"ثرثرة فوق النيل".. كيف رسم نجيب محفوظ ملامح المجتمع الناصري؟

ثمة مقولة للأديب الروماني فيرجيل قسطنطين يقول فيها: "أولئك الذين يعيشون على الهوامش، هوامش العالم، هوامش الحضارة، هوامش المجتمع، هم المخوّلون لرؤية الحقائق المُرّة للعالم"، لعل هذه المقولة تنطبق بوضوح على موقع نجيب محفوظ في الحقبة الناصرية. لم يكن محفوظ مهمشا بمعنى سياسي أو أمني مباشر، لكن التهميش الذي عاناه محفوظ كان بالمعنى الثقافي، لم ينتمِ محفوظ للناصرية وهي تهيمن على المجتمع، لم يتبنَّ محفوظ سردية النظام الناصري، ولم يشارك المجتمع الناصري رؤيته للعالم والذات، دائما ما شعر أنه غريب عنها وأنها لا تُمثِّله، وامتلك في المقابل سرديته الخاصة وثورته وعالمه الذي انتمى إليه قبل الحقبة الناصرية.

 

عاش نجيب محفوظ بين عالمَيْن دون أن يتمزّق، عالم ثورة 19 والوطنية الليبرالية المصرية، وزعماء الوفد التاريخيين ومظاهرات الاستقلال والدستور وصراعات الأحزاب والسرايا، والتعددية السياسية والثقافية لمصر الدستورية الملكية، وعالم دولة يوليو العسكري البيروقراطي، حيث مصر الاشتراكية الناصرية يحكمها نظام الحزب الواحد والصوت الواحد، والزعيم يُقرِّر ما يجب فعله وما لا يجب، وبين هذين العالمين لم يتوقف قلم نجيب محفوظ أبدا، إذ أتى غالبية إنتاجه الأدبي في الفترة الممتدة من بداية الثلاثينيات إلى نهاية الثمانينيات.

 

كُتبت رواية "ثرثرة فوق النيل" في منتصف الستينيات، في ذروة الهيمنة الأيديولوجية الناصرية، وسطوة الجبروت الأمني والعسكري للنظام على الحياة السياسية والثقافية في مصر، استخدم محفوظ الرموز في تقديم رؤية نقدية للمجتمع والسياسة في خلال تلك الفترة، مُسلِّطا الضوء على عدد من الشخصيات من المتن الأساسي للمجتمع، الطبقة الوسطى المثقفة، إذ يلتقون في إحدى العوامات على سطح النيل في قلب القاهرة، يجمعهم الحشيش والملل والإحساس العارم بالتفاهة وعدم الأهمية. فكيف رأى نجيب محفوظ الوفدي الليبرالي المجتمع الناصري؟

رواية ثرثرة فوق النيل
رواية ثرثرة فوق النيل (مواقع التواصل)

 

عنوان ميدان

يبدأ الفيلم والرواية بمشهد للشخصية الرئيسية "أنيس أفندي" الموظف الأربعيني المثقف، داخل إحدى المصالح الحكومية لوزارة الصحة، يكتب أحد التقارير الحكومية الروتينية التي اعتاد على كتابتها طوال عقود من عمله موظفا بوزارة الصحة، يكتب أنيس التقرير وهو ما زال تحت تأثير مخدر الحشيش، ولا يرى أن قلمه قد نفد مداده، ليُثبت للمسؤولين والرأي العام توفر الأدوية والأَسِرَّة على عكس ما تدّعي الصحف وتُثبت شكاوى المواطنين، يُسلِّم أنيس التقرير لمدير المصلحة، الذي يوبّخه ويتّهمه بالاستهتار وأنه كتب التقرير وهو "مسطول".

 

يعود أنيس إلى عمله متسائلا؛ إذا كانت الأدوية والأَسِرّة غير متوفرة، فهل "الحكومة كانت مسطولة هي كمان عشان تخليني أكتب التقرير بعكس كده"؟، ما قيمة التقرير إذا "اتكتب بقلم فاضي أو بقلم مليان" والأدوية غير موجودة؟، ثم وهو ما زال تحت تأثير مخدر الحشيش يرد على نفسه: "واضح إنه الحكومة عايزة تعمل اكتفاء ذاتي، لأنه طالما بنكتب تقارير، يبقى حنحتاج ورق، تقوم مصانع الورق تشتغل، ولما تكتر التقارير نضطر نحرقها، تقوم مصانع الكبريت تشتغل، ولما نحرق التقارير الناس تولع في هدومنا تقوم مصانع القماش تشتغل"، ثم أخرج المحبرة من الدرج وراح يملأ القلم ليُعيد كتابة التقرير من جديد تحت عنوان حركة الوارد مرددا في مرارة: "لا حركة البتة في الحقيقة، حركة دائرية حول محور جامد، حركة دائرية تتسلى بالعبث. حركة دائرية ثمرتها الدوار. في غيبوبة الدوار تختفي جميع الأشياء الثمينة، من بين هذه الأشياء الطب والعلم والقانون، والأهل المنسيون في القرية الطيبة، والزوجة والابنة الصغيرة تحت غشاء الأرض، وكلمات مشتعلة بالحماس دُفنت تحت ركام التراب".

 

يتجه أنيس فور الانتهاء من عمله إلى العوامة، هنا تظهر إحدى الرمزيات الأساسية لمحفوظ في الرواية، فالعوامة أو كما يسميها أصحابها "المملكة" هي صورة مصغرة لشريحة واسعة من المجتمع المصري في الستينيات، مجموعة من متن الطبقة الوسطى المصرية الصاعدة من موظفين حكوميين وصحفيين ومحامين وفنانين يجتمعون يوميا في العوامة من أجل الحشيش والغياب عن الوعي.

 

"إن الدنيا لا تهمنا، كما أننا لا نهم الدنيا في شيء، ما دامت الجوزة دايرة فماذا يهمنا".

(المحامي مصطفى راشد)

كان رواد العوامة، أو بالأحرى المملكة، قد اخترعوا لأنفسهم وظائف وتسميات، فالممثل رجب القاضي هو ملك المملكة، والناقد الفني علي السيد هو الإمبراطور، والمحامي مصطفى راشد وزير العدل، والروائي خالد عزوز هو قائد جيوش المملكة، في إحدى الجلسات يكتشف سكان العوامة أن الحشيش قد نفد، أُسقط في أيديهم، وتحسّروا على ليلة كاملة يقضونها مضطرين وهم في كامل وعيهم، هنا يتدخل أنيس منقذا، ويمدهم بقطعة حشيش كان قد احتفظ بها لنفسه، يحتفل به الجميع ويعيّنوه ولي النعم في المملكة، ويحملونه على أعناقهم ويهتفون باسمه وبالحشيش، يأخذنا المخرج حسين كمال في تلك اللقطة في تقنية استرجاع إلى ذاكرة أنيس، حيث نراه يتذكر نفسه وهو شاب محمول على الأعناق أيضا في مظاهرة تنادي باستقلال مصر وبالدستور ضد استبداد الإنجليز والملك.

 

عنوان ميدان

طوال أحداث الرواية نقرأ الحوار الداخلي الذي يخوضه أنيس مع نفسه وهو تحت تأثير الحشيش، يسبح أنيس في التاريخ والفلسفة وأسئلة المعنى والوجود، يتساءل في أحد التجليات عن مصير الحاكم بأمر الله حين نصّب نفسه إلها، ثم اختفى حين صعد إلى الجبل، أين ذهب؟ هل انتحر بالفعل لما لم تأتمر الطبيعة بأمره وتسحق القاهرة؟، قاده هذا السؤال إلى تساؤل آخر وهو يرنو ببصره عبر بوابة العوامة إلى نهر النيل خلفها؛ لماذا كل هؤلاء الحكام الآلهة الذين حكموا سكان هذا النهر منذ عصر الفراعنة؟، "قال لنفسه إنه لم يكن عجيبا أن يعبد المصريون فرعون، ولكن العجيب أن فرعون آمن فعلا أنه إله".

 

خلال إحدى نزواته المتكررة اصطحب الممثل رجب القاضي إحدى معجباته الشابات إلى العوامة ليُعرِّفها على مجتمعه الصغير، رأت الشابة الصغيرة، سناء، كيف يبتاعون الحشيش من الشارع ويشربونه بأريحية داخل العوامة، سألتهم:

"ألا تخافون البوليس؟".
ليرد علي السيد: "لأننا نخاف البوليس والجيش والإنجليز والأميركان، فقد انتهى بنا الأمر ألا نخاف شيئا".
– "ولكنكم تتعاطون الحشيش والباب مفتوح".
ليرد هذة المرة خالد عزوز: "الحكومة يا حلوة مشغولة بالتنمية الاقتصادية وبناء المجتمع الاشتراكي، مش فاضية عشان تهتم بنا وبنعمل ايه هنا".

في كتابها "أسس التوتاليتارية"، تُوضِّح الفيلسوفة السياسية حنة أرندت أن النزعة الشمولية والاستبداد السياسي يُولِّد النزعة عند الأفراد بأنهم أشخاص زائدون عن الحاجة وغير مهمين، مما يخلق حالة من العدمية وانعدام القيمة لدى أفراد المجتمع الشمولي أو القابع تحت حكم استبدادي، في منتصف الرواية والفيلم يتعرّف رجب القاضي عن طريق الصحفي والناقد السينمائي علي السيد على صحفية شابة جادة "سمارة بهجت" التي أثار فضولها المجتمع الصغير في العوامة، حيث مجموعة من الأفراد الناجحين في حياتهم العملية اختاروا الحشيش وغياب الوعي عن العالم الخارجي والانهماك في المجتمع.

كتاب "أسس التوتاليتارية"، الفيلسوفة السياسية حنة أرندت
كتاب "أسس التوتاليتارية"، للفيلسوفة السياسية حنة أرندت

بينما يتشاركون تعاطي الحشيش والضحك والسخرية من كل شيء، تسألهم سمارة بهجت عن الاستسلام للسخرية واللا مبالاة، يجيب علي السيد: "نحن لسنا أنانيين أبدا، وكلٌّ منا يكد في حياته الخاصة والمهنية، لكننا نرى أن السفينة تسير من دون حاجة إلى رأينا أو معاونتنا، وأن التفكير بعد ذلك لن يُجدي شيئا، وربما جرّ وراءه الكدر وضغط الدم". في الفيلم أتى النقد أكثر وضوحا، حيث أضاف مصطفى راشد: "ميغركيش حالنا دلوقت، واحنا شبان كنا ثوريين ونشارك في الحياة العامة والمظاهرات، كنا متحمسين"، ويضيف خالد عزوز: "لكن بعد ما قامت الثورة، جالنا إحساس أن دورنا انتهى، وحسينا إنه تم إبعادنا عن المشاركة"، وفي سخرية مريرة "اقترح مصطفى راشد إلقاء جوزة الحشيش في النيل، أن يقسموا العمل فيما بينهم، فيختص خالد عزوز بالسياسة الداخلية وعلي السيد بالسياسة العالمية… وراحوا يتساءلون كيف يبدؤون؟ كيف ينظمون أنفسهم؟ وكيف يحققون الاشتراكية على أسس شعبية ديمقراطية لا زيف فيها ولا قهر؟".

 

كعادة الأفلام التي تناولت روايات نجيب محفوظ يفترق الفيلم عن الرواية، في الفيلم، وبشكل سينمائي مصري ساذج، يحدث ما يشبه إشراقة داخلية لأنيس حينما رأى المجهودات الحربية التي يقوم بها الجيش المصري بعد نكسة وأثناء حرب الاستنزاف -وقت تصوير الفيلم-، فيُقرِّر التوقف عن تعاطي الحشيش والمساهمة في عمل عام وتكوين حياة اجتماعية صحية، أما في الرواية فقد أتت النهاية مختلفة، فيستمر نجيب محفوظ في وصف حالة اليأس والتهميش لشخصيات الرواية، حيث يسخر من جدية سمارة بهجت مردفا: "لقد جندت منا جيشا سنحارب به العدم ثم نسير إلى الأمام… إلى السجن أو مستشفى المجاذيب".

 

يختم نجيب محفوظ بحوار ثلاثي، بين سمارة بهجت وأنيس، وبين أنيس وذاته الداخلية، عندما أصرّت سمارة أن تتكلم عن الأمل وأن الحياة ما هي إلا منحنيات صعود وهبوط، فنظر أنيس إلى خارج العوامة حيث الليل يُخيّم وتناثرت في ثناياه النجوم كالأسرار، واستحال كلام سمارة إلى وشوشة منبعثة من تهويمات حلم، وقال محدثا نفسه في يأس كامل: "أصل المتاعب مهارة قرد، تعلم كيف يسير على قدمين، فحرر يديه، وهبط من جنة القرود فوق الأشجار إلى أرض الغابة، وقالوا له عُد إلى الأشجار وإلا أطبقت عليك الوحوش، فقبض على غصن شجرة بيد وعلى حجر بيد، وتقدَّم في حذر وهو يمد بصره إلى طريق لا نهاية له".

_______________________________

المصادر

  1. ثرثرة فوق النيل، نجيب محفوظ، دار الشروق
  2. أسس التوتاليتارية، حنة أرندت، ترجمة أنطوان أبو زيد، دار الساقي