هل يلعب الدين دورا في نزاعات إثيوبيا الراهنة؟

ميدان – خلافات أثيوبيا 111
اضغط للاستماع

   

مقدمة المترجم

منذ استلام آبي أحمد لمقاليد السلطة في أبريل/نيسان 2018، تعيش إثيوبيا مخاضا عسيرا ينشد إحداث تحوّل ديمقراطي سلمي يُمكّنها من تحقيق النهضة والاستقرار دون الانزلاق إلى حالة من الفوضى. وقد ترجمنا في "ميدان" جملة مقالات تتابع مسار تلك التطورات، وبصورة خاصة مقال "مخاطر تفكك وانهيار المجتمع.. هل تصبح إثيوبيا يوغسلافيا أخرى؟"، ولعل أهم ما ورد في ذلك المقال هو التحذير من "أن تحرير النظام السياسي في مجتمع يُعاني من الاستقطاب العِرقي أمر محفوف بالمخاطر، ذلك لأنّ حريات التعبير التي يكفلها الانفتاح يمكن أن تتحوّل بسهولة إلى ساحات ومحاكم تفتيش انتقائية لمجموعات عِرقية معيّنة بقصد استهدافها وإظهار المظالم المكبوتة".

   

في الأسبوع الماضي، شهدت إثيوبيا أحداث عنف مؤسفة عندما أحرق متطرفون أربعة مساجد في بلدة "موتّا" بمنطقة "غوجام" في إقليم أمهرا، اندلعت على إثرها مظاهرات حاشدة في أنحاء البلاد تنديدا بالاعتداء على المساجد والمحلات التجارية المملوكة للمسلمين. "والحال هذه، فهل نحن بصدد بروز حالة يُمثِّل فيها الدين العامل المثير للخلاف؟ وهل نتوقّع ارتفاعا في نسبة العنف الديني؟ وهل يُعتَبر هذا العنف الديني أمرا جديدا في البلاد؟". من أجل فهم أبعاد هذه الأحداث، يسرّنا في موقع "ميدان" ترجمة مقالة حول دور الدين في نزاعات إثيوبيا، كتبها البروفيسور النرويجي "Terje Østebø"، المتخصص في دراسات الإسلام في إثيوبيا.

       

نص التقرير

ظلَّت إثيوبيا منذ وقت طويل مكان احتفاء بوصفها حالة فريدة لبلد تسوده علاقات سلمية بين الأديان، غير أن هذه الصورة أخذت تختل مؤخرا بسبب ذيوع ما يبدو وكأنها موجة عنف ديني في البلاد. فالتقارير -المؤكدة وغير المؤكدة- تحدّثت عن وقوع ضحايا للعنف القائم على أُسس دينية، وعن هجمات ضد المسيحيين والمسلمين، وعن حرق كنائس وهدم مساجد، وعن أناس يلتمسون اللجوء في الكنائس. وبحسب تلك التقارير، قُتل منذ شهر يوليو/تموز من هذا العام أكثر من 100 شخص من المسيحيين الأرثوذكس، وتم حرق أكثر من 30 كنيسة أرثوذكسية أغلبها في الجزء الشرقي[1] من البلاد وفي منطقة "سيداما"[2] الواقعة في الناحية الجنوبية من إقليم "الأمم والقوميات والشعوب الجنوبية"، وقد أدّى ذلك إلى اندلاع مظاهرات[3] واسعة في الجزء الشمالي من البلاد في شهر سبتمبر/أيلول بتنظيم الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية. والحال كذلك، هل نحن بصدد بروز حالة يُمثِّل فيها الدين العامل المثير للخلاف؟ وهل نتوقّع ارتفاعا في نسبة العنف الديني؟ وهل يُعتَبر هذا العنف الديني أمرا جديدا في البلاد؟

      

إثيوبيون أورثوذكس بالكنيسة الأرثوذكسية المقدسة في أديس أبابا (رويترز)

   

يبدو واضحا من الطريقة التي برز فيها الدين في الأحداث المذكورة أعلاه أنه بات يُمثِّل تطورا جديدا من شأنه أن يُساهم في تفاقم التوتر الراهن، كما سيخلق -فوق ذلك- صراعات وتصورات عدائية جديدة. إضافة إلى ذلك، فإن اعتبار الدين مُحرِّكا للعنف والزعم بأنَّ تلك الأحداث ذات دوافع دينية سيُضاعف حِدَّة البُعد الديني في هذه المنازعات. والمثير للاهتمام هنا بصورة خاصة ملاحظة تشديد الحكومة على دور الدين واعتباره جزءا من المشكلة، وقد تجلّى هذا التوجُّه -على سبيل المثال- في تصريح رئيس الوزراء الذي تضمّن إحالة صريحة إلى الانتماء الديني لضحايا العنف الأخير.

  

في الجانب الآخر، نجد أن تطورات الأحداث الراهنة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنزاعات العِرقية الجارية في البلاد، وبالتالي لا يمكن فهم هذه الأحداث فهما كاملا من دون إدراك العلاقة المتداخلة القائمة بين الدين والعِرق في إثيوبيا. وبالمثل، فإنَّ فهم هذه الأحداث يقتضي منّا دراسة أهمية البُعدين الديني والعِرقي، دراسة متأنية بحسب انعكاساتهما في السياقات المحلية.

  

في الوقت نفسه، تُعبِّر الأحداث الراهنة عن اتجاه أوسع يتصل بتزايد التوترات البينية للأديان في إثيوبيا في العقد الماضي، وقد اتخذت أغلبية هذه الأحداث طابعا محليا، حيث ارتبط معظمها بالنزاع حول بناء المساجد، وتدنيس الكتب الدينية أو المعالم الدينية، والنزاع بشأن الاحتفال بالشعائر الدينية. وبالطبع هناك عدة عوامل تقف وراء هشاشة العلاقة بين الطوائف الدينية، ولكنها في مجملها عوامل وثيقة الصلة بالتحولات الكبيرة التي جرت في المشهد الديني الإثيوبي في العقود الأخيرة، حيث بات أكثر ديناميكية وأكثر مرونة من ذي قبل. وفي المحصلة، صارت العلاقات والحدود الفاصلة بين الأديان تُنتهك ويُعاد ترسيمها والتفاوض بشأنها ومن ثم التنازع حولها من جديد. وهكذا، لا يمكن فهم التطورات الجارية في إثيوبيا فهما كاملا إلا من خلال دراسة هذه الديناميكيات المتداخلة بين الدين والعِرق.

   

  

في هذه الدراسة، سأحاول تحليل الوضع الراهن بصورة أشمل، لمعرفة ما إذا كان العنف الراهن مرتبطا بالتطورات المعقّدة التي جرت في البلاد خلال العقود المنصرمة أم أنه نتيجة لها. وأناقش في الجزء الأول العلاقة المتداخلة بين الدين والعِرق وتداعيات ذلك على النزاع الراهن. كما سأتناول في الجزء الثاني مسألة إعادة تشكيل المشهد الديني في إثيوبيا خلال العقود الماضية، للإلماع إلى أربعة اتجاهات رئيسية كان لها تأثير متبادل على مختلف الطوائف الدينية في إثيوبيا. ويستند تحليلي في تقديم هذه الرؤى إلى حصيلة عقدين من الأبحاث في دراسة الدين في إثيوبيا، وإلى خلاصات مشروع كتاب أكملته مؤخرا يدرس العلاقة المتداخلة بين الدين والعِرق في إثيوبيا.

   

الدين ودراسة إثيوبيا

على الرغم من أهمية الدين البالغة وسط المجتمع الإثيوبي فإننا نلاحظ مع ذلك أنه موضوع أُغفل دراسته من قِبل الباحثين الأجانب والمحليين على حدٍّ سواء، ما أفضى -في نهاية الأمر- إلى ضعف معرفتنا بالخطاب الديني المعاصر في إثيوبيا. صحيح أن قضية الدين تمت معالجتها كأحد موضوعات علم التاريخ في إثيوبيا -لا سيما في كتاب "تاديس تمرات" البارز والموسوم بـ "الكنيسة والدولة"[4]– بوصفها قضية ثانوية تابعة للسياسة. هذا المنظور الذي يُركِّز على دراسة العلاقة بين الكنيسة والدولة لم يُفضِ إلى تحويل الكنيسة الأرثوذكسية إلى مؤسسة أشبه بالدولة فحسب، وإنما أدّى أيضا إلى حجب فهمنا للمسيحية كديانة فاعلة تُمارَس في البلاد. إضافة إلى ذلك، نزعت هذه المقاربة إلى جعل الأديان الأخرى في إثيوبيا، مثل الإسلام، تبدو وكأنها ديانات غير مرئية وغير ذات أهمية.

  

ومع أن تجاهل دراسة الدين يمكن ردّه جزئيا إلى التوجُّهات العلمانية للدارسين الأجانب، فإن الحال كان أسوأ عند الأكاديميين الإثيوبيين الذين تأثروا بالتطورات السياسية التي جرت في السبعينيات، حيث نظروا في تاريخ إثيوبيا من منظور صراع الطبقات. واستمر تجاهل دراسة الدين حتى عندما استُبدل مفهوم العِرق بفكرة الطبقة في أوائل التسعينيات، في أعقاب نشاط حركات المقاومة القائمة على أُسس عِرقية وتدشين "الجبهة الشعبية لتحرير التقراي" لخطاب أيديولوجي في عموم إثيوبيا، تأسس على ضوئه نظام فيدرالي على أُسس عِرقية. وقد أثار هذا التوجُّه مناقشات عامّة مكثّفة حول مفهوم العِرق وحدود كل جماعة عِرقية في البلاد، وبصفة خاصة انصرف جلُّ النقاش إلى توجيه اتهامات لبعض الكيانات العِرقية تتعلّق بممارسة التسلُّط والهيمنة في الماضي ومآلات التنوّع العِرقي في البلاد. في المحصلة، أفرزت هذه المناقشات أدبيّات جديدة مكرَّسة لدراسة ماضي وحاضر الأعراق في إثيوبيا. في تعليقه على محاضرة كنت قدّمتها حول "الإسلام في إثيوبيا" لخّص مناضل ماركسي سابق، من الجبهة الشعبية لتحرير التقراي، هذا التجاهل العام لدور الدين في إثيوبيا بقوله: "لم [أعد] أفهم الأمر. كنّا نظن أن الدين سيختفي إلا أنه ظل يعاود الظهور مرارا وتكرارا".

     

  

ومن حسن الحظ، فقد أثار انتعاش الظاهرة الدينية خلال العقود الأخيرة اهتماما متزايدا بالأسئلة المتصلة بالدين، فتكاثرت الأدبيات المهتمة بالإسلام والكنيسة الأرثوذكسية والطائفة البروتستانتية في إثيوبيا. وبالتالي أصبح الدارسون والصحفيون يولون اهتماما بدور الدين في حياة الناس باعتباره مكوّنا من مكوّنات النسيج الاجتماعي، وباعتباره مكوّنا أساسيا للهويات الطائفية في البلاد. مع ذلك، لا تزال هناك مجالات كثيرة غير مطروقة تنقصنا المعرفة التفصيلية عنها، لا سيما فيما يتعلّق بدور الدين في المجال الاجتماعي-السياسي، ودور الدين في علاقات السلطة وصناعة الآخرين أو الأغيار، ومساهمته في تكوين هويات متميّزة. فوق ذلك، لا تزال النزاعات الدينية تستحوذ على اهتمام المجتمع.

   

العِرق والدين في إثيوبيا

يُعتَبر المَثَل الأورومي القائل: "أنا وأنت مثل المسلم والأمهرة"، والمَثَل الذي يُقابله باللغة الأمهرية، من الأمثلة الواضحة والقوية التي تُعبِّر عن مشاعر الريبة العميقة السائدة في إثيوبيا بين الأعراق. ومع أن المَثَل يُشير إلى الاختلاف الديني، فإنه لا يُعبِّر بالضرورة عن الدين فحسب، وإنما يُحيل كذلك إلى العِرق بمعناه الأوسع. واللافت للانتباه في هذا المَثَل هو أن الدين يُوظَّف كاستعارة تُعبِّر عن الخلافات التي تبدو مستعصية على الرأب، بما يؤكد أهمية الاختلاف الديني في إثيوبيا. الأمر الآخر المثير للاهتمام في هذا المَثَل هو استخدام مصطلح يحمل دلالات دينية كمصطلح "المسلم" (Islaama) جنبا إلى جنب مع مصطلح "الأمهرة" الذي يُفهم عادة على أنه مصطلح عِرقي، كما يشير في الوقت نفسه إلى التعقيدات التي ينطوي عليها مفهوما الدين والعِرق والعلاقة الوثيقة القائمة بينهما.

  

على سبيل المثال، ظلّ مصطلح "المسلم" (Islaama) حتى مطلع الثمانينيات هو الأكثر شيوعا وسط مجموعة "آرسي أورومو" (Arsi Ormoo) عند التعريف بأنفسهم، في حين لم يكن مصطلح "الأورومو" شائعا في التداول، بل كان هناك مَن يُعارض استخدامه ويربطه بالوثنية أو "Awama". هذا لا يعني بالطبع أن مصطلح "المسلم" (Islaama) عند مجموعة "آرسي أورومو" يُشير حصرا إلى كون المرء مسلما، بل يتضمّن كذلك الإشارة إلى عِرقهم وإلى معتقدهم الديني. وبالتالي، أن ينتمي المرء إلى مجموعة "آرسي أورومو" يعني أن يكون المرء "مسلما" (Islaama)، وأن يكون المرء مسلما يستلزم أن ينتمي إلى مجموعة "آرسي أورومو". ويتأكد هذا أكثر من الطريقة التي يُعرّفون بها لغتهم حيث يُطلقون عليها "أفان أورومو أو أفان إسلام". والأمر نفسه بالنسبة إلى الأمهرة، فهم يُطلقون "لغة المسلمين" على لغة الأورومو.

   

  

مصطلح "الأمهرة" هو الآخر مصطلح ذو طبيعة مرنة، وقد تبدّلت دلالاته تدريجيا خلال السنوات الماضية من مصطلح جامع للهوية الإثيوبية إلى مصطلح يحمل دلالات عِرقية صريحة. ومع أن الناس في مناطق الأمهرة الرئيسية يُعرّفون أنفسهم بحسب المناطق التي ينحدرون منها مثل "قوندار" و"غوجام" أو "وللو"، فإن مصطلح الأمهرة -بوصفه مصطلحا جامعا يُعبِّر عن الهوية الجماعية- ظل دائما مرتبطا بالمسيحية ويتضمّن بُعدا دينيا واضحا يقوم على تمثيل المسيحيين. الشيء نفسه بالنسبة إلى المسيحية الأرثوذكسية، فهي لم تكن جزءا أساسيا من الحياة اليومية للناس فحسب، بل كانت أيضا العامل المسيطر في تشكيل الهوية الوطنية التي قامت بالأساس على الإيمان المشترك في الأسطورة السليمانية، وفي الملك الذي اختاره الرب والاعتقاد في أنفسهم كأمة مباركة.

  

هذا البُعد الديني -المذكور أعلاه- لعب دورا محوريا في تشكيل العلاقات بين الطوائف الدينية في إثيوبيا، وهو ما جعل الناس، في "بيل" وفي المناطق الجنوبية الأخرى في إثيوبيا، يربطون كلمة "الأمهرة" عادة بصورة الشخص الدخيل والغريب (neftegna)، وبالأخص المسيحي. ولهذا، فحملات "منيليك" وعمليات الدمج القسري التي تعرّض لها الجنوب لم تُعتَبر مجرد خضوع لهيمنة نظام دخيل فحسب، وإنما اعتُبرت أيضا خضوعا لمملكة مسيحية. في الجانب الآخر، فإن القوى الشمالية الغازية [المتمثِّلة في الأمهرة] كانت هي الأخرى تُبدي في سلوكها توجُّها تحقيريا واضحا تجاه "الأغيار" من غير المسيحين، وتنعتهم بالتخلُّف والبدائية والوثنية. نتيجة لهذا ظلّت العلاقة بين المسلمين في جنوب شرق إثيوبيا، من جهة، وبين الدولة والمستوطنين الأمهرة المحليين، من الجهة الثانية، علاقة توتر طوال القرن العشرين. والحال كذلك، فإنَّ الدين مَثَّلَ جانبا قويا في هذه العداوة، وقد تم تفسير المعاملة السلبية التي يفترض أنها وقعت على المسلمين على اعتبارها معاملة حصلت بسبب معتقدهم الديني. حتى اليوم، لا تزال عبارة "الأمهرة" تعني المسيحي؛ فعلى سبيل المثال، تُطلِق مجموعة "الآرسي أورومو" على اللحم المذبوح على الطريقة المسيحية "لحم الأمهرة" (foon Amhara).

  

بهذا المعنى، فإن الدين باعتباره عاملا من عوامل إنتاج التفاوت والتمييز في إثيوبيا يُعتَبر حقيقة تاريخية حتى وإن تم تجاهله في الدراسات المعاصرة. وإذا كان هناك اتفاق عام مفاده أن ماضي إثيوبيا قد اتسم بتفشي مظاهر التمييز وانعدام المساواة القائمة على أساس عِرقي، فإنه يمكن القول إن مظاهر التمييز وانعدام المساواة بسبب الدين في إثيوبيا كانت أكثر جسامة. فلو كان إتقان المرء اللغة الأمهرية واتخاذه اسما أمهريا و"ثقافة أمهرية" قد اعتُبرت تاريخيا من العوامل الحاسمة في عملية الاندماج في المجتمع الإثيوبي والتواصل مع النخبة والاعتراف بانتماء المرء للأمة الإثيوبية، فإن اعتناق المسيحية ظل -مع ذلك- هو المعيار الجوهري الذي يؤهِّل للمناصب السياسية ويُتيح اندماج المرء وقبوله كإثيوبي. وبالتالي، فإن عملية التحوّل إلى المسيحية كانت أكبر من مجرد تغيير للعقيدة، فهي -بحسب "Messay Kebede"- عملية "تجنيس وإقرار بالمواطنة"[5].

  

ولا عجب أن أكثر مجموعة تردّدت في اعتناق المسيحية كانت من المسلمين، لأن اعتناقها بالنسبة لهم يعني فقدان الهوية الدينية والاجتماعية، بل الخضوع لقوة "أجنبية". وبما أن المسيحية شكّلت المكوِّن الرئيسي في القومية الإثيوبية فإن رفض التحوّل للمسيحية جعل المسلمين في خانة أتباع الديانة "المغايرة"، أي في موضع نقيض لكل ما هو إثيوبي. وعلى الرغم من ذلك، ظلّ بقاء المسلمين في البلاد "كآخر" تحفّه جملة مخاطر تقتضي بدورها ضرورة تأكيد الطابع المسيحي لإثيوبيا. ويُفترض أن يكون لهذا الطابع -المسيحي لإثيوبيا- تأثير واضح على كيفية فهمنا للعلاقات بين المسيحيين والمسلمين في إثيوبيا، لا سيما أن الاحتفاء بهذه العلاقة يتم بطريقة تبسيطية لحد وصفها بالعلاقات السلمية والمتناغمة.

   

انتعاش الظاهرة الدينية مؤخرا زاد من الحماسة الدينية وكوّن هويات دينية أكثر حصرية، لكن لا توجد قرائن كافية تؤكد لنا أن التشدّد الواسع مقترن مع توجُّهات تسييس الدين
  

لا شك أن التفاعل ما بين الأديان في إثيوبيا كان أمرا شائعا على المستوى الشعبي، وأن العلاقات بين الطائفتين كانت في العموم ودية، لكن من المهم أن نتذكَّر أن العلاقة السلمية لا تعني التكافؤ الديني. المسألة التي يجب تأكيدها هنا هي أن مواقع ومراكز الطائفتين تم ترسيمها بصورة واضحة، وهذا بدوره أنتج شكلا محددا من أشكال العلاقات غير المتكافئة بين الطائفتين. وكما ذكرت في مكان آخر[6]، فإن هذا التعايش السلمي ما كان ليحصل لولا وجود هذا الطابع غير المتكافئ في العلاقات بين المسيحيين والمسلمين. بمعنى آخر، لا يمكن فهم التطورات الأخيرة في إثيوبيا، بما في ذلك ظهور الدين في الصراعات مؤخرا، دون فهم العلاقة الوثيقة القائمة بين الدين والعِرق. والسؤال الذي يُطرح هنا هو: لماذا حصلت هذه النزاعات الآن؟

 

هناك جملة أسباب تقف وراء هذا النزاع، لعل أكثرها بداهة بالطبع هو تراجع سيطرة الدولة الاستبدادية. أما الأسباب الأخرى فتشمل تصدع عُرى البنى الاجتماعية المتصلة بتزايد أعداد الشباب والبطالة والتوسع الحضري وتفسخ عُرى الترابط بين الأجيال. فضلا عن ذلك، يجدر بنا معرفة التحوّل الذي طرأ على المشهد الديني في إثيوبيا خلال العقود الماضية.

  

تغيرات المشهد الديني

من الشائع القول إن تصاعد التوتر بين الأديان ناجم عن توسُّع نطاق التشدّد الديني، بصفة خاصة وسط المسلمين في إثيوبيا. بيد أنني أزعم أن هذا التفسير لا يُعتَبر تبسيطا مخلا فحسب، بل يُعتَبر غير دقيق بتاتا. صحيح أن انتعاش الظاهرة الدينية مؤخرا زاد من الحماسة الدينية وكوّن هويات دينية أكثر حصرية، لكن لا توجد قرائن كافية تؤكد لنا أن التشدّد الواسع مقترن مع توجُّهات تسييس الدين. لهذا لا أعتقد أن تصاعد العنف الراهن يمكن تفسيره من منظور التشدّد الديني، بل ولا يمكن فهمه بالاعتماد على التطورات التي تحدث داخل طائفة دينية واحدة. عوضا عن ذلك، فإن فهم هذه الأحداث يستلزم البحث بصورة أعمق في المشهد الديني.

 

إن المشهد الديني في إثيوبيا يُعتَبر مشهدا فريدا بحق، حيث يتشكّل من طوائف ثلاث تشمل المسلمين والأرثوذكس والبروتستانت. ومع أن كل واحدة منها تُعتَبر طائفة منفصلة تماما عن الأخرى، فإنها -مع ذلك- تظلّ مرتبطة ببعضها بعضا خاصة من جهة تأثّرها بالتطورات التي تجري داخل كل واحدة. ويبدو هذا الترابط جليا لكونه كثيرا ما ينطوي على التنافس وانتهاك الحدود الدينية والاستحواذ على مكانة في الحيز العام، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إثارة التوتر وأحيانا إلى النزاع.

   

 مسيحيون أرثوذكس بالكنيسة الأرثوذكسية المقدسة بأديس أبابا (رويترز)

  

إن هذه التطورات والتغيرات المتصلة بالمشهد الديني أصبحت في تزايد نتيجة لظهور حركات إصلاحية داخل الطوائف الثلاث. وبما أن هذه الحركات، وخاصة الحركات التي نشطت وسط المسلمين، كانت حركات غير رسمية، فمن الصواب الحديث عنها كتيارات إصلاحية. وكان من الشائع لدى هذه التيارات الدعوة إلى إحياء التراث من أجل تطهير الممارسات الدينية من الانحرافات وإعداد أفراد متدينين وتوسيع نطاق التبشير بالديانة.

 

تأسيسا على ما سبق، يمكن فهم التحولات الجارية في المشهد الديني من خلال فهم أربعة مسارات رئيسية مترابطة ومتآزرة تسود داخل الطوائف الدينية. المسار الأول يتصل بتوسُّع حدود الحيز الديني، بالمعنيين الرمزي والمادي. والشكل الأوضح لمثل هذا التوسُّع يتجسّد في أنشطة التبشير لا سيّما التبشير الذي تقوم به طائفة البروتستانت. وقد أفضى هذا النشاط إلى تدفق أفواج من أتباع الطائفة الأرثوذكسية للدخول في الكنيسة البروتستانتية، في حين شرعت بعض المذاهب التابعة للكنيسة ذاتها في تبنّي إستراتيجية تسعى للوصول إلى المسلمين. من جانب آخر، توسّع حيز المشهد الديني يلفت النظر إلى الكيفية التي أمست بها الأديان أكثر حضورا في المجال العام. ويظهر ذلك على سبيل المثال في تغيير قواعد اللباس الديني وتزايد أداء الشعائر الدينية في الأماكن العامة. وفي هذا السياق، يُلاحَظ بصفة خاصة تزايد أعداد دور العبادة، سواء تجلّى ذلك في تكاثر أعداد المساجد أو في ارتفاع عدد الكنائس البروتستانتية -بصفة خاصة- في عموم البلاد.

 

جانب آخر من هذا التوسُّع يرتبط بجهود بعض المسلمين الذين يحاولون اقتطاع مكانة لهم في الحيز العام. وتأتي هذه الجهود انطلاقا من الفكرة التي ترى أن الإسلام دين شامل يغطّي جميع جوانب الحياة، وبالتالي يجب على المسلمين أن يكونوا أكثر تفاعلا في جميع قطاعات الحياة الاجتماعية والسياسية. ويعتقد أصحاب هذا التوجُّه أن تجسيد القيم الإسلامية من خلال تفاعل كهذا من شأنه أن يُفضي إلى مجتمع تقدُّمي حسن الأخلاق.

 

أما المسار الثاني فيمكن وصفه بمسار "حماية الحيز الديني"، والذي يُفعَّل بشكل خاص للرد على جهود التبشير، ذلك لأن توسّع حيز أي مجموعة يُفسَّر على أنه انتهاك من قِبل الآخرين. وكما هو متوقّع، نلاحظ أن الشعور بانتهاك الحيز الديني يسود بدرجة أكبر عند أتباع طائفة الأرثوذكس وأيضا بين المسلمين في منطقة Beghi (Wollega)، في 2006 وفي 2010، حيث تم حرق كنائس البروتستانت على خلفية اتهامات تزعم أن الأنشطة التنموية التي تقوم بها ما هي إلا مجرد ذريعة للتبشير. في الوقت نفسه، نزع المسلمون الإثيوبيون إلى حماية حيّزهم الديني، وذلك بسبب التهميش التاريخي الذي تعرّضوا له، مما اضطرهم إلى تبنّي إستراتيجية للعُزلة الذاتية.

    

حرق كنائس البروتستانت على خلفية اتهامات تزعم أن الأنشطة التنموية التي تقوم بها ما هي إلا مجرد ذريعة للتبشير (رويترز)

   

ومع أن المسلمين -كما سأشرح لاحقا- اكتسبوا مزيدا من الثقة بأنفسهم وأصبحوا أكثر انفتاحا، لكن رغم ذلك فإن هناك "سياسة انسحابية"[7] لا تزال تسود وسط العديد من السلفيين الإثيوبيين. والمفارقة أن هذه المجموعة نفسها -أي السلفيين- تُتَّهم من قِبل النظام والمراقبين الأجانب بأنها مجموعة إسلامية نشطة، في حين أن حركة السلفيين الإثيوبيين تُكرِّس جهودها للمحافظة على تنقية الشعائر والمعتقدات الإسلامية، وبالتالي فهي حركة قليلة الاهتمام بالقضايا السياسية والاجتماعية الأوسع نطاقا.

   

المسار الثالث يتصل بنزاع الطوائف حول الحيز الديني، والذي يسعى من خلاله البروتستانت والمسلمون بصفة خاصة إلى تحدي هيمنة الأرثوذكس الثقافية. وفي حين قام البروتستانت بمواجهة هذه الهيمنة بطريقة تدريجية وغير صدامية، فإن المسلمين احتجّوا بصورة أكثر صراحة على ما اعتبروه هيمنة المسيحية على الدولة في إثيوبيا، وأشاروا إلى أنه رغم سياسة الائتلاف الحاكم المتصلة بحرية الأديان في ظل نظام علماني فإنه لا يزال هناك تحيُّز للمسيحية في إثيوبيا يعمل على تقويض أسس المساواة الحقيقة بين الأديان.

  

ومن الأمثلة الملموسة التي يُستشهد بها باستمرار حظر بناء المساجد[8] في "أكسوم" و"لاليبيلا"، وهي الأماكن التي يعتبرها المسيحيون من طائفة الأرثوذكس مقدَّسة. لهذا، فإن سعي المسلمين إلى نيل الاعتراف بهم كإثيوبيين واعتبار الإسلام جزءا لا يتجزّأ من تاريخ إثيوبيا هو محاولة لتقديم مطالب تُصحِّح وضعيتهم التاريخية. غير أن هذه المطالب، وخاصة نقدهم للتحيّز الديني، يعتبرها العديد من المسيحيين نقدا للركائز التأسيسية للهوية الإثيوبية. فأي هجوم تجاه التراث الديني والوضع القائم في البلاد يتم تفسيره في الحال على أنه هجوم ضد المسيحيين وضد الإثيوبيين. وهكذا صار وجود المسلمين أكثر بروزا واكتسبوا ثقة أكبر في أنفسهم تصدّوا بها لتصحيح ميزان التوازن بين الأديان الراسخ في البلاد. غير أن هذا الأمر صار يُثير استياء وعدم ارتياح لدى الآخرين الذين باتوا بدورهم يجدون صعوبة في تفهّم المشهد الديني المتغيّر، فصاروا يميلون إلى الاعتقاد بأن الإسلام أصبح يتوسع ويأخذ في التطرف.

    

  

أما المسار الرابع، والذي يمكن وصفه بمسار "استعادة الحيز الديني"، فيُشير بشكل خاص إلى وضع "كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية" وكيف أنها أُجبرت على المناورة للمواءمة بين تراث الماضي العريق وبين متغيرات المشهد الديني الذي فرضته الوقائع السياسية الجديدة في إثيوبيا. ومع أن الواقع الفيدرالي والعلماني الجديد قد أجبر الكنيسة الأرثوذكسية على تقليص أدوارها السياسية والدينية، فإنها مع ذلك لا تزال تَعتَبر التراث الديني مرتكزا أساسيا للأمة الإثيوبية. فضلا عن ذلك، فثمة إحساس بالخسارة وسط الأرثوذكس وشعور بأنهم يتعرّضون للهجوم من قِبل منافسيهم من الأديان الأخرى، الشيء الذي دفعهم إلى بذل جهود لاستعادة "حيزهم المفقود".

  

وقد كانت "جمعية القدسيين"، التي ظهرت في أواخر الثمانينيات، أهم جهة فاعلة عملت في مشروع استعادة الحيز المفقود وتعزيز الهوية الأرثوذكسية ومواجهة التحديات الخارجية المتمثِّلة في الأيديولوجية الماركسية "لنظام الدرك" وأنشطة الكنيسة البروتستانتية. كما أكّدت الجمعية مكانة الكنيسة الأرثوذكسية بالنسبة إلى المجتمع والهوية الوطنية، عبر التعبير عن أهمية الكنيسة الأرثوذكسية التاريخية والدعوة إلى استعادة هذه المكانة الشرعية. وقد أصبحت هذه الدعوة جلية للعيان خلال احتفالات أعياد الكنيسة الأرثوذكسية -خاصة في عام 2009- حينما كان الشباب يستعرضون قمصانا (تي شيرت) مطبوعا عليها شعار "إثيوبيا جزيرة مسيحية"، و"إثيوبيا، المسيحية، والتعميد"، و"معمودية واحدة وديانة واحدة وبلاد واحدة".

  

الدين وقضية الوحدة العِرقية

مع أن الدين والعِرق يعملان على تعزيز الهويات الجماعية -كما سبقت الإشارة-، فإن الدين أيضا ينزع إلى بتر الوشائج العِرقية وإنشاء خطاب جديد يُثير الشقاق داخل العِرقية الواحدة في إثيوبيا. وقد تجلّى هذا النوع من الشقاق بصورة واضحة في احتفالات "إريشا" لهذا العام، عندما وجّه بعض علماء المسلمين الدعوة لمسلمي الأورومو بعدم المشاركة في الاحتفالات تحت ذريعة أن "احتفالات إريشا" شعائر وثنية. علاوة على ذلك، فالدين أيضا له دور في ارتفاع حِدّة النزعة القومية لدى الأمهرة، التي تَعتَبر المسيحية جزءا لا يتجزّأ من هوية الأمهرة. ويبدو أن تأسيس الحركة الوطنية للأمهرة (NaMA) قد ساهم في حِدّة تأكيد مسيحية عِرقية الأمهرة[9]، ما أثار ردة فعل المسلمين الأمهرة، خاصة في منطقة "وللو"، الذين شعروا بالإقصاء نتيجة النبرة المسيحية الغالبة على الحركة. ومع هذا، يميل خطاب الحركات القومية الراهن إلى تجاهل دور الدين في إثارة الشقاق داخل العِرقية الواحدة، لكنني مع ذلك أعتقد أنه أمر لا يجب الاستهانة به.

     

 من يحاول فهم الأحداث الجارية في إثيوبيا عليه أن يُدرك دور الدين في إنتاج الخطاب الوطني والمفاوضات التي تُجريها الهويات الدينية المتنوعة
    

بالطبع هذا النوع من النزاع مرتبط بتاريخ إثيوبيا العِرقي، حيث تُمثِّل العلاقات الشائكة بين مسيحيي "الشوا أورومو" ومسلمي الأورومو في الجنوب الشرقي من البلاد خير شاهد عليه. بدأت مجموعات "شوا أورومو"، أو "Salale" كما يُشار إليهم عادة، في الهجرة إلى جنوب إثيوبيا منذ أواخر الأربعينيات وما بعدها. السكان المحليون ظلّوا يعتبرونهم غرباء ومختلفين، وقد كان للدين دور وراء هذه النظرة الارتيابية. المسيحيون من "شوا أورومو" كانوا يُدعون بالأمهرة من قِبل الآخرين ويعتبرون أنفسهم أيضا أمهرة ويُطلقون بدورهم عبارة "المسلمين" على الأورومو المحليين. وقد تطور هذا الاختلاف بين المجموعتين في منطقة "بيل" إلى نزاع مفتوح بين "آرسي أورومو" و"شوا أورومو" إبان انتفاضة "بيل" في الستينيات. ونظرا لسيطرة المسلمين من "آرسي أورومو" على قيادة تلك الانتفاضة، فقد صنّفتها مجموعة "شوا أورومو" حركة إسلامية.

  

وعندما انحازت المجموعة الأخيرة إلى جانب الدولة في الانتفاضة، قام ثوار الانتفاضة باستهدافها مما أفضى إلى اندلاع دوامة من العنف المرير في المنطقة. إضافة إلى ذلك، اندلع عنف آخر مماثل عند وصول حركة "SALF"، التي كان تُسيطر عليها مجموعة "آرسي أورومو" في السبعينيات، حيث صُنِّفت هي الأخرى حركة إسلامية [من قِبل الأطراف المناوئة]. وحصل الأمر نفسه في التسعينيات عندما صنّف سكان "شوا أورومو" المحليين جبهة تحرير أورومو في "بيل" بكونها حركة مسلمة. وبالنتيجة، ألقت مجموعة "شوا أورومو" بكامل ثقلها خلف المنظمة الديمقراطية لشعوب أورومو (OPDO)، أو ما يُعرف الآن بحزب أورومو الديمقراطي (ODP). وفي المحصلة سيطروا على مفاصل الهياكل الحكومية في "بيل" لأكثر من عقد من الزمان. ومع أن عوامل الانقسام الديني بين المجموعتين الأوروميتين قد تراجعت على مرّ السنوات، فإن جذورها لا تزال قائمة.

 

خلاصة القول، إن مَن يحاول فهم الأحداث الجارية في إثيوبيا عليه أن يُدرك دور الدين في إنتاج الخطاب الوطني والمفاوضات التي تُجريها الهويات الدينية المتنوعة والأهمية البالغة التي لا تزال تحظى بها قضايا الاختلاف الديني. فعوضا عن فهم الدين باعتباره أمرا ثانويا تابعا للحدود العِرقية أو اعتباره عاملا مساعدا للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإنني أقول إن الدين كان -ولا يزال- الأكثر أهمية في إنتاج الروايات السياسية وفي خلق جماعات متمايزة لها خبرات في الانتماء وتصورات عن "الذات" و"الآخر". علاوة على ذلك، لا يزال الدين عاملا أساسيا وحاسما في [تأجيج] العلاقات العدائية التي باتت تتجلّى بصورة متكررة في الصراعات المفتوحة.

——————————————————————-

هذا المقال مترجم عن Addis Standard ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة