الملهاة الفلسطينية.. رحلة نصر الله في دروب النكبة العربية

ميدان – الملهاة الفلسطينية.. رحلة نصر الله في دروب النكبة العربية

"بينما كنا نتشرّبُ حكاياتِ الأمهاتِ والجدّاتِ

التي كنَّ يقُدْننا فيها، وبها، نحوَ النوم

نستعيدُ هذه الحكاياتِ في الكتابة،

في محاولة منا لإيقاظِ العالم!"

(إبراهيم نصر الله)

  

في أواخر ستينيات القرن الماضي، ارتفع صوت محمود درويش يردد في الآفاق أن "انقذونا من هذا الحب القاسي"، في إشارة إلى تمجيد المراقبين الأدبيين في العالم العربي للأدب الفلسطيني باعتباره تمجيدا للقضية ذاتها، وهو وإن كان يدفع الأدباء والشعراء الفلسطينيين للسير قُدما في طريقهم كما قال درويش مُسلّحين بهذه الطاقة الغامرة من الحب، فإنه أضفى نوعا من القدسية التي لا يحتملها الأدب أو الأدباء الفلسطينيون، وهي قدسية سيرى الكاتب والروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله فيما بعد أنها نمّطت (1) الفلسطينيين في صورة أبناء الحجارة والمقاومة الذين لا يجب إلا أن يفرحوا لاستشهاد قتلاهم مستقبلين إياهم بالزغاريد وأثواب الأعراس، وأن يستمروا في المقاومة دون أن يكون لهم تفاصيلهم الخاصة في الحياة من حكايا حب أو أن يمتلكوا مشاعر إنسانية متناقضة كباقي البشر.

  

كان هذا دافعا، ضمن أسباب أخرى، لنصر الله كي ينطلق في رحلته الخاصة لمنح القضية الفلسطينية والفلسطينيين تفاصيلهم الخاصة؛ لا مجرد أرقام للقتلى أو المحاصرين، بل بشر يُسفَّرون للعمل في مدن أخرى، وينقلون سرا جوابات العشق والغرام، ويبكون بيوتهم المسلوبة من محتل لم يمنحهم فرصة وداعها أو وداع قتلاهم لمرة أخيرة، وفي حين بدأت هذه القصص في روايات منفصلة يقص بها نصر الله حكايات الفلسطينيين في الشتات ويعود بها للوطن في خيالاته، فقد تحوّلت هذه القصص بعد ذلك بسنوات إلى مشروع ضخم نعرفه الآن جميعا باسم: "الملهاة الفلسطينية".

     

  

لا يبدأ الملهاة إلا عبر التطرق للخلاف المستمر الذي يدور حول الاسم ذاته، وذلك منذ نشأة المشروع حتى الآن، فهل هي"ملهاة" أم "مأساة"؟ (2) يختار نصر الله إجابة صريحة وقاسية؛ فلا تجد رواية من روايات الملهاة الاثنتي عشرة إلا وتنتهي بتعريف لسان العرب لـ "اللهو"، ومفيما يتساءل البعض حول السبب الذي يجعل أحد أهم مشاريع التأريخ الروائي للقضية الفلسطينية يحمل "اللهو" عنوانا له، يُجيب نصر الله حسما للجدل بأنه يرفض أن تكون نهاية القضية الفلسطينية قد حُدِّدت بكونها "مأساة"؛ ففي الأدب والمسرح تعني المأساة نهاية حزينة للصراع والأحداث، وعلى أرض الواقع فإن القضية لم ولن تنتهي بعد كما يروي، بل العكس من ذلك، ومن هنا أتت "الملهاة" تعريفا وسخرية من حركة التاريخ، وانشغالا بكفاح الشعب الفلسطيني.

     

"لها بالشيء، لهوا: أولع به.

لَها، لِهْيانا عن: إذا سلوتَ عنه وتركت ذكره وإذا غفلت عنه.

ولَهَت المرأة إلى حديث المرأة: أنِست به وأعجبها. 

قال تعالى (لاهية قلوبهم) أي متشاغلة عما يُدعَونَ إليه. وقال (وأنت عنه تلهّى) أي تتشاغل.

وتلاهوا: أي لها بعضهم ببعض. 

ولهوت به: أحببته. 

والإنسان اللاهي إلى الشيء: الذي لا يُفارقه. وقال: لاهى الشيء أي داناه وقاربه. ولاهى الغلامُ الفطامَ إذا دنا منه.

واللُّهوْةُ واللُّهْيةُ: العطية. وقيل: أفضل العطايا وأجزلها". 

(لسان العرب)

     

كان المشروع مدفوعا في البداية بهدف ألا تنسى الأجيال القادمة من الفلسطينيين أو العالم الكيفية التي احتل بها الصهاينة أرض فلسطين وطردوا أهلها منها، وكرد مباشر على قول "ديفيد بن جوريون" مؤسس دولة الاحتلال ورئيس وزرائها الأسبق: "سيموت كبارهم وينسى صغارهم" (3)؛ انطلق الشاب الثلاثيني حينها -نصر الله- في جمع شهادات عائلته وأصدقائهم ورفاقهم من سكان مخيم الوحدات بالأردن حيث كانوا يحيون منذ عقود بعد خروجهم من فلسطين في أعقاب النكبة.

       

 إبراهيم نصر الله  (الجزيرة)

      

شهد المخيم بدايات نصر الله، المولود عام 1954 لأبوين فلسطينيين مُهجرين من قرية البريج جنوب غرب القدس، وفي المخيم رأى "الوطن كلّه في مكان واحد.. في منفاه" كما يصف (4)، إلا أنه بوجود "تلك الأعداد الكبيرة من المهجَّرين من مختلف المدن الفلسطينيّة"، وحيث "يحمل كل إنسان قريته ومدينته معه، من كل مكان عاشوا فيه"، فلن يكون صعبا على نصر الله التنقل بين مدن فلسطين، التي لن يراها فعليا إلا بعد ذلك بعدة سنوات، والتعرف عليها ووصف شوارعها وبيوتها والأحداث المحورية التي دارت بها منذ نهايات القرن السابع عشر وحتى يومنا هذا. 

   

ما بدأ عام 1985 كمشروع رواية واحدة هي "زمن الخيول البيضاء"، وتدور حول تضحية بريطانيا بفلسطين لصالح الحركة الصهيونية وبناء وطن قومي لليهود في فلسطين، تحوَّل بعد عام ونصف العام إلى ما يتجاوز سبعين ساعة من الشهادات الحية والوثائق والحكايات الشعبية والمأثورات الثقافية والتاريخية للشعب الفلسطيني كاملا. لذا لم يكن صعبا أن تمتد الرواية وتتكاثر لتصير سلسلة تبدأ -وفقا لترتيب الملهاة المختلف عن ترتيب نزولها- بـ "قناديل ملك الجليل"، وتتوقف الآن عند "دبابة تحت شجرة عيد الميلاد". 

   

جاب نصر الله في الملهاة مراحل متتالية وواسعة من تاريخ فلسطين؛ بداية من سقوط الإمبراطورية العثمانية في "قناديل ملك الجليل"، ووضع اليد البريطاني على أراضيها في "زمن الخيول البيضاء"، ثم وعد بلفور، فالنكبة والنكسة وحرب الأيام الست، وإلى آخره من اتفاقيات أوسلو والهبّات (الانتفاضات) الفلسطينية والشتات الذي لم تخلُ منه أي من روايات الملهاة؛ أعاد نصر الله كتابة مئتين وخمسين عاما (5) تقريبا من تاريخ فلسطين الحديث، الرسمي وغير الرسمي، مانحا ملهاته عن استحقاق وصف "الإلياذة الفلسطينية".

  

   

  

تنهض محورية الملهاة كمشروع على أنه يُقدِّم تجربة للأجيال التي وجدت في المنفى، يروي الدكتور رامي أبو شهاب (الكاتب، والباحث الأكاديمي، والمتخصص في النقد الأدبي، والدراسات الثقافية، وخطاب ما بعد الاستعمار) في حديثه مع "ميدان" مستطردا أنه باعتبار الكتابة عملا لا ينتهي، فإن مشروع نصر الله يعدّ جزءا من مدونة فلسطينية ممتدة. غير أنه يمتلك حاسته الخاصة عبر الرغبة في تمثيل الفلسطيني ضمن لوحات تعبر الزمن، وتلتقط المكان، وتعيد صوغه، بما يكتنف ذلك من صيغة فنية تستقي من الرمزي والأسطوري والتاريخي زادها الخطابي. وبناء عليه، وكما يقول أبو شهاب، فرواية نصر الله في نهجها العام تستند إلى القبض على الذاكرة الفلسطينية التي تناثرت جراء الشتات والتهجير والاقتلاع.

   

يُجيب هذا عن السؤال المتردد حول ما إذا كانت ملهاة نصر الله قد وفّت الغرض الذي لأجله بدأ كاتبها مشروعه الضخم، لكنه يُعيد طرح التساؤل حول قدرة الملهاة، بثقلها وامتدادها التاريخي وعدم اكتفائها بالجانب الأدبي والإنساني من الرواية، على الانتصار على أكاذيب الكيان المحتل بأحقيته في الأرض الفلسطينية، وربما تحقيق انتصار يفتح طريقا للأدب لإحداث أثر في واقع الفلسطينيين اليوم في الداخل والشتات.

  

حوار النص الأدبي والتاريخي

"نكتبُ لنهُز العالمَ لا لنُربت عليه، فعالمنا اليوم ليس قطا أنيسا، بل حقلا واسعا للقتل، وجراحُه أكبر من أن يواريها أحد بطبقة من مكياج خفيف أو ثقيل" (6) 

(إبراهيم نصر الله)

   

كان يوما باردا من أيام مارس/آذار 1948، وفيما كان يُعرف بـ "البيت الأحمر"، أو المقر الرئيس لمجلس العمال المحليين الذي أصبح في أواخر 1947 مقر قيادة عصابة الهاجاناه الصهيونية بالمدينة المحتلة "يافا" أو "تل أبيب" كما صار اسمها بعد الاحتلال، سيجتمع أحد عشر من قادة العصابات الصهيونية والعسكريين الذين سيضعون معا "خطة التطهير العرقي" لأرض فلسطين. خطة ستجد طريقها، بحلول نهاية اليوم، إلى العصابات الصهيونية بطول فلسطين وعرضها؛ مُرفقة بما اعتُبر "وصفا مفصلا للأساليب الممكن استخدامها لطرد الفلسطينيين بالقوة، مثل: محاصرة وقصف قرى ومراكز سكانية، وحرق منازل وأملاك وبضائع، وهدم البيوت والمنشآت لطرد الناس، وزرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم". 

  

 

  

كانت تلك كلمات المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في مقدمة كتابه الشهير والمثير للجدل "التطهير العرقي في فلسطين"؛ باعتباره إحدى أهم الوثائق (7) التي كتبها إسرائيلي وتُثبت المجازر وعمليات الإبادة والطرد المتعمّد للفلسطينيين من أراضيهم من قِبل عصابات الصهاينة خلال أعوام النكبة، والتي انتهت، بعد ستة أشهر فقط من وضع الخطة السابقة، بطرد أكثر من نصف سكان فلسطينيين الأصليين وعددهم تقريبا 800 ألف نسمة، وفقا لبابيه، وبما يُعتبر وفقا للقانون الدولي الحالي: جريمة ضد الإنسانية. 

   

انطلق بابيه في مشروع كتابه من محور واحد هو الأهم كما ذكر، ويدور حول قدرة الكيان المحتل على إخفاء هذا "الحدث المصيري" من تاريخ الفلسطينيين، بل و"إنكاره بصورة منهجية منذ وقوعه" ليظل حتى الآن "غير معترف به كحقيقة تاريخية، ناهيك بالاعتراف به كجريمة يجب مواجهتها سياسيا وأخلاقيا" كما يقول. وفي حين أنهت اتفاقيات الهدنة التي وقّعها الكيان المحتل عام 1949 مع عدة دول عربية هي مصر والأردن وسوريا ولبنان احتمالية مواجهة الاحتلال بجرائمه، فقد أنهت كذلك على الذاكرة الرسمية لهذه الجرائم التي بقيت حية تاليا لذلك في ذاكرة الفلسطينيين فقط. 

   

التقط نصر الله هذه الذاكرة حية من وجدان أصحابها، وممزوجة بإرث ثقافي/أدبي وشعبي وديني وتاريخي، ليُعيد كتابة ليس فقط المأساة الفلسطينية الكبرى، بل وتفاصيلها الأكثر صغرا في حياة الفلسطينيين اليومية كما كانت في أرضهم، فتجد "الشيخ سعدون الحكواتي" في قناديل ملك الجليل موازيا لشخصية شهرزاد في ألف ليلة وليلة، وإليه كان يجتمع أهالي القرية لسماع الأساطير العجيبة عن مدن لا يصلها النور، بينما ستتعرف في "سيرة عين" على تفاصيل حياة أول امرأة فلسطينية تدخل عالم التصوير وتُصارع الرجال على إثبات جدارتها قبل أن يلتهمها المرض والموت، وسوف يدرك مَن لا يعرف بأمر "مفاتيح العودة" كيف يُورث الفلسطينيون، والنساء خاصة، مفاتيح بيوتهم التي أغلقوها وراءهم في عام النكبة على أمل العودة مرة أخرى، وسيصبح المفتاح في ذاته دليلا دامغا على أن صاحبه يمتلك في الأرض المحتلة بيتا لم يعد قادرا الآن على العودة إليه. 

    

  

عن هذا يقول (8) نصر الله إن "القضايا الكبرى تلزمها مستويات فنية عالية للتعبير عنها"، فبالنسبة إليه لا يقتصر الأمر فقط على التعبير عن ظلم واقع على شعب بأكمله، بل كيف يمكن التعبير عن القضية الكبرى بأسلوب ومضمون يضمن لكل مَن يشتري كتابه أن يقرأ كتابا جيدا مضمونا ولغة، بل ويتجاوز ذلك إلى ملاحم الحب وأحاديث الفراق والشوق والانتظار والأمل، مؤكدا أن الفلسطيني لا يتلخّص فقط في معاناته، بل هو بشر يمارس الحياة بكل تفاصيلها جنبا إلى جنب مع معاناته. 

  

أثر الفراشة

"يا صديقي في الوقت متسع 

أنت نَمْ

وأنا سأواصل هذا الكلام:

بين موتين كنا عبرنا الطفولة

لم نكتمل في الحليب ولم نكتمل في الأغاني

ولم نكتمل في الحروب 

ولم نكتمل في السلام"

(إبراهيم نصر الله)

   

على لسان خالته حليمة، يروي نصر الله في إحدى حكايات "السيرة الطائرة" كيف أنه بينما تقف الخالة فوق علية بيتها وقت الغروب وتنظر إلى الأفق المحمل بغبار عاصفة قادمة، كما اعتقدت أول الأمر، اتضح لها كيف أن الإنجليز هم العاصفة القادمة من بعيد. كان ذلك في مطلع إحدى ليالي عام 1936، وحينما كانت الثورة على أشدّها ضد الاحتلال البريطاني. تتذكر الخالة مسدس أبي -يقول نصر الله-، ولأنه كان سببا كافيا كي "ينسفون الدار" -تروي الخالة- فقد هبطت مسرعة لتُزيحه من الصندوق الكبير المخبأ به وتضعه في صدرها. 

   

 

  

"كان الشيء الأهم في زيارة فلسطين هو أن أزور الذاكرة"، هكذا يختتم نصر الله حكايته بعد تفصيل بسيط عن أن هذا لم يكن مستحيلا في الشتات، فقد "كنا نزور فلسطين ونتجول فيها يوميا دون أن ندري"، هكذا يروي كيف "خرجت ذاكرة الأهل كاملة محتشدة بأدق أدق تفاصيل قراهم ومدنهم… وكانت أكثر قوة من أيديهم التي لم تستطع أن تحمل سوى القليل من متاعهم وهم يغادرون تلك المدن والقرى". 

 

تحضر هذه الذاكرة في سطور ملهاة نصر الله مؤكدة تاريخا كاملا من حياة الفلسطينيين سابقا في الأرض المسلوبة، ومعاناة حاضرة في الشتات، دون مبالغة في وصف الواقع كما يقول، ولذا فإن أهمية الرواية الفلسطينية المستندة إلى تاريخ طويل من الوثائق الرسمية والمروية لا يقل أهمية عن كتب التاريخ التي تُثبت حقا غير ممنوح لأهله، وإن جمعت ملهاة نصر الله -إلى جانب التاريخ الموثق- تاريخا آخر استطاع من خلاله نصر الله أن يبني فلسطين كاملة في الشتات، سواء لأهلها الذين عاشوا فيها من قبل، أو للأجيال الجديدة التي لم تعاصر المعاناة. 

 

"تكمن الإشكالية في محاولة تصفية الفلسطيني عبر الخطاب. إنها مشكلة لغوية بامتياز، والوعي بالأنا يكمن في الذاكرة التي تستند إلى جريمة كبرى لا يمكن أن تقع ضمن مبدأ الصفح أو المغفرة إلا إذا اعتُرف بالجريمة، وكُفِّر عنها"، هكذا يُعيد دكتور رامي أبو شهاب في حواره مع "ميدان" رسم ملامح العلاقة بين القضية الفلسطينية، التي لا يراها مُمثَّلة فقط في محاولة التصفية على الأرض، وبين الملهاة الفلسطينية باعتبارها "عملا يستهدف الوعي القادم، لا وعينا نحن فحسب" كما يقول، ومستطردا: "إنها رواية القادمين مع الزمن كي يدركوا أن الأرض لها حكاية، وكل أرض لها حكاية لا يمكن أن تنتهي، إننا نرتهن في أعمال نصر الله إلى ذلك الوعي، وهذا الوعي هو غايتنا النهائية، لأن كل محاولات الاحتلال أن ينفي هذا الوعي بالوجود، وأن ينفيه إلى حدود اللا وجود".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة