بين روبرت ستيفنسون ووليام برودي.. صراع الخير والشر داخل الإنسان

"كل قصة هي نحن".

(جلال الدين الرومي)

على حد قول الإمام الصوفي تأتي رواية "الحالة الغريبة للدكتور جيكل ومستر هايد" للروائي الاسكتلندي روبرت ستيفنسون كقصة تشبهنا نحن البشر، فكل تلك الأثقال الخفية داخل عقولنا ونفوسنا، وما تعكسه من تناقضات وتشوهات داخلية لا تُظهرها أجسادنا وأفكارنا، جعلت سؤال "الخير والشر" صعبا ومحيّرا، وفي بعض الأحيان غير قابل للإجابة، كل تلك الأثقال كان يفكر فيها ستيفنسون أثناء كتابته للرواية التي ستصبح واحدة من أشهر روايات الأدب الإنجليزي، رواية "الحالة الغريبة للدكتور جيكل ومستر هايد".(1)

 

نُشِرت رواية "الحالة الغريبة للدكتور جيكل ومستر هايد" عام 1889 في إنجلترا وأميركا، فلم تكن حدثا أقل أهمية مما صادفها في ذلك العام، مثل اختراع كارل بنز لأول سيارة تسير بالغاز، أو وصول تمثال الحرية لميناء نيويورك، أو حتى اكتشاف مركّب مشروب الكوكاكولا، فتلك الرواية باعت في أسابيع أكثر من 60 ألف نسخة، وتوسّع انتشارها بسرعة حتى وصلت إلى يد الملكة فيكتوريا لتُفتن بها.

وكما الإنسان، صبغ ستيفنسون شخصيات الرواية بالغموض والتناقضات لتُحاكي الطبيعة البشرية، مبتكرا أسلوبا غريبا على كتابة الرواية حين ذاك. فالراوي لم يكن أكثر من القارئ معرفة أو لديه قدرة ما على استطلاع الأحداث، فيبقى القارئ متشوقا حتى نهاية الرواية، يبحث عن إجابة لأسئلة يثيرها ستيفنسون أثناء سرده. فيحوّل ستيفنسون بذلك القارئ من شخص يتابع مجريات الأحداث إلى مُشاهِد يرتقي ليكون حكما وقاضيا على أفعال الأبطال. فالهدف من هذا الأسلوب هو دفع القارئ للتعاطف وتفهّم تصرفات الشخصيات، ثم دفعه إلى كُره الشخصيات نفسها في تصرفات أخرى، فيعمّ الغموض ليس على أبطال روايته فقط، بل على القارئ ذاته الذي تدفعه القصة لإسقاطها على نفسه، متسائلا: أيّ تلك الشخصيات يُمثِّلني؟

 

فتكمن عبقرية رواية ستيفنسون في شخص ستيفنسون ذاته، في حياته الشخصية والقصص التي استمع إليها، والتي كانت قصة ويليام برودي واحدة منها، وهو الشخصية التي اقتبس ستيفنسون منها فكرة روايته، فعلى حد قول المفكر الفرنسي جان بول سارتر: "لكي تصبح إحدى الحوادث مغامرة، من الضروري والكافي أن يُعاد سردها"، ومن تلك الفكرة انطلقت قصة وليام برودي التي حوّلها ستيفنسون إلى رواية "الحالة الغريبة للدكتور جيكل ومستر هايد" لتغزو عالم الأدب والمسرح ويُعاد استنساخها حتى يومنا هذا في أعمال فنية.

الروائي الاسكتلندي روبرت ستيفنسون (مواقع التواصل)

 

"أعطاني الله القوة لأعيش حياة مزدوجة".

(هوجو وليمز)

في عام 2008 أُنتِج فيلم "هولك الخارق" (The Incredible Hulk)، حيث يتعرّض العالِم "بروس بانر" لأشعة جاما التي تجعله يتحوّل عندما يغضب إلى شخصية العملاق الأخضر الذي يتسبّب في الدمار أينما ذهب. يدور الفيلم حول صراع العالِم "بانر" مع ذاته في محاولة منه للسيطرة على قوته والعودة مرة أخرى ليكون إنسانا طبيعيا، لكنه يصطدم بعالم خارجي أكثر شرا من ذلك العملاق الأخضر، ليُقرِّر في النهاية التعايش معه، في رمزية لمحاولات الإنسان للتعايش مع تناقضاته الداخلية، وشعوره الدائم بوجود طاقتين من الخير والشر داخله، وهذه الفكرة التي شكّلت أساس فيلم "هولك الخارق" (The Incredible Hulk) امتداد لعشرات الأفلام المقتبسة من رواية "دكتور جيكل ومستر هايد"، الرواية التي سلّطت الضوء على قضية ازدواجية الشخصية.

فيلم "هولك الخارق" (The Incredible Hulk)

تُعَدُّ رواية "الحالة الغريبة للدكتور جيكل ومستر هايد" واحدة من الروايات المتأثرة بالفن القوطي للعصور الوسطى، حيث الممرات تحت الأرض والشرفات المظلمة والتماثيل العملاقة المرعبة، ما جعلها بيئة صالحة لكتابة روايات الرعب، مثل رواية "دراكولا" للروائي برام ستوكر، ورواية "فرانكشتاين" للروائية ماري شيلي، ثم ظهرت رواية "الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد" في خريف عام 1885، وكانت بناء على طلب من الناشر تشارلز لونجمان لقصة أشباح لعدد عيد الميلاد من مجلة لونجمان من الكاتب ستيفنسون.

 

وتدور أحداث رواية "دكتور جيكل ومستر هايد" في فصول متصلة أحداثها بشكل مشوّق للقرّاء، حيث تبدأ القصة بإعطاء دكتور جيكل وصيته لصديقه المحامي "أترسون"، والتي تنص على أن تذهب جميع ممتلكاته في حالة موته أو غيابه لمدة ثلاثة أشهر لشخص يُسمى مستر هايد. وفي إحدى جولات المحامي "أترسون" مع قريبه "إنفلد"، حكى له عن واقعة غريبة شاهدها "إنفلد"، حين شاهد رجلا غريبا دفع طفلة صغيرة على الأرض ثم ركل وجهها ورحل، يُكمِل "إنفلد" القصة حيث ذهب بمساعدة أهل الطفلة وراء ذلك الرجل الغريب وأمسكوا به، فاكتشفوا أنه يمتلك وجها مشوها، يصف "إنفلد" شعوره بأن يكفي أن تنظر له مرة واحدة لتشعر بالاشمئزاز وتكرهه دون أسباب، ثم أخبره أن ذلك الرجل الغريب يُسمى مستر هايد، وأنه شاهده يدفع تعويضا لأهل الطفلة باسم صديقه دكتور جيكل!

بدأ المحامي أترسون بالبحث عن ذلك الرجل الغريب لمعرفة علاقته بصديقه الدكتور جيكل، فذهب في البداية للدكتور جيكل طلبا لتوضيح علاقته بذلك الرجل الغريب، إلا أنه رفض وامتنع عن الحديث، فتغلغل الشك داخل أترسون، وبعد عام بدأت سلسلة من جرائم القتل في المدينة، وكانت الشبهات تحوم حول ذلك الشخص الغريب المسمى "مستر هايد"، وامتدت أصابع الاتهام كذلك لدكتور جيكل بسبب العلاقة الغامضة بينهما.

 

وفي يوم طلب كبير خدم الدكتور جيكل من المحامي"أترسون" القدوم معه ليرى ما حل بجيكل، فرافقه أترسون واستعان بالخدم لكسر باب الغرفة، ليجدوا مستر هايد ملقى على الأرض ميتا، وبجواره خطاب مستر أترسون ووصية أخرى باسمه أيضا، فجمع الخطابات فإذا به يجد خطابا له من دكتور جيكل.

 

كتب الدكتور جيكل في رسالته عن نشأته المحترمة الثرية، وعن تربيته المهذبة، وأنه كان دوما يشعر بتلك الأفكار الطائشة، ولكن لم يكن من الممكن أن يسمح لها بالتحرر، فعاش كأنه في حياة مزدوجة، فكّر فيها أن الإنسان في الحقيقة ليس واحدا، بل اثنين، وربما أكثر.

 

ولأن اهتماماته علمية بحثَ عن كيفية فصل هاتين الشخصيتين، ووضع نظريته محل الاختبار، فوصل إلى تركيبته الكيميائية، وفي جرأة عجيبة شرب ذلك السائل العجيب، وشعر كأن شيئا يطحن عظامه، وبعد فترة هدأ وأحس بأنه أخف وزنا، وأصغر سنّا وحجما، وبأنه أكثر شرّا، بل يشعر بمتعة الشر، وأخذ يرى هل يعرفه الناس أم لا؟ وظل فترة مستمتعا بكونه هايد الشرير، ثم عاد مرة أخرى ليشرب السائل ويرجع إلى شخصية جيكل، وهكذا راح يتنقل فرحا بين الشخصيتين، يمارس حياة خاصة لهايد، ويرجع متى أراد إلى شخصية جيكل، أعدّ لهايد منزلا وكتب وصيته تحسُّبا لحدوث شيء لجيكل بحيث يستطيع أن يظل محتفظا بماله، كان هايد يخرج لمغامراته في الليل ويعود ليدخل في فراشه وهو جيكل، وفي مرة من المرات استيقظ في فراشه مذعورا، لقد استيقظ ليجد نفسه تحول إلى هايد.

 

"نحنُ البشر كائنات لديها هوس وإدمان على سماع القِصص والحِكايات، فحتى عِندما ينام الجسد، يظلُ العقل متيقظا، يسرد ويحكي لنفسهِ القصص من خلالِ الأحلام".

(جوناثان غوتشال)

وليام برودي (مواقع التواصل)

كانت حياة وليام برودي مثيرة بدرجة كافية لأن يصبح إحدى أشهر الشخصيات الشعبية في اسكتلندا، ثم يتحول إلى إحدى أشهر الشخصيات الأدبية بعد ذلك. فكانت قصة وليام بالنسبة إلى روبرت لويس ستيفنسون نقطة جذب قوية، فظهرت حياة برودي في كتاباته المختلفة انعكاسا لمدى تأثُّر وتعلُّق ستيفنسون بتلك القصة. ففي وقت مبكر من عام 1864، كتب ستيفنسون مع زميل رحلته الأدبية وليم هنلي مسرحية تستند إلى قصة برودي بعنوان "ديكون برودي، أو الحياة المزدوجة" نُشرت في عام 1892، فلم تلقَ الحفاوة التي لاقتها روايته "قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة" المنشورة في عام 1886 ولا تزال حتى الآن تُعَدُّ واحدة من أهم روايات الأدب الإنجليزي.

 

كان روبرت ستيفنسون طفلا يعاني من المرض طوال الوقت، فأُجبِر على البقاء لوقت طويل في المنزل، وكانت رفيقة روبرت في تلك الليالي الطويلة هي ممرضته أليسون كننغهام، ولنشأتها الدينية، كانت تقص على روبرت الصغير القصص وحكايات أخيار البشر وأشرارهم، فأحب روبرت قصصها وحكاياتها وتأثر بها.

 

ومن بين القصص التي حكتها كننغهام للطفل ستيفنسون هي قصة تلك المنافسة الشرسة التي اشتعلت بين إنجلترا وفرنسا في بداية القرن الثامن عشر حول صناعة "الأثاث"، حيث كان الأثاث في ذلك القرن يعكس مدى رُقي وثقافة ونبل مقتنيه، كما وصف ذلك صانع الأثاث الإنجليزي توماس تشبنديل في كتابه "دليل الرجل المهذب".

 

ولم يكن تشبنديل هو صانع الأثاث الأهم في ذلك العصر، بل كان هناك العشرات من الأيادي الماهرة الطامحة في أخذ مكانه في سوق تلك الحِرفة المزدهرة، خصوصا بعد أن تحوّلت إلى حِرفة مرموقة. ففي مدينة إدنبرة الاسكتلندية المطلة على الساحل الشرقي لبحر الشمال، كان هنالك السيد فرانسيس برودي، واحد من أهم صانعي الأثاث في المدينة، بل في المملكة كلها، ازدهرت تجارته لمهارته وسُمعته، فأضحى رجلا مرموقا داخل المجتمع الاسكتلندي، ومع ازدهار تجارته، ازدهرت حياته الشخصية حين تزوج من سيسيل جرانت في عام 1740 لتُنجب له عدة أبناء، كان من بينهم وليم برودي.

بعد عام واحد من زواج فرانسيس وسيسيل في 1741، وُلِد وليام برودي لعائلة برجوازية مرموقة من المحامين والسياسيين والحِرفيين، حيث تلقّى تعليما جيدا يليق بفرد في هكذا عائلات. انخرط وليام في عمل والده كصانع للأثاث في وقت مبكر من حياته، فأتقن صنعته وأبدع فيها واحتل مكانة كبيرة بين الطبقة البرجوازية، نظرا لمهارته ولتاريخ عائلته التي حظيت بالاحترام. فوالده فرانسيس اختير في عامَيْ 1775 و1776 عضوا في مجلس المدينة، ثم وصل وليام إلى شهرة كانت كافية لتولّيه رئاسة نقابة الحِرفيين وضمان مقعد في مجلس بلدية إدنبرة خلفا لوالده حتى عام 1780.(2)

 

ازدهرت تجارة وليام الشاب حتى تفوق على والده، فوصفه المؤرخ الاسكتلندي والأستاذ في جامعة إدنبرة "أوين دودلي إدواردز" قائلا: "كان برجوازيا محترما. كان من النوع الذي من المفترض أن يبحث عنه المجرمون"، وقرر برودي إنشاء شركة تختص في صناعة الأقفال، مطلقا عليها اسم شهرته "ديكون برودي" لتكون علامته التجارية، حيث استُخدمت أقفال برودي في تأمين البنوك ودار البلدية والشرطة وأغلب منازل الأثرياء والسياسيين والوزراء. (3) فأصبحت شخصية وليام واحدة من الشخصيات الأرستقراطية المرموقة، صباحا، يستقبل يومه بمباشرة أعماله الخاصة وشؤون النقابة والبلدية، إلى أن تغيب أشعة الشمس، ثم يظهر وليام آخر يتجول بين الأزقة والحانات، فيقامر على مصارعة الديكة في حانة "جيمس مينن" بصحبة شخصيات شهيرة مثل الرسام ألكسندر نشيمان والعالم ديفيد هيرد، ثم يُنهي يومه على فراش نساء قابلهم في الحانة. فخلف ولع وليام بالرذيلة خمسة أبناء غير شرعيين من آن جرانت وجان وات، بالإضافة إلى عشرات العلاقات العابرة. (4)

 

عاش برودي حياتين كاملتين منفصلتين، فكما كان ستيفنسون في روايته شديد الصرامة في فصل الشخصيتين كان وليام أيضا منتبها للفصل بين حياته في النهار والليل، لكن لم يستطع أن يُبقي شخصيّتيه بعيدتين عن بعضهما، ففي النهاية ستؤثر إحداهما على الأخرى، فمن أجل بقاء الشخصية الليلية المقامرة كان لزاما على شخصية برودي "النهارية" توفير المال.

 

وفي إحدى ليالي أغسطس/آب عام 1768، اكتشف العاملون في بنك إدنبرة فقدان مبلغ 800 جنيه إسترليني من الأوراق النقدية، وبعد ليلتين عُثِر على 225 جنيها إسترلينيا من الأموال ملفوفة بالورق عند باب قاعة مجلس البلدية. حين كان وليام يعمل على إجراء الإصلاحات داخل البنك، لم يخطر ببال أحد أن التاجر المحترم المسؤول عن صيانة البنك هو نفسه السارق! هنا كانت نقطة اللا عودة، حيث لم يعد هناك أي فاصل بين الشخصيتين، فتوالت سرقات برودي للأثرياء الذين كان يُصلح لهم خزائنهم في الصباح، ومع مرور الأيام تحوّل ذلك اللص المقنع الليلي إلى واحد من أشهر المجرمين في تاريخ إنجلترا. (5)

 

في الأول من يونيو/حزيران عام 1782، توفي والد وليام "فرانسيس برودي" بعد إصابته بالشلل في منزله في إدنبرة، عن عمر 74 سنة قضاها في العمل والتجارة، فورث وليام من والده عقارا كبيرا بمدينة إدنبرة، بالإضافة إلى 10000 جنيه إسترليني، أي ما يقارب اليوم 2.5 مليون دولار. لكن وليام الآخر، الذي يقضي الليل في الحانات مقامرا سكيرا، سرعان ما أنفق كل ما ورثه من مال على نزواته الليلية الجامحة حتى آخر جنيه، ليعود مرة أخرى للسرقة. (6) في تلك المرحلة قرر وليام إشراك رفيقيه في الحانة جورج سميث وجون براون في سرقاته. وفي يوليو/تموز من عام 1782، قرر برودي وعصابته السطو على محل الذهب في المدينة، تحديدا محل جون أندرو بروس، ثم خسرت العصابة كل الأموال التي سرقوها في ليلة واحدة، فاحتاجت العصابة إلى التخطيط لسرقة أخرى أكبر لتتناسب مع حجم نزواتهم. (7)

بدأت خططهم بسرقة جامعة إدنبرة ثم محلات التجار، حتى قرّر برودي تنفيذ خطته الكبيرة والسطو على المكتب الرئيسي للضرائب، وضمّ شخصا آخر للعصابة يُدعى أنسلي. في يوم 8 مارس/آذار عام 1788، هجمت عصابة برودي على مكتب الضرائب وحاولت السطو عليه، إلا أن محاولتها فشلت بعد أن صادف وجودهم في الوقت نفسه وجود موظف يُدعى جيمس بونار، فشاهد أحد أفراد العصابة وأطلق صفارة الإنذار. وضعت العصابة حكومة إنجلترا بأكلمها في وضع مُحرج، بعد محاولتهم الأخيرة وفشل الأمن في إلقاء القبض عليهم طوال عدة سنوات، حيث كثّفت الشرطة بحثها، وامتلأت صحف إدنبرة بالإعلانات التي تطلب الإدلاء بأي معلومات عن العصابة، مقابل مكافأة مالية قدرها 150 جنيها إسترلينيا مع وعد بالعفو عن المتهمين. (8)

 

بعد عدة أيام تقدّم جون براون ليعترف بجريمته ويُرشد إلى أفراد العصابة، قائلا في نص التحقيق إن عصابة السرقة تتكون منه ومن أنسلي وسميث، بالإضافة إلى شخص رابع يشغل منصبا مرموقا في المدينة. أحسّت السلطات الأمنية بخديعة تُحاك لها من جون براون حين أخبرهم أن الرجل الرابع كان وليام برودي، فانطلقت السلطات الأمنية لمنزل وليام برودي لتفتيشه لكنها لم تجده، بالمقابل وجدت أدوات الجريمة؛ أسلحة نارية ونسخ مقلدة من مفاتيح الأقفال التي سرقها. استغل برودي تلك اللحظات للهرب، حيث أدرك الخطر المقبل عليه، فقرر الهرب إلى لندن ثم إلى أمستردام، منها محاولا السفر إلى نيويورك، لكن أُلقي القبض عليه، ثم أُعيد الى إدنبرة حيث حُكِم عليه بالإعدام شنقا. (9)

 

تتضارب الروايات الشعبية لدى المؤرخين لمحاكمة برودي، حيث تقول الرواية الأولى إن المحاكمة تمت في ساحة شعبية وحضرها آلاف المواطنين، وإن وليام لم يُشنق لأنه بحيلة ما قام برشوة المسؤول عن الإعدام، ليسمح له بارتداء طوق حديد يُنقذ رقبته من الشنق، وأن أصدقاءه كانوا في انتظاره لنقله بعيدا حيث شوهد يسير في شوارع لندن. بيد أن الرواية التاريخية الرسمية تؤكد شنقه وموته في محاكمة كبيرة كانت تتابعها الحكومة الإنجليزية والصحف المحلية. (10) لكن على كل الأحوال، أصبحت شخصية وليام برودي شخصية شعبية شهيرة تحوّلت قصته إلى أسطورة، ومن قصته استوحى ستيفنسون قصة روايته الرهيبة.

 

"لقد كان شيطاني محبوسا منذ فترة طويلة، وقد خرج هديرا".

(دكتور جيكل)

في مقدمة كتابه "‫الحيوان الحكاء: كيف تجعل منا الحكايات بشرا"، يقول جوناثان غوتشال: "قبل عشرات الآلاف من السنين، حين كان العقل البشريُّ لا يزال شابّا وحين كانت أعدادنا ‏قليلة، كنّا نروي الحكايات لبعضنا بعضا. والآن، بعد عشرات الآلاف من السنين، لا يزال ‏بعضنا يبتكر الأساطير بقوّة حول أصل الأشياء، وما زلنا نشعر بالإثارة أمام الغزارة ‏المدهشة للقصص على الورق، وعلى خشبات المسارح، وعلى الشاشات؛ من قصص جرائم ‏قتل، وقصص مؤامرات، وقصص حقيقيّة وأخرى خيالية. فنحن، بوصفنا جنسا، مُولعون ‏بالقصّة". (11)

 

كان لدى ستيفنسون، بحد وصف غوتشال، ولع شديد تجاه القصص والحكايات التي يسمعها، وربما يتأثر بها أكثر من المتوقّع، كما في حالة ولعه بشخصية برودي أو فكرة ازدواجية الشخصية. يقول ستيفنسون على لسان دكتور جيكل: "إن الإنسان في الحقيقة شخصان، والروح الإنسانية ليست سوى ساحة معركة بين تلك الشخصيتين -الخير والشر-، فيكافح كلٌّ منهما من أجل التمكّن من الروح".

ويصف الطبيب "ريتشارد وودهيد" في كتابه "القصة الغريبة لروبرت ستيفنسون" أن حياة ستيفنسون الواقعية المليئة بآلام المرض التي أجبرته على قضاء معظم أوقاته في القراءة والكتابة لم تنفصل في الواقع عن أي شيء من أعماله الأدبية. أما حالة ولعه بحياة وليام برودي فلم تكن بالأساس بسبب تعلُّق القصة بذهنه طول فترة الطفولة، أو كونها فلكلورا شعبيا، بل على العكس، فمن خلال تتبُّع مجريات حياة ستيفنسون ندرك حجم التشابه بين حياة ستيفنسون وحياة وليام برودي. فاهتمام ستيفنسون لم يكن بالأساس بقصة برودي اللص بقدر ما كان حول الصراع النفسي في التحول ما بين الخير والشر، ما وصفه على لسان بطله بأن الإنسان في الحقيقة اثنان. (12)

 

ومثلما ذكر ووهيد، كانت الخلفية الاجتماعية لستيفنسون شبيهة لوليام برودي، فوُلِد ستيفنسون في عام 1850 لعائلة برجوازية، وكان والده مهندسا تخصّص في بناء المنارات على سواحل اسكتلندا. أما ظروف ستيفنسون الصحية فأبقته وقتا طويلا في الفراش، وكان أداؤه الدراسي ضعيفا، لكن نمت لديه مواهب أخرى كان أهمها الكتابة والسرد، ويرجع الفضل في ذلك لممرضته، فحين وصل إلى سن السادسة عشرة أرسله والده إلى الجامعة لدراسة الهندسة ليشارك في أعمال العائلة، إلا أن ستيفنسون خيّب آمال والده، حيث لم يهتم بدراسته بقدر ما اهتم بنزواته، فكان يُكثِر من زيارة بيوت البغاء وتدخين الحشيش وابتياع الملابس الفارهة، حتى وصل إلى عامه الرابع والعشرين دون هدف واضح لحياته.

 

بعد أن أعلن والد ستيفنسون يأسه من تصرفاته، ومن أجل إرضاء والده، درس ستيفنسون القانون لكنه لم يمارس المحاماة، فقد كان يقضي وقته في دراسة أساليب الكتابة، إلى أن استغل رحلاته الكثيرة لينشر أول كتاب له في أدب الرحلات، لتكون تلك نقطة البداية التي سينطلق منها الشاب ستيفنسون المخيب لآمال أبيه ليصبح روبرت ستيفنسون الأديب والشاعر والرحالة. (13)

 

"إذا كنت رئيس الخطاة، فأنا رئيس المصابين أيضا".

(دكتور جيكل)

واجهت رواية "دكتور جيكل ومستر هايد" نقدا كونها صبّت اهتمامها الأكبر في وصف حالة الازدواجية لدى بطلَيْ القصة أكثر من الوصف الأدبي لكل ما يشمل الرواية، فازدواجية الشخصية وكل ما يشملها من تناقضات وحيرة وإثارة كانت هي الفكرة الأولى والأخيرة للرواية، فعلى عكس الإعجاب الشديد من قِبل الأدباء مثل بورغاس ونابوكوف، كان وقع قراءة الرواية على حسب وصف الناقد الأدبي الإنجليزي فرانك ليفيز في كتابه "التقليد العظيم" رومانسيا يناسب فئات الأطفال. (13)

 

هذا النقد استنكرته الكاتبة الاسكتلندية "مارجت لافيزي"، وعبّرت عن وجهة نظرها المغايرة لأعمال ستيفنسون، فقالت إن أعمال ستيفنسون لا يمكن وصفها بالبسيطة والرومانسية، وكتبت في مقال لمجلة "ذا أتلانتك": "كان ستيفنسون فنانا شاملا، حيث كان أديبا ومؤرخا ورحّالة وشاعرا وموسيقيا، وتنوُّع مواهبه هذا هو سبب رئيسي في قلة شهرته، مقارنة بأدباء عصره مثل ديكنز وكونراد وهنري جيمس. والخطأ القاتل الذي قلل من أهميته كأديب كان تشتّته بين أكثر من عمل في الوقت ذاته"، إلا أنها تُرجِع الفضل لتنوُّع مواهبه في توهج أعماله الأدبية، حيث تصف رواياته بخليط من الأدب والتاريخ والشعر والرحلة، ذلك ما أضفى ميزة لأعمال ستيفنسون أكثر من غيره. (14)

 

كالمعتاد في الأوساط الثقافية، حين يرتفع أحد الأعمال الأدبية إلى سماء الأدب، ترتفع معه كذلك موجات النقد، فتزيد مساحات الخلاف حول الأعمال الفنية، وهو أمر صحي ومفيد جدا. وبحد وصف الكاتب الإنجليزي "غريغ بزويل" فكتابات ستيفنسون تأريخ أدبي للفترات التي عاصرها ستيفنسون، يقول: "إن عبقرية ستيفنسون مع جيكل وهايد كانت في إظهار الطبيعة المزدوجة ليس فقط لرجل واحد، بل للمجتمع ككل. فطوال القصة، يتضاعف الاحترام مع التدهور والتخلي عن ضبط النفس، الصدق مع الازدواجية. فحتى لندن نفسها لها طبيعة مزدوجة، حيث توجد شوارعها المحترمة جنبا إلى جنب مع مناطق تشتهر بصعوبتها وعنفها".

 

وتُعلِّق زوجة ستيفنسون الكاتبة الأميركية "فاني ستيفنسون" أن قبل شروع روبرت في كتابة رواية "دكتور جيكل ومستر هايد"، كان قد قرأ بحثا علميا في طب النفس في إحدى المجلات العلمية الفرنسية. هذا الموضوع يُظهِر تأثُّر روبرت بنظريات" الأنا الشريرة" وتصارع الخير والشر داخل روح الإنسانية الواحدة، فشخصيات جيكل وهايد المختلفة تستكشف النقاشات المعاصرة حول السلوك الأخلاقي والتعددية المحتملة للوعي الإنساني، فيُقسّم ستيفنسون وعي الدكتور جيكل إلى قسمين؛ الجانب اللائق الذي يحاول وينجح إلى حدٍّ كبير في قمع الرغبات التي تتعارض مع إملاءات المجتمع، والجانب غير الأخلاقي الذي يُدير أعمال الشغب في محاولة لإرضاء رغباته الحيوانية. (15)

 

وبعد مرور أكثر من قرن على رحيل ستيفنسون بقيت فيها "قضيتة الغريبة" ساحة واسعة للنقاش والتفكير، لا يمكن التغاضي عن أن ستيفنسون استطاع عن طريق دكتور جيكل أن يُسلِّط الضوء على المعارك التي تدور داخل كل واحد منا، والحقيقة أن دكتور جيكل المقتبس عن وليام برودي لم يكن سوى روبرت لويس ستيفنسون نفسه!

___________________________________________________________

المصادر

  1. روبرت لويس ستيفنسون.
  2. محاكمة وليام برودي، وليام رويد.
  3. المصدر السابق.
  4. المصدر السابق.
  5. المصدر السابق.
  6. وليام برودي -الحياة المزدوجة-، ديفيد هتشيسون.
  7. المصدر السابق.
  8. المصدر السابق.
  9. أعظم المحاكمات في العالم، توم هيلي.
  10. المصدر السابق.
  11. الحيوان الحكاء: كيف تجعل منا الحكايات بشرا؟، جوناثان غوتشال.
  12. القضية الغريبة لروبرت ستيفنسون، ريتشارد وودهيد.
  13. التقليد العظيم، فرانك ليفيز.
  14. الحياة المزدوجة لروبرت ستيفنسون، مارجت لافيزي.
  15. روبرت لويس ستيفنسون.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة