التفكير مع وائل حلاق: هل الدولة المستحيلة.. مستحيلة حقا؟

ميدان – التفكير مع وائل حلاق.. هل الدولة المستحيلة.. مستحيلة حقا؟
اضغط للاستماع

    

في وقت كانت الموجة الأولى من الربيع العربي وما استتبعته من تعديلات دستورية في عدة دول عربية وما حصل من سجالات حول موقع الإسلام أو الشريعة من هذه التعديلات الدستورية ومن الدولة عموما والصراعات السياسية والأيديولوجية بين التيارات الفكرية والسياسية العربية الإسلامية والعلمانية، ما زالت قائمة أو -على الأقل- ماثلة في الأذهان وحاضرة في السجال العام، في هذا الوقت المفصلّي في التاريخ العربي الحاضر، صدرت الترجمة العربية لكتاب "الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي" عام ٢٠١٤، ولعَلّ هذا المَلحَظ حول التوقيت غير ذي أهمية عند مؤلف الكتاب الذي أصدره في سياق اشتغاله الأكاديمي العام بتاريخ الشريعة، وهو الاشتغال الذي أنتج أعمالا سبقت هذا الكتاب وتلته.   

      

لكن كتابه الأهم: "الشريعة: النظرية والممارسة والتحولات" الذي سبق "الدولة المستحيلة" في الإنجليزية، والذي يُشكِّل الأخير فرعا عنه واستكمالا له، لم يكن قد صدر بعد بالعربية حين صدر كتاب "الدولة المستحيلة"، وبهذا فقد الكتاب في النقاش العربي حوله أصلا مهمّا. لكن هذا السياق الذي يختلف أشد الاختلاف عن سياق صدور الأصل الإنجليزي، حدَّد طبيعة الاستقبال العربي للكتاب بشكل كبير في الإطار العام للصراعات السياسية والأيديولوجية التي سادت العالم العربي في هذا التوقيت؛ فهوجم الكتاب وانتُقد، أو أُثني عليه ومُدح، أو دُلِّس عليه وعلى مؤلِّفه استنادا إلى طغيان الموقف القَبْلِي من هذه الصراعات بشكل أساسي، دون التعرض غالبا لصلب أطروحته النظرية وأُطره الحاكمة أو محاكمتها وانتقادها؛ فتركّزت النقود التي قُدِّمت على بعض قشور الكتاب ونتائجه دون التعرض لصلب أطروحته كما أسلفنا.

    
   
     
يُصرِّح حلَّاق في أول الكتاب بفكرته الأساسية الشهيرة، وهي استحالة مفهوم الدولة الإسلامية وتناقضه منطقيا، ثم ينطلق بعد ذلك في الإبانة عن وجوه تلك الاستحالة وذلك التناقض في أطروحة متينة عبر فصول الكتاب السبعة. والمتانة لا تعني الصحة دوما بقدر ما تعني جودة السَّبْك وقوة الحُجج. فهل "الدولة الإسلامية" مستحيلة فعلا كما يذهب حلَّاق؟ أم أن السؤال نفسه خطأ؟ هذا هو ما تتغيا هذه المادة، المقسّمة لجزأيَن، ليس إيفاءه جوابه الكامل؛ لأن إجابة أسئلة من هذا النوع تبقى إشكالية بقدر إشكالية الأسئلة نفسه، ولكن فهمه وفحص مدى صحته من عدمها، انطلاقا من التفكير مع حلَّاق وضده في الوقت نفسه.
      
وغنيّ عن البيان أن هذه المادة لا تزعم الإحاطة بمصادر حلَّاق النظرية والتاريخية كافة، فضلا عن الإحاطة بأعمال حلَّاق جميعها، لكن التركيز بشكل أساسي سيكون على كتاب "الدولة المستحيلة" وبدرجة أقل الشريعة، بوصفهما الحلقتين المتتاليتين في أعماله اللتين لهما اتصال مباشر بموضوع هذه المادة.
        
(1) التفكير مع حلَّاق؟
يبتدئ وائل حلَّاق دراسته المعنونة: "ما هي الشريعة؟"(1) بإشكالية لسانية يسميها إشكالية "التمثيل اللساني"، وهي إشكالية نشأت عن معضلة كان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844-1900) قد أشار إليها، وهي معضلة "تقنين اللغة"(أ). يذهب نيتشه إلى أن اللغة هي التي تُرسي "القوانين الأولى للحقيقة"، فالمفهوم ليس كلمة تُعبِّر عن جوهر ما، وإنما هي كلمة تُعبِّر عن الشيء المشترك بين مجموعة أشياء، في مقابل طمس الاختلافات الموجودة بينها جميعا. ويُمثِّل نيتشه لهذه الفكرة بمفهوم "الورقة" الذي يُحيل إلى كل جنس الورق، فيتغاضى عن كمٍّ لا يُحصى من الاختلافات بين تلك الأوراق كالحجم واللون والرائحة والشكل. وعند نيتشه فإن الإنسان يلجأ إلى صناعة المفاهيم؛ لأنه لا يقوى على ملاقاة كل هذا التنوع والتغير من حوله، المفهوم فيه اختزال للأشياء ومن ثم يمنحه شعورا بالمعرفة والاطمئنان. المفهوم -إذن- ضرب من التقنين؛ "تقنين اللغة".
     
وائل حلاق (الأناضول)
  
يصوغ حلَّاق هذه الفكرة للدلالة على البُعد التاريخي الملتبس لمفاهيم ثلاثة شكَّلت رؤية المسلمين المحدَثين للعلاقة بين الشريعة والدولة [الحديثة]: قانون – إصلاح – ديني. ويذهب حلَّاق إلى أن الاستعمال المحدَث لتلك المفاهيم الثلاثة يُحيل دائما إلى التجربة التاريخية الغربية المصوغة أساسا عبر اللغة الإنجليزية الحديثة؛ فمفهوم "القانون" يُحيل إلى البنية المفاهيمية لقانون الدولة الحديثة القائم على مبدأ المراقبة والمعاقبة، ويتجاهل تاريخ الشريعة الإسلامية الذي يمزج بين الأخلاقي والقانوني، ومفهوم "الإصلاح" محمَّل بحمولة أيديولوجية وسياسية عن فشل الشريعة وحاجتها إلى الإصلاح.
   
وأخيرا فمفهوم "ديني" يُقدَّم بوصفه نقيضا للعقلانية والعلمانية، ويتجاهل السياقات الاجتماعية التي أدّت الشريعة فيها وظيفتها، ومعنى "الديني" عند القائمين عليها. والحال أنه عند حلَّاق فإن جهازنا المفاهيمي بحاجة إلى المراجعة، في سبيل الإحاطة بجينالوجيا مفاهيمنا الأساسية وتاريخها من وجهة تشكُّلها في التاريخ خطابا وممارسة. وبالتالي فإن محاولة حلَّاق هنا هي لتبيُّن جينالوجيا اصطلاحي الشريعة والدولة، ولتخليص مفهوم الشريعة في وعينا الحديث مما علق به من ظلال العسف اللغوي عبر اختزالها إلى مفردة "قانون" الحديثة من جهة، واستكشاف السيرورة التاريخية التي تحوَّلت من خلالها "الشريعة" إلى "قانون" من جهة أخرى.
   
للقيام بهذا يستعير حلَّاق في الفصل الأول من "الدولة المستحيلة" إطارا نظريّا تأريخيّا سبق وأن قدمه منظِّر ألماني آخر هو كارل شميت (1888-1985)، أطلق عليه نظرية النطاقات المركزية(2). يذهب شميت إلى أن العقلية الأوروبية تحرَّكت، خلال القرون الأربعة الأخيرة، بين أربعة نطاقات مركزية رئيسة، هي الروحي، ثم الميتافيزيقي، فالاقتصادي، ثم التقني؛ نُظر من خلالها إلى الواقع، وترتّبت عبرها مشكلاته وحلولها في أذهان النُّخب الأوروبية المتسيّدة. هذه النطاقات المركزية عند شميت تُشكِّل نوعا من المعرفة القبلية، أي إنها كانت بمنزلة إطار للنظر في المعرفة التي أنتجتها العقلية الأوروبية على مدى القرون الأربعة الأخيرة.
     

 كارل شميت (مواقع التواصل)
    
ويرى شميت كذلك أنه ما إن يصبح نطاق ما مركزيا فإن جميع المشكلات تُعرَّف وتترتَّب أهميتها في إطاره، وتُحَلُّ من خلاله. ويُمثِّل شميت لهذه الفكرة سوسيولوجيّا من خلال فحص مفهوم الكاهن، أو ما يسميه "ممثل الروح في الفضاء العام". هذه الظاهرة النمطية التي تتحدّد خصوصيتها النوعية في كل قرن من تلك القرون الأربعة من زاوية النطاق المركزي المتسيِّد. فحينما كان النطاق المركزي روحيّا كان "ممثل الروح في الفضاء العام" لاهوتيّا، وانتظمت مشكلات الواقع وكذلك حلولها بوصفها مشكلات لاهوتية أو أخلاقية.
    
ولمَّا أصبح النطاق المركزي ميتافيزيقيا ظهر عالِم الطبيعة النسقي، بوصفه معبِّرا عن القيمة المركزية في هذا النطاق المركزي الجديد، وانتظمت مشكلات الواقع وحلولها بوصفها مشكلات في فهم النسق الطبيعي الذي يتكوّن منه هذا العالم وموقع الإنسان منه، وحينما أصبح النطاق المركزي اقتصاديّا ظهر المفكر الاقتصادي (يُمثِّل له بماركس في القرن التاسع عشر)، وهكذا.
   
على أن حلَّاق لا يكتفي هنا باستعارة هذا الإطار النظري من شميت، بل ينقده ويُدخل عليه تعديلا جوهريا، اعتمادا على الإطار النظري الذي تُقدِّمه "أركيولوجيا الخطاب" عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984). يرى شميت أن تسيُّد نطاق مركزي في ثقافة ما لا يعني عدم وجود نطاقات أخرى داخل الثقافة نفسها يصفها بالثانوية، لكنه يفصل بين هذين الصنفين من النطاقات تماما؛ بحيث يُلغي وجوده وجودها، في حين يرى حلَّاق -اعتمادا على فوكو- أن العلاقة بين النطاقات المركزية والهامشية علاقة جدلية، وبالتالي فإن تحديد نطاق ما في ثقافة ما بوصفه نطاقها المركزي لا يعني بالضرورة إلغاء فاعلية النطاقات الأخرى (الثانوية) داخل الثقافة نفسها؛ لأن تحديد هذا النطاق ينبني على تصور ما عن تحديد هذه الثقافة لقيمة معينة أو مجموعة قيم تبدو أكثر أهمية في هذا النطاق منها في نطاقات أخرى.
   

ميشيل فوكو (مواقع التواصل)

     

لكن تلك القيمة لا بد لها أن تتخلل بالضرورة النطاقات الثانوية التي تنتُج عن هذه القيمة وتُنتِجها في الوقت نفسه. وعلى هذا فإن تسيُّد نطاق مركزي ما -عند حلَّاق- لا يعني تهميش مشكلات النطاقات المركزية الأخرى أو تجاهلها، بل حلّها في إطار هذا النطاق المركزي. فلو افترضنا تسيد الاقتصادي بوصفه نطاقا مركزيّا، كما يفترض إيمانويل ڤالرشتاين(3) في مقاربته للنسق العالمي الحديث على سبيل المثال، فإن الإشكالات الدينية والروحية لا تختفي تماما، بل يتبدل موقعها وتتغير رتبتها، ويُنظر إلى حلولها في إطار هذا النطاق المركزي، بما يُعيد إنتاجه ويؤكد هيمنته. تكمن أهمية النموذج عند حلَّاق -إذن- في قدرته على الكشف عن "القوى المحركة" في الأنظمة والعلاقات والبنى المفهومية، أي تصورات جماعة بشرية معينة في لحظة تاريخية محددة لواقعها ومشكلاته وحلولها. ويدمج حلَّاق هنا بمفهوم شميت عن النطاق المركزي مفهوم فوكو عن "نظام الاشياء"؛ إذ يرى أن هذه القوى والأنظمة تعطي "نظاما [معيَّنا] للأشياء". 
     
نلحَظ هنا استعمالا مزدوجا من جانب حلَّاق لشميت وفوكو معا، لا يذهب فيه حلَّاق مع أحدهما إلى نهاية الخط الممتد لإطاره النظري. فهو يقبل من شميت القول بوجود نوع من المعرفة القبلية تُشكِّل إطارا حضاريّا شاملا لثقافة ما في لحظة تاريخية معينة، لكنه، تجنُّبا لحتمية المسار التي يفرضها نموذج شميت وشحنه المركَّز لجميع القوى التاريخية الفاعلة وصولا إلى مفهومه الشهير للسياسي، يستعين بأركيولوجيا خطاب فوكو لتوضيح العلاقة بين المعرفة التي ينتجها النطاق المركزي ومعارف النطاقات الثانوية.
   
مع ذلك فهو يأخذ على فوكو تركيزه على السلطة بوصفها منتِجا أوحدَ للمعرفة في النطاقات المركزية والثانوية معا، وتغييبه للذات الإنسانية الفاعلة بوصفها منتِجا للمعرفة، ويعود عند هذه النقطة إلى شميت الذي يؤكد بقوة إنسانية هذه المعرفة، ووجود الذات الإنسانية الفاعلة فرديّا واجتماعيّا. ويتجلى "النموذج" -أشد ما يتجلّى- بوصفه إطارا نظريّا لحلاق في اعتماده على عمل الفيلسوف الراديكالي الإيطالي جورجو أغامبن (1942-…): (The Segnature of all things: on method) [بالعربية: "في المنهج: بصمة الأشياء كلها"]؛ إذ ينطوي البحث عن المنهج في هذا الكتاب عند أغامبن على يقظة أركيولوجية: شكل مستمر من التفكير من أجل فضح ودراسة وتوضيح ما هو غامض وغير مُحلَّل. 
  
كتاب "في المنهج: بصمة الأشياء كلها" للفيلسوف الراديكالي الإيطالي جورجو أغامبن (مواقع التواصل)
    
أن تكون مفكرا نماذجيّا عند أغامبن يعني أن تعود إلى الحدث المؤسِّس، الذي هو نزول الوحي في الحالة الإسلامية كما يعيها حلاَّق. تعني العودة إلى الحدث المؤسس عند أغامبن استخراج الرؤية الأصلية المؤسِّسة ليس فقط للعالم، بل وللعلم، أي النظرة إلى العالم. ولذلك لم يكن غريبا أن يصدر حلَّاق الفصل الأول باقتباس من أغامبن يصف فيه معنى أن تكون حالة ما نموذجية.
  
ولئن كان نطاق شميت المركزي وأركيولوجيا فوكو ونموذج أغامبن عناصر التوليفة النظرية الأساسية التي استند إليها حلَّاق في صنع نموذج يتغيَّا الإحاطة بماهية "الشريعة" في العصور ما قبل الحديثة، فإنه لا يكتفي بهما؛ ذلك أنه يعلم يقينا أن محاولته استعادة "العصور الوسطى" المسلمة بوصفها إرثا تاريخيّا إنسانيّا صالحا للإحياء في بعض جوانبه، بل وقد يحمل في طياته علاجا ناجعا لإشكالات الحداثة المستعصية، سيجابَه برفض غريزي من معتنقي عقيدة التقدم التاريخي.
   
وهنا يأتي دور العنصر الثالث في توليفة حلَّاق؛ عنصر نسميه "الدرع"، وهو درع ذو وجه مزدوج داخلي وخارجي؛ الوجه الداخلي يستعمل فيه حلَّاق إرث النقد اليساري الغربي للحداثة، وبعض ما أنتجته مدرسة ما بعد الحداثة في السياق نفسه، ويضيف إليه -حين يتحدث عن الدول المسلمة ما بعد الكولونيالية- إرث النقد السعيدي الفوكوي مُتمثِّلا في مذهب ما بعد الكولونيالية، مشيرا -على سبيل المثال- إلى تحليل جوزيف مسعد(4) المعمَّق لإنتاج الهوية الأردنية الحديثة استعماريّا، وامتناعها عن مساءلة ومراجعة أنماط الحكم الكولونيالي والمفاهيم الأساسية للإبستمولوجيا الكولونيالية، باستثناء مكانتها هي فيها، ما كان يعني تخليها عن فاعليتها لصالح القانون والضبط الكولونياليين.
  
لكن حلَّاق يعلم أيضا أن هذا الوجه الفوكوي النيتشوي في أصوله المنهجية لن يسعفه كثيرا في دعم أطروحة الأخلاق بوصفها نطاقا مركزيّا للشريعة، كما أن الوجه الخارجي للدرع يجب أن يكون أقوى وأمتن وأشد تحملا للضربات، وهنا يأتي دور الميتافيزيقي الفرنسي رينيه جينو (عبد الواحد يحيى بعد إسلامه) (1886-1951). في عام ١٩٢٤ نشر جينو كتابه الشهير "الشرق والغرب"(5)، وضمَّن الفصل الأول منه نقدا حادّا لعقيدة التقدم الغربية الحديثة، اعتمادا على رفضه لمسارها المادي المحض، وما رأى أنه "شذوذها البيِّن على صفحة التاريخ" نسبة للحضارات الإنسانية الأخرى التي نعرفها. لكن تأثر حلَّاق بجينو عموما أعمق من مجرد استعارته نقده لعقيدة التقدم، واستعماله ذلك النقد درعا لتوليفته النظرية بين شميت وفوكو وأغامبن سالفة الذكر.
   
كتاب "الشرق والغرب" للكاتب رينيه جينو "عبد الواحد يحيى" بعد إسلامه  (مواقع التواصل)

         

والحقُّ أن الصلات بين شميت وجينو أعمق من تلك التي بينهما وبين فوكو، ولكلٍّ منهم استعماله في توليفته حلَّاق النظرية [خصص حلَّاق فصلا كاملا لجينو في كتابه "قصور الاستشراق" الذي تلا كتاب "الدولة المستحيلة"، استعمل فيه أفكار جينو في نقد ما وصفه بعلمانية إدوارد سعيد وإنسانويته الليبرالية]. وسنرى، في الموضع المناسب، كيف أن لطرح جينو وجهين يقوِّي أحدهما أطروحة حلَّاق، بينما قد يضعفها وجهه الآخر، لكن الشاهد هنا أن حلَّاق -كما أسلفنا- يكاد ينقل جمل جينو التي كتبها قبل ما يقرب من مئة عام في نقد تلك العقيدة التي وسمت رؤية العلم الغربي لنفسه وللعالم، ويستعملها درعا للدفاع عن إطاره النظري(ب).
  
ولعله يجدر بنا هنا أن نلتفت قليلا إلى مواضع تأثر حلَّاق بجينو، وهي متعددة، لكننا سنُركِّز هنا موضع ظاهر الصلة بموضوعنا وهو نقد جينو للديمقراطية الحديثة. إن نقد الديمقراطية الحديثة مبثوث في مواضع متعددة من كتاب "الدولة المستحيلة"، كما أنه نقد يشترك فيه معهما كارل شميت وإن اختلفت المنطلقات والتناول. في عام 1923 نشر شميت كتابه "أزمة البرلمانات"(6)، وضمَّنه كالعادة نقدا عميقا للديمقراطية الليبرالية الحديثة ممثَّلة في مؤسسة البرلمان. لكن تأثيره في حلَّاق يظهر أكثر ما يظهر في نقده لبعض مبادئ النظام البرلماني، ومنها تقسيم السلطات (موازنتها).
   
يذهب شميت إلى أن الإيمان بالرأي العام يقترن، في ظل النظام البرلماني الحديث، برؤية ثانية ذات طابع تنظيمي هي تقسيم أو موازنة نشاطات ومؤسسات الدولة. ويسخر شميت من تلك الرؤية بطريقته الخاصة؛ إذ يقول إن هذا يبرز فكرة المنافسة، "المنافسة التي ستَخْرُج الحقيقةُ من رحمها". في هذا الكتاب يهاجم شميت البرلمانية على مستوى حدسها التنويري-الليبرالي والمتجسد في معالمها البنيوية الأساسية، كالإيمان بالنقاش العقلاني وما يلزم عنه من معيار الانفتاح (الفضاء العام) وفصل السلطات، من حيث هي شروط تفتّحِ العقل والحقيقة، والتي تتباين عن الحقيقة الميتافيزيقية بأنها ما يتحصّل عن النقاش فحسب.
 
وهو إذ يشير إلى أنه "وبسبب الأهمية الحاسمة للانفتاح، وخصوصا قوة الرأي العام في الفكر الليبرالي؛ يبدو أن الليبرالية والديمقراطية متطابقتان"، فإن الأمر يختلف كليّا إزاء نظرية تقسيم السلطات التي يبرز منها رفض الليبرالية لمبدأ السيادة وتركيز سلطة القرار في مرجعية معينة حتى لو كان ذلك نتيجة مطلب شعبي(7). ويتفق جينو مع شميت -دون سابق معرفة أو اتصال- في نقد الاكتفاء الليبرالي بمجرد الانفتاح والنقاش أداة للوصول إلى "الحقيقة"، لكنه لا يكتفي بمجرد النقد ولا يترك قارئه في حيرة حول مصدرية "الحقيقة" كما يفعل شميت، ثم يفاجِئ -أي شميت- قارئه بوضعه تلك المصدرية في يد صاحب السيادة (الحاكم/الدولة) حصرا.
    

كتاب "أزمة العالم الحديث" (مواقع التواصل)
    
الحقيقة عند جينو وهبية لا كسبية؛ حيث يذهب في كتابه "أزمة العالم الحديث"(8) الذي نشره عام 1927 -استكمالا لعمله في كتاب "الشرق والغرب"- إلى أن "الحقيقة" ليست من ثمرات العقل الإنساني، وإنما هي موجودة مستقلة عنه، وليس عليه إلا أن يعرفها فحسب، فإن أصابها وإلا فليس بعد الحق إلا الضلال. والحقيقة عند جينو بما هي وهبية لا كسبية، فهي تصدر عن مركز خارج نظام الاجتماع الإنساني بأكمله، وقد سبق لجينو في كتاب "الشرق والغرب" أن قدّم نقدا لاذعا لذلك الضرب المتطرف من الشكوكية الذي أُطلق عليه في العصر الحديث "التسامح" مع جميع الأفكار؛ لأن هذا "التسامح" يعني بوضوح غيابَ المبدأ، الذي تجلّى في عدم المبالاة بتمييز الحق من الباطل.
  
ولا يبدو أن لجينو كبير اهتمام بسبر آثار هذه الفكرة الخطيرة على المجال السياسي في العصر الحديث؛ إذ ينصب اهتمامه على رصد آثار غيابها في العالم الغربي نظرا وممارسة ونقد ذلك في إطار ما يسميه "الفوضى الاجتماعية". أما طرح حلَّاق لهذه المسألة فيبدو أكثر ذكاء وتركيبية من طرحَيْ شميت وجينو معا، وإن أفاد منهما قطعا. يرى حلَّاق أن نظرية الفصل بين السلطات في الدولة القومية الحديثة قد تكون منطلقا واعدا يمكن للمسلمين من خلاله البدء في التفكير في إقامة دولة إسلامية بناء على هذا الأساس، وهي كذلك متوافقة بشكل كافٍ مع ممارسات الحكم الإسلامية ما قبل العصر الحديث. لكنه على الجانب الآخر لا يغفل عن صحة ودقة نقد شميت السيادي أو نقد جينو المعرفي لها.
  
يستعمل حلَّاق هنا نقدا لاذعا وجَّهه الفقيه القانوني النمساوي هانز كلسن (1881-1973) إلى نظرية تقاسم السلطة بناء على فشلها في التحقق بالحدِّ الأدنى من الواقعية على مستوى التطبيق في دولة القرن العشرين في الغرب عموما وفي الولايات المتحدة خصوصا. يعود حلَّاق هنا إلى ما قرّره في الفصل الثاني حول ميتافيزيقا السيادة في الدولة الحديثة بوصفها متخيّلا يخترق النظام الاجتماعي من أعلى إلى أسفل ويشد أجزاء الدولة المختلفة والمتصارعة إلى بعضها بعضا. تستند ميتافيزيقا السيادة في الدولة الحديثة بشكل أساسي إلى متخيَّل تمثيل إرادة الأمة، وعليه فإن فكرة التمثيل التي هي جوهر ميتافيزيقا السيادة الحديثة تنهض على فكرة أن الأمة التي تجسد الدولة هي وحدها صاحبة إرادتها ومصيرها. وعليه فإن من السلطات الأصيلة لهذه الدولة بوصفها ممثّلة لإرادة الأمة تشريع القوانين وتنفيذها وتفسيرها.
     

الفقيه القانوني النمساوي هانز كلسن (مواقع التواصل)
   
وإذا كانت الديمقراطية تعني، ضمن ما تعني، أن تبقى سلطة التشريع في حوزة "الأمة" مجسدة في الدولة، حتى مع انتخاب السلطة التنفيذية، فإن هذا يعني أن مبدأ تقاسم السلطات الذي تصر عليه الليبرالية بوصفه أساسا للديمقراطية ليس ديمقراطيا في ذاته؛ لأن الديمقراطية تعني أن يُهيمن الجهاز التشريعي على بقية أجهزة الدولة التنفيذية والقضائية، لا أن يتقاسم السلطة معها كما هي الحال في دولة القرن العشرين في الغرب والولايات المتحدة. يمكن القول إن هذا هو خلاصة ما ينقمه شميت وكلسن معا على مبدأ تقاسم السلطة. وهذه النقطة تحديدا هي ما ينطلق منه حلَّاق للحديث عن معنى السيادة في تجربة الحكم الإسلامي الطويلة، مع إدخال إضافة بسيطة عظيمة الدلالة هي تصور جينو لمصدرية الحقيقة المتجاوزة لنظام الاجتماع الإنساني بكامله. 
  
ولعل هذا يُفسِّر لماذا بدأ حلَّاق بالحديث عن الحكم الإسلامي عند هذه النقطة تحديدا في كتاب "الدولة المستحيلة". لم يعرف الحكم الإسلامي مسألة تقاسم السلطة لسبب بسيط، وهو أن الأمة فيه ليست مصدرا للسيادة، بل السيادة لله وحده. وبذلك فإن الهيمنة التشريعية المطلقة تكون للشريعة. لا تخترق ميتافيزيقا السيادة النظام الاجتماعي هنا من الأعلى إلى الأسفل كما هي الحال في الدولة الحديثة، فالدولة ليست مشرِّعة؛ لأن التشريع لله بما أن السيادة له. تنبني ميتافيزيقا السيادة في الحكم الإسلامي التاريخي نموذجيا من الأسفل عبر إنتاج الشريعة وإعادة إنتاجها اجتماعيا بوصفها تفاعلا تأويليا خلّاقا بين نصوص الوحي الإلهي والوقائع الاجتماعية المتغيرة.
  
لا يحدث هذا التأويل من قِبل نفسه بالطبع، بل من خلال أدوات تأويلية يتساوى جميع المؤمنين، حكاما ومحكومين، من جهة المبدأ في إمكانية فهمها وتداولها. وإذا كان الحكام والمحكومون معا على مسافة واحدة من مصدر الحقيقة، وأدوات الوصول إلى تلك الحقيقة مبذولة للجميع يعرفونها بحقها، فإن الشريعة بوصفها مستودع الحقيقة تُهيمن ديمقراطيّا وأخلاقيّا، ويبرز هنا بعدها الأخلاقي بوصفه نطاقها المركزي، وتنجو معرفتها -نماذجيا- من أدران إنتاج المعرفة والقانون سياسيّا/مصلحيّا كما تفترض ميتافيزيقا السيادة. ولا تحتاج الشريعة في هذا الإطار إلى ليبرالية الانفتاح العام وتقاسم السلطة؛ لأنها تصدر عن حقيقة مطلقة فوق المصلحة وفوق النقاش.
  
وعلى التحقيق، فقد أضعفت علمانية شميت حُجَّته؛ إذ أجبرته على توجيه نقده السليم لليبرالية إلى نقل مصدرية الحقيقة إلى صاحب السيادة (الدولة/الحاكم)(جـ). ومن جانب آخر لم ينفع إيمان جينو بوجود الحقيقة خارج نظام الاجتماع الإنساني بأكمله كثيرا في استيعاب آثار نقل هذه الفكرة الصحيحة إلى إطار ميتافيزيقا السيادة الحديثة، بما قد ينتج دولة فاشية. بينما يبدو طرح حلَّاق أكثر ذكاء وتركيبية؛ لأنه استعمل هذه النقود جميعا ليس في مجرد نقد الوضع الحديث، بل في التأسيس تاريخيّا لفهم معنى السيادة، ومنطق التشريع نماذجيّا في تجربة الحكم الإسلامي التاريخية.
     

   
نخلص مما سبق إلى عدة نتائج:
أولا: ينصب اهتمام حلَّاق أساسا على نُظم إنتاج المعرفة، قبل مآلاتها السياسية والاجتماعية، وعلى ذلك فكتاب "الدولة المستحيلة" ليس معنيّا بنقد مفهوم الدولة الإسلامية في مخيال الإسلاميين المعاصرين إلا من جهة اشتراكه في أساسيات التصور العام للدولة الحديثة، التي دلّل حلَّاق ليس على مجرد تباين أصولها مع أصول الشريعة، ولكن على اشتراكها مع الشريعة في بعض المناطات السيادية التي لا تجوز فيها الشراكة بين مصدرين للشرعية. (الفصول من الثاني إلى الرابع).
  
ثانيا: إذا سلّمنا بما يذهب إليه حلَّاق من موت النموذج المعرفي والمؤسسي للشريعة في العصر الحديث، فإنه لا يبقى أمامنا لمعرفة ما عنته الشريعة في العصر ما قبل الحديث سوى "النموذج" بوصفه إطارا نظريّا يكشف عن نطاقها المركزي. وتحديد هذا النموذج لا يعني بالضرورة كونه متحقّقا بكليته في واقع الممارسة التاريخية، بل يعني تحديد نطاق ما أقرّه النموذج بوصفه صوابا وما أقرّه بوصفه خاطئا، أي ما تعود إليه الممارسة لتقييم مدى مشروعيتها من عدمها.
  
ثالثا: استحالة مفهوم "الدولة الإسلامية" وتناقضه المنطقي إذن -عند حلَّاق- نتيجة، وليست سببا. وهي تنتج عنده من تحديده للنطاقين المركزيين للحداثة الغربية والشريعة، وبحثه في إمكانية تلاقيهما أو تعارضهما. 
  
رابعا: إذا سلّمنا بما يذهب إليه حلَّاق من بناء النظام المعرفي الحديث على كون المعرفة أساسا للسيطرة والحكم، فهي إذن معرفة مسيّسة في جوهرها قائمة على تصوّر قاصر عن معنى المصلحة، فإن حاجتنا في العصر الحديث إلى إيجاد نوع آخر من المعرفة أخلاقي وغير مسيّس تغدو ماسَّة، وهذا ما وجده حلَّاق في علم أصول الفقه.
   
وفي الجزء الثاني من التقرير، سنجيب عن سؤال: كيف نفكّر ضد وائل حلّاق؟
——————————————– 
هوامش:

(أ) الشكر موصول هنا للمترجم الدكتور طارق عثمان على ترجمته لهذا النص ووضعه في هامش ترجمة ما هي الشريعة؟.

(ب) وهذه المواضع متعدّدة حتى إننا لم نجد في نقلها ما يُفيد القارئ بقدر الإشارة إليها والإحالة عليها في الفصلين الأُوَل من الكتابين المذكورين: الشرق والغرب والدولة المستحيلة.

(جـ) في هذا يقول جينو بألمعية فائقة: "إن أولئك الذين يَهُبُّون حاليا لمعاداة هذه الأوضاع، دون أن يُعوِّلوا في ذلك على أي مبدأ يرجع إلى منظومة عليا، عاجزون عن علاج هذه الفوضى واقعيّا، بل لعلهم يزيدون نارَها تأريثا حين يُغِذِّون السيرَ بعيدا في الاتجاه نفسه". انظر: رينيه جينو (عبد الواحد يحيى)، أزمة العالم الحديث (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2019)، ص 163.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة