"انقطاعات الموت".. كيف نجح ساراماغو بإقناعنا أن الموت نعمة؟

"بالمناسبة، لا يمكننا مقاومة تذكُّر أن الموت وحده، وبحد ذاته، ودون مساعدة خارجية، قد قتل على الدوام أقل مما يقتل الإنسان".

(جوزيه ساراماغو، انقطاعات الموت)

حالة مُخيفة من الهستيريا انتابت الكثيرين حول العالم والعديد من المدن بعد أن دخلت في حالة من حظر التجوال بعد أن تفاقم الوضع وصارت مسألة السيطرة على تداعيات انتشار "كوفيد-19" خارج قدرة الجميع، متاجر عملاقة صارت فارغة من منتجاتها كافة، وشوارع ودُور عبادة فارغة من روّادها، وشركات عملاقة تخسر المليارات، هل سبق وأن أخبرنا أحدهم عن هذه الحكاية؟

 

كورونا ليس الوباء العالمي الأول الذي يهاجم البشرية، لكنه قد يكون الوباء الأخطر الذي يهاجم العالم في ذروة حداثته وتطوُّره، يهاجمهم وعدسات الكاميرا تُحيط بالجميع، والإنترنت لا ينقطع في أي وقت من اليوم حاملا طوال الوقت كلمة "عاجل"، والمتاجر العملاقة صارت تواجه أحد كوابيسها المُتخيلة. وعلى عكس كل الأوبئة السابقة، جاء كورونا مُحقِّقا نبوءة السينما التي لطالما قدَّمها المخرجون والكُتَّاب، وقبل أن يحياها أصحابها الآن، لكن جوزيه ساراماغو قرّر معايشتها قبل الجميع بصورة مختلفة قليلا، بل وطارحة للكثير من التساؤلات النفسية على عادة ساراماغو.

 

جرت العادة في الروايات التي تتحدّث عن الأوبئة والكوارث أن تُقدَّم الحكاية من منظور تاريخي، حيث تغلب البدائية على المجتمعات، ويفتقد الجميع للرعاية الصحية والطعام، ويصير التعامل مع الوباء شكلا من أشكال الكوابيس المَروية في الحكايات القديمة، لكن "انقطاعات الموت" قدّمت نموذجا مختلفا عن ذلك النمط من الروايات.

 

تدور أحداث الرواية في عصرنا الحالي، داخل دولة بالمفهوم الذي نعرفه، لم يُذكَر اسم الدولة ولا موقعها على الخريطة ولا أسماء جيرانها، لكن كان من الواضح أنها تنتمي إلى ذلك الطابع الأوروبي الحديث، حيث العائلة المالكة تحكم شرفيا، ويتولّى البرلمان والحكومة شؤون الدولة، بإمكاننا أن نرى ضمن الأحداث وسائل الإعلام بصورتها المعروفة لدينا "التلفاز"، لكن مواقع التواصل الاجتماعي ليست ضمن السردية التي نعايشها الآن.

 

بعدما رسم ساراماغو ملامح المجتمع الذي يتحدث عنه، بدأ مباشرة في الدخول إلى قلب الأزمة، التي بدت مختلفة وغريبة على الجميع، ظهرت الأزمة في "اختفاء الموت"، الذي بدا وكأنه حدث مختلف عما اعتادت عليه الدولة وسُكّانها لأول مرة منذ سنوات، فالأحداث تُخبرنا أن الوفيات لا تتوقف كل يوم، بكل طرقها وصورها المختلفة، لكنهم استيقظوا فجأة على مفاجأة أن الهيئات الصحية والسلطات لم تُسجِّل أي حالة وفاة في هذا الصباح، ومن هنا بدأت الحكاية.

استمرّت غرابة الأمر لأيام دون تفسير أو فهم، فحتى الملكة التي كان الشعب كله يُدرِك قُرب وفاتها عادت قبل اللحظات الأخيرة من لحظات الاحتضار، وبدأ أطباء القصر يُعلِنون بوضوح لوسائل الإعلام عن تحسُّن ملحوظ في حالتها الصحية، كذلك كان المصابون في المشافي وفي المنازل، لا أحد يموت، تحوَّل الأمر من مجرد إشاعة قد تنتهي في أول 24 ساعة من ظهورها إلى خبر يتداوله الجميع في اليوم الثاني إلى تقارير رسمية في نهاية الأسبوع الأول على أقصى تقدير، وصار الأمر واقعا بين الجميع، اختفى الموت لكنه ما زال يُعمِل سيفه في كل الدول المجاورة.

 

تستمر الأحداث على النمط المثير ذاته، لكن مع كمٍّ لا بأس به من المفارقات التي يتخيّل الكثيرون أنها مجرد أحداث روائية، لكنها بمرور الوقت ستبدو غاية في الواقعية.

 

تابع الجميع حول العالم خلال الفترة الماضية ما حدث في بريطانيا، شخص ما أعلن أن شبكات الجيل الخامس هي السبب الرئيسي في تفشي فيروس كورونا في المدن البريطانية، وأنه إذا أرادت بريطانيا بحق أن تُنقذ نفسها من براثن الفيروس الذي يُحقِّق انتشارا مُخيفا، فعليها تدمير أبراج ومحطات تزويد الجيل الخامس كافة المنتشرة في المدن.

 

فكرة غريبة من أفكار نظرية المؤامرة، لكنها وجدت ما يكفي من الحماقة لتكتسب الرواج والانتشار، بل وتتحوَّل من مجرد أفكار ومشاعر مطروحة ومكتوبة على الإنترنت إلى فعل حقيقي، فخرج مجموعة من البريطانيين في مدينة برمنغهام البريطانية ودمّروا أحد أبراج التغذية الخاصة بالجيل الخامس، بدأت مقاطع الفيديو تنتشر عبر يوتيوب بصورة مُخيفة عن الحادث، وبدأت الدعوات تنتشر إلى تكرار النموذج إذا أمكن.

 

الغريب في الأمر أن رواج الفكرة أصبح غير قابل للسيطرة، فالتقارير تحدّثت عن تهديدات بدنية ونصية تصل إلى مهندسي شركات الاتصالات تصل إلى التهديد بالقتل، لإجبارهم على التوقُّف عن العمل في شبكات الجيل الخامس، وفي الوقت نفسه يُعلِن يوتيوب أنه سيُوقِف أي مقاطع فيديو تخص تلك النظرية، ويُعلِن فيسبوك أنه أغلق مجموعة ضخمة تجمع المؤمنين بالنظرية، وقرارات كهذه من منصات كبيرة لم تكن لِتُتَّخذ إلا إن كان الأمر ضخما بحق ويجدر بأصحاب السلطة السيطرة عليه.

وكما لو أن ساراماغو يتوقّع نماذج كتلك تنتشر في أزمنة الارتباك والخوف، تسير الأحداث نحو واحدة من أهم النقاط المفصلية في القصة، التي ستُغيِّر الكثير من الأمور في مجرى الرواية، وستكون السبب كذلك في تغيُّر ردود الأفعال، بل وبعض الصدمات.

 

تضمَّنت أحداث الرواية بعد إعلان خبر توقُّف الموت رفع إحدى السيدات علم الدولة على شُرفة منزلها لسبب لم يفهمه أحد، لكن جيرانها بدؤوا التفكير في تقليدها ورفع العلم على الشرفة، وسرعان ما تحوَّل الأمر بشكل غريب إلى فعل ضروري يجب أن يقوم به الجميع، بل وتحوَّل الامتناع عنه بصورة مُخيفة إلى سبب من أسباب إنزال العقوبة من المجتمع على ذلك المُمتنِع.

 

في الوقت الذي تبدأ الأخبار فيه في الانتشار حول اختفاء الموت فجأة، يخرج شاب إلى الشارع لشراء بعض الأدوية لجدّه المُسِن، الأهم من ذلك أن جدَّ ذلك الشاب كان قد استفاق من نوبة احتضار لتوّه، ليكون من حظ الشاب لقاء مراسلة قناة تلفزيونية تسأله مصادفة عن رأيه في اختفاء الموت، وما إن كان هناك دليل أو شاهدة لديه على ذلك، فيُخبرها أن جدَّه كان على وشك الموت لتوّه، لكن بدا لنا جميعا -أي عائلته- أنه أراد العودة من الموت.

 

التقطت المذيعة جملة الشاب التي قالها "بدون قصد" وأذاعتها عبر المحطة الرسمية للدولة، فكانت تلك هي الشائعة الأولى في المدينة، ثمة رجل ما قاوم الموت ولم يرغب فيه الآن، وفي ظل الأخبار المنشورة عن اختفاء الموت من المدن، ستبدو النظرية مقبولة إذن، الموت ليس إجباريا، الموت يمكن مقاومته، بعدها بقليل سيتحوَّل المُسِن الراقد في سريره إلى رمز شعبي، وستخرج الحشود إلى الشارع، مُعلنين فرحتهم بالقدرة على مواجهة الموت، وعلى فوزهم برمز شعبي جديد يُمثِّل ذلك الحلم.

 

لكن الأمر بقدر ما أحدث فزعا في أوساط السكان، الذين اعتلتهم نشوة الفرح بأن الموت لم يعد من بين الأمور التي ستواجههم في الحياة، أحدث الأمر فزعا مشابها في أوساط السلطات، بنوعيها التنفيذية والدينية، وبدا كأن الأمور تسير ناحية حالة مُفزعة من التخبُّط والصدام لم يكن أحد ليحسب حسابها.

 

في اللحظة التي وصل فيها الأمر إلى السلطات بدت السلطة التنفيذية مُحرجة ومُتورّطة بشكل ما، ولا تستطيع التعامل مع الأمر، لا سيما بعد إعلانها الخبر على وكالة الدولة الرسمية، مما وضعها في موقف القبول الإجباري، أما بالنسبة لسلطة الكنيسة الدينية، فالأمر أشبه بكارثة مدوية.

يظهر ذلك في أحد أهم مشاهد الرواية، التي دارت بين الكاردينال وبين رئيس الوزراء، حيث أظهر الكاردينال فيها غضبه واستياءه من ذلك الإعلان الجديد الذي تحدّثت عنه السلطة، حيث إن رئيس الوزراء كان قد خرج في بيان رسمي أمام وسائل الإعلام يُعلِن فيه أن الموت قد توقَّف بالفعل في أرجاء الدولة كافة، وأن السلطات تبحث عن سبب الأمر ومدى استمراريته وكيفيته، وأنها تُقِرّ الإشاعات كافة المتداولة في مختلف المدن.

 

شملت المكالمة سيلا غاضبا من الكاردينال تجاه رئيس الوزراء حول ذلك البيان، وكيف يمكن أن يُشكِّل ذلك خروجا سافرا عن تبعية العامة لتعاليم الكنيسة، وهو ما يؤدي بحسب قول الكاردينال إلى كارثة كبيرة.

 

في تلك النقطة تحديدا أظهر ساراماغو عداءه لدور الكنيسة بالكلية بوصفها مُمثِّلة للسلطة الدينية، وبدا ذلك واضحا في الجُمَل الحوارية في مكالمة الكاردينال ورئيس الوزراء التي أبدى فيها ذلك الاهتمام من قِبَل الكاردينال بمسألة الموت واستمراره، وأنه تقريبا الأمر الوحيد الذي تستخدمه الكنيسة لتكون صاحبة سلطة على الجميع، وأنه بدون الموت لن تكون هناك كنيسة -بحسب ما يقول الكاردينال-، ومن هنا ينشأ نوع جديد من الصدامات.

 

ظهر نوع جديد من الاضطرابات فجأة مع تسارع الأحداث، فبعض الصناعات والأعمال التجارية صارت مُهدَّدة بالكامل، وخرج أصحابها فجأة يصرخون ويتساءلون عما سيحل بهم تاليا، حيث ظهرت الاجتماعات المُوسَّعة بين أصحاب الشركات الكبرى المسؤولة عن الأعمال الجنائزية، باعتبارها من أهم الأعمال التجارية الموجودة في الدولة التي تدرّ أرباحا مهولة، مما يعني أن توقفها سيُشكِّل كارثة اجتماعية غير مسبوقة.

طالبت الشركاتُ الجنائزية السلطةَ التنفيذية أن تُصدِر قانونا ما يُلزِم مالكي الحيوانات المنزلية بالتعاقد مع شركات الجنائز، وأن تصبح هي المسؤولة عن دفن أو إحراق جثث الحيوانات المنزلية التي تموت بأي شكل، وأنه لن يكون مسموحا لأصحابها دفنها بشكل خاص دون التعاقد مع إحدى الشركات، وذلك تجنُّبا للكارثة الاقتصادية التي يمكن أن تحل بذلك القطاع.

 

ربما من السهل التوصُّل إلى الكثير من المعاني التي أراد ساراماغو تقديمها في سرديته الممتعة تلك، فهو وإن كان ساخرا بطبعه في كثير من كتاباته، فإنه في تلك المرة قرّر أن يضرب النظام البشري الحديث بأكمله ضربة غاية في الضراوة، وقد شملت تلك الضربة الأنظمة السياسية الحديثة، والأنظمة الرأسمالية الاقتصادية، وكذلك الإعلام، ومعها مجتمعات العوام المضللة.

 

واحدة من أهم الرمزيات المقصودة في الرواية هي رمزية فلسفية قديمة تتعلّق بحلم البشر في الخلود والبقاء، وألا يكون الموت هو مصيرهم في النهاية، وأن يكون بإمكانهم البقاء في تلك الحياة والتمتع بها، دون أن تكون هناك خشية من وجود سبب ما مجهول يُنهي تلك الحياة بسهولة.

 

فالأديان السماوية لم تُغفل تلك الفكرة، فكان الوعد دائما بالخلود بعد البعث في الجنة للمتقين، أي إن العودة لاستكمال الحياة والدخول في حالة الخلود موجودة ومحكومة بمعيار الواقع البشري الذي يقتضي نهاية الحياة الدنيا في وقت مُقدَّر ومكتوب سلفا ومن ثم استئنافها في واقع مختلف بمعايير مختلفة.

 

ظهرت تلك الفكرة بوضوح في عدة أحداث مهمة في الرواية، فرحة الناس بخبر مرور يوم كامل لم يُحدِث فيه الموت أي أثر على البشر، وتصديقهم بسهولة لخبر أن رجلا ما استطاع مقاومة الموت، وإيمانهم بحقيقته، رغم أنه لا شيء يمكن أن يؤكد ذلك، بل وأراد ساراماغو أن يرفع من جرعة التعلُّق بذلك الحلم فوضعها في نقطة تقاطع مع اثنتين من أشهر أزمات العصر الحديث وهما: "تبعية العامة للإعلام"، و"فكرة السلطة الدينية".

 

في الوقت الذي صدَّق فيه العامة ما جاء في قناة الدولة بأن الموت لم يعد موجودا، وأن رجلا ما قاوم الموت، انتشرت الرسالة كالنار في الهشيم، فصدَّقها الجميع، وتأثَّر بها كل شيء، الشركات بدأت في التفكير في مستقبلها وفيما إن كانت ستُحقِّق استفادة أم نكبة، فرح الناس وبدؤوا في وضع أحلام مستقبلية تليق بحياة بلا نهاية.

 

جوزيه ساراماغو

رمزيات السخرية في سردية ساراماغو متعددة، بل وربما أكثر من أن تُحصَر، فسخريته من العامة وتصديقهم للإعلام هي النقطة التي شكَّلت تحوُّلا كبيرا في سير الأحداث، وكذلك سخريته من النظام الرأسمالي الذي يرفض اختفاء الموت ويبحث عن طريقة أخرى يتربح بها من وجود البشر، كذلك سخريته من سلطة الكهنوت التي بدت في اعتراضات الكاردينال على ما أُعلِن حول الموت، ثم سنرى بوضوح في الأحداث التالية كيف فكَّر الكاردينال في استغلال فكرة انتفاء الموت وهو مَن سخر منها لتوّه.

 

واحدة من تلك الرمزيات كذلك تحقَّقت بالفعل خلال الفترة الماضية ضمن أزمة فيروس كورونا، ففي بداية الأزمة سرى يقين ما لدى الكثيرين حول العالم أن الفيروس محصور في نطاق جغرافي معين، وأن البعض الآخر لن يتأثر به، وهو ما ظهر ضمن أحداث الرواية، حيث فكَّر الكثيرون في تلك الدولة المُتخيَّلة عن النعمة التي تغمرهم بأن الموت ما زال مستمرا في البلدان المحيطة بهم، لكنهم صاروا بعيدا عنه.

 

جزء من ذلك التصوُّر حقيقي بالفعل، وكان واقعا لفترة من الزمن بعد بداية أزمة كورونا، فكثير من البلدان العربية وكذلك الأفريقية عاصرت صورة مشابهة لذلك الحدث، فالوفيات والإصابات المتزايدة بفيروس كورونا في عديد من الدول كانت بالنسبة للكثير من قاطني تلك الدول حدثا بعيدا يشاهدونه ويسألون الله ألّا يُصيبهم، ثم تغيّرت الصورة وصارت تلك الدول جزءا من الحدث، لكنهم ليسوا في القدر الكارثي نفسه الذي تُعاني منه دول أوروبا ومعها الولايات المتحدة.

 

ومن المفارقات المهمة أن مواطني الدول الأوروبية صاروا يجدون البقاء في الدول الفقيرة ربما طوق نجاة لهم من العودة إلى بؤرة الموت في بلدانهم، فستسمع عن 7 من مواطني إيطاليا يطلبون من الصومال الحصول على إذن إقامة مؤقتة أو لجوء، ذلك أن دولتهم صارت قطعة من الجحيم، فيحصلون على ما بخلت به إيطاليا منذ زمن قريب (1).

 

ستُصاب بالتعجب والحيرة بمجرد أن تصل إلى هذا الجزء، ستبزغ الحقيقة الجلية أمام الجميع، نحن بحاجة إلى الموت، الخلود حلم جميل لكنه يصبح مقيتا إذا ما صار واقعا.

 

ستبدأ تلك الأزمة تحديدا عند إحدى العائلات الفقيرة، رجل مُسِن يُعاني الأَمَرَّين بسبب الأمراض والفقر، وطفل ضعيف أنهكه المرض وعجز أهله عن إيجاد حل، يقترح المُسِن أن يصحبه ذووه هو والطفل إلى الحدود القريبة، حيث ما زال الموت ساريا، وبعد إلحاح وعناد ومواجهات، يُنفِّذون الأمر ويصلون إلى الحدود ليموت الرجل ويُسجّى جسد الطفل بجواره في مقبرة حدودية.

 

ينكشف الأمر بصورة ماكرة من أحد الجيران، وسرعان ما ينتشر الأمر بين الجميع، نحن نريد الموت، هذا ما يحدث فجأة، تبدأ العائلات بالانتقال عبر المنافذ الحدودية بذويهم الذين أنهكتهم الحياة وقصمت ظهورهم ليدفنوا في أقرب حدود لدولة أخرى يكون الموت فيها مُتاحا وساريا، وفجأة يتحوَّل حلم الخلود إلى كابوس مقيت لا يتحمله أحد، بما فيه المستفيدون أنفسهم.

 

الحقيقة أنه بالسير داخل أحداث الرواية لن تتوقف المفارقات ولن تتوقف التساؤلات النفسية عن العبث برؤوسنا، فالأحلام ليست كلها جميلة، والواقع ليس دائما سوداويا كما نظن، وعبء البقاء ربما يكون أثقل من الخوف من الموت نفسه.

في الوقت الذي صدرت فيه الرواية في عام 2005 ربما لم يشهد العالم حدثا مُماثلا لما جرى في الرواية، وبدا كأنه نمط تخيُّلي لعالم افتراضي لا يمكن لعالمنا الحديث بكل ما فيه من تكنولوجيا وأنظمة طبية أن يشهده، وبدت سخرية ساراماغو المريرة مجرد تصوُّر أدبي يصلح لفيلم جديد يستمتع الناس بمشاهدته، ويُنفقون الساعات لأجله، لكن التحوُّلات التي جرت في العالم بعد 12 سنة من الرواية كانت كفيلة للتفكير في الطريقة التي استشرف بها ساراماغو كيف يمكن أن تكون الأوبئة في عصر الإعلام والدولة الحديثة، وكيف يمكن للبشر التعامل معها والسير في دوائرها.

 

ختاما، يمكن القول إن رواية "انقطاعات الموت" ليست بالرواية السهلة أو الخفيفة التي يمكن هضمها سريعا، فأحداثها ومصطلحاتها ليست معقدة، لكنها شديدة العلاقة بالأسئلة التي تراودنا في زمن الوباء، والخوف من العدوى، والبحث عما نرغب حقا من الحياة، وما إن كان الموت هو ذلك الوحش المرعب الذي نخشاه ليل نهار.

_____________________________________________

المصادر

  1. Italian forces ignored a sinking ship full of Syrian refugees and let more than 250 drown, says leaked audio 

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة