المشرق التعيس.. خمسة كتب لفهم جذور أزمة المشرق العربي

منذ انفجار مرفأ بيروت وحجم الدمار الواسع الذي تسبّب فيه للمدينة، تُلاحِقنا صور الأحياء المُهدَّمة ومحاولات انتشال الضحايا من تحت الأنقاض، والأحاديث عن تسابق الدول الأجنبية على مشاريع إعادة الإعمار، الغريب في كل هذا أن كل تلك الصور والأحاديث ليست غريبة لا عن ذاكرة لبنان ولا عما حول لبنان، من العراق وحتى مصر، أو ما يُعرف تاريخيا بالمشرق العربي، فما زالت الحرب السورية في الذاكرة، الحرب التي لم تترك مدينة كبرى أو قرية سورية شمالا وجنوبا على حالها، وصورة الخراب العميم في حلب وحماة كلها حاضرة في أذهان الجميع، وقبل ذلك كانت المدن العراقية هي مَن تُغذِّي ذاكرتنا عن الموت والدمار عشية الغزو الأميركي، ثم الحرب الأهلية الطائفية بُعيد الغزو بأعوام قليلة، وقبل ذلك كله كانت الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاما.

 

بعيدا عن التاريخ، تتجدّد الآن الاحتجاجات في العراق وحتى سوريا ولبنان نفسها ضد السلطة السياسية في كل بلد، وتقابل السلطات تلك الاحتجاجات، مثل كل احتجاج واجهته طوال تاريخها، بالقمع والسجن، بل وصل الأمر إلى التصفية والاغتيال (1)، وتأتي مُكمِّلة للمشهد أخبار الموت الآتية من سجون النظام المصري التي باتت وكأنها خبر يومي طبيعي على مواقع التواصل (2)، النظام المصري الذي منذ أعوام قليلة كان قَتْلُ المتظاهرين في الشوارع جزءا رئيسيا من تكوينه. السؤال هنا؛ لماذا باتت أخبار الموت والدمار هي العناوين الرئيسية في المشرق العربي؟ ما جذور تلك التعاسة التي تُحاصِر المشرقيين العرب، الذين كانوا قبل أقل من عقد يملؤون الشوارع والميادين يغنون للحرية والعدالة، ويبشرون بحياة جديدة في عالم جديد، كيف آلت الأمور إلى هذا القدر من التعاسة؟

 

أمام هذا السؤال نقترح خمسة كتب تاريخية-تحليلية عن تاريخ المشرق العربي، عن جذور أزمته الحالية، من جوانب عِدّة في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، خمسة كتب يمكن من خلالها الوقوف على أرضية معرفية وتاريخية صلبة في فهم أزمة الدولة والمجتمع والحداثة في المشرق العربي.

 

مَثَّلَ كتاب "المحنة العربية: الدولة ضد الأمة" حين صدوره نقلة نوعية في فهم طبيعة المأزق التاريخي الذي يُعانيه المشرق العربي، وخلافا للأطروحات الثقافية التي تختزل كل أزمات المنطقة في سبب وحيد هو التراث الإسلامي، وبالخلاف مع الأطروحات التاريخانية التي تُعلِّق كل الإحباطات والفشل على شماعة النظام الدولي والإمبريالية، يحاول أستاذ الاجتماع السياسي السوري برهان غليون أن يُقدِّم في هذا الكتاب تفسيرا جديدا لأصل القطيعة بين المجتمع والدولة، ومحوره نظرية الدولة التحديثية العربية نفسها.

 

فكرة غليون الأساسية هي أن الأزمة المشرقية تكمن في الكيفية التي تشكَّلت بها الدولة والسلطة السياسية في المشرق العربي، فهي على خلاف الدولة الحديثة النموذجية، ليست دولة وطنية (دولة-أمة)، ولا دولة ديمقراطية، أو دولة تحصين الحرية، ولكن السلطة السياسية الحديثة في المشرق العربي أداة استحدثتها وطوّرتها المجتمعات لتأخُّرها عن الحداثة، وكأداة للوصول إليها في الوقت نفسه، أي كوسيلة للثورة على المجتمع المتأخر وتثوير بناه، بسبب هذا تحديدا ظهرت الدولة العربية عبر تاريخها وكأنها في مواجهة مع المجتمع وليست تعبيرا عنه، ففي وظيفة هذه الدولة وتصوُّرها ومفهومها الأصلي عن نفسها ودورها التاريخي كدولة تحديثية تقود المجتمع إلى الأمام تكمن كل عناصر السلطة المطلقة الحديثة.

 

صدر الكتاب أول مرة في عام 2003 عن مركز دراسات الوحدة العربية، قبل أن يُعيد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات طباعته مرة أخرى.

 

بعد قيام الربيع العربي، وفي ذروة التفاؤل والأمل الذي ساد عموم النخب والمثقفين عن مستقبل المنطقة، تحدث الجميع عما قد تحمله الثورات من غدٍ جميل مُشرق، كان الكاتب اللبناني حازم صاغية منهمكا في كتابة كتابه عن الانهيار الوشيك للمشرق العربي، فبينما سادت لغة الانتصار والتفاؤل كتابات المثقفين، كان صاغية يُحذِّر لا من هزيمة الثورات العربية فحسب، بل يُبشِّر بانهيار مديد ينتظر المشرق العربي في المستقبل القريب.

 

على عكس برهان غليون، لا يحصر صاغية سبب الأزمة التاريخية للمشرق في استبداد الدولة العربية الحديثة فحسب، بل يُحمِّل المجتمعات والثقافة السياسية السائدة فيها جزءا كبيرا من المسؤولية، بحسب صاغية فإن مجتمعات المشرق العربي دخلت إلى السياسة الحديثة من باب ضيق وحيد وهو الصراع مع الآخر الغربي الاستعماري الحداثي فقط، إلا أنهم -وبالقدر نفسه- ليسوا على بيّنة مما هم عليه بالضبط كأوطان وجماعات وعلى ماذا تتركّز هويتهم الوطنية، أي ماهية شروط اجتماعهم السياسي، بمعنى أن المجتمعات العربية دخلت التاريخ الحديث وهي تُعادي التاريخ الحديث، فهي لا تعرف ما ترفضه، ولكنها أيضا لا تعرف ما تريده، شكّلت هذه النزعة الضدية ضد الغرب والحداثة مجمل الثقافة السياسية العربية الحديثة، مما ساهم في اختزال مُمكنات السياسة الحديثة إلى أضيق الحدود كالصراع مع الاستعمار وإسرائيل والممانعة ومحاربة الإمبريالية والدفاع عن الإسلام، وحرمت شعوب المشرق العربي من بناء السياسة بوصفها تسييرا لأحوال الناس ومعاشهم وقبل كل ذلك حقوقهم وحريتهم، وبناء أُسس صحية وسليمة للمواطنة.

 

صدر الكتاب في أوائل عام 2013 عن دار الساقي.

 

يتناول كتاب الأكاديمي الاقتصادي نزيه الأيوبي "تضخيم الدولة العربية" الدولة شرق-الأوسطية بصفة عامة، إلا أنه يُركِّز بشكل مُوسَّع على العديد من دول المشرق العربي على وجه الخصوص (مصر، سوريا، العراق، الأردن، المملكة العربية السعودية، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، اليمن ولبنان)، وتنبع أهمية كتاب نزيه الأيوبي من أنه ينطلق من أرضية الاقتصاد السياسي بمعناه الواسع في تحليله تاريخ الدولة العربية الحديثة في المشرق العربي.

 

يُحاجِج نزيه الأيوبي في الكتاب أن الكثير من الدول العربية دول ضاربة أو استحواذية لكنها نادرا ما كانت دولا قوية وناجحة، فعلى الرغم من أنها امتلكت بيروقراطيات ضخمة وأجهزة أمنية فعّالة وسجونا قاسية، فإنها ضعيفة على نحو يدعو إلى الأسى في تشكيل قوة هيمنة فعلا تُشكِّل من خلالها كتلة تاريخية تستند إليها في الحكم، أو في إنتاج مستوى من الشرعية الأخلاقية والأيديولوجية تستطيع أن تمضي بالدولة إلى أبعد من المستوى القمعي، بسبب أن تشكُّل السلطة في الدول العربية لم يكن بنمط إنتاج منفرد ولكن عبر حالة من التمفصل بين مختلف أنماط الإنتاج، ونشأ عن هذا أنه لم تتطور في المجتمعات منظومة فردانية ولا طبقات اجتماعية بشكل يسمح بظهور قوى سياسية ومجتمع مدني قوي في مواجهة الدولة كالتي نراها في المجتمعات الغربية الرأسمالية، مما أدّى حسب نزيه إلى غياب المجتمع المدني وتضخُّم الدولة العربية في المقابل.

 

الكتاب صدر في عام 1995 عن المنظمة العربية للترجمة.

 

عبر ثلاثة أقسام وعشرة فصول، يُحلِّل الأكاديمي الكويتي وأستاذ الاجتماع السياسي في جامعة تكساس "خلدون النقيب" في كتابه "الدولة التسلطية في المشرق العربي" نشوء وتبلور الدولة التسلطية في المشرق العربي، بالتحديد في الدول الثلاث المشرقية الكبرى، العراق وسوريا ومصر، يُفرِّق النقيب بين أشكال الحكم الاستبدادية والأوليغارشية والتسلطية، مُوضِّحا أن نصيب دول المشرق العربي هو الحكم التسلطي، حيث تتسيّد الدولة البيروقراطية على المجتمع من خلال توسيع قدرتها على تنسيق البنى التحتية، بحيث يخترق جهاز الدولة المجتمع المدني بالكامل ويجعله امتدادا لسلطته، وتحقق بذلك الاحتكار لمصادر القوة والسلطة في الفضاء العام، وهذا هو جوهر الحكم التسلطي، وهو مدار الحديث ومحور البحث في الكتاب كله.

 

عبر فصول الكتاب يُوضِّح خلدون النقيب أسباب هذا التسلط وجذوره، مُلقيا الضوء في الفصول الأولى على موقع المشرق العربي في النظام العالمي ودور القوى الإمبريالية التي تُهيمن على هذا النظام في فرض النموذج التسلطي على المجتمعات العربية، ثم ينتقل بالحديث عن النخب والقوى الاجتماعية المستفيدة من نمط الحكم هذا، وكيف دخلت في تحالفات مع القوى الإمبريالية للحفاظ على النظام التسلطي القائم ضد أي تغيير، ثم يتحدث عن هيمنة المُكوِّن العسكري على المجال العام والحياة السياسية في كلٍّ من مصر والعراق وسوريا، ويستفيض فيه عن مجيء العسكر المرتبط أيضا بالنظام السياسي المخترق التابع للخارج، عبر تحليل الانقلابات العسكرية وتاريخها وجذورها وتحوُّل الأنظمة من مدنية إلى عسكرية.

 

الكتاب صدر في عام 1991 عن مركز دراسات الوحدة العربية.

 

يُمثِّل كتاب عصام خفاجي واحدا من الأعمال النادرة في المكتبة العربية، خاصة في مجال العلوم الاجتماعية، إنه واحد من الأعمال النادرة التي ينجح فيها الكاتب في مزج منظور العلوم السياسية واقتصاد التطور والتاريخ وعلم الاجتماع في عمل واحد، مُقدِّما صورة تكاد تكون شاملة عن تاريخ المشرق العربي الحديث.

 

عبر تتبُّع تاريخي طويل يُفرِّق عصام خفاجي بين مسألتين مفصليتين بين التحديث في الغرب والشرق، فهو يُفرِّق بين التحوُّل الرأسمالي وبين التحوُّل البرجوازي، فالعملية الأولى "التحوُّل الرأسمالي" والتي تمت في أنحاء العالم أجمع وهي تفكيك جميع التشكيلات الاقتصادية-الاجتماعية التقليدية لصالح نمط الإنتاج والاستهلاك الرأسمالي، أما العملية الثانية "التحوُّل البرجوازي" فهي عنده التكريس القانوني والسياسي لعمليات اجتماعية واقتصادية نشأت عن التحوُّل الرأسمالي وتفكيك المجتمعات القديمة، يُفصِّل الأكاديمي المصري هنا أن تلك العمليتين لا يوجد تعاقب حتمي بينهما، فهي ليست عملية سهلة التحقق، بل تحتاج إلى جملة من المعايير التي تؤسسها بنى تنظيمية حديثة، بناء على آليات جديدة أساسها التصنيع، تحققت في الغرب من خلال صراعات وثورات خاضتها البرجوازية الغربية محليا وإقليميا ودوليا، حتى تم التحوُّل البرجوازي القانوني الديمقراطي الذي يعيشه الغرب الآن، بينما تحديدا هذا ما ينقص المشرق العربي، أي قيام طبقة اجتماعية بتكريس حكم القانون والدستور والمواطنة والديمقراطية.

 

صدر الكتاب في عام 2013 عن المركز القومي للترجمة.

________________________________________________________________________

المصادر

  1. مظاهرات العراق: "طعن وخطف وقتل".. عراقيون يحكون لحظات الرعب في بغداد، Bbc Arabic.
  2. هيومن رايتس ووتش تطالب مصر بالتحقيق في وفاة 4 معتقلين، الجزيرة نت.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة