"جبال الكُحل" تفنيها المراود.. رواية النوبة التي غمرها السد

في يوم ما، بعد عام 1964، استقلّ الشاب -أو ربما الفتى- "زين الدين علي محمود" مواصلة غير معروفة من كوم أمبو بأسوان إلى القاهرة؛ ليضع في يد الفنان التشكيلي "محمد الماوردي" مظروفا أصفرَ مُغلقا بإحكام، يحمل في باطنه دفتر الأستاذ "علي محمود"؛ والد "زين الدين" وصديق "الماوردي" على مدى خمسين عاما.

 

في حجرة مرسمه، ظلّ المظروف شهورا بهيئته التي تركها "علي"، قبل أن يُقرِّر صديقه الذي يصغره بثمانية أعوام فضّ أسراره وقراءة مذكّرات "علي"، المرحوم "علي" مدرس التاريخ بمدرسة "عنيبة" بالنوبة القديمة، بعدما قرّر ترك هذا الإرث إلى صديق عمره كوصية صامتة، بلا أي تعليق أو طلب؛ ليتطوّع "الماوردي" من نفسه بنشر هذه المذكّرات التي تحكي سردية نوبية امتدت لعشر سنوات -هي فترة تدوين اليوميات- إلا أنها في الحقيقة أطول أمدا وأشد غورا.

 

بهذه القصة الداخلية، يفتتح الأديب النوبي "يحيى مختار" روايته القصيرة "جبال الكحل"، والتي سرد فيها إحدى القصص الإنسانية المسكوت عنها، عمدا أو جهلا، لمأساة أهل النوبة بمصر؛ المأساة التي اشتعلت بلا دخان إثر بناء السد العالي، فلم يلحظها إلا أهلها الذين احترقوا داخلها بصمت، في معزل عن الجميع.

يحكي "مختار" حكاية الإنسان والمجتمع الذي هجر وطنه عنوة، حكاية الأشجار والنخيل التي غرقت صُحبة الحيوانات الضالة، والتي ضلّ معها النوبيون لغتهم الأم حين أغرقت المياه أملهم في المخطوطات المكتوبة عن أصول لغتهم وحروفها، حكاية البشر الذين لم يسمع أنينهم إلا آذانهم، ولم يمسح دموعهم إلا أناملهم. فخلف الضخامة الهندسية التي حجزت الفيضان ووفّرت الكهرباء، نزح الآلاف من البشر في هجرة مكبوتة قرّر "مختار" أن يزيح عنها اللثام.

 

في روايته "العمى"[1]، نجد أن الأديب البرتغالي "جوزيه ساراماغو" عمد إلى تقنية سردية شديدة الذكاء بما يتناسب مع محتوى روايته، حيث أسرف في وصف المدركات السمعية على حساب المدركات البصرية التي حجّمها قدر الإمكان؛ لأن رواية عن العمى يجب أن تحمل قارئها في عالمها نفسه، فلا يرى أكثر مما ترى الشخصيات، وهذا بالضبط ما فعله "يحيى مختار" ولكن بصورة عكسية.

 

ففي الرواية القصيرة التي لا تتجاوز مئة وخمسين صفحة، عمد الأديب النوبي إلى الوصف البصري لكل تفاصيل المشاهد أكثر من تركيزه على الحوارات، التي كانت بدورها قليلة، ولكنّها كانت مُركّزة، وبسيطة، ومليئة بالفلسفة الفطرية. فخلال سنوات الرواية العشرة، "ينقل لنا "يحيى مختار" بدقة وصفية شديدة كل شيء عن النوبة القديمة"، خاصة قرية الأستاذ "علي" (الجنينة والشباك) التي كانت مسرح الأحداث، "ففي هذه الرواية تكاد ترى الشوارع والبيوت والمقابر والأشجار والنيل واقعا أمام عينيك، وتسمع أصوات (الأراجيد) أو أغاني الأفراح والسمار في الليل"[2].

 

ذلك الوصف الموغل في الدقة والإبداع كان هدف "مختار" -على ما يبدو- من روايته؛ ليستشعر القارئ "غصة الفقد التي عانى منها النوبيون من جرّاء تركهم لقُراهم وعالمهم عقب التعلية الثانية لخزان أسوان ثم السد العالي". فقد عمد "إلى رسم لوحات تشكيلية تحاكي اللوحات التي رسمها الفنانون المصريون في رحلاتهم لتسجيل حياة النوبة قبل إغراقها بمياه السد"، بالإضافة إلى تركيزه الكبير على وصف اللغة النوبية "من خلال سطوره التي تشرح بكارة اللغة واقترابها من الفطرة الإنسانية"[3].

وبالنظر إلى المؤلف نفسه، سنجد أن لوحته الروائية تلك تُمثِّل انعكاسا لسيرته الذاتية نفسها، وكأنه يحكي على لسان المُدرّس "علي" حكايته التي عاينها مع أسرته النوبية حينما هجر -في السابعة من عمره- بلاده، وتحديدا قريته (الجنينة والشباك)، مع أسرته في السابعة من عمره إلى القاهرة عند بناء السد، فقد "وُلِد بين حكايات النوبة وأساطيرها، وعاش سنوات طفولته يتنفس هواءها الجنوبي الدافئ الحار، وارتبط اسمه وعالمه الروائي والقصصي بهذه الحكايات، التي لا تزال تُشكِّل مسرحه الخاص، بخصوصيتها كمكان وتاريخ"[4]. فعمد إلى الحكاية على لسان شخصية خيالية رسم بها نفسه، كأنه أراد لكل قارئ أن يرى ما رآه، لكن بعين أخرى غير عينيه.

 

في عام 1902، قرّرت الحكومة المصرية الاستفادة من مياه الفيضان بتخزين كميات كبيرة منها، فأنشأت خزان أسوان الذي حجز الكثير من المياه، ثم واصلت تعليته من خلال تعليتين: الأولى عام 1912، والثانية عام 1933[5]، وهو عام ميلاد "محمد الماوردي" ووفاة والد "علي محمود" في أحداث الرواية، لكن ما اتفق عليه الواقع وأيّدته الرواية هو أن كلًّا من البناء والتعليتين قد أتيا بالتهجير الجبري لعدد كبير من القرى التي أغرقتها مياه الخزان؛ حتى انتهى 55 ألف نوبي بالتهجير النهائي عند بناء السد؛ لتحتل بحيرة السد كل أراضي النوبة المصرية على طول 350 كيلومتر مربع[6].

 

ما تفعله الرواية هنا هو أنها تُؤنسن الحدث، فتأخذك من صفحات التاريخ إلى حياة البشر، فترى في الوجه الآخر من صفحة التقدم والحضارة نزوحا اضطراريا لاُناس عاشت قُراهم فيهم قبل أن يحيوا فيها لآلاف السنين؛ لذا يقول "مختار" عن سرده لهذه المعاناة من خلال المذكرات أنه "لم يكن من الممكن التعبير أو تناول هذه التجربة الفريدة في تاريخنا إلا من خلال مذكّرات شخص متعلم واعٍ، عاش هذه التجربة وعاناها تماما والتي لا تزال في حاجة إلى الكثير من الكتابة لاستيعابها بكل تداعياتها الإنسانية"[7].

 

ومن خلال الحوارات البسيطة، القصيرة، التي تُفاجئك بعد عدة صفحات، تجد المأساة متجسدة على أصحابها وشخصيات الرواية الرئيسية، والذين يتفاوتون في الأعمار والدرجات العلمية، إلا أنهم يتلاقون في انتمائهم لوطنهم وشكواهم من التهميش الذي يُلاقون، حيث تبدأ القصة بعودة الأستاذ "علي" إلى قريته بعدما أنهى دراسته في القاهرة، ليفي بنذر أبيه -أو بجزء منه- ويقوم بتعليم أبناء قريته.

ومن خلال ثنائيته مع خاله "جعفر جنينة"، الرجل البليغ الحكيم، تدور الكثير من الحوارات والحكايات الصامتة، التي يكتفي فيها جعفر بالحديث دون انتظار الرد، وكأنه يحادث نفسه بصوت جهوري، فتارة يتحدث حول زيارة "عبد الناصر" لأسوان، ذلك الحاكم المهيب الذي كان أول حاكم مصري يراه أهل النوبة دون أن يكون فارًّا إليهم، ثم نراه تارة أخرى يتحدث عن السد ويُبرز تردده الدائم بين عاطفته وقناعته، بين وطنه الذي اعتاده اعتياد السمك للماء، ووطنه الأكبر الذي يحتاج إلى السد، والهجرة -قبل أن تكون تهجيرا-، وزيارات المسؤولين التي تُمنّيهم وتعدهم، نهاية برحلة التهجير نفسها ونهايتها المؤلمة.

 

كذلك شخصية "محمد الماوردي" صديق "علي" وابن خاله "حسنين الماوردي"، والذي كان معيدا جامعيا ذا نشاط سياسي، ذلك النشاط الذي كان كافيا أيام عبد الناصر ليُلقي به في غياهب السجن حتى يموت أبوه كمدا عليه، لكن تمر الأيام ويعود "محمد" إلى قريته مع جموع الفنانين والباحثين المرتحلين لدراسات السد، ليدوّن تاريخها بريشته، ويكتشف مع أحد زملائه مخطوطة فرعونية تحمل الحروف الأصلية للغة النوبية، تلك اللغة التي عجز أهلها عن تدوينها للحفاظ على إرثها، فتناقلوها شفاهة إلى أن وجد "الماوردي" ومن معه أملا يقودهم إليها، لكن السد كان أسرع من أي شيء.

 

"إن ما أُفكّر فيه وأحمل همّه أن البلاد طالما ستغرق فإنها لم تُدلِ بعد بكامل أقوالها".

بهذه الكلمات رثى "جعفر جنينة" النوبة البائدة قبل أن تزول، ولكنه في غير موطن أعرب عن سخطه من التهميش الذي يلاقونه -والذي لاقوه مرارا من قبل-، فبلادهم، التي أضحت قِبلة المسؤولين والحاكم، لم تكن كذلك حين أغرقها الخزان، ولم تكن كذلك حين حمل الإنجليز إليها بعوضة الجامبيا ضمن معداتهم من أفريقيا، بلادهم المهمة لم تكن مهمة حين ضربته الملاريا وقضت على أهلها حتى بات الموتى لا يجدون مَن يدفنهم.

التهميش، تلك الفكرة المحورية التي تدور حولها الرواية، تناولها الكاتب على لسان كلٍّ من "علي" وخاله الحكيم مرارا وتكرارا، غير أنه مرّرها بينهما بشكل مرن، فكانت حوارات "علي" مسطورة في مذكّراته كأفكار ذاتية، بينما كان "جعفر" ثائرا ساخطا في ثوب مُحبَط يعلم ألّا حيلة لديه وأنه لا يملك إلا القول، فيعلق على زيارة وزيرة الشؤون وتملّق الجماهير إياها بالهتاف للسد، قبل أن يقدموا إليها مطالبهم، قائلا: "كان ظن الجميع يا بني أنه لا يمكنهم سماعنا أو قبول مطالبنا إن لم نجاهر بالولاء، بل قل بالمداهنة والرياء".

 

ويقول: "إننا لم نكن يوما من الأيام ضمن خطة تحضن الوطن وتشمله، كما لم نكن في أجندة أية حكومة حكمت مصر إلا بحملات ما أسموه التأديب والغزو والإخضاع". حتى اللغة النوبية التي كانت آخر ما يربطهم بالأرض ستندثر آثارها تحت بحيرة السد، و"ستضيع هذه الإمكانية للأبد، هذه الإمكانية التي تجعل تاريخ مصر كله متسقا وموصولا"[8].

 

مع الوقت، يقترب موعد التهجير، ويصف الكاتب المشهد برويّة شديدة، فيصف تحرك أهل القرية جميعا في اليوم المشهود -دون سابق ترتيب- نحو مقابرهم، وكأنهم يعتذرون للموتى عن تركهم، آسفين لمصيرهم الذي لن يضرهم كثيرا، ولكنه سيفتّ في قلوب الأحياء. ثم يصف نباح الكلاب التي تبدو على دراية بمصيرها، حيث تتشبّث بالمهاجرين وكأنها تتوسّلهم البقاء، لكنّ أحدا لا ولن يبقى، وعلى متن الصنادل البالية التي كانت تنقل المواشي يصعد الجميع، وتبتدئ الرحلة.

في خضم الرحلة تموت "زينب" وهي تلد رضيعتها "هاجر" لأن الرعاية الصحية غائبة، ثم تموت الرضيعة كذلك، وينعى أحد الركاب أختهم وابنتها بحسرة ساخرة: "لقد كانت هذه الصنادل تنقل الماشية ومعهم أطباء بيطريون ليرعوهم"، لكن حتى هذا الوعد -بالرفقة الطبية- ذهب أدراج الرياح، شأنه شأن الوعد بمنازل بديلة تناسب هؤلاء النوبيين الذين لم يفارقوا النيل طيلة حياتهم، لكنّهم سيفارقونه في كوم أمبو في مكعبات خرسانية في قلب الصحراء؛ ليستبدلوا بيوتهم الفنية الرحبة بهذه المدافن على حد تعبير الكاتب.

 

في نهايات القصة ينفجر الحاج "جعفر" بهدوء: "هل الحكومة من الضعف بحيث تخدع الضعفاء الذي لا يملكون تجاهها إلا القبول بما تُقرِّر؟ لماذا لم يكونوا صرحاء صادقين جديرين بمعنى الحكومة؟ ولو قالوا لن نعطيكم أكثر مما قدرناه لكم، ولن نستطيع أن نبني لكم دُورا أفضل من هذه الدور، وهذه مقدرتنا وأعباء الدولة كثيرة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء رسم دور وتصميم مجسدات لا وجود لها ليخدعونا بها؛ كنا سنفهم ونقبل، وكنا سنشعر بعظمة تضحياتنا، لم نكن لنمن على وطننا.. وحتى هذا الشعور استكثروه علينا!".

 

تُختتم الرواية، ويختتم معها "يحيى مختار" قصته المأساوية، الجمالية بكثافة على الرغم من صغرها، ليقول لنا غلاف روايته عنها: "ربما لا يعرف معظم المصريين شيئا عن النوبة إلا عرضا في سياق ذكر السد العالي.. لقد عاش النوبي ممتزجا بنهر النيل، يحبه ويخشاه ولا يلوّثه، فتجاوب معه النهر وبادله عشقا بعشق ووُدا بود، إلى أن جاء اليوم الذي اقتُلع فيه وأُقصيَ بعيدا عن أرضه ونهره، عن قبور آبائه وملاعب صباه، عن واقعه الجميل الذي امتزج بحضارة أجداده"، ثم يقول: "جبال الكحل شجون لا تدين السد العالي لكنها تُشير إلى الإهمال والبيروقراطية وعدم الإحساس بالمسؤولية القومية والإنسانية تجاه الإنسان النوبي". فربما حزن "جعفر جنينة" لأن قومه حُرِموا حق التضحية، فأعادت "جبال الكحل" لتضحيتهم اعتبارها من جديد.

______________________________________________________

المصادر

  1. عميان ساراماغو، كيف يكشف العمى حقيقتنا كبشر؟
  2. بيان الكتب – جبال الكحل.
  3. المصدر السابق.
  4. الروائي المصري يحيى مختار: عالم النوبة تستحيل استعادته إلا بالكتابة.
  5. أحمد سليم، قصة النوبة بين الهجرات العربية والتهجير القسري.
  6. تهجير النوبة، كيف كان وإلى أين انتهى؟
  7. الروائي المصري يحيى مختار: عالم النوبة تستحيل استعادته إلا بالكتابة.
  8. يحيى مختار، جبال الكحل.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة