حكمة السعادة الغائبة.. كيف تنقذنا الفلسفة من الإحباط؟

في صبيحة أحد أيام القرن الخامس قبل الميلاد، وعلى شبه الجزيرة اليونانية، كان الإسكندر الأكبر يسير في موكبه لمقابلة "ديوجين الكلبي"، الفيلسوف الإغريقي الشهير، حيث عثر عليه تحت شجرة يرتدي ملابس بالية، ليسأله الإسكندر إن كان بوسعه أن يفعل شيئا لمساعدته، فيجيبه "ديوجين": "نعم، سوف تساعدني إذا ابتعدت قليلا، فأنت تحجب الشمس عني". ضحك الإسكندر بدلا من أن يغضب، ثم أردف في بساطة: "لو لم أكن الإسكندر لوددت أن أكون "ديوجين""[1].

 

لِمَ تمنّى هذا؟ لأن "ديوجين" حقّق المعادلة الأبسط في عيش حياة هادئة، حياة خالية من الإحباط، ومعافاة من خيبات السعي المحموم خلف الأشياء، هذه المعادلة، كما يسمّيها "آلان دو بوتون"، هي بكلمة واحدة: التفلسف. أو -كما رأى الرواقيون- استخدام الفلسفة في اقتناص السعادة الواقعية، التي وإن افتقدت البريق الجذّاب للمُتَع والملذّات، فإنها تحمل القدر المريح من السرور والطمأنينة؛ إنها الحقيقة، أو هي الشمس التي يستمتع بها "ديوجين" عن زخارف مُلك الإسكندر.

 

هذه الحقيقة هي الحكمة عند "أندري كونت-سبونفيل"[2]. ما الحكمة؟ إنها، كما يقول الكاتب الفرنسي، سعادة من داخل الحقيقة، فالسعادة "هي غاية الفلسفة وليست معيارا لها؛ لأن معيار الفلسفة هو الحقيقة"، وعليه تكون حاجتنا إلى هذه الحقيقة ملازمة لحاجتنا إلى السعادة. هذه الحكمة "عِلم"، كما يراها "ميشيل دي مونتين"، إذ يقول إنه "ليس هناك علم أصعب من أن نعرف كيف نعيش هذه الحياة بصورة جيدة وطبيعية"[3]، وهو ما يُعلّق عليه "سبونفيل" قائلا: "وهذا وحده ما نعنيه بأن نتفلسف على وجه الحقيقة".

 

إنها رحلة هادئة، قائمة -بشكل كبير- على محاضرات المفكر والكاتب الفرنسي "أندري كونت-سبونفيل" حول البحث عن السعادة في قلب الواقعية، والبحث عن الواقعية في قلب الحكمة، ثم التساؤل حول حقيقة هذه الحكمة: هل هي حالة مثالية يصعب إدراكها، أم منهجية حياتية يمكن الاهتداء إليها لعيش حياة مستقرة؟ وهل تتعلق السعادة الحقيقية بتحقيق الرغبات، أم بحضور المعنى في حياتنا حتى وإن لم تتحقّق ملذاتنا؟ أو بكلمات أخرى: هل يُنقذنا اليأس من الدنيا بتحقيق أملنا الأكبر منها؟

 

"كم كنت سأكون سعيدا لو كنت سعيدا".

[وودي آلان]

في جدلية السعادة والرغبة، رأى "أفلاطون" في "محاورة المأدبة"، في القول الذي نقله "سقراط" عنه، أن "الرغبة نقص؛ ما لا نملكه، ما لسنا إياه، ما نفتقد، هذه هي موضوعات الرغبة". من هذه الرؤية خلص "سبونفيل" إلى أننا لن نرغب إلا فيما ينقصنا، حتى نملكه لنرغب في شيء آخر، وهكذا دواليك، فإن كنا "لا نرغب إلا فيما لا نملكه فإننا لن نتحصّل أبدا على ما نرغب، والنتيجة أننا لن نكون سعداء أبدا"، ومن هنا تبدو الرغبة -للمفاجأة- عائق سعادتنا الأول!

 

من هذا، نجد "برنارد شو" -الأديب البريطاني الشهير- وهو يخبرنا أن ثمة كارثتين في الوجود؛ "الأولى هي عندما لا تتحقق رغباتنا، والثانية عندما تتحقق"، أو كما قال "شوبنهاور" إن الحياة "تتأرجح مثل بندول من اليمين إلى اليسار، من الألم إلى الضجر"[4]، أما الألم فلأننا نفتقد ما نرغبه، وأما الضجر فلأننا لم نعد نرغب فيه بعدما نلناه.

 

غير أن هذه الرؤية قد أغفلت، وفقا لـ "سبونفيل"، شيئين مُهمّين في معادلة السعادة، وهما المتعة والفرح، ثم يسأل: متى تحصل المتعة ومتى يحصل الفرح؟ ليجيب: "إنهما يحصلان عندما نرغب فيما نملك وفيما نفعل وفيما هو موجود". الأمر أشبه بشربة الماء على عطش شديد، فهي رغبة فيما تملكه، غير أنك لا تمل من الماء ولن تلقيه، إنها متعة الفعل التي تأتي بالفرح به، وهذا ما أراده "سبونفيل".

 

فالأمل، في هذا السياق وحسب هذا المنظور، عبارة عن رغبة تنصبّ على موضوع لا نملكه، ولا نعرف إن كان سيتحقق أم لا، لأن تحققه لا يتعلّق بنا؛ أي إنه رغبة دون استمتاع ولا معرفة ولا قدرة. هذا الأمل -رغم جماله- يبدو وكأنه فخ لسعادتنا، نسعى خلفه في ظمأ دائم لا نستمتع معه إلا بالقلق من فقدانه، إن جاز التعبير، وهو ما يمكننا استبداله بشيء آخر، أكثر واقعية وإرضاء لنفوسنا، هو الإرادة، أو السعادة الفاعلة.

 

"عندما تنسى كيف تأمل سأعلّمك كيف تريد".

[سينيكا]

في الأيام السابقة لامتحان مهم، سيتّفق الطلاب -جميعا- على أمنية واحدة: أتمنى أن أنجح في الاختبار، وبعضهم سيتمنّى درجة أسمى من التوفيق، لكن ما سيفترقون فيه هو استعدادهم الفعلي لهذه النتيجة المرجوة؛ فكم منهم سيدرس بالقدر الذي يُحقّق أمنيته؟ هذا هو الفارق البسيط بين الأمل وسعادته المرغوبة وبين الإرادة والسعادة الفاعلة.

 

لذا، فنحن بإمكاننا أن نكون سعداء، كما يقول "سبونفيل"، لا لشيء إلا لأننا نفعل ما نرغب فيه بالفعل، تلك السعادة الفاعلة هي سعادة الفعل نفسه لا سعادة الأمل، غير أن هذه السعادة -في أحد معانيها- هي سعادة يائسة؛ لأنها لا تأمل في شيء، هي سعادة المرء الحكيم بواقعه الذي يحياه، بأمله فيما يقدر على فعله ويستطيع تحقيقه بيديه، لا سعادة الآمِل فيما لا يقدر عليه أو تعوزه المعرفة والقدرة لتحقيقه.

 

إنها حيلة فلسفية لتجنُّب خيبات الأمل وإدراك الحكمة، تقوم على ثلاث قوائم متراتبة: أن نتمتع بما نفعله ونحياه دون التعلُّق بما يغيب عنا، وأن نرغب فيما نعرفه ونعيه لأن الحكيم "ذواق للحياة: يعرف كيف يتذوقها ويُقدِّرها"[5]، فإذا كان ذلك توافرت القدرة على إرادته. هنا يكمن الخلاف الحقيقي بين الأمل والإرادة، أو السعادة الفاعلة، فالأول يرغّبنا فيما لا يعتمد علينا، بينما السعادة الفاعلة ترغّبنا فيما يعتمد على سعينا وقدرتنا.

 

مما سبق، يبدو الأمل بمعناه في هذا السياق من تعلُّق بما لا نستطيعه شيئا لا ينفك عن الخوف، أو كما قال "سبينوزا": "لا يوجد أمل من دون خشية، ولا خشية من دون أمل"[6]. هذا الخوف -وحده- كفيل بأن يدفعنا للتحرر من الأمل -كما يرى "سبونفيل"- بما يسمّيه "اليأس المرح"، على غرار "العلم المرح" عند "نيتشه"، وهو يأس الحكيم أو حكمة اليأس.

 

واليأس في هذا السياق لا يعني العدمية، وإنما هو الحكمة المطمئنة، فالحكيم "ليس لديه ما ينتظره أو ما يأمله؛ لأنه سعيد بشكل كامل ولا ينقصه شيء، وما دام لا ينقصه شيء فهو سعيد بصورة كاملة"[7]. فيكون اليأس هنا بمعنى السكينة وغياب الخوف، أو نزع الوهم بالمعنى الذي عرفته العرب قديما في مَثَلِها الشهير "اليأس إحدى الراحتين".

 

هي نظرة أقرب إلى الزهد منها إلى الإحباط، ما يُفضي إلى الهدوء دون قلق والتنعم بالحقيقة الممكنة بدلا من الشقاء بما نعجز عنه، وهو ما نراه بوضوح في قول "جول رونار": "لست أرغب في شيء من الماضي، ولست أعتمد على المستقبل، وحده الحاضر يكفيني، أنا إنسان سعيد لأنني تخلّيت عن السعادة"[8]. أو بكلمات أخرى، هي مزامنة السعادة للنعمة بالمعنى الذي قصده "أرسطو" في قوله "أن تحب يعني أن تبتهج"[9]؛ أي أن تشعر بالسعادة التي تحياها.

 

لكن ثمة رؤية أخرى توازن هذا الطرح، إنها -كما يقول "ألبير كامو"- القفزة نحو الأمل المطلق، أو الأمل الديني على وجه التحديد، والذي تهدأ من خلاله النفس بأن شيئا أبقى لها مما تعجز عنه وتفقده في الدنيا، أو كما يقول "باسكال": "ليس هناك من خير في هذه الدنيا إلا أن نأمل في حياة أخرى"[10]، فتتحقق الحكمة بواقعية الرغبة فيما نستطيعه هنا، واستشراف النعيم الأكبر في دار مطلقة الإمكان، مع المواساة المؤنسة بأن ما نفقده في الدنيا ليس غاية الفقد، لأن الربح المؤجل أكبر بكثير.

 

في نوفيلا "موت إيفان إيلتش" لـ "ليو تولستوي"، يجد البطل نفسه على فراش الموت خاليا من كل شيء، تنقضي ساعاته الباقية في حسرة على العمر المفقود، بين زوجة تخشى انقطاع الراتب وزملاء يحسبون حظوظهم في المنصب بعد أن يواري زميلهم التراب. يموت "إيفان" ويقف صديقه "إيفانوفيتش" أمام وجهه الخاوي من الحياة، ليفكّر في ذلك الزائر الذي سيأتيه يوما ما؛ الموت، لكنه سرعان ما ينفض الفكرة عن رأسه في ذعر؛ لكيلا يستسلم للكآبة والحزن.

 

لكن هل تستدعي هذه الفكرة الكآبة بحق؟ هذا ما ينفيه "آلا دو بوتون"، الكاتب والمفكر السويسري، في كتابه "قلق السعي إلى المكانة"، وهو يرى الموت واقعا يكشف للإنسان حقيقة هذه الدنيا التي يتحسّر على فقدانها، ويُعيد ترتيب أولوياته بالابتعاد عن العالم الدنيوي والاقتراب من البُعد الروحي والحقيقة، تلك الحقيقة التي تعنيها الأطروحة السابقة؛ أن نسعد بالعصفور الذي في يدنا دون أن يقتلنا أملنا في العشرة المغردين فوق الشجرة.

 

تلك الفكرة يصوغها "دو بوتون" داخل مفهوم أكبر؛ الدين، ذلك المخرج الآمِن من حسرات الدنيا، أو بتعبير الباحث "عبد الله الشهري"[11] المخرج الوحيد والمحصلة النهائية لملحمة الخلاص بين قلق السعي ومدد الوحي. أو كما يقول "تاديوس ميتز": "لا يمكن أن يكون لحياة الإنسان معنى إلا إذا كانت لديه درجة معينة من الإحساس بالسعادة.. كذلك لا يؤدي غياب السعادة إلى اختفاء المعنى فقط، وإنما يؤدي غياب المعنى إلى إعاقة تحقيق السعادة"[12].

 

إنها متلازمة من نوع خاص، حتى إن المعنى يمكنه اجتلاب السعادة بما يضاد أسبابها الظاهرية، كما يشرح "ميتز"، حين يقوم المرء بعمل يجلب عليه الشقاء الجسدي، كالنضال لأجل فكرة ما، إلا إنه يُحقِّق له قدرا من السعادة الداخلية لأنه يُشعره بقيمة حياته، بل إن هذا المعنى يقيه من البؤس المُفضي إلى الهلاك، وهو ما ذهب إليه عالم النفس "فيكتور فرانكل" في كتابه "الإنسان يبحث عن المعنى"؛ حيث وجد أن أكثر مَن تحمَّلوا ظروف الاعتقال معه في معسكرات النازية كانوا يتمتعون بمنسوب ديني يحفظ لهم قدرا من المعنى يُبقيهم على قيد الحياة؛ ما دفعه لتأسيس حقل العلاج بالمعنى (Logotherapy) بعدها.

 

فإن كان المعنى، أو الدين كما رأى "دو بوتون وقبله "باسكال"، يُشكِّل الملاذ من الإحباط، فإن "بيغوفيتش" يُفصِّل هذا الأمر باقتضاب واضح حين يقول إن "في الإسلام قدرا من الزهد؛ ولكنه لم يحاول به أن يُدمِّر الحياة، أو الصحة، أو الفكر، أو حب الاجتماع بالآخرين، أو الرغبة في السعادة والمتعة.. هذا القدر من الزهد أُريد به تحقيق التوازن في غرائزنا، أو توفير نوع من التوازن بين الجسم والروح"[13].

 

هكذا يلعب المعنى دورا فعّالا في إحياء السعادة الحكيمة، التي تتغلب على صعاب الدنيا بالصبر على ما تأمله في الحياة الأخرى وتوازن بين رغبة الجسد وسلطان الروح، ويلعب اليأس المرح دورا آخر في رحمتنا من الآمال الزائفة التي تُشقينا بآمال لا نقدر عليها ولا تعتمد علينا. إنه نوع من الاتزان بين أن تسعد بما تقدر على إدراكه من جهة، وألّا تشقى بما تفقده من جهة أخرى.

________________________________________________________________

الهوامش

  • المصادر بالفرنسية مستفادة من كتاب "السعادة اليائسة".

المصادر

  1. آلان دو بوتون، قلق السعي إلى المكانة.. الشعور بالرضا أو المهانة.
  2. أندري كونت-سبونفيل، السعادة اليائسة.
  3. Montaigne M., Essais, Ed. Villey-Saulnier, PUF, 1978.
  4. Schopenhauer A., Le Monde comme volonté et comme représentation.
  5. أندري كونت-سبونفيل، السعادة اليائسة.
  6. باروخ سبينوزا، علم الأخلاق.
  7. أندري كونت-سبونفيل، السعادة اليائسة.
  8. Renard Jules, Journal, 9 April 1895. Edition 10-18, tome I, 1984.
  9. أرسطو، أخلاق يودميان.
  10. بليز باسكال، أفكار.
  11. عبد الله الشهري، المخرج الوحيد.
  12. تاديوس ميتز، الفلسفة والسعادة.
  13. علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب.

حول هذه القصة

إن النظرة الدونية ما زالت حاضرة تجاه المرأة في حقل الفلسفة حتى يومنا، وهي تتحدى على مستويين، على صعيد المهنة، والفكر.. فهل حقا تستطيع أن تُفكِّر أم أنها خاضعة لعاطفتها؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة