الأدب الجيد جغرافيا جيدة.. خمس مدن في خمس روايات

"كنت مؤمنة ككثير من الكُتّاب أنني إذا أقمت في مكان منعزل بعيد عن البشر فسأصبح قادرة على إنتاج روايتي العظيمة، تلك الرواية التي تمنيت أن أكتبها منذ كنت في العشرينيات، فكما تقول فرجينيا وولف إن الكتابة تحتاج إلى غرفة مغلقة ومرتب ثابت، بالفعل قد حصلت على هذه الفرصة: منحة للكتابة لمدة ثلاثة أشهر براتب جيد قدَّمها أحد الأغنياء لمجموعة من طلاب الأدب في جامعة بوسطن حينما كنت أدرس. حِرْتُ في اختيار البلدة، ثم اخترت بلدة بعيدة منفية في أقاصي الكوكب "جزر فوكلاند" بالقطب الجنوبي، فيصعب اختيار مكان كهذا على نفقتك الخاصة بالطبع.[1] إنها مغامرة جيدة، لا تركيز إلا على الكتابة والإبداع فحسب، حسنا سأبتعد عن ضغوط العمل، الإيجار الشهري، العلاقات العاطفية المتقطعة، سأحصل على إجازة بعيدا عن صخب الأصدقاء والعائلة.[2]

  

أعددت حالي للسفر؛ الكثير من الأوراق والكراسات الملونة وأدواتي المكتبية الرائعة، جمعت الكثير من الحساء المجهّز وعددا من الأغذية المجففة وحددت عدد السعرات اليومية التي تكفي لكتابة كلمات الرواية الأولى، 1,085 سعر حراري في اليوم، أقول لنفسي: هذا بالتأكيد ما يكفي للنجاة من الجوع. سافرت إلى جزر فوكلاند ومنها إلى بليكر، آملة أن يخرج إبداعي الأول في كوخ هادئ بلا إنترنت، أجاور البطاريق، أحب حبات البطاطس، وكل الأشياء من حولي في سكون يسمح لأفكاري أن تُدوَّن، أحتسي مشروباتي الدافئة منفردة في هدوء الطبيعة بلا تشتت، فقد آن لحديثي المتدفق أن ينساب على أوراقي البيضاء لأعود ظافرة بروايتي الأولى.[3]

  

ولكن لم يكن الأمر كما توقعت، ظللت أياما طوالا أمام شاشة الحاسوب وأوراقي البيضاء فارغة، لا أجد ما أكتبه، كنت وحيدة لا أعرف أحدا على الإطلاق، أشعر بالبرد المتواصل والجوع الشرس، فألتهم المزيد من السعرات الحرارية، فينقص مخزوني من الغذاء، تعلمت حينها درسا مهما أن الإنسان لا يمكنه الكتابة وهو جائع. مضت تجربتي الفاشلة بين العزلة والبرد والجوع والانقطاع عن الجميع في مكان ناءٍ لم يُلهمني شيئا لكتابته". [4]

    

  

هكذا تنتهي قصة "نيل ستيفنز"، الروائية البريطانية الشابة، صاحبة كتاب "بيت بليكر" (Bleaker House)، التي حكت فيه تجربتها في الفشل في كتابة رواية، كتاب مسلٍّ يمنحك المتعة عند قراءته، ومفيد في توضيح تحديات وصعوبات الكتابة، ويساعدك في عدة أمور أخرى، أولها أنه دليلك المخلص لتعرف كيف لا تكتب الرواية![3]

  

أما الأمر الآخر فهو بيانه أهمية المكان في الإنتاج الأدبي، فالأدب لا ينفك عن الجغرافيا، والمكان الذي يتصل به الأديب ويتغلغل في لا وعيه يستطيع أن يكتب الأديب عنه وعن تفاعلاته معه ومشاهداته وحياته نصوصا أدبية مبدعة إذا كانت لديه الموهبة، كانت نيل ستيفنز تمتلك الموهبة، ولكن عزلتها في جزيرة فوكلاند الغائمة سماؤها لم تساعدها، فالمكوث طويلا في كوخ هادئ بلا تجربة إنسانية أصيلة تمنحها تفاعل الإنسان الحي مع المكان من حوله يُفقد كثيرين الإلهام ويغلق مصبّ تدفق نهر الحكي.

   

لذلك، وفي هذا السياق، نعرض هنا خمس مدن كانت ملهمة للكُتّاب للحكي عنها في روايات طويلة مثَّلت أعمالا إبداعية، لم يتطلّب الأمر أن يهجر أصحابها المدينة للعيش في كوخ بعيد لإبداعها، وإنما كانت مشاهدات متأملة لأماكن وشوارع المدينة التي عاشوا فيها، فمن المكان نعرف كيف تُروى الرواية.

   

1. باريس ولندن: وليمة همنغواي، وتشرد جورج أورويل الذي لا نعرفه

  

الناشر: المركز الثقافي العربي

المترجم: علي القاسمي

عدد الصفحات: 253

   

  

الناشر: دار المدى

ترجمة: سعدي يوسف

عدد الصفحات: 232

  

كتب إرنست همنغواي "باريس عيد: وليمة متنقلة" كمحب عاشق لباريس في بدايات القرن العشرين حينما أمضى هناك فترة وثّقها في كتابه ذاك، حكى فيه عن أدبائها وشوارعها، وقوائم الطعام في مقاهيها، وتأملات المشي في شوارعها، ولم ينسَ جميلاتها كذلك. فقد فتنت باريس خلال العشرينيات الكثير من الأدباء والفنانين من جميع أنحاء العالم، ومثلما كتب همنغواي عن وليمة باريس كتب جورج أورويل عن "غسيل الأطباق في لندن وباريس"، ولكن ناشر الكتاب لم يعجبه العنوان، فاختار له عنوان "جولة في لندن وباريس"، وترجمها سعدي يوسف إلى العربية بعنوان "متشردا في باريس ولندن".

    

"متشردا في باريس ولندن" تكمل صورة أورويل المختزلة لدينا في روايتي "مزرعة الحيوان" و"1984″، فتقدم روايته "متشردا في باريس ولندن" لوحة عجيبة لما لحق بالإنسان البسيط من ظلم فادح تحت وطأة الرأسمالية، رأسمالية العقد الثالث من القرن المرتحل.[5]

  

فلكم ألهم المكان إبداع جورج أورويل الروائي، فقصته "أيام بورما" هي البذرة الأولى التي نبتت منها روايته الأشهر "مزرعة الحيوان"، فالأفكار التي دارت حولها رواية "مزرعة الحيوان" قد تسربت إلى مشاعر أورويل حينما كان شابا يعيش في بورما، بل إن اسم أورويل نفسه الذي اشتهر به هو اسم مستعار لاسم نهر صغير كانت عائلته تُقيم على شاطئه في بيتهم الريفي.[6]

  

2. ثلاثية نيويورك لبول أوستر

 

  

الناشر: دار الآداب

المترجم: كامل يوسف حسين

عدد الصفحات: 498

   

حينما سُئل الرسام الشهير هوبر عن أصل لوحته "نافذة فندق" (hotel window) قال: "إنها لا تعود إلى مشهد دقيق أبدا، مجرد فكرة خطرت لي وقمت بارتجالها استنادا إلى العديد من المشاهد التي رأيتها، هذا ليس فندقا محددا، بل انطباع تشكَّل لديّ من جولاتي التي كنت أسير فيها من برودواي إلى الشارع الخامس، وبينهما العديد من الفنادق الرخيصة، قد تكون خطرت لي بسبب هذه الفنادق". هذه الفنادق التي قصدها هوبر هي فنادق نيويورك، فبحسب كارتر فوستر، المسؤول عن متحف ويتني الشهير في نيويورك، فهوبر يقوم بإعادة إنتاج مساحات معينة وتجارب مكانية شائعة في نيويورك تنتج عن حالة الاقتراب الجسدي من الآخرين والابتعاد الروحي عنهم، موظفا البناء والنوافذ والجدران والأضواء والظلمة. [7]

    

فكما رسم هوبر نيويورك في لوحاته بجدرانها ونوافذها والوحدة المشعة منها، عبَّر الروائي الأميركي الأبرز بول أوستر عنها في قالب رواية بوليسية، ورغم أن رواية أوستر تدور حول الجريمة، فإننا في نهاية الأمر نلتقي بالنفس لا بالقاتل ولا المجرم. فنيويورك في هذه الثلاثية ليست مجرد مكان خلفي تدور فيه الأحداث، ولكنها جزء صميم في الرواية نفسها.

  

صدرت "ثلاثية نيويورك" في البداية على شكل أجزاء، "مدينة الزجاج" عام 1985، "الأشباح" وبعدها "الغرفة الموصدة" عام 1986، قبل أن تصدر مُجمّعة ابتداء من عام 1987، فيما صدرت ترجمتها العربية لأول مرة عام 1993 عن دار الآداب اللبنانية. [8]

    

3. الإسكندرية: كيف غوت إبراهيم عبد المجيد؟

  

الناشر: دار الشروق

الجزء الأول: لا أحد ينام في الإسكندرية

عدد الصفحات: 464

الجزء الثاني: طيور العنبر

عدد الصفحات: 490

الجزء الثالث: الإسكندرية في غيمة

عدد الصفحات: 462

  

"عندما أدركت أنه لا مهرب من المدينة، وأنها بعد أن كانت في دمي صارت دمي، فكرت في سر غوايتها. ورغم أنها راحت تمشي بيدي في أغلب رواياتي، وأنا أكتب، فكتبت نفسها على نحو ما تريد، وما أريد، وما نريد معا، فإني سألت نفسي أكثر من مرة عن سر هذه الغواية الذي هو أبعد من مجرد الميلاد فيها والحياة بها في الطفولة والصبا والشباب".

  

هذا جزء من حديث إبراهيم عبد المجيد عن مدينة الإسكندرية في كتابه "غواية الإسكندرية: ما وراء الكتابة"، فمعظم كتابات إبراهيم عبد المجيد تدور حول الإسكندرية: المدينة والتاريخ والبشر والروح والرائحة. وحينما كتب عن بلدة أخرى، مثل تبوك بالسعودية في روايته "البلدة الأخرى"، كانت الإسكندرية هي الحاضرة والماثلة أمام القارئ. فكانت في غيابها عن معظم فصول الرواية أقوى حضورا من تبوك نفسها التي يدور على أرضها أغلب فصول الرواية. ومن أشهر أعمال عبد المجيد حول الإسكندرية رواية "بيت الياسمين"، "الشجرة والعصافير"، "سفن قديمة"، "قناديل البحر"، وثلاثية الإسكندرية: "لا أحد ينام في الإسكندرية"، و"طيور العنبر"، و"الإسكندرية في غيمة".

  

في لقاء مع إبراهيم عبد المجيد ذكر أنه يؤمن بتلك الأسطورة التي تقول إن الإسكندر حينما وصل إلى الإسكندرية وأراد رسم مخطط المدينة لم يجد هنالك حجرا جيريا ليرسم أبعادها، فرسم جنوده مخطط المدينة بحبات القمح، فتجمعت الطيور وأكلتها، فغضب الإسكندر واضطربت المدينة، فأقنع أحد رجال الإسكندرِ الإسكندرَ حينذاك بأن تأويل أكل الطير لحبات القمح هو أن هذه المدينة ستكون مفتوحة للعالم كله. وبعيدا عن مدى صحة الأسطورة، كانت الإسكندرية مفتوحة للجميع، من اليهود والأرمن والجاليات الأجنبية والعِرقية المختلفة، هذه الجاليات التي تزايدت أعدادها مع حفر محمد علي لترعة المحمودية وفد إليها آلاف العمال من المحافظات المختلفة، خلال عام 1930 أصبح في الإسكندرية 30 ألف شخص من العمال واليهود المضطهدين والشوام والمغاربة، وأصبحت حاراتها ممتلئة بهذا الخليط، فكانت مدينة العالم والتسامح.

  

يرصد عبد المجيد في أعماله تاريخ الإسكندرية الاجتماعي وتحوُّلها من مدينة عالمية إلى مدينة مصرية، وتأثير الحرب العالمية الثانية عليها وعلى أوضاع سكانها ومعايشتهم اليومية للحرب، وأثر المشروع الناصري على طابع الإسكندرية الثقافي المحدود، ثم تحوُّلها إلى مدينة سلفية -بحد تعبيره- لسيطرة التيار السلفي عليها. [9]

   

4. أورهان باموق: إسطنبول مأزق الشخص والمدينة

 

  

الناشر: دار المدى للطباعة

المترجم: عبد القادر عبد اللي

عدد الصفحات: 345

  

هذه الرواية هي سيرة كاتب ومدينة معا، أسماها صاحبها الكاتب التركي الحائز على جائزة نوبل أورهان باموق "إسطنبول – الذكريات والمدينة"، ربط فيها بين حياته وتاريخه الشخصي وبين تاريخ مدينة إسطنبول وتراثها وأحيائها الفقيرة وخبايا العيش فيها والتفاوت الطبقي بها خلال فترات طفولته وصباه وشبابه ككاتب، وعلى الرغم مما يغلب على الرواية من صبغة ذاتية فإن التاريخ لدى باموق لا ينفصل عن ذاته.[10]

  

لا يستوعب نص روائي واحد مدينة إسطنبول الثرية بكل تاريخها وتناقضاتها، ولكن رواية باموق إطلالة على تاريخ المدينة، وأزمة هويتها بين الشرق والغرب، الأصالة والحداثة، نرى فيها تاريخ الدولة العثمانية برؤية باموق وتساؤلاته، فالمدينة العتيقة الفريدة الساحرة بكل تاريخها وتناقضاتها هي مأزق باموق الشخصي. [11]

   

5. بيروت مدينة العالم عند ربيع جابر 

 

  

الناشر: المركز الثقافي العربي

عدد الصفحات: 415

   

بيروت من أكثر المدن العربية حضورا في أعمال الروائيين العرب والأجانب على السواء، فتاريخ بيروت الثقافي والأدبي والفني كبير، فهي كما أطلق عليها سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت" جمهورية الآداب العربية، لما قدَّمته من إنتاج أدبي عربي على مستوى الشعر والنثر والسرد والمسرح والسينما وأنواع الفنون كافة، وما لعبته مطابعها ودور النشر فيها من دعم المناخ الثقافي في العالم العربي بأسره، فضلا عن كونها شكَّلت، منذ فترة مبكرة، ملجأ مفتوحا لعديد من الأدباء والكُتّاب العرب والأجانب، وأرضية انطلاقة ناجحة لمعظمهم. [12]

  

"بيروت مدينة العالم" هي ثلاثية لربيع جابر سجّل فيها فترة مهمة في تاريخ بيروت الحديث. فعلى مدى ما يقرب من خمسين عاما، يسرد المؤلف قصة "عبد الجواد البارودي" وأولاده وأحفاده، ويحكي كيف تحوَّلت بيروت من مدينة صغيرة بسيطة تُشبه القرى إلى مدينة كبيرة ثرية وبوابة للشام على البحر، ويُبيّن كيف ازدهرت المدينة وعاشت مسيرة التمدن والرفاهية، وكيف اجتمع فيها الفارّون من مختلف البلاد، فأحبوها وعاشوا فيها وقرّروا البقاء فيها حتى الموت.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة