إيريك زمور.. يهودي من أصل عربي يفضل النازية على الإسلام

اضغط للاستماع

   

في أواخر العام الماضي، وتحديدا في العاشر من (نوفمبر/تشرين الثاني)، خرج الآلاف من المسلمين، فرنسيين ومن جنسيات أخرى، بجانب المئات من غير المسلمين وعلى رأسهم مناضلو اليسار، للتظاهر ضد ما يُعرف بـ "الإسلاموفوبيا". هتَفَ المتظاهرون "الله أكبر" (1) وسط عاصمة الأنوار باريس، احتجاجا على خطاب الكراهية الذي انتشر في الإعلام الفرنسي، بدعم من الدولة رئيسا وحكومة، ضد المسلمين في البلاد، وتذكيرا بأن "التكبير" هو شعار المسلمين جميعا، ولا يُعَدُّ الصَّدع به مُقتصرا على مُنفِّذي الهجمات الانتحارية.

   

جاءت هذه المظاهرة بعد أن عاش المسلمون شهرا عصيبا خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي، شهرا بدأ مُشتعلا عَقِب قيام شخص يُدعى "مكائيل هاربون" بتنفيذ هجوم مُسلَّح على ولاية شرطة المقاطعة الباريسية الرابعة، حيث خَلَّف الهجوم 4 قتلى وجريحين من رجال الشرطة، بالإضافة إلى مقتل مُنفِّذ العملية. بادئ الأمر، سرعان ما اتجهت أصابع الاتهام إلى "التنظيمات الجهادية"، قبل أن تُظهِر الأدلّة براءتها من هذا الاعتداء.

 

إلا أن هذه النتيجة لم تكن لتكبح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الخروج مباشرة عقب الحادث للإدلاء بتصريح أكدّ فيه مساعي حكومته المكثّفة لتوحيد جهودها بهدف محاربة ما وصفه "بالتطرف الإسلامي الأسود"، مُطالبا الفرنسيين بالقيام بدورهم كمواطنين ومحاربة الإرهاب جنبا إلى جنب مع الدولة (2). وفي السياق نفسه، كشف كريستوفر كاستانير، وزير الداخلية الفرنسية، خلال جلسة حضرها نوّاب لجنة القوانين للجمعية الوطنية الفرنسية عمّا أسماه "علامات التطرُّف"، وهي حسب تعريفه: المواظبة على الصلوات الخمس، ووجود أثر السجود على الجبين، وإطلاق اللحية، والممارسة الدينية المكثَّفة خلال المواسم الدينية كشهر رمضان، وهي التصريحات التي صاحبها بعض من الكوميديا والكثير من السخط (3).

   

كريستوفر كاستانير، وزير الداخلية الفرنسية (رويترز)

  

تسارعت الأحداث بعد ذلك، وبدأت عملية "صيد المسلمين" تأخذ أبعادا أكثر حِدّة، بدايةً بحادث طرد سيدة محجبة (4) من أحد المجالس الجهوية (*) خلال مرافقتها لابنها أثناء رحلته المدرسية، مرورا بتسريب صور استمارة وزّعتها بعض الجامعات الفرنسية على الأساتذة للإبلاغ عن التلاميذ الذين يلتزمون دينيا بشكل مفاجئ (5)، وصولا إلى قيام رجل فرنسي في عقد الثمانينيات بإطلاق النار على مصلين بمسجد بمدينة "بايون" الواقعة جنوب غربي البلاد، وهو الهجوم الذي خلّف إصابة رجلين من روّاد المسجد في سن السبعين.

  

لم يكن هذا الاعتداء، وما سبقه من اعتداءات سوى استجابةً، بصورة أو بأخرى، لخطاب انتشر بشكل واسع ومكثّف في الإعلام الفرنسي ضد الإسلام والمسلمين، والذي اتَّجه، بصورة تبدو مُمنهَجة، لتصوير الوضع باعتباره "احتلالا إسلاميا ظلاميا لأرض الأنوار والحريات"، ووسط هذه البروباغندا اليمينية المتصاعدة، برز اسم الصحفيّ إيريك زمور، جزائري الأصل، يهودي الديانة، وفرنسي الجنسية، ومُلهِم سفاح مجزرة نيوزيلندا ومُنفِّذ الاعتداء المُسلَّح على مسجد بايون الأخير على حدٍّ سواء.

     

  

فمَن هو الإعلامي والكاتب الفرنسي إيريك زمور؟ أحد أبرز الأصوات اليمينية المتطرفة الحالية في فرنسا وأوروبا على السواء، والعدو الأول للعرب والمسلمين، والذي تفوَّق في خطابه وسلوكه على عداء وكراهية الكثير من العائلات اليمينية العنصرية في الواقع الاجتماعي/السياسي الفرنسي، بمَن فيهم عائلة مارين لوبون، والتي أصبح زمور أكبر المُنظِّرين لبرنامجها الانتخابي في السباق الرئاسي الأخير، وهو البرنامج الذي يتركّز على معاداة كل ما هو غير فرنسي، غير كاثوليكي، وغير أبيض.

  

نعمة الاحتلال الفرنسي للجزائر

"أنا أمازيغي يهودي من الجزائر، أجدادي دفعوا الثمن غاليا من دمائهم حتى لا يسلّموا ويركعوا للعرب، الباقون تراجعوا عن دينهم وخلّفوا من بعدهم ذرية اعتنقت الإسلام مثل أجدادك".

    

كانت هذه الجملة جزءا من المناظرة التي جمعت إيريك زمور مع ياسين بلعطار (6)، الكوميدي الفرنسي من أصل مغربي حول موضوع "الاحتلال الإسلامي لفرنسا". يُعرِّف زمور نفسه بأنه فرنسي، لا أكثر ولا أقل، فدينه -بحسب وصفه- لم يمنعه من عشق الجمهورية الفرنسية وتاريخها العريق ونضالها في سبيل تحرير الإنسان ونقله من التخلُّف والرجعية إلى الرُّقي والتحضُّر، وبذلك يقول: "أنا يهودي الديانة وكاثوليكي الثقافة". أسرة زمور هاجرت من موطنها الأصلي الجزائر إلى فرنسا أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وبعد أن مُنحوا الجنسية الفرنسية، اندمجت أسرة زمور بسرعة وقَبِلت التخلّي الجزئي عن مرجعيتها الدينية مقابل الالتزام الكامل بالقوانين العلمانية للجمهورية الفرنسية.

   

بالنسبة له، فإن الاحتلال الفرنسي للجزائر كان نعمة من السماء على الجزائريين قبل أي شيء، وذلك عَقِبَ أن جنّدت فرنسا كل ترسانتها الثقافية والتنويرية والحضارية والعسكرية لإخراجهم من حياة الفقر والتخلُّف والمرض، قبل أن تُقرِّر الانسحاب سنة 1962 بسبب مقاومة الشعب الجزائري للمحافظة على ركائزه الدينية والثقافية وعلى رأسها الإسلام واللغة العربية. لكن الفائدة الأكبر لدخول فرنسا الجزائر كانت على "آل زمور"، الذين خرجوا من بلاد العرب سنة 1870، وكما يقول إيريك: "شكّلت هذه الهجرة فرصة ذهبية لهذه الأسرة اليهودية للانتماء إلى حضارة مُتجذِّرة العَرَاقة كالحضارة الفرنسية بتاريخها الكبير وثقافتها الغنية".

       

إريك زمور (رويترز)

  

وفق هذا الاحتفاء بالاحتلال الفرنسي للجزائر، وبالاتّساق مع النهج الذي اختطه، فإن زمور يرفض جميع التهم التي تُوجَّه إلى فرنسا، مثل ارتكابها جرائم إنسانية في حق الشعب الجزائري، خاصةً خلال فترة ما يُسمّى في الثقافة الفرنسية بـ "حرب الجزائر"، بل يَعتَبِر أن "فرنسا اتخذت قرارا إنسانيا خالصا بعد رفضها إبادة الشعب الجزائري عن بكرة أبيه كما فعل مستكشفو أميركا الذين أبادوا شعبا وحضارة بأكملها حتى يتسنى لهم إقامة حضارتهم".

   

"نحن لم نقم بأي شيء سيئ في الجزائر" (7)، هكذا يكرّر زمور في الندوات الثقافية التي يحضرها، لكنه لا يتطرّق لتفاصيل هذه "الرحمة الفرنسية"، كقتل مليون ونصف المليون جزائري خلال حرب التحرير ما بين عامي 1954 و1962 التي تسميها فرنسا "حرب الجزائر". إذ إنه لا يعد مثلا فتح الأمن الفرنسي الرصاص الحي يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 1957 على آلاف الجزائريين المحتجين بباريس، وألقى بجثث 1500 منهم في نهر السين، وأخفى 800 آخرين لم يُعرف لهم أثر إلى يومنا هذا، فضلا عن التجارب النووية التي عرفتها صحراء الجزائر ما بين عامي 1960 و1966 والتي راح ضحيتها 42 ألف جزائري بجانب الآلاف من الحاملين لندوب العاهات المستديمة، كل هذه الممارسات يصفها زمور بأنها "ليست سيئة"، مُستندا على حُجّة الشرعية القانونية التي تشكّلت عبر تصويت البرلمان لتدخل الجيش الفرنسي.

 

الصعود

وُلد زمور في فرنسا سنة 1958 بمدينة مونتروي ضاحية العاصمة الفرنسية باريس، قبل أن ينتقل مع أسرته للعيش بمدينة درانسي بضواحي باريس، ومنذ صغره أبدى اهتماما كبيرا بالثقافة والتاريخ والكتابة والتأليف، وتخرج من معهد العلوم السياسية بباريس سنة 1979. ومن باب المصادفة، دخل الكاتب والصحفي الفرنسي مجال الإعلام، فبعد فشله لمرتين في ولوج المدرسة الفرنسية الوطنية للتسيير والإدارة، اتّجه للبحث عن فرصة تدريب في مجال التواصل، قبل أن يتّجه لصحيفة "يومية باريس"، حيث كتب أول مقال نقديّ حول الموسيقى، وكان ذلك سنة 1986. وبعد نحو عشر سنوات من العمل مع "يومية باريس"، تمكّن الصحفي الفرنسي من إيجاد موطئ قدم له داخل هيئة تحرير جريدة "لوفيغارو" ذائعة الصيت، والتي التحق بها سنة 1996 وتركها سنة 1999 (8).

   

   

لكن النقلة النوعية في حياة إيريك كانت بدخوله عالم التلفزيون سنة 2003 عبر برنامج "Ça se dispute" (هناك عراك)، لينتقل بعدها إلى برنامج "On est pas couché" (لم ننم بعد) أحد أشهر البرامج السياسية والثقافية في فرنسا، والذي يُقدِّمه الإعلامي الفرنسي الشهير "لورون روكيي" على القناة الفرنسية الثانية، لكن تجربته الناجحة توقّفت سنة 2011 بشكل مفاجئ بسبب تغيير طاقم العمل، وهو ما فسّره زمور بخوف اليساريين والفنانين من مواجهته، وفسّره لورون روكيي برغبته في إعطاء نَفَس جديد للبرنامج بعد مواسم خمسة من "زمور"، لينتقل الأخير رفقة زميله في البرنامج إيريك نولو إلى قناة "باريس الأولى" لتقديم برنامج يحمل اسميهما.

 

خلال سنوات عمله في المجال الإعلامي، تطوّر خطاب إيريك زمور، لكن لم يتغير جوهره كثيرا، إذ خلال سنوات مجده في برنامج "On est pas couché" (لم ننم بعد)، كان الإعلامي الفرنسي مُطالَبا بتنويع خطابه بسبب أنواع الضيوف المختلفين من فنانين ومفكرين وفلاسفة وسياسيين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لكن مع تدشين برنامجه الخاص ذي النفس السياسي، وحلوله ضيفا شبه ثابت على القنوات الإخبارية، ركّز زمور خطابه على الإسلام والمسلمين، وأزمة المهاجرين، والهوية الفرنسية، قبل أن يأخذ الخطاب منحىً تحريضيًّا واضحًا ضد كل ما هو غير فرنسي، وفق تعريفات اليمين المتطرف.

    

لأن النازية ليست بذلك السوء

خلال "مؤتمر اليمين" الذي عُقد في 28 سبتمبر/أيلول الماضي، وبحضور ماريون ماريشال لوبين، حفيدة جون ماري لوبين زعيم اليمين المتطرف الفرنسي، وابنة أخت مارين لوبين، زعيمة التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف، ألقى إيريك زمور كلمة أمام الحضور حذّر فيها من الاكتساح الإسلامي لفرنسا عن طريق المهاجرين والجهاديين وتجار المخدرات الناشطين في ضواحي المدن الكبرى. وقال زمور خلال كلمته إن "الإسلام لم يكن، ولن يكون، يوما قادرا على التعايش مع الجمهورية الفرنسية، ببساطة لأنه نظام شمولي، لا يتمايز فيه الجانب الروحي العقائدي عن الجانب السياسي والاقتصادي، ولذلك، وعبر التاريخ لم يستطع الإسلام العيش تحت ظل أي نظام سياسي آخر، بل كان يقف كقوة متحدية في كل صدام أيديولوجي وسياسي مع الدول أو الحضارات التي تبادله العداء".

    

  

لكنّ أبرز ما جاء في خطاب زمور بخصوص الإسلام والمسلمين كان اعتباره الدين الإسلامي "أكثر لعنة على البشرية من النازية أحد أبشع النظم السياسية التي عرفها التاريخ الحديث"، حيث قال وهو ينظر في عيون الجمهور: "في الكثير من الأحيان يغضب مني البعض لأنني أقارن الإسلام بالنازية، يعتبرون ذلك غير معقول، وأنا أتفق معهم في هذا الأمر أحيانا، نعم، من غير المعقول مقارنة النازية -رغم جرائمها الفظيعة- بالإسلام، ذلك الدين الدموي، هذا ظلم كبير للنازية والنازيين دون شك" (9). هذا التصريح، لم يمر مرور الكرام، فبجانب الدعاوى القضائية التي رفعها عدد من الفاعلين ضد العنصرية وخطاب الكراهية، أعلن إيريك نولو، رفيق درب زمور الإعلامي، توقُّفه عن تقديم برنامجهما المشترك بسبب عدم قبوله، وعدم موافقته، على التصريحات التي قارن فيها الإسلام بالنازية، والمسلمين بالنازيين.

   

وفي حلقة مواجهة مباشرة مع زمور، اعتبر نولو أن زميله طيلة عقدين من العمل المشترك حطَّ كثيرا من نفسه لإرضاء اليمين المتطرف ورموزه، وتابع نولو: "زمور نفسه لا يقتنع بصواب الطرح الذي يضع فيه جميع المسلمين العاديين والإسلاميين في كفة واحدة، ما يؤجج كراهية عوام الفرنسيين تجاه أشخاص لا يتفقون تماما مع تصرفات الجهاديين والإرهابيين" (10).

       

"إيريك نولو" رفيق زمور الإعلامي (مواقع التواصل)

    

لكن زمور لم يَبدُ مقتنعا بما يقوله منتقدوه، إذ أكّد في البرنامج نفسه أن هذا المؤتمر لم يكن تجمُّعا لليمين المتطرف بقيادة ماريون ماريشال لوبين، بل كان نقاشا بين مجموعة أشخاص لهم المنطلقات الفكرية نفسها التي لا يمكن أن تُناقش في الإعلام، مضيفا أنه ليس أول مَن يربط الإسلام بالنازية، بل سبقه إلى ذلك كلٌّ من الكاتبين أندري سواريز وبول كوديل.

   

ويَعتَبِر زمور، أن "الإسلاموفوبيا" ليست سوى اختراع فكري يهدف إلى منع الناس من انتقاد الإسلام بشكل مباشر، رغم حرية انتقاد الإسلام والديانات الأخرى المكفولة في الدستور الفرنسي، مستشهدا بتصريح سابق لفرانسوا هولاند، الرئيس الفرنسي اليساري السابق، قال فيه: "في القطارات والشارع نرى أشخاصا بلحى وقمصان ونساء محجبات وأشخاصا يحملون القرآن، أتفهّم جيدا حالة الخوف التي قد تُصيب البعض من هذه الظاهرة التي ينبغي لنا مواجهتها".

   

وفي كافة خطبه وتصريحاته وبرامجه، يُحذِّر زمور من جميع التيارات الإسلامية الناشطة داخل المجال العام وفي المجال السياسي، وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين التي يعتبرها الكاتب الفرنسي إحدى أخطر الجماعات القادرة على اختراق المجتمعات الأوروبية عبر بوابة الحريات الفردية، إذ يزعم زمور أن الجماعة تقف وراء انتشار الزي الإسلامي للرجال والنساء ونشر الرموز الدينية داخل الجاليات الإسلامية بالمدن الأوروبية، وهو ما يراه تهديدا حقيقيا للهوية الثقافية والدينية لفرنسا العلمانية ويجب مواجهته ولو بالعنف.

    

الاستبدال الكبير: سلعة اليمين المتطرف الرائجة
كتاب "الاستبدال الكبير" لـ "رينو كامو" (مواقع التواصل)

  

في الخامس عشر من شهر مارس/آذار 2019، استفاق العالم على مجزرة بشعة بنيوزيلندا، راح ضحيتها 49 مسلما كانوا يؤدون صلاة الجمعة بمسجدين بمدينة كرايست تشيرتش، كان اللافت للنظر في هذا الاعتداء الإرهابي ترك المعتدي رسالة طويلة شرح فيها جميع الأسباب التي دفعته للقيام بهذه الجريمة، وأحد أهم الأسباب التي ذكرها كان اقتناعه بنظرية الاستبدال الكبير التي انطلقت في عدد من الدول الغربية بعد تزايد عدد المسلمين المهاجرين.

   

ورغم أن الكاتب الفرنسي "رونو كامو" يعدّ مؤسس هذه النظرية، والتي تقول ببساطة إن هجرة المسلمين المكثّفة إلى الأراضي الغربية ونموهم الديموغرافي داخلها سيؤدي في نهاية المطاف إلى استبدال شعوب عربية ومسلمة تنتشر وتحتل هذه البلدان بحكم التفوق العددي بالشعوب البيضاء، فإن فضل انتشار تلك النظرية العنصرية ورواجها وتزايد المتعصبين لها يعود في الأساس إلى إيريك، والذي يعد أحد أهم وأبرز من روّج للاستبدال الكبير في كتبه وخطبه ومداخلاته التلفزيونية (11).

       

يرفض إيريك الاعتذار للمسلمين عن ترويجه لنظرية تحض على الكراهية، وتسبّبت في حدوث مجزرة نيوزيلندا، وقد تتسبّب في تكرارها في أماكن أخرى من العالم مثلما حدث بفرنسا في أكتوبر/تشرين الأول 2019، ويُبرِّر هذا الرفض بكون المسلمين لا يعتذرون للعالم إذا ما قام شخص ما بتنفيذ حادث إرهابي بسبب استلهامه الفكرة من القرآن، مدّعيا أن "السور التي تحض على قتل اليهود والنصارى أكثر من أن تُحصى"، لذلك فهو غير مسؤول عن تأويل شخص ما لكلامه على الوجه غير المقصود. وخلال حديثه عن مجزرة نيوزيلندا في لقاء تلفزي قال زمور بنوع من التبنّي لهذه المجزرة: "مُنفِّذ الاعتداء زار فرنسا، ورأى انتشار العرب والمسلمين فيها، وكيف أنهم أصبحوا فعلا أغلبية في عدد من المناطق الجغرافية، هو لم يكن يحتاج إلى أن يتأثر بأفكار أحد، لأنه رأى كل شيء بأم عينيه" (12).

   

الحل بالنسبة لإريك زمور هو تغيير فرنسا، وبعدها أوروبا، لسياساتها فيما يخص الهجرة، وفرضها قوانين أكثر صرامة حتى تتمكّن من إدماج وتذويب أولئك القادمين للمجتمع الفرنسي

    

الاستبدال الكبير، بحسب زمور، ليست مجرد نظرية على الورق، بل "حركة بدأت بالفعل مع تزايد عدد المهاجرين القادمين من الدول الأفريقية والرافعين لراية الإسلام، والحاملين معهم ثقافتهم وتراثهم وأسلوب حياتهم الذي يُناقض قطعا أسلوب حياة الرجل الأبيض الأوروبي، لذلك فيمكن القول إن العدو الحقيقي للرجل الغربي هو الرجل الأفريقي المسلم، لأنه سيحل مكانه حتما وسينشر دينه وعقيدته وأسلوب حياته، كما نظّر لذلك الشيخ القرضاوي"، على حد زعمه.

   

يتساءل زمور: "هل سيقبل الشباب الفرنسي أن يعيش كأقلية داخل بلاده؟ أتمنى صادقا ألّا يحدث ذلك، لأن الرجل الأبيض الذي كان يصول ويجول في القارات وينشر حضارته، سيكون ضحية الآخر القادم من الجنوب، سأترك لكم حرية تخيُّل الحياة هنا بعد ذلك، فهذا الاستبدال سيكون احتلالا ديموغرافيا خالصا، لأن فرنسا عاشت قبل ذلك احتلالا عسكريا من طرف بولندا وألمانيا، لكنها لم تعش يوما استبدال شعب آخر لا صلة له بتاريخ فرنسا وتاريخها وثقافتها بشعبها".

   

يرى الكاتب الفرنسي أن الحل لمواجهة هذا الخطر؛ يتمثل في تغيير فرنسا، ومن خلفها أوروبا، لسياساتها فيما يخص الهجرة، وفرضها قوانين أكثر صرامة؛ حتى تتمكّن من إدماج وتذويب أولئك القادمين من الجنوب داخل المجتمع الفرنسي، مع تخلّيهم الكامل عن كل مَعْلَم ثقافي يعارض ما ينبغي له أن يكون "المواطن الفرنسي المثالي"، إذ يُقدِّم زمور نفسه وأسرته مثالا حيًّا حين اختاروا الذوبان في القالب الفرنسي، واختارت أسرته لأبنائها أسماء فرنسية، وعاشت منتمية لبلد نابوليون وديغول وليوطي.

    

  

كما يطالب زمور السلطات الفرنسية بوقف الهجرة "الشرعية" التي تتم عبر الدراسة أو التجمع العائلي، وإيقاف العمل بقانون منح الجنسية لكل مَن يعيش في فرنسا حتى سن 18 سنة إن كان قادما من أسرة تحمل جنسيات أخرى، أفريقية أو آسيوية، بالإضافة لفَرْض الأسماء الفرنسية على المواليد الجدد، إذ سبق له -في هذا السياق- انتقاد كلٍّ من وزيرة العدل السابقة بسبب اختيار اسم عربي لابنتها والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي لتسمية ابنته باسم إيطالي، وهاجم خلال برنامج تلفزيّ، الإعلامية الفرنسية حفصاتو سي بسبب اسمها الذي لا يليق بمواطنة فرنسية، مقترحا عليها تغييره باسم "كورين" الفرنسي! (13)

   

أما إذا فشلت كل هذه الخطوات الإدارية في وقف آلة الاستبدال الكبير الآخذة في الدوران بسرعة كبيرة، فالحل بالنسبة لإيريك زمور سيكون عسكريا مُسلَّحا هذه المرة، تماما كما تصرفت إسرائيل في قطاع غزة تجاه الفلسطينيين، لأنه -حسب وجهة نظر زمور- في حالة تزايد عدد المسلمين مع السنوات، لن يكون بإمكان فرنسا تطبيق علمانيتها اللائكية إلا عبر ديكتاتورية عنيفة، ولهذا، وبحسب مصادر زمور، فإن القيادات العليا في الجيش الفرنسي أعدّت سابقا لتدخُّل مُسلَّح لإفراغ الأحياء التي سيطر عليها العرب المسلمون خصوصا في ضواحي المدن، وهذه العملية ستحمل اسم "عملية العليق" وستكون بمشاركة الجيش الإسرائيلي (14). وفي حال تعثّرت العملية فستكون فرنسا مُرغمة على دخول حرب أهلية قريبة من سيناريو كوسوفو، وذلك حينما "اضطر" الصرب للقيام بإبادة جماعية للمسلمين في سربرنيتشا سنة 1995 لإعادة التوازن الديموغرافي وطرد الثقافة الإسلامية الدخيلة على حدّ قوله.

   

لكن، وعلى الرغم من اقتناع 48% من الفرنسيين (15) بفكرة الاستبدال الكبير بسبب انتشارها الواسع على شاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي، فإنها تبقى مجرد فكرة صالحة "للبروباغندا" لا أكثر ولا أقل كما يقول الباحث والمؤرخ الفرنسي هيرفي لابراس. حيث يرفض لابراس وصف "الاستبدال الكبير" بالنظرية، لعدم وجود أهم ركن من أركان النظرية، وهو القابلية للتطبيق، واصفا كتاب "كامو" بالكتاب الذي يفتقد لأبسط مقومات الطرح العلمي، إذ إنه يبني أفكاره على أيديولوجيا أكثر مما يبنيه على علم وأرقام (16).

     

وقفة احتجاجية ضد إريك زمور (وكالة الأنباء الأوروبية)

  

ويَعتَبِر الباحث والمؤرخ الفرنسي أن خوف الفرنسيين من استبدال شعب آخر بهم ظهر بعد هزيمة فرنسا في الحرب أمام بروسيا (ألمانيا سابقا) سنة 1870، إذ كان الفرنسيون حينها مرعوبين من أن يكتسح الألمان أراضيهم ويفرضوا لغتهم وثقافتهم وأسلوب حياتهم بالقوة. ويُقِرّ لابراس بنجاح اليمين المتطرف في نقل نظريته من كتب رموزه المثقّفين إلى الشارع الفرنسي، مُدَعِّما إياها بنظرية المؤامرة على فرنسا، وهو ما قد يُفسِّر تصويت سكان مقاطعة "با دو الي" شمال البلاد لمارين لوبين ممثلة اليمين المتطرف خلال الانتخابات الرئاسية سنة 2017، رغم أن المقاطعة هي الأقل استقبالا للمهاجرين.

   

ونجد في السياق نفسه بعض المنابر الإعلامية الفرنسية كجريدة "لوبسيرفاطور" (17) التي شرحت من خلال فيديو مبسّط دلائل عدم مصداقية نظرية الاستبدال الكبير، كنسبة المهاجرين في فرنسا التي لا تتجاوز 9% من السكان مقابل 13% في ألمانيا وبريطانيا و23% في سويسرا. وفنّدت الجريدة مزاعم اليمين المتطرف بانتشار المساجد في فرنسا، إذ إنه في مقابل كل مسجد في فرنسا نجد 17 كنيسة، كما أن 83% من المهاجرين الذين يدخلون إلى فرنسا هم من ذوي الجنسيات الأوروبية، أما التجمع الأسري فعكس ما يدّعي زمور ومفكّرو اليمين الفرنسي فهو في تراجع، إذ بلغ عدد المستفيدين منه 11 ألفا سنة 2015 مقابل 23 ألفا سنة 2003 (17).

    

فتى الشاشة الأول
كتاب "الانتحار الفرنسي" (وكالة الأنباء الأوروبية)

  

في كتابه "الانتحار الفرنسي"، خلق إيريك زمور الكثير من الجدل بعد ثنائه على حقبة "فرنسا الفيشية" التي قبِلت تسليم اليهود غير الفرنسيين للنازيين، مقابل الحفاظ على نسبة كبيرة من اليهود الفرنسيين، وهو ما دفع كُتّابا وصحفيين يهود من أصول عربية كجاك أطالي وفريديريك هازيزا إلى وصف زمور بالخائن لأمته وباليهودي المعادي للسامية.

   

لم يكتفِ زمور بمعاداة بني جلدته فقط، بل انطلق لمعاداة جميع التيارات الفكرية والنضالية بل والجندرية والجنسية التي لا تضع مصلحة الرجل الأبيض فوق كل اعتبار، وتجعل من معاركها معه -كما يصفها زمور- سُلّما يتمكّن المتربّصون من تسلُّقه للإيقاع به وإنهاء سطوته وسيطرته على العالم في الوقت الحالي، إذ يعتبر الكاتب اليميني من المعادين للحركات النسوية والحركات المناهضة للعنصرية والاتجاهات الجنسية الشاذة التي تتحدّى قوانين الطبيعة.

   

كل هذه المعارك نقلت إيريك زمور من مجرد صحفي سياسي وكاتب يُقرن اسمه بصفات العنصرية والخوف من الأجانب والإسلاموفوبيا، إلى رمز إعلامي يميني، ذائع الصيت، تَعبُر أفكاره القارات لتصل إلى آخر الدنيا، ويلتقطها إرهابي أسترالي يفتح رشاشه مُخلِّفا وراءه العشرات من القتلى من المصلين المسلمين.

   

والواقع يقول إن إيريك زمور باتَ ظاهرة إعلامية حقيقية، حيث لم تَعُد الفيديوهات التي ينشرها على حساباته على شبكات التواصل الاجتماعي تُثير حَنَق المعلّقين الساخطين على عنصريته، بل أضحت كثير من التعليقات تتجه نحو الإشادة والتي يتبناها عدد من متابعيه بفكره وأيديولوجيته وصراحته وشجاعته للحفاظ على فرنسا وتاريخها وعراقتها. هذا الدعم من المعجبين به هو الذي جعل من الكاتب اليهودي أحد أكثر الصحفيين المطلوبين في القنوات، وأحد أغنى الصحفيين والإعلاميين الفرنسيين (18)، محافظا على مقعده ثابتا على موائد برامج "التوك شو" رغم حملات المقاطعة التي شنّها عدد من الجمعيات المناهضة للعنصرية والمنظمات الإسلامية على المعلنين لمنع زمور من الظهور مجددا، دون جدوى تُذكر. ويبدو أن أوروبا الآن أضحت متعطشة لنموذج يميني قومي يميل إلى الفاشية ويقودها في مواجهة ذلك العدو القادم من كل مكان المسمى، والمُكنّى "الإسلام" وبالتحديد كل ما هو "غير فرنسي". الحال الذي يُذكّرنا بغوبلز، عرّاب البروباغندا النازية اليمينية في حقبة هتلر.

————————————————————————

هامش:

* تنقسم فرنسا إلى 22 جهة، لكل جهة مجلس جهوي ينعقد بشكل دوري يناقش أهم المستجدات التنموية والاجتماعية والاقتصادية للجهة ويتطرّق للمشاريع المهمة، يتم اختيار أعضاء المجالس الجهوية عن طريق الانتخابات الجهوية التي تُقام كل 5 سنوات.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة