وانضم العمال والمثقفون، حتى وصلت الاحتجاجات لذروتها في 2011 وأطاحت بمبارك.

واليوم، يُعيد عبد الفتاح السيسي إحياء كل هذا الإرث من الفساد والاستيلاء على أراضي المصريين بحجة "التعدي على أملاك الدولة"، وكأن قانون الملكية "الاعتباطي" يعطي الحق للدولة ورجالاتها فقط بينما يسلبه من المزارعين والمواطنين والمُلَّاك الأصليين للأرض، الأمر الذي يزيد من انهيار أحوال سكان الريف، خاصة بعد انهيار الزراعة وسيطرة الجيش والشركات التابعة له والمستثمرين المصريين وغير المصريين على الأراضي، بجانب التغيير المناخي ومشكلة المياه التي تتعرَّض لها مصر، وهي ظروف لا يمكن أن تُنتج إلا غضبا وحرائق ربما تكون -هذه المرة- أكبر من حريق القاهرة 1952.

___________________________________________________________________

المصادر

  1.  حكم الخبراء، تيموثي ميتشيل، ترجمة بشير السباعي وشريف يونس ص92
  2. المعمل الاجتماعي الكبير، تأيف أمنية الشاكري، ترجمة أحمد محمود، ص198
  3. أراضي الدولة في مصر: من المالك؟
  4. المعمل الاجتماعي الكبير، تأليف أمنية الشاكري، ترجمة أحمد محمود، ص198
  5.  الأرض والفلاح والمستثمر، صقر عبد الصادق هلال، ص18
  6.  أراضي الدولة في مصر: من المالك؟
  7. حكم الخبراء، تيموثي ميتشيل، ترجمة بشير السباعي وشريف يونس
  8. الأرض والفلاح والمستثمر، صقر عبد الصادق هلال
  9. حكم الخبراء، تيموثي ميتشيل، ترجمة بشير السباعي وشريف يونس
  10. الأرض والفلاح والمستثمر، صقر عبد الصادق هلال

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة