عقدة الأفاعي.. كيف يفقدنا الحقد معنى الوجود؟

ميدان – عقدة الأفاعي.. كيف يفقدنا الحقد معنى الوجود؟

   

"في البدء كان السرد"

[الطيب بو عزة]

  

كاليز، ديسمبر/كانون الأول عام 1930، تتلقّى السيدة "جنفييف" رسالة مُطوّلة من أخيها السيد "هوبير" بعد وفاة والدهما، يخبرها فيها عن تصرّفه في ميراثهما الذي تفاجآ بحجمه الهائل، كما يخبرها -قبل أي شيء- بتركة أبيه الأخرى التي لا بد من إحراقها؛ هذا الدفتر المُرفق مع رسالته، حيث وضع الوالد رسالته الأخيرة لهم قبل رحيله النهائي.

  

هناك، على فراش الموت، جلس الإقطاعي الهَرِم، المحامي المخضرم "لويس"، يكتب لزوجته "إيزا"، ومن ورائها ولداه وأحفاده، اعترافاته التي لم تجرِ على لسانه طيلة عقود زواجهما الأربعة، مُفرِدا لمشاعره الأمن التام لكي تخرج هذه المرة دونما قلق ودون أن يمنعها أي مانع آخر تُخفيه هذه الشخصية المُعقّدة.

  

الحقد، الكراهية، الشُحّ، الخُبث، الخداع، السادية، التعالي، والأنانية المُفرِطة، كانت تلك هي الملامح المُباشرة لشخصية "لويس"، والتي رسمها "فرانسوا مورياك" ببراعة في روايته "عقدة الأفاعي" (Commencements d’une vie) الصادرة بالفرنسية عام 1932، والتي خرجت نسختها العربية عن دار "المدى"، بترجمة نزيه الحكيم، بعد فوز مؤلفها بنوبل للآداب عام 1952.

  

  


     

تلك الرواية التي نرى من خلالها دراسة نفسية تتناول مفاهيم قد تكون مستهلكة، لكنّها جاءت في صياغة مبتكرة، هادئة في تفاصيلها، شديدة الصخب فيما تُخلّفه من أسئلة. مفاهيم كعلاقة المال بصلة الرحم والولاء العائلي، مُحدثي النعمة ونظرتهم للمجتمع بعد الثراء، تفاوت وجهات النظر حول الحرص والإنفاق، البُغض الذي يُحيل المرء شيطانا، والرؤى المتناظرة بين مَن يملك ومَن يحتاج، تصورات عن المعنى الذي تستقيم به الحياة، وأفكار حول الحياة التي يفنيها الأخذ منها بقدر ما يُثريها تركها. 

  

من "بوردو" -في فرنسا- انطلق "مورياك" بأفراد قصته حول هذا كله، وإلى سطور اختطف صاحبها الموت قبل إتمامها انتهت سردية الروائي الفرنسي الفريد على لسان "لويس"، البطل والراوي، فلنُلقِ نظرة على هذه السطور!

  

حكاية كلاسيكية

في أسرة بسيطة تتكوّن من أم وابنها، نشأ هذا العجوز المُشرف على الهلاك. يموت والده وتتزوج أمه ثانية، وما هي إلا أعوام قليلة حتى تَرِث من زوجها الثاني ثروة معقولة، ليتحوّل الفتى "لويس" الفقير إلى إقطاعي شاب يتحيّن الفرصة لمصاهرة عائلة من طبقته الجديدة، فتتم له رغبته بمصاهرة عائلة "فوندوديج"، والتي كانت كريمتها هي السيدة "إيزا" المنوطة بقراءة هذه الرسالة التي وقعت في أكثر من مئة صفحة.

 

تلك الرسالة التي ذكر فيها "لويس" ما مرّ به من مشاعر مختلطة تجاهها وتجاه عائلتها وأولادهما، هذا القدر المخيف من الضغينة الذي يخفيه لها بعدما اعترفت له بنزوة عاطفية قديمة، وهذا البُغض الذي فاقمه إنجابهما للأبناء وانصراف زوجته إليهم -عنه- بشكل كامل.

  

  

ثلاثة أبناء، يموت أحدهم صغيرا ويكبر اثنان، وتكبر معهم الجفوة تجاه الأب، ذلك الرجل الذي لم يُقدِّس في حياته شيئا سوى المال، ويكتب على فراش موته قصته التي لم يجامل فيها حتى نفسه. "عقدة الأفاعي" -كما يصفها- كانت هي ما يملأ قلبه حقدا وضغينة وسوادا على الجميع. يجلس في غرفته متنصّتا على أسرته، يسمع مكائدهم ليحجروا عليه، يخطط لحرمانهم من الإرث، يصفهم بأشنع الأوصاف وأكثرها قسوة في كل سطر.

 

هل يبدو هذا عجيبا؟! لن يزيد عجبنا إذن إذا علمنا -من سرده- أنه كان يتفنّن في تعذيب أمه التي كانت تُفني روحها لأجله، تلك السيدة الحريصة التي ورثت عن زوجها أراضي وإقطاعات كانت تدرّ عليها الربح الوفير، ولكنها رغم حرصها هذا -والذي أورثته لابنها- كانت شديدة السخاء عليه، حتى إنها تركت له المنزل بالكامل ليتزوج فيه مُؤثِرة منزلا صغيرا في زاوية بسيطة من أحد الأحياء. 

  

يقول "لويس": "ليذهب إنكاري الجَميل أبعد مذهب، فهيهات، إنه لن يبلغ مدى هذا الحب. حب تطرده من مقره فلا يلبث أن يعود إلى قوته في مكان آخر. حب كان يكتفي بما أُبقيه له فيُدبّر به شأنه"[1]. هذا الحب الذي عذّبه هذا الرجل الغريب، وربما تلذّذ بجفائه وعقوقه قبل أن يُقدِّره في وقت متأخر.

 

في الحقيقة، "لم يكن المال هو الشيء الذي يأسر هذا البخيل، ولا الثأر هو ما يطلبه هذا المجنون، هذا الرجل كان يفقد الحب فكان يحاول جعل كل مَن حوله يشعرون بالحاجة إليه ظنًّا منه أنه بذلك سيُغذّي حاجته وتعطّشه للإحساس بأن مَن حوله يحبونه"[2]. فقد صوّره "مورياك" كحقد مُطلق في هيئة بشرية، غبي اجتماعيا، شحيح العطف، صفيق بما يكفي لتلفظه الناس وتنفر منه الإناث، وآه له من الإناث!

 

  

"أنا الرجل الذي لن تحبه امرأة"، هكذا كانت عقيدة "لويس" في ذاته، والتي لم تلبث أن اهتزّت حين قبلت "إيزا" الزواج به، هل يمكن أن يكون مخطئا؟ هل أنهت "إيزا" زمن التسكّع مع بائعات الهوى ومنحته العلاقة الوحيدة التي يأخذ فيها الحب دون أن يشتريه بالمال؟ لا تهم كثيرا إجابتنا بقدر ما كانت إجابة "لويس" مهمة في هذا الشأن، وقد حسم الأخير إجابته حين صرّحت له "إيزا" عن حبها السابق.

  

"رودولف"، ذلك الفتى الوسيم الذي رفضته عائلتها لدنو منزلته، كان سهم "إيزا" الذي لم تُبصر رميته في قلب "لويس". كانت مجرد حكاية عن حدث من الماضي، لكنها لم تكن تعلم أنها تجيب عن سؤال "لويس" الوجودي بـ "لا، لا يمكن لامرأة أن تحبك أيها الحقير". ربما لم تعنِ المسكينة هذا، ولكن حكايتها القديمة كانت ما يكفي "لويس" ليرتد إلى حقده على الآخرين ونقمته عليها، فعاشا معا أربعين عاما ونيّف لا يقطر من قلب الزوج لزوجته إلا الضغينة والازدراء.

  

إلى هنا تبدو الحكاية مألوفة، إنسان تقتسمه الخبائث، كلنا يعرف أشخاصا مثله، ولكن لا يبدو أن جميعهم يملكون شجاعة "لويس" التي دفعته لكتابة وصيته الأخيرة، والتي قرّر أثناء كتابتها أن يمارس فصلا ختاميا أكثر شرا من كل ما سطّر.

  

الدراما أولا.. الدراما دائما

عند هذه النقطة، دعونا نُعرّج قليلا على الفيلسوف البوسني "بيغوفيتش"، وذلك حينما يصف الحياة بانطلاقه من حقيقة الشر، وهل هو وليد ظروف خارجية، أم أنه نابع من بواعث ذاتية محضة؟ ثم يتناول الإجابة التي يفترق فيها المؤمن عن المادي؛ ليخبرنا بأن الأول يفترض وجود الشر والخير في نفسه، ويؤمن بضرورة التقوى في تقويمها، في حين يُرجع الثاني الأمر إلى ظروف خارجة عن ذاته يصبح معها الإنسان مجرد شيء مستقبل منعدم الحرية[3].

    

فرانسوا مورياك (مواقع التواصل)

    

من هذه المفاصلة أدرك "لويس" ما لم يكن يدركه، فوجود الشر لم يكن مُطلقا في نفسه بلا خير، غير أن طغيانه عليه كان ما يمنعه هذه الحرية ويسلبه سعادته، فقد كان عبدا لأحقاده لأبعد مدى؛ حتى إنه لكي يحرم أسرته ميراثه عزم على منحها لابن سري -أنجبه في نزوة- لا تعلم عنه أسرته شيئا، ولا يكاد هو يعلمه، بل لم يكن يعرف شكله، لكنه قرّر منحه ثروته انتقاما من أبنائه.

  

من هنا يبدأ "مورياك" روايته بشكل جديد، ومن هذه اللحظة سترافق "لويس" بصورة قد تدفعك للتعاطف معه حين تظهر صراعاته على السطح، بداية من رحلته إلى الحي الذي سيلتقي فيه ولده هذا، ونزاع عواطفه تجاهه، ووداع "إيزا" له قبل سفره. حينها دار الحديث المنقطع بينهما، وعلم "لويس" كم أحبته "إيزا" وآلمها جفاؤه كل هذا العهد. هنا يتحرّك قلب هذا العجوز بنقطة بيضاء تكافح بحيرة الكراهية التي تُغرقه.

  

تلك الكراهية التي انتزعت من "لويس" إيمانه بخالقه، حتى إنه قرّر حرمان أسرته ميراثه لأنهم مؤمنون، فهم -كما رأى- لهم الله وهو له نقوده وثروته، غير أن رغبته لم تكتمل لأن ابنه كشف مكيدته فانهارت الصفقة، وعاد "لويس" ليجد "إيزا" -للمرة الأولى- قد توقفت عن انتظاره بعدما وافتها المنية، وأن الطريقة الوحيدة لرؤيتها هي الدفن معها في مقبرة واحد. ماتت "إيزا" وبكى "لويس". للمرة الأولى فعل، غير أن ولديه لم يُصدّقاه.

  

       

الحاضر المفقود

"حتى خيار الناس لا يتعلّمون وحدهم كيف يحبون؛ فالتجاوز عن سخف الآخرين ونقائصهم وغباوتهم يقتضي أن تعرف طريقة للحب لم يعد يعرفها العالم"

   

هكذا ينعي "لويس" قلبه المأفون، هذا القلب "الذي عاش حياته فاقدا الاعتراف بحاجته إلى الحب، يقف اليوم الوقفة الأخيرة أمام نفسه، لا يملك ما يعترف به لنفسه سوى ورقة بيضاء، كان عليه كتابة ما يدور بداخله من صراع طويل عليها، وأن يعترف أمام ذاته أولا، وأمام الآخرين ثانيا عن وجعه الكبير"[4]، غير أن القارئة المنشودة لم تعد هنا لتقرأ، وربما كانت تلك الصدمة هي ما دفع "لويس" للتفتيش عن الحياة في ساعة متأخرة من ليل العمر.

  

يقول: "تلك غريزة الحب الذي لا يريد أن يفنى، عندما تزول أرضه من تحت قدميه، وتنهدم سماؤه المألوفة لديه، فسرعان ما يخترع الحب سماء أخرى وأرضا أخرى. تلك ساعة يهمس فيها المبغض للذي لم يعد يحبه: لن تراني بعد، لن أثقل عليك، سأعيش في ظلك، وسأحوطك بحماية رفيقة لا تحس بها"[5].

   

  

في هذه الرواية -بسيطة التفاصيل- يفاجئنا "مورياك" بحقيقة نعلمها جيدا، ولكننا نجهلها لأننا ألِفنا وجودها، فبغياب هذا الحب تغيب المعاني من النفس. يخبرنا "المسيري"[6] عن هذه العاطفة التي بدّلت نظرته للحياة -حين أحب زوجته- وكيف كانت لعاطفة زوجته تجاه ابنتيهما الوليدة الدور الأكبر في إعادته إلى الإيمان، ويعرّفنا "بيغوفيتش"[7] عن هذا الإيمان بمعناه الأوسع، بوصفه أساسَ كل شعور وعاطفة، فلا يتمكّن المرء من الإيمان حتى يتمكّن من الحب.

      

لقد عانى "لويس" الأمرّين لأنه سمح لكراهيته أن تغلبه، حتى في اللحظة التي استفاق منها تجده يقول إن "بشاعة الشيخوخة في أنها حصيلة حياة، مجموع حسابي لا نستطيع أن نبدّل فيه أي رقم، ولقد قضيت ستين عاما في بناء هذا الشيخ الذي يموت حقدا"، ثم يصرخ ملتاعا، حزينا، آسِفا على ما فات منه: "يا رب.. يا رب.. إن تكن موجودا!"[8]، فلو حضر الإيمان إلى قلبه لربما هدأت نفسه التي عذّبت كثيرا من الخلق كان هو أولهم.

  

إنها بالفعل رواية العلاقات الإنسانية من الدرجة الأولى، كما يقول القارئ "أحمد الوكيل" على موقع "جود ريدز"، ففي مئتي صفحة ضرب لنا "مورياك" مثالا على فتى فقد عواطفه فأورث العالم أُسرة تدير المكائد وتعمر حياتها بالخبائث والأحقاد، رجل فقد قلبه ففقد إيمانه، جاهلا بأسباب هذه الأحقاد، ولكنّه مُدرك لسطوتها عليه، فيقول: "ما عرفنا قط أسباب كل هذا الشقاق، ولكننا كنّا نخلد إلى أحقاد أسلافنا"[9]. لقد قدّم "مورياك" النموذج الحي لإجابة "الطيب بو عزة" عن الرواية: "لماذا الرواية؟ نُجيب بلفظ وجيز: لأنها الحياة"[10].


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة