ميدان يحاور 5 متخصصين.. كيف نفهم سلوك ترامب على تويتر؟

مقدمة التقرير

يحاور ميدان خمسة من المتخصصين في نطاقات عدة، اللسانيات، وعلم النفس، وإدارة الأعمال، لفحص ما إذا كان ما يمارسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر هو مجرد هياج عاطفي لشخص لا يتحكم بسهولة في ذاته، أم أنه خطة مدروسة، بل وناجحة للغاية، كانت السبب الرئيسي لفوزه بالانتخابات السابقة وما زالت تدعمه إلى الآن، وإذا كانت كذلك، فما مقومات نجاح تلك التجربة السياسية الإلكترونية؟ وما مآلاتها المستقبلية؟

 

نص التقرير

قبل عدة أيام، كان الشغل الشاغل لسكان عالم تويتر هو تغريدة جديدة لدونالد ترامب يمكن أن نعتبرها قفزة إلى مستوى جديد من التفاعل مع الجمهور، حيث وضع الرئيس الأميركي صورة لجسم سيلفستر ستالون من فيلم "روكي" مع رأس ترامب نفسه، أما التغريدة الأكثر لفتا للانتباه حاليا فهي لا شك تلك التي خاطب خلالها جريتا سامبيرج، الناشطة المناخية التي ظهرت على غلاف التايمز، قائلا إنها تحتاج إلى التحكم في غضبها وربما مشاهدة فيلم مع إحدى الصديقات.

          

    

  

     

من جهة أخرى، كانت التغريدة الأكثر إثارة للانتباه لترامب هي تلك التي قال فيها -قبل شهر من الآن-: "إذا فعلت تركيا أي شيء اعتبرته، بحكمتي العظيمة التي لا مثيل لها، خارج الحدود، فسوف أقوم بتدمير اقتصاد تركيا بالكامل وطمسه (لقد فعلت من قبل!)". في الواقع، يبدو أن تغريدات ترامب نفسها هي التي تُمثِّل خروجا عن الحدود التي كانت يوما ما "طبيعية" في أثناء النقاشات السياسية والاجتماعية أو حتّى الأحاديث الدارجة.

    

ولأن دونالد ترامب هو كما يبدو أهم شخص في العالم حاليا، فقراراته تؤثر في كل شيء تقريبا، بداية من اختيارات الطعام في البيت الأبيض بولاية واشنطن، ووصولا إلى سياسات التعامل مع المعارضين في الوطن العربي تحديدا، ولأنه أيضا واحد من أكبر المغردين، قبل نحو الشهر غرد 82 مرة في أثناء رحلة سريعة من وإلى ولاية ألاباما، فإن ذلك يدفعنا لا شك للتساؤل: هل هذا مفيد أم ضار لنا ولترامب نفسه؟ هل هو آلية فعّالة أم أنه يبدو وكأن "أحمق" ما يظن أنه أكثر أهل الأرض حكمة قد أُعطي هاتفا ذكيا ثم أُجلس على كرسي الرئاسة؟

    

خطة ممنهجة

يقول جاك جريف، أستاذ اللسانيات من جامعة برمنجهام، في تصريح حصلت منصة "ميدان" عليه: "يستخدم دونالد ترامب حساب تويتر الخاص به بفاعلية شديدة عبر آليتين، الأولى هي دعم حملته الانتخابية والثانية هي الهجوم على معارضيه"، قام جريف ورفاقه بعمل تحليل مفصّل لنحو 22 ألف من تغريدات الرئيس الأميركي من عام 2009 إلى عام 2018، مع التركيز على تلك الفترة الخاصة بالانتخابات، وجاءت نتائجهم لتقول إن تغريدات ترامب ليست عشوائية، وإنما هي خطة ممنهجة تشمل أربعة ملامح رئيسية.

       

  

الأولى هي التفاعل، فقد كان ترامب حريصا على الرد على المشتبكين معه عبر تويتر، ليس ذلك فقط، بل كان الملمح الثاني المهم هو أن ترامب لا يأخذ ويرد فقط، بل كان يشتبك بدرجة من الاهتمام، من جهة أخرى عمل ترامب على الترويج لحملته ولنفسه كشخص قوي ومسؤول، كملمح ثالث، وأخيرا، عمل أثناء تفاعله مع الجمهور على نمط النصح، حيث قدَّم لهم نصائح بسيطة لمساعدتهم في الحياة أو العمل أو العلاقات، وبحسب جريف فإن هذه الأنماط استُخدمت بعناية لتُناسب المواقف المقابلة لها.

  

وبحسب جريف في تصريحه الذي حصل "ميدان" عليه، فمن خلال القوة التي أعطتها هذه الأنماط التفاعلية له، كان ترامب فعّالا للغاية في الهجوم على معارضيه وفي الترويج لحملته لدرجة مكّنته من الانفصال بسهولة عن كل الانتقادات السياسية الموجّهة إليه. وكان واضحا أن ترامب بارع في استخدام نمط التغريدات، في أثناء الهجوم على المعارضين استخدم لغة غير رسمية، وفي أثناء الترويج لحملته استخدم لغة رسمية، وإلى الآن ما زال هذا النمط قادرا على الفوز بالتأييد لترامب. يُضيف جريف: "لا تُشير نتائجنا فقط إلى قدرة ترامب الكبيرة على إدارة حملة متوازنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن أيضا العمل على بناء شخصية إنترنتية واثقة من نفسها وذات ملامح مميزة".

    

يكتب ترامب معظم التغريدات الخاصة به، وعمل هذا في صالحه تماما، إذ يُحبّ الناس حقيقة أن رئيسهم يتخطّى وسائل الإعلام الرئيسية للتواصل معهم
   

في الواقع، فإن الدور الذي يلعبه تويتر مع ترامب يستحق الكثير من التأمل، خاصة حينما نسأل: كيف فاز بهذه الانتخابات من دون تأييد من النُّخب السياسية؟ يُقدِّر بعض الباحثين تغريدات تويتر أثناء الحملة الانتخابية لترامب بما قيمته نحو 5 مليارات دولار من الدعاية، ويرى البعض الآخر أن الطريقة التي يشتبك خلالها ترامب مع جمهوره لا يمكن مواجهتها إلا بتيّار مُماثل يستخدم تويتر بالحرفية نفسها، وإلا فقد لا يكون هناك الكثير من الأمل لخصومه في الانتخابات، أو في أي نطاقات أخرى، ويقول جريف تعليقا على تلك النقطة: "الوجود عبر الإنترنت على منصات وسائل التواصل الاجتماعي عنصر حاسم في السياسة الحديثة".

  

أندرو روس، يعمل محاضرا بجامعة سيدني في نطاقات متشابكة تتضمّن علم النفس واللسانيات ووسائل التواصل الحديثة، يتّفق مع جريف في تلك النقطة، ويُضيف -في حديث مع محرر "ميدان"- أن باراك أوباما على سبيل المثال كان يكتب 1% فقط من التغريدات الخاصة به، بينما يكتب ترامب معظم التغريدات الخاصة به، وعمل هذا في صالحه تماما، إذ يُحبّ الناس حقيقة أن رئيسهم يتخطّى وسائل الإعلام الرئيسية للتواصل معهم، إنها المرة الأولى التي يتمكّن المواطن من الحصول على الخبر مباشرة من الرئيس.

 

عمل روس مع رفيقه الدكتور ديفد كالدويل من جامعة جنوب أستراليا على التركيز تحديدا على الكيفية التي يكتب بها ترامب تغريداته، سواء في حالات الترويج لنفسه أو الهجوم على المنافسين، فقد استخدم ترامب لغة عادية غير احترافية، وكان لذلك أثر جيد على الجمهور الذي يشعر بأنه مُتَضمَّن فيما يتحدث فيه ترامب، وكأنه جزء من هذه العملية، على عكس السابق حينما كان الرئيس أشبه ما يكون بروبوت بارد يتخذ قرارات صادرة من المنظومة التي لا ترى الناس بوضوح.

   

  

في حديثه مع "ميدان" يُضيف روس: "من خلال كتابة كل تغريداته بنفسه كلما شعر بالحاجة إلى ذلك، يصبح ترامب شخصيا جدا وأقل احترافية، ويكون له تأثير واضح لا يمكن إنكاره حتى لو كان أحدهم يكره ما يقول، فالميل لشخصنة الأمر يجذب الجمهور للتعاطف"، يستغل ترامب تلك الآلية القوية للضرب بشكل مباشر في الكيانات المنافسة له، عبر الانطلاق في إستراتيجية سلبية تتضمّن اغتيالا للشخصيات، وهو اصطلاح يُعبِّر عن الجهد المتعمَّد والمستمر للإضرار بسمعة أو مصداقية الفرد، بالطبع أشهر الأمثلة في هذا النطاق هو هاشتاغ #CrookedHillaryClinton، والذي كان يُلقي ظلالا من الشك على صدق منافسته هيلاري كلينتون، وقدرتها على القيادة وموثوقيتها.

 

من ترامب إلى إيلون ماسك

في الواقع، فإن شخصية دونالد ترامب، تلك التي تظهر لنا على تويتر، هي نموذج مثالي لأداء مثل هذا النوع من المهام، وكان كلٌّ من مارتن أوبتشونكا من جامعة كوينزلاند في أستراليا، وكريستيان فيش من جامعة ترير في ألمانيا، قد تساءلا عن تلك النقطة تحديدا، بمعنى أن ترامب قبل أن يكون رئيسا هو رائد أعمال، وينتهج سلوكيات مشابهة لأشخاص مثل إريك شميدت (غوغل)، أو إيلون ماسك (تسلا)، أو مايكل ديل (ديل)، أو جيف بيزوس (أمازون).

  

يقول أوبتشونكا في حديثه مع محرر "ميدان": "حينما نُحلِّل تغريدات ترامب ثم نقوم بمقارنتها مع هذه الشخصيات نجد أنه يُسجِّل بيانات أكبر في النقاط المتعلّقة بالاشتباك العنيف مع المنافسين والاهتمام بالذات مع درجات واسعة من الانفتاح، أي رؤية التغيير كشيء إيجابي". بالإضافة إلى ذلك، سجّل ترامب قيما عالية أيضا في الصفات العصابية، وهي واحدة من "الخمسة الكبار" في دراسة صفات الشخصية، هؤلاء الذين يُسجّلون درجات عالية من العصابية أكثر عُرضة من المعتاد لتقلُّبات المزاج والقلق والغضب إلى جانب مجموعة من الصفات الأخرى.

      

يمكن أن تكون العصابية حافزا كبيرا بالنسبة لترامب، ليس فقط في حياته التجارية، ولكن أيضا في دوره كزعيم سياسي
      

يقول فيش في حديثه لمحرر "ميدان": "هذه الصفات غير تقليدية إلى حدٍّ ما، لكن العمل كرجل أعمال قد لا يتطلّب الشعور فقط بالاستقرار العاطفي والتفاؤل، ولكن أيضا أن يكون الشخص قادرا على زيادة السعادة عبر الحصول على المنفعة"، مضيفا أن الذين يُسجّلون درجات أكبر في الصفات العصابية يمكن لهم -على الجانب الآخر- تطوير حافز قوي للغاية لتحقيق النجاح.

  

وبحسب أوبتشونكا، أظهرت الأبحاث أن النشاط العصابي العالي يمكن أن يُحفِّز القدرة التنافسية العالية، ووجدت دراسات أخرى أن الأفراد العصابيين قد يكونون ناجحين للغاية في الحياة إذا كان لديهم القدرات اللازمة للنجاح. تبعا لذلك، يمكن أن تكون العصابية حافزا كبيرا بالنسبة لترامب، ليس فقط في حياته التجارية، ولكن أيضا في دوره كزعيم سياسي.

  

يُضيف فيش في حديثه مع "ميدان" قائلا: "هذا نموذج لما نسميه بالشخصية الشومبيترية، تلك التي يتم إرجاعها إلى جوزيف شومبيتر حينما حدّدها -في ثلاثينيات القرن العشرين- بأنها مبدعة للغاية، وموجَّهة نحو التغيير، وتنافسية، وتنتهك القواعد"، لكنه يضع إضافة مهمة بعد قليل تمهّد للنقطة التي سننتقل لها، حيث يقول: "يتكهّن الباحثون بأن وجود سمات شخصية ريادية يمكن أن يكون مفيدا في قيادة مجتمع الأعمال. لكنهم يُشدّدون على أن قيادة شركة مختلفة تماما عن قيادة دولة ما، ومن غير الواضح ما إذا كان الزعماء السياسيون ذوو الشخصية الريادية للغاية يستطيعون بالفعل التصرف بشكل صارم في الأعمال السياسية".

  

  

يُعيدنا ذلك مرة أخرى إلى أندرو روس، حيث يرى -في حديثه مع "ميدان"- أن ترامب يضع معايير جديدة للعبة السياسية، بل وقد يؤثر نجاح تجربة ترامب على السياسيين الآخرين فيبدؤون باتباع منهجية أكثر ميلا نحو الاعتماد على الخطابات الشخصية (التي تظهر نابعة من ذواتهم) أو المشخصنة (التي تترصد الآخر كشخص)، لا يعني ذلك بالضرورة أن ينتشر التوجّه السلبي المعتمد على اغتيال الشخصيات كأداة للخطاب السياسي المعاصر، لكن أسلوب ترامب ونجاح تجربته لا شك سيؤثّر في كل ذلك.

  

في الحقيقة، تُشير بعض الأبحاث السابقة إلى أن حملة دونالد ترامب الانتخابية التزمت بثلاثة معايير، وهي: التخويف، والشعبية، واغتيال الشخصيات بشكل سلبي، بمعنى واضح: "نحن في أضعف أحوالنا وداعش على الأبواب، لنجعل أميركا عظيمة عبر حكمتي غير المسبوقة، أما بالنسبة لمعارضيّ فإنهم مجموعة نفايات فيهم كذا وكذا وكذا"، لكن ما تحدثنا عنه إلى الآن هو جانب واحد من الحكاية، ماذا عن روّاد تويتر أنفسهم؟

  

عالم تويتر الصغير جدا

هنا تتغير الأمور قليلا، يقول روس لمحرر "ميدان": "بالنسبة لمستخدمي تويتر عموما، قد وُجد أنهم يُفضِّلون استخدام لغة سلبية أو عدوانية"، بل ويُضيف الباحث بجامعة سيدني أنه من المحتمل أن تكون المنهجيات التي تدعم شعورا سلبيا هي أحد العوامل الرئيسية التي تُحدِّد الشعبية على على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة أن معايير تويتر تتطلّب أن تكون الرسائل قصيرة وبسيطة، يسمح ذلك بنشوء المزيد من الاندفاع والحماقة.

  

وكان جون إينلي، من جامعة أوسلو النرويجية، قد أشار إلى تلك النقطة في دراسة صدرت قبل عامين، حينما قال فيها إن إستراتيجية حملة كلينتون -على سبيل المثال- انتهجت نظرية تقضي بإضفاء الطابع الاحترافي على الحملات الانتخابية، في المقابل من ذلك فإن أسلوب حملة ترامب كان أقرب ما يكون إلى نموذج "الهواة"، وعلى الرغم من عدم احترافيته، فإن هذا النموذج ليس مقبولا فقط، وإنما هو مطلب رئيسي في وسائل التواصل الاجتماعي، تويتر إذن كان -بشكل أو بآخر- سببا رئيسيا في فوز ترامب بالانتخابات، وفوزه القادم ربما.

    

يتميز أسلوب ترامب على تويتر بثلاثة ملامح رئيسية، وهي: الادّعاء، والتشتيت، والتشويه، وهو أسلوب مُثير بالنسبة لجمهور وسائل التواصل
     

يمكن أن نفهم تلك الفكرة بوضوح في المبدأ الذي صاغه مارشال ماكلوهان، صاحب أكثر نظريات الاتصال الجماهيري جدلا في القرن الفائت، في كتابه "فهم وسائل الإعلام" حينما قال إن "الوسط هو المحتوى" (the medium is the message)، ويعني ذلك أن الطريقة التي تُقدَّم بها الرسالة أو المحتوى جوهرية ومؤثرة في الجمهور بقدر أهمية الرسالة نفسها. يهتم براين أوت، من جامعة تكساس، والمتخصص في نطاق قد لا تسمع عنه كثيرا وهو الدراسات التواصلية، بتلك النقطة.

  

يقول أوت في تصريحه لمحرر "ميدان": "يتميز أسلوب ترامب على تويتر بثلاثة ملامح رئيسية، وهي: الادّعاء، والتشتيت، والتشويه"، مضيفا أن ذلك الأسلوب مُثير بالنسبة لجمهور وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أو بآخر. بحد تعبير أوت، فإن ترامب ينتقل بالخطاب السياسي إلى مرحلة مظلمة للغاية، فهو يروّج للأكاذيب في سياقات مختلفة، ويصرف الانتباه عن الاستجواب الجاد لأفكاره من خلال الاستمرار في سرد الأخبار ومهاجمة أي شخص بأكثر الطرق التافهة.

    

  

في تلك النقطة يمكن أن نتأمل كتاب "إمتاع أنفسنا حتى الموت: الخطاب العام في عصر العروض التلفزيونية"، والذي لاقى الكثير من الاهتمام في ثمانينيات القرن الفائت، حينما أشار نيل بوستمان إلى أن انتقال الخطاب السياسي بشكل أساسي من عالم الكتب والجرائد إلى عالم التلفزيون كان له أثر سلبي على المجتمع، فيقول في كتابه: "أفضل ما في التلفزيون هو الأعمال التافهة، ولا يوجد شيء ضار في ذلك، لكن المشكلة تحدث حينما يُقدِّم التلفزيون نفسه كوسيط لتقديم جدل ثقافي مهم".

  

يقول أوت في حديثه مع "ميدان": "كل وسيلة من وسائل التواصل تدرّب وعينا بطريقة معينة. تويتر يدرّبنا على على تخفيض قيمة الآخرين، ويفتح ذلك الباب لإنشاء خطاب عنيف وخبيث". المنشورات التي تجد قبولا واسعا على تويتر تمتلك غالبا صفات عدة تتبادل فيما بينها أو توجد معا، وهي البساطة (أو قل السطحية) بسبب صغر حجم التغريدة، ما يجعلها أقل تعقيدا، بالتالي فإن اعتماد التغريدة الرئيسي سيكون على العنصر الثاني وهو "الاندفاعية" لجذب المزيد من الاهتمام السريع، ويتطور ذلك لسلوك "غير متحضر" في النهاية، وهو العنصر الثالث.

  

يبدو الأمر إذن وكأن ترامب وتويتر أكثر توافقا مما قد نظن، دعنا في تلك النقطة نتذكّر تغريدة كتبها عام 2012 قبل أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأميركية قال فيها: "يقول الكثيرون إنني أفضل مغرد في العالم"، في الواقع فإن ترامب قد يكون كذلك بالفعل، فهو يستخدم تويتر بحرفية روّاد الأعمال المُلهمين، ويستخدم اللغة العنيفة لإثارة الجدل، وفي المقابل من ذلك يتمكّن بسهولة ويُسر من الهرب من النقد الحقيقي، ومع تبجيل سكان عوالم وسائل التواصل الاجتماعي لهذا النمط السريع الذي يُلهب العواطف، فإن نجاح ترامب التواصلي على تويتر كان خطة ناجحة للسيطرة على عالم جديد تماما.

    

    

سياسات ما بعد الحقيقة

يقول أوت في حديثه مع محرر "ميدان": "تبنّى بعض الجمهوريين وأتباع ترامب في الولايات المتحدة هذه الإستراتيجية الخطابية نفسها، والتي يمكن القول إنها أنهت الديمقراطية فعليا". هذا النوع من الخطاب يُسمى في الأدبيات السياسية المعاصرة بسياسات ما بعد الحقيقة (Post-truth politics)، وكان هذا الاصطلاح قد استُخدم للمرة الأولى من قِبل الصحفي الأميركي ستيف تشيس في مجلة "ذا نايشن" (The nation)، في عام 1992، حينما كتب في مقالة يتحدّث فيها عن بعض الفضائح السياسية الأميركية مثل ووتر جيت، وكونترا-إيران، ومستقبل السياسات الأميركية، بعدها لاقى هذا الاصطلاح رواجا في الأوساط الصحفية، ثم الأكاديمية، حتى نصل إلى عام 2016، حينما اختار قاموس أوكسفورد ذلك الاصطلاح (Post-truth) ليصبح كلمة العام، لأنه كان الأكثر رواجا وتسبُّبا في الجدل، خاصة بعد صعود دونالد ترامب إلى السلطة والتغيير الجذري الذي أحدثه في الخطاب السياسي.

  

سياسات ما بعد الحقيقة هي -ببساطة- توجّه يعتمد على أن يكون التفاعل في النقاش السياسي قائما على الانفعالات الفردية واللعب على وتر الغرائز، والمشاعر، والمعتقدات الخاصة بالأفراد، بغض النظر عن التفاصيل السياسية أو الوقائع أو الحقائق، بالتالي يمكن أن يلجأ رجال السياسة، أو الوسائل الإعلامية التي تدعم حزبا أو جهة ما، إلى الأكاذيب أو التضليل المتعمّد والمستمر لدعم تلك التوجّهات السياسية التي ينتمون إليها، هنا -في تلك الأجواء المشحونة عاطفيا- أصبحت الحقائق الموضوعية أقل تأثيرا في الرأي العام، أصبحت الحقائق -بعد أن كانت يوما ما عملة رائجة في الحجج السياسية- هي العملة الأقل قيمة على الإطلاق.

  

يُعيدنا ذلك من جديد إلى روس الذي يقول لمحرر "ميدان" إنه "يمكن اعتبار عدم الاحترافية في الخطاب السياسي كنزعة عكسية ضد منظومة القائمة"، ربما ملّ الناس من عدم التوافق بين الخطاب السياسي الرسمي الذي يبدو وكأنه بلا روح وأحلامهم بمستقبل أفضل خاصة مع الكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية المعاصرة، في تلك النقطة يميل الجميع إلى اتباع العواطف والنزوع إلى التطرف، في تلك النقطة يتدخّل جاي فان بافيل من جامعة نيويورك ليقول، في مقال بحثي نُشر قبل نحو العام، إن الأمر ربما أعقد وأكثر عمقا مما نتصور، لأنه لا يرتبط فقط بجهل المواطن العادي بالحقائق أو بقدرة الأخبار الكاذبة على أن تكون أكثر إبهارا أو غرابة من الأخبار العادية المُملّة، لكنه يتخطّى ذلك كله ليتعامل بشكل مباشر مع هويّاتنا، وما نظن أنه نحن، وما ننتمي إليه من قناعات.

    

على مدى عدة عقود مضت، كان العالم -ببساطة- يتجهّز لحضور نموذج ترامب، وليس ترامب تحديدا، وهو الذي نراه حاليا يتصاعد يوما بعد يوم في جوانب الكوكب كله
   

تُسمى تلك الفكرة بنموذج القناعات القائمة على الهوية، ويعني أنه حينما نتعرّض لمجموعة من الأفكار عن أحد الموضوعات التي نهتمّ بها، عبر فيسبوك أو تويتر أو التلفاز، فإننا نُعطي تقييما لها جميعا، بعد ذلك نبدأ بمقارنتها معا لاستخراج الأفكار صاحبة التقييم الأفضل، لكن في بعض الأحيان يحدث أن نرجّح كفة الانتماء على حساب الدقة، فالإنسان كائن اجتماعي، يُعَدُّ الانتماء إلى مجموعة إحدى أقوى غرائزه بجانب الرغبة الجنسية والجوع، حيث يساعدنا انتماؤنا إلى توجّه سياسي ما على تعريف هويّاتنا، وما نحن عليه، ويُعزِّز إحساسنا بذواتنا، وهو ما يمكن أن يكون أكثر أهمية بالنسبة إلينا من الدقة في مسألة ما، حتى إذا كانت الدقة أمرا يهمّنا في العادة. هنا، سوف نميل إلى تصديق الأفكار التي تتماشى مع آراء حزبنا، مهما كانت غير معقولة.

  

يتطوّر الأمر إلى ما هو أعمق من ذلك في حالات الاستقطاب السياسي، يقول أوت لـ "ميدان": "حينما يُواجَه ترامب بأيٍّ من الأكاذيب التي روّجها فإنه يُعيدها ويقول إن الإعلام مزيّف"، هنا لن يهتم الجمهور بالبحث عن حقيقة الأمر بقدر اهتمامه بدعم الشخصية المُلهمة التي يتابعها، بالتالي فإن ترامب -عبر تويتر- يمتلك قاعدة صلبة من المؤيدين، أو قُل المريدين، مع إمكانية ضمّ المزيد كلما ازدادت حدّة الاستقطاب السياسي، وهي تفعل، خاصة حينما يفقد الناس الثقة في المنظومة ذاتها، بحيث يكون "الإنسان هو المعيار"، بحد تعبير الفيلسوف بروتاجوراس قبل ألفين وخمسمئة سنة.

  

بالتالي، لن يُفيد كثيرا أن يخرج أستاذ من هارفارد -على سبيل المثال- ليُحلِّل أخطاء ترامب والتوجّه الاندفاعي الضار الذي ينتهجه، لن يفيد الجمهور أن يتعرف إلى ورقة بحثية جديدة تُشير إلى أن الابتعاد -إلى مسافة كبيرة جدا- عن الاحترافية في الخطاب السياسي قد تكون ضارة، الجمهور على تويتر مثلا لا يمكن أن يرى سوى 140 كلمة غاضبة أو مُضحكة.

    

  

من وجهة النظر تلك، فإن دخولنا للعالم الرقمي أيقظ مُثلّثا غاية في النشاط والتفاعل بين أطرافه، يجمع ما بين الخطاب السطحي المندفع (تلك التي لم تَعُد صفة طارئة على عالمنا المعاصر، بل أصبحت جزءا جوهريا من تركيبه السياسي، وبالتالي الاجتماعي)، والقدرة الهائلة على التواصل والانتشار عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وغرائزنا النفسية (تلك التي تتحكّم فينا بصورة أكبر أثناء الاستقطاب السياسي، فتسقط الحقائق من أحاديثنا بكل سهولة ونميل إلى تصديق الخطاب الرنان).

  

يلخّص أوت تلك الفكرة في حديثه مع "ميدان" حينما يقول: "لم تَعُدْ السياسة متجذّرة في الوقائع". يجعل ذلك من الخطاب السياسي غير الاحترافي فرصة مناسبة للغاية لترامب -وغيره من السياسيين الذين يتّبعون المنهجية نفسها- كي يُملي شروطه، فالرجل يُقدِّم نفسه كوطني يحب بلاده ويتحدّث بأسلوب شخصي متفرّد جاذب للجمهور عبر أكثر الوسائط الإعلامية انتشارا، والتي تساعده على تحييد الاحترافية السياسية والخوض في معركة ينتصر فيها الصوت العالي، وترامب خبير للغاية في هذه النقطة.

   

  

لكن دونالد ترامب ليس سببا في كل ذلك، إنه فقط الرجل الذي ظهر في الوقت المناسب فتمكّن من استغلال السياق الحالي ببراعة، على مدى عدة عقود مضت، كان العالم -ببساطة- يتجهّز لحضور نموذج ترامب، وليس ترامب تحديدا، وهو الذي نراه حاليا يتصاعد يوما بعد يوم في جوانب الكوكب كله. في الواقع، لا يمكن النظر إلى تجربة ترامب على أنها سلبية أو سيئة بالكامل، وعلى التيارات التي ترغب في مقاومة هذا التصاعد لخطاب ما بعد الحقيقة السياسي أن تتعلّم من تلك التجربة من أجل الوصول إلى أفضل طريقة للتعامل معها.

  

أصبحت ممارسة السياسة في العالم الرقمي مختلفة، وتتطلّب إعادة النظر في شكل الخطاب والآليات التي يمكن استخدامها للوصول إلى الجمهور مع حفظ أدنى درجات الاحترافية، هذه مهمة صعبة للغاية، لأن العالم الرقمي بطبيعته سريع ولا يُطيق الانتظار لأكثر من عدة أسطر، لكن مقاومة هذا التيار السائد حاليا تتطلّب -كبداية- أن يبدأ السياسيون على الجانب الآخر من إدراك أن هناك مشكلة يجب حلّها تتعلَّق بالعالم الرقمي، ربما يوازن ذلك الأمور في مرحلة ما.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أصبح استقرار العراق السياسي منذ عام 2003 رهينا لطبيعة العلاقات ومستوى المنافسة بين واشنطن وطهران، وشلَّّت هذه المنافسة التوازن القائم داخل الحكومات الهشة، وحوّلت العراق إلى ساحة للمنافسة، والحرب المحتملة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة