رواية "العسكري الأسود".. عندما يلتقي الطبيب بجلاده

كتب نيكوس كازانتزاكيس الكاتب والروائي اليوناني ذات مرة: "ربما كانت الكتابة لعبا في عصور أخرى، أيام التوازن والانسجام، لكنها اليوم مهمة جسيمة، لم يعد الغرض منها تسلية العقول بالقصص الخرافية أو مساعدة هذه العقول على النسيان، بل الغرض منها تحقيق حالة من التوحد بين جميع القوى الوضاءة التي لا تزال قادرة على الحياة حتى أيامنا الانتقالية هذه، والغرض، أيضا، تحريض الإنسان على بذل قصارى جهوده، لتجاوز الوحش الكامن في أعماقه".

 

وربما كانت تلك "المهمة الجسيمة" هي التي حملها على عاتقه واحد من أكثر المواهب حِدّة في تاريخ مصر الحديث، الطبيب والأديب المصري الملقب بـ "أمير القصة القصيرة" يوسف أدريس (1927-1991).

 

حاول إدريس عبر مشواره الفني الطويل إلقاء الضوء على قضايا الإنسان العربي، وخاصة المصري، عبر الكتابة الأدبية والصحافية، فعُوقب بالسجن أثناء الحكم الملكي ثم في عهد عبد الناصر عام 1954، غير أنه استمر في الكتابة، وفي عدد شهر يونيو/حزيران سنة 1961 من مجلة "الكاتب" المصرية، ظهرت روايته "العسكري الأسود" كنوع من الاحتجاج الأدبي على أوضاع القمع السياسي وأفعال العنف الوحشية والتعذيب المميت في السجون الناصرية.

رواية العسكري الأسود للروائي يوسف إدريس (مواقع التواصل)

ورغم أن إدريس قد جعل زمان الرواية في العصر الملكي، فإنها حملت تلميحات شديدة الحِدّة إلى عصر حكم الضباط والجنرالات، بل وضع عبر مخيلة شديدة النفاذ والثراء مشاهد لم يسبقه إليها أحد من أدباء عصره في العالم العربي، حيث يلتقي الجلاد بضحيته في نهاية الرواية وتنقلب الآية، ليكشف إدريس عن الوجه القبيح ليس فقط لشخصية الجلاد أو"العسكري الأسود"، بل لمجتمع المقموعين كله، مجتمع الوحوش والمرضى كما وصفته الرواية.

 

تطرح الرواية سؤالا مثيرا: ماذا يحدث إذا التقت الضحية بجلادها؟ لكن قبل الإجابة عن السؤال هناك كثير من التفاصيل والحقائق التي تكشفها المواجهة، ليصبح السؤال: هل يستطيع المجتمع أن يتحمل كل تلك الحقائق والنتائج التي تُفجِّرها المواجهة؟

 

"ماذا يفعل إرهاب السلطة إلا أن يجعل كلًّا منا يرهب نفسه بنفسه".

استخدم يوسف إدريس في روايته "العسكري الأسود" طريقة "صوت الراوي" خلال السرد، حيث يظهر صوت واحد طوال الرواية هو صوت الراوي وهو نفسه صوت المؤلف، إلا أن صوت الراوي في الرواية يتكون من ثلاثة أصوات، أقواها هو الصوت الذي يحكي عن صورة "شوقي" زميل الراوي في أيام الدراسة بالجامعة، الذي كان يعمل بالنشاط السياسي وكان منتميا لإحدى الجماعات السياسية، ولعل إدريس يقصد "جماعة الإخوان المسلمين" حيث كانت الهيئة الوحيدة التي يُطلق عليها لقب "جماعة" بين الأحزاب السياسية المختلفة بالعهد الملكي، حتى أُلقي القبض عليه، وبعد عدة سنوات قضاها شوقي في السجن تعرّض خلالها لأقسى صنوف التعذيب حتى خرج وقد درس الطب بالسجن، ثم عُيّن في "المكتب الطبي للمحافظة"، فيلتقي الراوي بصديقه القديم، وتشاء الأقدار أن يذهبوا برفقة "عبد الله التومرجي" إلى أحد العساكر المرضى ليكتشفا أنه عسكري السجون الذي سمع عنه الجميع.

لكن قبل أن يحدث اللقاء الرهيب، يصف الراوي علاقته بشوقي قائلا: "كنت وشوقي شابين من شباب الجيل الذي اصطلحوا على تسميته بالجيل الحائر، صديقين بلا سبب يدعو للصداقة أو حتى الانتساب إلى جيل واحد، تفتّقت عنا الحرب العالمية الثانية لنجد أنفسنا هكذا زملاء في كلية وجامعة واحدة، بنزعات سياسية وآراء في الناس والحياة لا يمكن أن يربط بينهما رابط؛ ومع هذا كنا أصدقاء.. ربما السبب في الصداقة المهيمنة الكبيرة التي جمعتنا أننا جميعا نؤمن أن لنا رسالة واحدة، نحن مبعوثو العناية لتحقيقها؛ إنقاذ بلادنا وتغيير مصير شعبنا جذريا وإلى الأبد، وهكذا بدأت واستمرت علاقتي بشوقي".

 

ويتابع الراوي سياق تلك الصداقة، فيحكي عن جيلهم "الجيل الحائر" الذي يتشابه كثيرا مع جيلنا الحالي: "جيل واحد صحيح، لكنه شيع واهتمامات، أناس منا كانوا يمرحون ويقضون الليالي حول موائد البوكر الذي يُلعب بقروش ويسمونه قمارا، وشلل أخرى "تزوغ" من المحاضرات وتدمن حفلات السينما الصباحية، وفرق همها الرياضة والجري بالفانلات حول الملاعب، وجماعات للاغتيال والإرهاب، ونحن المهتمون بالسياسة والمؤتمرات والخطب… نحن الذين نبادل الرياضيين وأصحاب النزوات الاحتقار، ونرد على اتهامهم لنا بأننا مهاويس باتهامنا لهم بأنهم منحلّون، وفيما بيننا أيضا نتبادل التهم، التعصب يُرد عليه بالإلحاد، والفاشية يُرد عليها بالشيوعية، ومع ذلك يظل يجمعنا ذلك القوس العريض الذي كنا نطلق عليه برهبة وتقديس: السياسة".

 

"خرجنا من الحرب لنجد جيوش الاحتلال ترتع في أرضنا، ثُرنا فحاولوا الضحك علينا والجلاء الصوري إلى القنال، ثُرنا مرة أخرى مطالبين بالجلاء الكامل والكفاح المسلح، وهذه المرة ضربونا، جاؤوا بدولة باشا آخر ليكمل العلقة وأكملها، فتح السجون على آخرها، سلط الأرهاب بكل أشكاله، كمم الأفواه، أخمد الأصوات، أطلق العملاء، وبعد أن كانت كليتنا تموج بالمؤتمرات والخطب والثوار، أصبحت تموج بالبوليس السياسي، والإشاعات والخوف وحرب الأعصاب، وتشتت شمل الجيل، دخل السجن بعضه، والبعض اختفى وهرب إلى الأرياف والمدن البعيدة، وأحيانا هرب داخل نفسه، حفر حفرة عميقة في صدره دفن فيها ثورته ومعتقداته وردم عليها، وأصبح همه الوحيد أن يردم عليها أكثر فأكثر، ويدّعي عكس ما يعتقد".

وخلال كل ذلك كان شوقي "أحد زعماء الكلية وأحد زعماء مذهبه، لكنه أبدا لم يكن هذا المهووس الأحمق الذي لا يفلح معه التفاهم، كان دائما على استعداد لمناقشة أكثر الآراء بُعدا عن رأيه، يُرحِّب بالجدل بابتسامة واثقة، ولا يثور.. فكان شوقي يتمتع بطاقة إرادة هائلة، وكأنه وُلد وهو يعرف بالضبط ما يريد، ومتأكد أنه واصل إليه لا محالة، وكان يبدو وكأن إرادته تلك ترسب إيمانه في قلبه طبقة فوقها طبقة".

 

حتى أُلقي القبض عليه في السنوات الأخيرة من العقد الخامس من القرن العشرين، وفي تلك الأثناء "شاعت قصص التعذيب، وذاع صيت العسكري الأسود، وما يفعله بالمساجين المعتقلين، وأصبح رمزا لكل ما يناله جيلنا من ضربات، وأصبح هو مبعث رعب الجيل"، ذلك العسكري الجبار الذي كان يرقد ملفه الطبي بعد سنوات كثيرة على مكتب شوقي، لكن شوقي لم يعد شوقي.

 

بعد مُضي فترة طويلة، خرج شوقي من المعتقل وقابله الراوي في المستشفى نفسه الذي يعمل به، فقد عُيِّن به طبيبا بعد خروجه، وتلقّى الراوي زميله القديم كما تلقاه الجميع في المستشفى كبطل، لكن شوقي لم يكن هو شوقي القديم الذي عرفه الراوي أيام الجامعة، فقد تغيرت ملامحه وهيئته، ونظراته، وحتى صوته الذي كان يجلجل في الخطب والنقاشات أصبح همسا مؤدبا خافتا، ونظراته الخائفة وعيناه زائغتان للأمام فقط كأنه مسحور أو ملجوم بلجام شديد خفي.

لم يتغير "شوقي" فقط، بل أصبح إنسانا آخر غير شوقي القديم، إنسانا كل همه أن يعيش يومه بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة، همه أن يحصل على أكبر قدر من المنافع والملذات، وأضحى "يتآمر مؤامرات صغيرة في القسم ليُتاح له مثلا أن يحظى بعملية فتق أكثر من زملائه الأطباء، أمسى يُنافق "النائب" الذي لا يوجد فرق عمري بينه وبين شوقي وزملائه، يكذب ويكذب باستمرار وبلا سبب وبطريقة ساذجة مكشوفة تدفع للاشمئزاز"، ثم مضى بعيدا في طرق كل وسائل الحقارة المهنية، فراح يُحضر المرضى لـ "كشك الغيار" ويساومهم مساومات رخيصة على أن "يتوصى" بهم في العلاج، ويأخذ مقابل ذلك بضعة قروش هي كل ما يمتلكه المريض الراقد في المستشفى.

 

ثم بدأ في سرقة ممتلكات زملائه، حتى لو فرشاة أسنان قديمة، الأمر الذي دفع بعض الأطباء زملاءه لتشخيصه بمرض "الكليبتومانيا" أو جنون السرقة، لكن الأمر كان أكبر من ذلك بكثير، فحتى عائلته قاطعها شوقي ورفض أن يساعدهم بمليم، ثم سعى للحصول على "واسطة" لتعينه في مكتب "حكيمباشي المحافظة"، أما مرضاه فكان يعاملهم بمنتهى الخشونة خاصة العساكر منهم.

 

حتى أيقن زميله الراوي أن الأمر أخطر من مجرد تغيرات نفسية أو قشرة صدأ غطت روحه بسبب السجن، فقد كان شوقي مجروحا، "ليس جرحا صغيرا في جسده، إنما جُرح جرحا شاملا من قمة رأسه إلى أظافر قدمي شخصيته، إن هذا ليس بشوقي، لكنه الندبة الضخمة التي تخلّفت عن الجرح"، وكأن روحه اصطدمت بشيء بالغ العنف دفعها بعيدا وعميقا جدا، في حفرة مظلمة من نفسه ولم يتبقَّ منه إلا ذلك الوحش الذي خرج من أعماقه واستحوذ على جسده ومشاعره، وهذا الوحش قد غيّره للأبد.

 

رفض شوقي كل محاولات إنقاذه وكل الأحاديث التي طالبته بالفضفضة والبوح ونادت على روحه القديمة بالخروج من مكمنها العميق، كأنما "تبلورت رسالته في محاولة إغراق نفسه أكثر، ويا للسخرية! لقد كنا بالأمس نعمل، وأملنا مؤكد أننا سننقذ الشعب كله، فإذا كلٌّ منا اليوم غير قادر أن ينقذ نفسه"!

 

 

"هذا قدر المهزوم:
لا أرض.. ولا مال.
ولا بيت يردّ الباب فيه..
دون أن يطرقه جاب"
(أمل دنقل)

في ميدان "باب الخلق" بالقاهرة، داخل بناية المحافظة القديمة، هناك في مكتب "حكيمباشي" المحافظة، بعد أن خلا من روّاده من سكان قاع المدينة العتيقة؛ من المتسولين والمشردين والمجاذيب وذوي العاهات والمحتالين والمتشاجرين، فرادى وجماعات في سلاسل وكلبشات، بجانب العساكر طالبي الإجازات والشاويشية والضباط؛ طوابير من البشر انتهى منها شوقي، ثم جلس ليدخن، فاختلطت رائحة التبغ برائحة "الفنيك" الذي يُرش به الأرض، مع خليط من روائح الأثاث القديم والأجساد المتعرقة، تتجمع كلها في ساعة عصر صيفية، فتتحول إلى مادة قوية خانقة تملأ هواء الغرفة، ويشعر مَن فيها بالاختناق، غير أن شوقي لا يغادر الغرفة، بل يستمتع مع زميله القديم بالاختناق الخارجي الذي يُلهيهم عن الاختناق الداخلي.

 

وربما يصدر هذا الخليط السام الخانق من صدر شوقي نفسه، فالمكان ما هو إلا امتداد للجسد البشري، وهذا الامتداد الذي يُشعِر الإنسان بالارتياح وبامتلاك حيز من الزمان والمكان هو ما جعل شوقي يختار أوقات العمل التي تجعله منفردا في حجرة الكشف، الشعور الذي يفقده أي مسجون خلال فترة سجنه وتعذيبه، حيث تتحول الغرفة وحتى الزمن في السجن إلى سلاح ضده، فيشارك المكان والزمان في سحق السجناء، فيتقلص عالم السجين ويتمزق، عندما يتفكك عالمه وتنقلب كل الأشياء ضده.(1)

 

يشرح يوسف إدريس ذلك في قصة "مسحوق الهمس" قائلا: "من قال إن السجن هو فقط مصادرة حرية الإنسان؟ إن فقدان الحرية ليس سوى الإحساس السطحي الأول، فالإنسان يظل يفقد أشياء كثيرة جدا (في السجن)، كل ما يملكه أو باستطاعته امتلاكه، كل قدراته ومكتسباته، كل صلاته وقراباته وأحلامه وطموحه، كل ما ينفرد به كشخص، وكل ما يتساوى به مع المجموع؛ كلها، بعد معارك استماتة طاحنة، لا يلبث أن يجدها، رغما عنه وأمام ناظريه وبقوة الحبس والعزل القاهرة، تتسرب واحدة وراء الأخرى وهو لا يملك لها ردا ولا منعا، ثم يصحو الإنسان ذات يوم وهو يحس بالراحة الكبرى وقد انتهت الأزمة ومات الأمل تماما وحل اليأس الكامل، حينذاك فقط تبدأ حياة السجن الحقيقية، حياة أخرى مختلفة عن حياة الناس، حياة لا أساس لها ولا غد، وإنما طولها هو يوم واحد هو، بالتحديد، ذلك اليوم الذي تحياه".

غير أن حتى هذا الوصف لا يُعبِّر عن الأزمة الحقيقية والألم الوجودي الذي يشعر به السجين، وقد حاول يوسف إدريس مرة أخرى فهم هذه الأزمة بمراقبة التغير الذي طرأ على روح شوقي ومحاولة فهم سبب ذلك التغير الرهيب، فينتهي باستنتاج أن شوقي الذي خرج من السجن لم يعد بشرا ولا حيوانا، بل هو جنس جديد، كائن يشبه البشر، لكنه يعتبرهم قطيعا من الذئاب، لذلك هو مستعد في أي لحظة أن يستحيل ذئبا أو كلبا، فمأساته أن عليه أن يحيا وسط تلك الذئاب التي تود لو تفتك به، عليه أن يتظاهر أنه بشر يضحك ويغضب ويحزن ويفرح، لكنه لم يعد يؤمن بالإنسان، يريد أن يهرب منه، يحيا خائفا، حياة من الهرب المتواصل، "يقيم معك الصداقة إمعانا في الهرب منك، يجاذبك أطراف الحديث ليُلهيك عن نفسه، ويُنافقك أو يصنع معك المعروف لكي يرشوك، يتزوج كي يهرب من مسؤولية عدم الزواج، ويعمل في قومسيون طبي للمحافظة كي يهرب من البوليس والمباحث.. همه فقط أن ينجو.. يؤذي فقط لكي يموه بوهم قوته لمَن حوله من الوحوش.. فرغبته في الحياة أكبر من رغباتهم جميعا، رغبة عارمة في الحياة يؤرقها دائما الخوف الهائل المجنون من الأحياء".

 

تشرح إلين سكاري في كتابها "جسد متألم" المراحل التي يمر بها السجين الذي يتعرض للألم؛ وأولى تلك المراحل هي "الإصابة بالألم" حيث يكون حضور الألم طاغيا وشاملا، وتجربته أكثر واقعية من أي تجربة أخرى لدى الشخص المتألم، "حتى الصرخات البشرية الطويلة المتألمة لا تنقل سوى بُعد محدود من أبعاد تجربة المتألم".

ثم في الخطوة الثانية من خطوات التعذيب تتجسد خصائص الألم الذاتية وتتشيأ، حيث يسري الألم ويتغلغل في روح المتألم، لا بوصف الألم حدثا عارضا على الجسد، بل جوهر بداخله متصل مباشرة بروحه، ويتجلى في عدة خصائص، أولها انفصاليته الكاملة، حيث يكون محتوى الألم بحد ذاته نفيا كاملا يجعل المتألم غير قادر على شرحه أو مناقشته في أي قالب من قوالب اللغة، بل حتى اللغة تنتفي وتتحول إلى صراخ حاد.

"فالألم تجربة إنكار فيزيائي محض واستدعاء حسي مباشر لـ "الضد"، لشيء يكون في المواجهة، شيء تجب مواجهته، ومع أن الألم يحدث داخل الشخص، يعرّفه المتألم بأنه شيء لا يخصه، شيء غريب أو دخيل لا بد من التخلص منه فورا".

والسمة الثانية والثالثة في الألم هما تجربة "الفاعلية المزدوجة"، فبينما يكون الألم في جانب منه استدعاء حسيا عميقا لـ "الضد"، هو أيضا استدعاء لـ "الشيء" الذي يكون ضدا، وهو شيء داخلي وخارجي في آنٍ واحد معا، فعندما يحدث الألم بسبب سكين أو دبوس يدخل في جسد الإنسان، لا يشعر الإنسان بالشيء، وإنما يشعر بجسده، مع استدعاء وعيه للشيء الخارجي المسبب للألم، فيسعى لإيقاف ذلك المسبب الخارجي فورا، وعندما يكون الألم حادا جدا في جسده، بحيث لا يستطيع أن يوقف المسبب الخارجي، يتضاعف شعور الألم داخليا، وبالتالي وببساطة يتخلى الإنسان عن نفسه وجسده مع تخليه عن محيطه الخارجي الذي يتحول في نظره إلى أدوات تعذيب، كما يتوحّد العامل الخارجي مع الجسد، فيصبحان منطقة ألم يود لو يهرب منها.

 

لذلك تنتج تجربة الألم الجسدي الشعوري خلطا شديدا بين الخاص والعام، فالألم يجلب معه شعورا زائدا بعزلة مطلقة الخصوصية تُشعره بشيء من الأمان، لكنه في الوقت نفسه يعري ذاته أمام الآخر بلا أي احتمال لتجربة مشتركة أو حميمية. وهذا الدمج بين الخارج والداخل يتضح فيما بعد في سلوك المتألم، لأن تجربة الألم الشعورية تجعل السجين مضطرا قسرا إلى تركيز انتباهه على الوقائع الداخلية الحميمة في جسده مثل "الألم، الجوع، الغثيان، الاحتياج الجنسي، الإخراج" في وقت لا تتوافر فيه خلوة بالنفس لأنه تحت مراقبة متواصلة سواء من السجان أو غيره من المسجونين، وبالتالي يتعلم السجين من تلك التجربة الشعورية أن يكون فظا ووضيعا في سلوكه المعيشي، منعزلا متألما منغلقا عن الجميع وفظاظته تعري احتياجاته الأولية.

 

يقول يوسف إدريس واصفا حالة شوقي: "أنت لا تشعر بالضرب حين تكون حرا أن ترده، أنت تشعر به هناك حين يكون عليك فقط أن تتلقاه، ولا حرية لك ولا قدرة لديك على رده، هناك تجرب الإحساس الحقيقي بالضرب، بألم الضرب، لا مجرد الألم الموضعي للضربة، إنما بألم الإهانة. حين تحس أن كل ضربة تُوجَّه إلى جزء من جسدك تُوجَّه معها ضربة أخرى إلى كيانك كله، إلى إحساسك وكرامتك، ضربة ألمها مبرح لأنها تصيب نفسك من الداخل، حيث تستحيل إلى كومة عارية من لحم خائف مذعور لا تستطيع أن تعض أو ترفس، تتلقى الألم وتسكت عليه، والسكوت عن الألم أشد إيلاما وإيذاء من الألم نفسه، خاصة إذا كنت أنت مَن تتولى إسكات نفسك، الضرب، هذا النوع من الضرب، حين لا يبقى أمامك لكي تمنع ألمه وعاره إلا أن تحتمل وتصبر، أو تقتل نفسك وتنتحر، عمل لا يستطيعه ويقدر عليه معظم الناس، وحتى إذا قدروا فقانون الحياة نفسه يرفضه ويمنعهم من إتيانه، إذ كيف يُعقل وأنت في موقف تدافع فيه عن نفسك ووجودك أن تشرع في قتل نفسك ومحو وجودك؟ بالعكس، إن أبشع ما في الأمر أنك لا تحتمل فقط وتصبر، ولكنك تزداد تمسكا بالحياة، وتصل بك حلاوة الروح إلى درجة مخجلة في شدتها وقوتها، وهكذا في مقابل كل ضربة هائلة الألم عارمة القسوة مهينة تتلقاها من الخارج، تنهال عليك من داخلك وذات نفسك ألف لعنة، ألف طعنة، ألف إحساس مخجل مهين يمزق أحشاءك وتُذيب كماء النار روحك، لأنك لا تموت ولا تريد أن تموت ولا تزال حيا تتمسك ذليلا بالحياة".

والسمة الأهم للألم هي قدرته على هدم اللغة، وهي المصدر الرئيسي للتعبير عن ذواتنا وأداة يتمكّن عبرها الألم من الخروج إلى العالم بغرض التخلص منه، لكن قبل أن يهدم الألم اللغة فهو يستحوذ عليها ويحتكرها، يستغلها في رسائل الشكوى وطلب المساعدة، ثم يمزق أوصالها، فتتحول إلى نحيب وبكاء، أو "هبهبة وعواء" مثلما حدث لعباس الزنفلي أو العسكري الأسود.

 

"العالم الذي تبحثون عنه هو عالم أرواحكم ذاتها، هو السجن الذي وُضعتم فيه، الروح الذئبية الشيطانية التي تتبقى حتى في نفوسنا المتحضرة هي ضمان الإذعان الاجتماعي".

(هيرمان هيسه)

وقع في يد شوقي بالمصادفة ملف كبير لعسكري مريض، وعندما سأل "عبد الله التومرجي" عنه قال: "ده خلاص يا بيه.. الراجل بقى يهبهب زي الكلاب ويعوي زي الديابة"، وكانت تلك الجملة هي الإشارة التي لفتت نظر "شوقي"، ولمعت في عينيه نظرات اهتمام لم يشاهدها أحد عليه مذ خرج من المعتقل، وقرر أن يذهب إليه فورا، حاول "عبد الله التومرجي" أن يثنيه عن ذلك المريض، وأن يتركه لـ "الحكيمباشي" موضحا أن ذلك المريض لا جدوى من علاجه، وأنه هو العسكري الأسود الذي أرعبت سيرته الجميع لما ذاع عنه من تعذيبه للمسجونين وجبروته، لكن شوقي أصر، وسرعان ما استقل الثلاثة سيارة وذهبوا إلى بيت العسكري الأسود عباس الزنفلي.

 

دخل الثلاثة "الراوي، وشوقي، وعبد الله التومرجي" بيت عباس، وقبل أن تحدث المواجهة، قابلوا زوجته، التي حكت لهم قصة عباس، قصة صعوده، وتحوله إلى آلة قتل وتعذيب، مطحنة بشر، ووحش كاسر لا يقدر أحد على ترويضه، حتى أصابه غم مفاجئ، ثم أُوقف عن العمل بعد أن تغيرت الحكومة، وانفض الناس من حوله، ولم تعد له أهمية تُذكر ولا وجود عند الناس، حتى أصابته حالة من الهذيان، كأنه ألم داخلي مبرح، تحول إلى "هبهبة كلاب وعواء ذئب جريح".

دخل الثلاثة حجرة عباس بعدما سمعوا عواءه الوحشي المخيف، "كان عباس الزنفلي يرقد نصف رقدة على الفراش، والزوجة تسنده، وكان يبدو كمَن كف لتوه عن البكاء.. كانت تبدو على عباس آيات المرض، لكن لم تكن تلك الآيات أخطر ما به، كان في عينيه أو بالتحديد في نظرته، نظرات عباس لم تكن مريضة، أو متوهجة، أو مجنونة، كانت ساكنة سكونا مستمرا مستتبا كسكون الموت، وشاملة أيضا، فيها ذلك الشمول الذي تحسه للمحيط حين تقف على شاطئ له".

 

تقدَّم شوقي من المريض وقد اندفعت في عينيه الحياة، وكأن شوقي القديم الثائر قد خرج من مخبأه المظلم، تكلم بلغة صحيحة ونبرة عالية عنيفة لأول مرة: "أنت عباس؟ عيان بإيه"، ولما لم يرد عليه الزنفلي إلا بنظرة ميتة انفجر شوقي فجأة: "ما تستعبطش، ما تعملش إنك ناسي، مش فاكر العنبر؟ مش فاكر علق الساعة خمسة؟ مش فاكر دور تسعة؟ مش فاكر النبابيت؟ مش فاكر الكرباج؟ مش فاكر الدم؟ فين كرباجك؟ فين نعل جزمتك الحديد؟ فين كفك؟ فين صوابعك؟ فين النار فين؟ بص لي وانطق واتكلم وصرخ، صرخ زي زمان، سمعني صوتك يا عسكري يا أسود، وإن كنت ناسي أفكرك حالا".

 

ثم كشف شوقي عن ظهره، عن آثار التعذيب، "لم يكن في ظهره مكان واحد له شكل الجلد أو مظهره، كل جلده كان ندوبا بشعة، تمتد بالطول والعرض وتتجمع في هضاب مندملة"، وبدأ شوقي يصرخ صراخا عنيفا في وجه الزنفلي، صراخا لم تعد كلماته مفهومة، مجرد خيط متصل طويل مكوّن من أشياء غير واضحة، بدأ خيطها يلتوي ويستحيل إلى شيء يشبه العواء، حينئذ تحوّلت نظرات عباس الميتة إلى نظرات ذعر راحت تتعمق وتتعمق وتصبح رعبا هائلا مقيما.

 

وبدأ عباس ينكمش على إثر الرعب الذي أصابه من عواء شوقي، انسحب إلى نهاية الفراش، يصغر حجمه ويتكور، مما جعل شوقي يطارده، يكاد يلتهمه، وفي تلك اللحظة فتح الكائن البشري الملتصق بالحائط فمه وأصدر عواء مزعجا سرعان ما انقلب إلى "هبهبة كلب"، واستطال فمه ينفتح وينغلق، يكاد يقضم ذراع شوقي، فجزع الأخير وتراجع، فلم يجد فم عباس إلا ذراع زوجته فأطبق عليه وراح يلوكه، فصرخت صراخا أعلى من كل هبهبة وعواء، فجاء الجيران وترك فم عباس ذراع زوجته. وراح ينشب أظفاره في جلده ويلطم وجهه حتى التهم ذراعه وظل يضغط حتى انتزع منها اللحم، وامتلأ فمه بالدم، وكأن إدريس يصف لحظة ذروة موت الجلاد، ذروة عنفه ضد نفسه في لحظة انهياره وموته، موت جبروته وجبروت دولته.

 

"إن المستعمَر يعرف هذا كله، ويضحك كلما اكتشف نفسه حيوانا في أقوال الآخر، وهو يعرف أنه ليس بحيوان، وفي الوقت الذي يدرك فيه أنه إنسان يأخذ بشحذ أسلحته ليحقق انتصار إنسانيته".

(بول سارتر)

رغم أن رواية "العسكري الأسود" تُركِّز بشكل أساسي على صوت شوقي والتحوُّل الذي أصابه بسبب تجربة السجن، وصوت العسكري الأسود الذي يرمز للجلاد وجبروته بعد أن يمرض جسده وتضعف سلطته وتتلاشى دولته وتنهار، فإن هناك صوتا ثالثا في الرواية هو صوت المقموعين، طوابير المرضى المهمشين في مكتب "حكيمباشي المحافظة"، شخصية "عبد الله التومرجي" الذي كان في الأصل عسكريا ثم عمل في مكتب "الحكيمباشي"، زوجة العسكري الأسود المغلوبة على أمرها، وجيران عباس الذين حضروا لحظة انهياره الأخيرة وهو يُمزِّق لحم ذراعه.

وهؤلاء كلهم تجمعهم صفات شبيهة بصفات شوقي بعد أن خرج من المعتقل، كلهم يطرقون كل الطرق وكل الوسائل للحياة، يبكون تارة وينافقون تارة، يتوسلون طوال الوقت، ويحيكون المؤامرات الصغيرة الدنيئة ليحصلوا على مكاسب إضافية زهيدة، يعيشون حياتهم البائسة يوما بيوم، ويتجنّبون إثارة المشكلات، يتلقون الإهانة ممن هو أعلى منهم رتبة فلا يتحرك لهم ساكن، بل يأخذون الإهانة على مستوى الهزل والضحك، ورغم ذلك لا تنفعهم كل تلك المسالك ولا تنجيهم.

 

يُلمِّح إدريس في روايته إلى أن سلطة الدولة والخوف الذي تزرعه في الناس هو السبب في الخراب الذي حل بالوطن، لكن هذا الخوف لا ينجيهم ولا ينجي الدولة ولا يتحرك بالوطن خطوة للأمام، فالجميع يعمل لنفسه لينجو ويحصل على مكانة أعلى بنظر الجلاد في دولة كأنها معتقل كبير، بل هو يخلق الوحوش، التي إن أُتيح لها جزء من السلطة فلا بد أنها ستنتقم لنفسها، يقول سارتر: "ومع ذلك لم يتحقق هدف السلطة في أي مكان، لم يتحقق في الكونغو حيث كانوا يقطعون أيدي الزنوج، ولا تحقق في أنغولا حيث كانوا يثقبون شفاه المتذمرين ليقفلوها بأقفال. ولست أدّعي أن من المستحيل أن تبدل إنسانا فتجعله بهيمة، وإنما أقول: إنك لا تصل إلى ذلك إلا بإضعافه إضعافا كبيرا، واللطمات لا تكفي أبدا، لا بد من المبالغة في التجويع".

 

"وهذه هي المشكلة المزعجة؛ إنك حين تجعل فردا من أفراد نوعنا البشري أشبه بالدابة فإنك تُقلِّل إنتاجه، والإنسان الذي يصبح حيوانا أهليا يُكلِّف من النفقات أكثر مما يعطي من الأرباح"، ولهذا تضطر السلطة إلى وقف الترويض، والنتيجة أن هذا الشخص لا يكون إنسانا ولا بهيمة، بل مخلوق غريب بينهما على استعداد أن يتحوَّل إلى وحش في أي لحظة.

 

وتنتهي الرواية بحكمة قالتها سيدة حضرت لحظة انهيار "العسكري الأسود" وتمزيقه لحم ذراعه مُوجِّهة كلامها لزوجة الزنفلي: "لحم الناس يا بنتي اللي يدوقه ما يسلاه، يفضل يعض إن شالله ميلقاش إلا لحمه، الطف يا رب بعبيدك"!

__________________________________________________________-

المصادر

  1. العسكري الأسود، يوسف إدريس.
  2. جسد متألم: صنع العالم وتفكيكه، تأليف: إلين سكاري، ترجمة: حسام نايل.
  3. حيونة الإنسان، ممدوح علوان.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة