كيف تساعدنا الفلسفة على إيجاد السلام النفسي في وقت الأزمات؟

ميدان – كيف تساعدنا الفلسفة على إيجاد السلام النفسي في وقت الأزمات؟

في أوقات المِحَن والأزمات، تصير الحياة أصعب وأشد وطأة، وتزيد حاجتنا إلى ما يرشدنا، إلى ما يخبرنا كيف نتماسك والعالم من حولنا ينهار. تلك الحاجة لا تقتصر علينا في الزمان الحاضر فقط، بل هي قاسم مشترك بين كل بني الإنسان في جميع الأزمنة. وقد حدْت تلك الحاجة مجموعة من الفلاسفة في الحضارة الهلينستية إلى خلق مدرسة فلسفية تهدف بالذات إلى مساعدتنا على إيجاد السكينة والسلام الداخلي حتى في أشد الأزمات، لتصير تلك المدرسة واحدة من أعظم المدارس الفلسفية، وأكثرها قدرة على تخطي حواجز الزمن ومساعدتنا في الحاضر كما ساعدت الكثيرين على مرّ ألفي عام، إنها الفلسفة الرواقية. 

  

على عكس الكثير من المدارس الفلسفية الأخرى، لم يشغل الفلاسفة الرواقيون أنفسهم كثيرا بالأسئلة الكبرى، لم يكتبوا مجلدات يحاولون فيها استبطان أصل الوجود ومآله، ولا أجروا مئات المحاورات بحثا عن المغزى من وراء وجود الشرور، ولا أثاروا عشرات الجدالات حول طبيعة الإله الذي خلق العالم، كان الهدف من وراء فلسفتهم مختلفا عن كل هذا، أرادوا أن يحصلوا على إجابة لسؤال: كيف للمرء أن يعيش حياته بالشكل الأمثل؟

  

سيبدو هذا السؤال بسيطا مقارنة بالأسئلة التي طرحتها المدارس الأخرى، لكنه أكثر مرواغة مما يظهر. فالحياة بطبيعتها ليست سهلة، تمتلئ عند كل منعطف بمِحَن وآلام تباغتنا وتسلبنا هدأتنا، تعاكس أغلب الوقت أمانينا ولا تستجيب لها، وعندما تتأتى لنا بعض الأحلام التي صلّينا من أجلها وتتحقّق، ندرك أنها لم تكن في الحقيقة سوى كوابيس مُقنّعة. وسط كل تلك الصعوبات، نجد أنفسنا كثيرا واقعين تحت وطئة الحزن والكآبة، وحتى في أوقات السعادة التي تمر بنا، لا نملك مقاومة أشباح القلق التي ترسم لنا أسوأ مخاوفنا وقد صارت حقيقة، وتحول دون استمتاعنا بشكل تام بلحظات الهناء حين تأتي. 

  

  

اليوم، وفي موقف استثنائي في تاريخنا الحديث، تحوّلت تلك المخاوف والهواجس إلى حالة عامة تشمل الإنسانية بأكملها. كائن صغير لا يُرى بالعين المجردة كشف لنا إلى أي مدى حياتنا هشة يمكنها أن تنقلب رأسا على عقب في أشهر قليلة. بات القلق على أرزاقنا التي ما عاد استمرارها مضمونا، وحياتنا وحياة مَن نحبهم التي من الممكن أن تفنى الآن في لحظة، واقعا يوميا يعيشه الملايين حول العالم. الآن، وفي ظل تلك الظروف، لا نجد فلسفة أفضل من الرواقية نلجأ إليها ونبحث عبر ما كتبه فلاسفتها عن إجابة لسؤال: وسط المِحَن والآلام، كيف نعيش حياتنا بالشكل الأمثل؟

  

الفلسفة كترياق

لم تكن المعاناة بغريبة عن الفلاسفة الرواقيين، فزينون مؤسس الرواقية ركب ذات يوم على متن سفينة تحطّمت وتحطّم معها كل ما يملك، وسينيكا الفيلسوف الروماني وجد نفسه لعبة في يد حُكّام الرومان، تعرّض للنفي والعزل ثماني سنوات، وبعد أن نال رضا الإمبراطور جعله معلما لابنه. لكن ذلك الابن لم يكن سوى الحاكم الأكثر نزقا وجنونا في تاريخ روما، نيرون، والذي لم يجد غضاضة حين كبر في أن يأمر معلمه سينيكا بأن يقتل نفسه، وهو ما امتثل له الفيلسوف.
  

أما ماركوس أوريليوس، الإمبراطور الروماني الأكثر عدلا ورحمة والفيلسوف الرواقي الشهير، فقد مات سبعة من أبنائه وهم بعد أطفال، وساد على البلاد في فترة وُسِمت بالاضطرابات وانفجر فيها وباء الطاعون. وبالنسبة لإبيكتوتس، أحد أعظم وأهم الفلاسفة الرواقيين، فقد وُلِدَ عبدا مملوكا لغيره وتعرّض في هذا لشتى أنواع الإهانة، نعرف منها أن سيده ضربه في إحدى المرات على ساقه بعنف، وعاش نتيجة لهذا ما بقي من عمره أعرجَ(1).

   

الإمبراطور ماركوس أوريليوس (مواقع التواصل)

    

أمام كل تلك المعاناة، لجأ أولئك الرجال إلى الفلسفة ووجدوا فيها ملاذهم وراحتهم. فلم تكن الفلسفة بالنسبة لهم دراسة نظرية منبتّة الصلة عن الحياة، بل كانت بمنزلة الضوء الذي يستعينون به في عتمة الروح؛ فشبّه ماركوس أوريليوس الفلسفة في مذكراته بالدواء الذي يُطيّب الألم(2)، وصوّرها إبيكتوتس بالمشفى الذي يلجأ إليه المريض ليتداوى(3). ومن كل دروس الفلسفة الرواقية، كان الدرس الأهم الذي أعانهم على مواجهة تقلبات القدر ومآسي الحياة هو الآتي: لا تربط سعادتك وسلامك النفسي بالعالم الخارجي الذي لا تملك من أمره شيئا. 

    

خطورة أن تُعلِّق سعادتك على أسباب خارجية

ترتبط الصورة النمطية للسعادة في أذهان الكثير منّا ببيت جميل وحساب بنكي عامر بالنقود وجسد معافى وأحباء يحيطون بنا وحياة تقف بمنأى عن الألم والمعاناة. مثل تلك الحياة ستكون جميلة أغلب الظن، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في كون كل العناصر التي تكوّنها -الثراء، الصحة، الحب- هي ببساطة أشياء لا نملك التحكم فيها. فقد تستيقظ غدا لتجد أن ثروتك ما عاد لها قيمة نتيجة لتقلب في أسعار العملات، أو تفقدها كلها في البورصة، قد تصاب فجأة بمرض عضال يسلبك صحتك، قد يرحل عنك مَن تحبهم دون سابق إنذار. 

 

وحتى في حالة احتفاظك بكل هذا، فأنت لا بد خبرت من تقلبات القدر فيما سبق ما يجعلك على يقين ألا شيء يدوم، وأن كل ما تتمتع به قد يختفي في غمضة عين. ومن ثم ستداخلك أشباح القلق من حين إلى حين، سترسم لك كل السيناريوهات السيئة الممكنة لفقدانك كل تلك الأشياء أو بعض منها. ستصير مشتّت النفس موزّع البال، لا تنعم بالراحة الداخلية حتى في وجود كل ما تريد. 

  

رسم من العصور الوسطى يصوّر "عجلة القدر" التي لا تترك شيئا على حاله (مواقع التواصل)

   

أو ربما أنت لا تملك من الأساس ذاك البيت الجميل والثروة الطائلة، ربما صحتك ليست على ما يرام، ربما لم تجد بعد مَن يحبك وتحبه. هل معنى هذا أن عليك أن تعيش تعيسا؟ بما أنك تربط سعادتك بتلك الأسباب الخارجية، فنعم، لن تنعم بالسعادة في غيابها، وحتى إن حظيت عليها، فكما رأينا، أنت لا تملك التحكم فيها وقد تفقدها بكل سهولة في أي لحظة، ومن ثم سيداخلك القلق حتى في وجودها، والأسى إن فقدتها. أهكذا هي السعادة؟ بالنسبة للرواقيين، ربطك لسعادتك بأسباب خارجية ليس سوى الطريقة المثلى لتعيش حياة يملؤها البؤس والقلق. 

   

قسّم الرواقيون كل شيء في هذه الحياة إلى قسمين، أشياء تستطيع التحكم فيها، وأشياء لا تملك من أمرها شيئا. من الأشياء التي لا تستطيع التحكم فيها، وفقا لابيكتوتس في كتابه "المختصر": "أبدانُنا وأملاكُنا وسُمعتنا ومناصبُنا، وبالجملة كلُّ ما ليس من عملنا وصنيعنا". وكل ما ليس في يدك ولا تستطيع السيطرة عليه "هي أشياء هشَّة وعبودية وعُرضة للمنع وأمرُها موكول لغيرنا". ومن ثم يصير من الحماقة أن تربط سلامك النفسي بمثل تلك الأشياء(4).

    

الفيلسوف الروماني إبيكتوتس (مواقع التواصل)

   

يكتب عن هذا الطبيب النفسي عادل مصطفى: "إذا كانت السعادة هي مطمح الناس جميعا، فإن من يُعلِّق سعادته على الظروف الخارجية سيعيش مُرتهَنا لتقلُّبات الزمن، تتقاذَفه الأحداث وتتناهَشه المخاوف والوساوس، فيكون فريسة للشرور الخارجية كالفقر والمرض والإهانة والأذى، ولِلشرور الداخلية كالجزع والفزع والرعب والحزن والشك والندم"(5).

  

ما يقوله الرواقيون ببساطة إنك مهما فعلت فلن تستطيع السيطرة على القدر وتقلبات الحياة، وكل القلق الذي تصبّه عليك نفسك وكل الحرص على الاحتفاظ بما تحب لن ينفعاك في شيء، فأنت في النهاية محض إنسان عاجز لا يملك من أمره سوى القليل، ولن تنال من هذا الحرص وذاك القلق سوى الشقاء والتعب. على العكس، يجد سينيكا الطريق الوحيد إلى السعادة هو "أن تكف عن القلق حيال ما لا تستطيع من أمره شيئا"(6). إذا كانت السعادة لا تكمن إذن في الأسباب الخارجية، فأين توجد؟   

  

المكان الوحيد للسعادة الحقّة

"ليس ثَمَّةَ شيء حسن أو قبيح، بل الفكر هو الذي يجعله كذلك"

(هاملت، شكسبير)

   

وفقا للرواقيين، السعادة الحقّة مكانها داخل ذاتك. فذاتك، أفكارك ونوازعك ورغباتك، هي الشيء الوحيد في هذه الحياة الذي تستطيع السيطرة عليه سيطرة تامة، وتستطيع ببعض الجهد والمران أن تجعلها مكانا يعمّه الراحة والهدوء مهما أصابك القدر من تقلبات. مرة تلو الأخرى، يشبّه ماركوس أوريليوس في مذكراته التي كتبها ونُشِرت بعد موته تحت اسم "التأملات" الذاتَ بحصن منيع يلتجئ إليه المرء من عواصف العالم الخارجي، وتصير في هذا أفضل ملاذ، يكتب: "إنهم يبحثون عن منتجعات لهم؛ في الريف، على البحر، على التلال، وأنت بصفة خاصة عُرضة لهذه الرغبة المشبوبة، ولكن هذا من شيم الطَّغَام؛ فما زال بإمكانك كلما شِئتَ ملاذا أن تطلُبه في نفسك التي بين جنبَيك؛ فليس في العالم موضع أكثر هدوء ولا أبعد عن الاضطراب مما يجد المرء حين يخلو إلى نفسه، وبخاصة إذا كانت نفسه ثَرية بالخواطر التي إذا أَظلَّته غَمرَته بالسكينة التامة والفورية"(7).

  

 

  

فذاتك إن كانت مليئة بالاضطرابات وتنطوي على غضب على الحياة والقدر وسخط عليهما، فلن تجد الهدوء في أي مكان. وعلى العكس، إن ملأتها بأفكار تساعدك على التعايش وتقبل قدرك كما هو، فستقدر على إيجاد شيء من العزاء والسكينة حتى في أحلك الظروف. فالنفس الإنسانية عند الرواقيين هي كون قائم بذاته، وللأفكار التي تجري فيها القدرة على تحديد الطريقة التي نتلقّى بها ما يجري في الحياة. فما تشعر به من أسى وسخط وألم يصير مردّه لا إلى العالم الخارجي وأحداثه التي لا تملك من أمرها شيئا، بل إلى ذاتك نفسها والكيفية التي تُفسِّر بها ما يحدث وتحكم عليه. 

    

فوفقا للرواقيين، ما يُعيينا ليس ما يحدث لنا في الحياة، بل ما نطلقه من أحكام. يقول ماركوس أوريليوس: "إن كان بك كرب من شيء خارجي، فإن ما يكربك ليس الشيء نفسه، بل رأيك عن الشيء، وبوسعك أن تمحو هذا الرأي الآن"، ويكتب إبيكتوتس: "ليست الأشياء ما يُكرِبُ الناس ولكن أحكامُهم عن الأشياء. لذا فعندما ينتابنا الإحباط أو الاضطراب أو الحزن فإن علينا ألَّا نلوم غير أنفسنا؛ أعني غير أحكامنا نحن"، وهي الفكرة المحورية نفسها التي سيبني عليها بعدها بألفي عام عالم النفس ألبرت إليس مدرسة العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy)، أشهر مدارس العلاج النفسي في الوقت الحالي(8).

 

ومن هنا، أنت لا تصير تعيسا عندما يُصيبك المرض لأن المرض في حد ذاته شيء سيئ، بل لأنك حكمت عليه بكونه سيئا. فوفقا لماركوس أوريليوس، "الأشياء في حد ذاتها خاملة، وإنما نحن الذين نُنتج الأحكام عنها ونطبعها في عقولنا"(9). فالمرض بالنسبة للرواقيين لا يعدو كونه جزءا طبيعيا من الحياة سيقع لنا لا محالة، ولا فائدة من مقاومته، على العكس، فالشقاء كل الشقاء يوجد في رغبتك أن تقاوم ما لا تملك السيطرة عليه، أو كما يكتب إبيكتوتس: "أن تحاول أن تجتنب المرض أو الموت أو الفقر سوف تعرِّضُ نفسك للشقاء"، ومن ثم فالتصرف الحكيم هنا هو أن نتوقف عن إطلاق الأحكام، ونتقبل ما يقع لنا بنفس راضية(10).

 

فلا المرض ولا الفقر ولا الموت في حد ذاتها شرور، الشر الحقيقي يكمن في عقلنا الذي يراها كذلك. فالنفس الحكيمة تتقبل ما يحدث برضا، ولا تجزع من المصاعب، ولا يخدعها ما تخبره حينا من الوقت من نعيم وتظن أنها ستحيا أبد الدهر في متعة وحبور، بل توطّن نفسها على حقيقة كون التغيير هو الثابت الوحيد في الحياة، وأن ذلك التغيير لن يأتي دائما في مصلحتها، وتستعد لذلك. 

   

يرى الرواقيون المرض والمعاناة جزءا طبيعيا من الحياة (مواقع التواصل)

    

يقول ماركوس أوريليوس: "العين السليمة ينبغي أن ترى كل ما هو قابل للرؤية ولا تقول "أريد الأشياء الخضراء فقط"، فهذا حال عين مريضة، والسمع السليم والشم السليم يجب أن يكون مُؤهَّلا لإدراك كل ما يمكن أن يُسمع أو يُشم، والمعدة السليمة ينبغي أن تتقبل كلَّ الطعام بالطريقة نفسها التي تتقبل بها الطاحونة كل ما صُنِعَت لطحنه، وكذلك العقل السليم ينبغي أن يكون مستعدّا لكل الاحتمالات"(11).

   

وبما أن المعاناة تحدث لا محالة، يرى الفلاسفة الرواقيون أنه بدلا من إهدار طاقتك في الأفكار السوداوية حين وقوع البلاء، وبدلا من تبديد سلامك النفسي في السخط على ما وقع وأنت لا تملك تغييره، فالأكثر حكمة هو أن تفعل ما تقدر عليه حقا، وهو التأقلم مع أيٍّ مما يجري. يكتب ماركوس: "أغصان شائكة في الطريق؟ تنحَّ عنها. هذا كل ما يلزمك، ولا داعي لأن تسأل "ولماذا جُعلَت مثلُ هذه الأشياء في العالم؟" فهذا سؤال مُضحِك عند دارسِ الطبيعة، مثلما يضحك عليك النجَّار أو الإسكاف إذا رآك تستاء لمنظر قُشارة أو قُصاصات، متخلفة عن عملهما، على أرض الورشة"(12).

  

الوقوع في حب القدر

حتى الموت، أكثر ما يخشاه البشر ويهابونه، لم يكن بالنسبة للرواقيين سوى تغير طبيعي وجزء لا مفر منه من الحياة، "فمثلما نشب ونشيخ، ومثلما نكبر وننضج، وتنمو أسناننا ولحانا وشعرنا الرمادي، ومثلما نتزوج وننجب، كذلك نموت ونتحلل، فمَن أَلِف التفكير والتعقُّل لا يجزع من الموت ولا يبتئس له ولا ينفر منه، بل ينتظره كما ينتظر فعلا من أفعال الطبيعة"(13).

 

فيرى أوريليوس أننا سبق وخبرنا الموت، على الأقل بشكل مجازي، من قبل عشرات المرات: "تحوَّل الآن إلى أطوار حياتك؛ الطفولة مثلا، ثم المراهقة، الشباب، الشيخوخة. هنا أيضا كل تغيُّر هو موت (المرحلة): هل ثَمَّةَ شيء مخيف؟ وتحوَّل الآن إلى حياتك مع جدِّك، ثم مع أمك، ثم مع أبيك. وحيثما وَجدتَ أمثلة أخرى عديدة للتحلل أو التغير أو الانتهاء فاسأل نفسك هل كان ثَمَّةَ أي شيء يدعو إلى الخوف؟"(14).

       

لوحة موت سينيكا، مانويل دومينكوس رودريجوز (مواقع التواصل)

      

تواتر ذكر الموت في كتابات الرواقيين، فبصفته أكثر ما يهابه البشر، يصير التحرر من مهابته هو الانعتاق الأقصى من الخوف، المسبب الأول لتعاستنا على هذه الأرض. يذهب الرواقيون خطوة أبعد، يرون أنه حتى تصل إلى السعادة القصوى عليك عوضا عن مقاومة قدرك أن تقع في حبه، "ألا تطلب من الأشياء أن تجري مثلما تريد، بل اطلب أن تجري الأشياء مثلما تجري، وبذلك تمضي حياتك في سكينة وسلام"، "ألا تُحبَّ إلَّا ما ألَمَّ بك ونُسِج لكَ من خيط مصيرك، فلا شيء أنسب لك من هذا"(15).

   

بلور هذا المعنى الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه بعدها بطريقته الخاصة تحت مفهوم "عشق القدر" (Amor Fati)، يقول: "وصفتي لوصول الإنسان للعظمة هي "حب القدر"، ألّا يريد المرء لشيء أن يتغير، لا في الماضي، ولا في المستقبل، ولا في الأبدية بأكملها"(16). إن استطعت أن تصل إلى تلك المرحلة من التعايش مع الحياة بحيث لا تتقبل قدرك فقط على مضض بل تقع في حبه، فلا شيء سيقدر أن يعكر ما سيعم روحك من سلام، وحينها ستخبر السعادة الحقّة، السعادة المتحررة من الأسباب الأرضية، غير المرتهنة لنزوات القدر وتقلبات الحياة. 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ليست موضوعات الفلسفة بالسهلة للقارئ المبتدئ، فغالبا ما تنطوي كتبها عن كتابات قد تحتاج قراءة عميقة بهدوء وترو، إليك في التقرير دليل مبسط لكيفية تناول كتب الفلسفة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة