رواية "فهرنهايت 451".. ماذا سيحدث إذا فقدنا المعرفة؟

في وقت متأخر من الليل، في زمن غير معلوم على وجه الدقة، يقرع جرس الإنذار مسامع الجالسين حول أوراق اللعب في أحد مراكز الإطفاء، ليتهادى الجالسون إلى الأسفل، متزلّجين على عمود معدني يجعل الهبوط أسرع من درجات السلالم، ثم يجتمعون في عربتهم متجهين إلى وجهتهم المعلومة.

 

يقتحم رجال الإطفاء المنزل، لكنّك إذا رأيتهم ستشعر أن شيئا ما ليس في مكانه؛ فهذا المنزل الأنيق الهادئ لم يشتعل فيه عود ثقاب ولم تشتعل فيه النار أصلا حتى الآن، وقبل أن تسأل عن سبب وجود رجال الإطفاء فيه، فنودّ إبلاغك أن هؤلاء الرجال هُم مَن سيشعلون الحريق، وأنك في رواية "فهرنهايت 451" للكاتب الأميركي "راي برادبوري"، التي سطَّرت فصلا خياليا من الديستوبيا[*] التي لا يعلم أحد كيف بدأت ولا متى، ولكنّه شكل العالم الجديد.

 

في "فهرنهايت 451" عالم تحكمه سلطة شمولية بالغة النفوذ، وحتّى يستمر هذا النفوذ كان على الجميع أن يفقدوا عقولهم، ليس بالخَرَف ولا بالجنون، ولكن بالتفاهة والتسطيح، لذا كانت مهمة الدولة أن تسيطر على العقول من خلال أداة الإعلام، وكانت مهمة "مونتاج" ورفاقه في كتائب الإطفاء هي إحراق الكتب، كل الكتب، حتى يفقد المواطنون المعرفة، ويفقدوا معها المقاومة؛ لأنه -ببساطة- لم يعد ثمّة سبب للمقاومة، فكل الأمور بديعة على شاشات العرض التي تملأ منازل البلاد، وكل العقول أضحت فارغة يملؤها التلفاز الرسمي للدولة، أو التلفاز الوحيد.

 

في عام 1953، قرّر الكاتب الأميركي "راي برادبوري" في عامه الثالث والثلاثين أن يُسجِّل خوفه من الحقبة الماكارثية في الولايات المتحدة، التي تُنسب إلى السيناتور "جوزيف ماكارثي" في بداية خمسينيات القرن الماضي أثناء الحرب الباردة؛ حين طورِد الكُتَّاب والمثقفون وتم إقصاؤهم وقمعهم بتهم الانتماء إلى الشيوعية حتى دون دليل أو إثبات، وقد سُمّيت حالة الهلع تلك والتشويه المُتعمّد التي وُظِّفَت لتصفية الحسابات الداخلية بالمكارثية نسبة إلى السيناتور.

 

وفق هذا السياق، اهتم "برادبوري" في مراحل مبكرة من حياته بالحياة السياسية والأدبية في محيطه بالولايات المتحدة، حيث تحصّل على تعليمه بشكل ذاتي في مكتبة "لوس أنجلوس" بعدما عجزت أسرته عن كفالته تعليميا، وكان دائما ما يُعرب عن شعوره بالخيبة لافتقاد المكتبة روايات الخيال العلمي الشائعة، لأنها لم تُعتَبر في ذلك الوقت أدبا بالدرجة الكافية[1].

 

في وقت لاحق أثناء مراهقته، كانت تراود الفتى "برادبري" مخاوف من عمليات حرق الكتب على يد النازيين، وما تبعها من حملة التطهير السوفيتية التي قادها "جوزيف ستالين" للقمع السياسي في الاتحاد السوفيتي، تحت عنوان "التطهير العظيم"؛ حيث ألقى القبض على الكُتَّاب والشعراء وأعدم أغلبهم[2]، كل تلك الأمور، مقرونة بحملات الاعتقال الماكارثية، كانت السبب الأول وراء "فهرنهايت 451″، التي تُعبِّر عن درجة الاحتراق التي يتحوَّل عندها الورق إلى رماد.

 

غير أن الرواية يمكنها الخروج -كثيرا- عن إطارها الزمني الذي كُتِبت فيه، فهي لا تزال مُخيفة بالقدر ذاته كونها "من نوادر روايات الخيال العلمي التي يزيدها مرور الوقت شبابا، مما يعني أن بذور هذه الرواية موجودة بالفعل، تتناسل عبر الأزمنة بشكل مريب"[3]، لذا يَعتِبر البعض "برادبوري" واحدا من أبرع مؤلفي الخيال العلمي، فكل زمان ومكان -في عالمنا المحموم- يمكنهما قبول أحداث الرواية وكأنها كُتِبت عنهما بشكل خاص.

الكاتب الأمريكي "راي برادبوري"

وقد حازت الرواية -الواقعة في 160 صفحة بنسختها الإنجليزية- على عدد من الجوائز الأدبية القيّمة، كجائزة "بروميثيوس" عام 1984، وجائزة "هوغو" لأفضل رواية عام 1954، وترشُّحها في قائمة الراديو الوطني العام لأفضل 100 كتاب فانتازيا وخيال علمي، كما نالت جائزة "بوليترز" عام 2007 التي تُعتَبر إحدى أرفع الجوائز الأدبية في الولايات المتحدة.

 

كما تُرجِمت إلى العديد من اللغات، ومنها اللغة العربية، حيث نشرت دار الساقي عام 2014 ترجمتها العربية للرواية، غير أن هذه الترجمة لاقت الكثير من النقد لسوء مستواها الذي أخفى الكثير من إبداع "برادبوري" الأدبي في حواراتها التي كانت تمتد لبضع صفحات كاملة، ناقلة فلسفة المشهد على لسان الشخصيات. كما أسهمت دار الشروق في تعريب الرواية بنشرها لترجمة -قديمة- للدكتور "أحمد خالد توفيق" لها، التي أتت مختصرة بشكل كبير لنص الرواية الأصلي، غير أن المتن كان أكثر ترابطا وكانت اللغة أكثر انسيابا ومراعاة للتعريب بمعناه الحقيقي.

 

"كان من المبهج إحراق الكتب"

[مونتاغ، بطل الرواية].

رجل إطفاء يُشعِل النيران، بل يتلذذ بها، هكذا وبلا أي مقدمات يُدخلنا الأديب الأميركي إلى عالم روايته الخيالي، تلك المفارقة التي اختصرت كثيرا من الشرح لحالة الجنون التي أضحى عليها العالم. فبعد حروب ضارية، قرّرت الحكومة الطاغية في هذا البلد أن السبيل الأوحد لإحكام السيطرة على شعبها هو إعدام مصادر التلقي لديهم، أو توحيدها في مصدر واحد هو الآلة الإعلامية الحكومية التي تبث برامجها عبر شاشات تُزيّن جدران المنازل، وأن تحرق كل المنازل الأخرى التي تحتوي على مصدر آخر غير هذه الشاشات: الكتب.

 

فعلى لسان "بيتي" -قائد فرقة الإطفاء- يُخبرنا النظام الجديد أنه لا يوجد شيء سحري في الكتب، وإنما هي مجرد أوعية حفظنا فيها أشياء خفنا أن ننساها، فالسحر هو ما تقول الكتب، إنها الطريقة التي تخيط بها رقع الكون لتصنع منها ثوبا واحدا لنا فتظهر الثقوب في الحياة، ولذلك هي مخيفة.

على ضوء هذه الإستراتيجية يأتينا "مونتاغ"، بطل الرواية، الذي يحيا حياة رتيبة وآلية، شأنه شأن بقية الشعب الخاضع للمراقبة الإلكترونية على مدار الساعة، في وظيفته المستحدثة على العالم؛ رجل الإطفاء الذي يُضرم النيران، يتنقل بين جولات العمل من منزل إلى آخر، يحرق هذه المكتبة ويُفني هذا التراث المعرفي، ويقضي بعض أوقات فراغه في مطالعة قائمة الممنوعات التي تحوي ملايين الكتب المراد حرقها، في مفارقة تجعلك تسأل: لِمَ لم يكتفِ صانعو القائمة بسطر واحد يُكتب فيه "كل الكتب ممنوعة"؟

 

في خضم تلك الحياة الرتيبة، والسرد البطيء للأحداث، تظهر "كلاريس"، الشخصية الأخف والأكثر جمالا على الإطلاق. فتاة في ربيعها السابع عشر، تسكن إلى جوار السيد "مونتاغ" ذي الحياة الرتيبة، وتقلب حياته رأسا على عقب قبل أن تختفي إلى غير رجعة. كانت "كلاريس" فتاة مثقفة، يلوح في كلامها شبح المعرفة والفن، فهي لا تزال تقرأ -خلسة- مع أسرتها وعمها، ولا تزال قادرة على إرباك هذه الرتابة التي يحيا فيها الجميع.

 

"هل أنت سعيد؟"، تسأل "كلاريس" جارها الذي يفوق عمرها بكثير، هل تشعر بهذه الحياة وأنت لا تقرأ، لا تشعر، لا تعرف شيئا غير ما تبثّه إليك الشاشات؟ هل أنت سعيد في المكعب الخرساني الذي تسكنه بلا شرفات أو جلسات سمر تحت أضواء القمر؟ تسأل "كلاريس" ويتهرب "مونتاغ" من الإجابة، ويمتد السؤال في رأسه إلى مناطق لا تعرفها هذه الفتاة: هل أنا سعيد؟ ما معنى السعادة؟ هل حياتي مع زوجتي "ميلدريد" يمكنها أن تكون حياة؟

 

تُثير "كلاريس" الارتباك في عقل رجل الإطفاء الذي يأتيه جرس الإنذار في عمله بأن منزلا يجب حرقه الآن، يذهب مع رفاقه إلى منزل امرأة مُسنّة ليجدوا المرأة لا تزال في المنزل، على عكس ما عهده حيث تعتقل الشرطة المثقفين أو تُخلي المنزل منهم قبل الحرق على الأقل. يرى "مونتاغ" تمسُّك السيدة بالبقاء في منزلها، بين الكتب، حتى وهي تلتهمها النيران، فيزداد ارتباكه، لقد كنت أحرق أشياء لا بشرا، والأشياء لا تصرخ كتلك السيدة التي يُسكتها الموت.

يُخبّئ "مونتاغ" كتابا ويذهب به إلى "ميلدريد" زوجته، يُطلعها عليه وعلى غيره من الكتب التي خبّأها سابقا بدافع الفضول، إلا أن حياة "كلاريس" وموت العجوز قد أحيا في نفسه فضولا من نوع آخر هو فضول المعرفة، لتظهر مفارقة أخرى حين تُعطي المعرفة الحياة لفتاة شابة، وتقبلها امرأة عجوز ثمنا منطقيا للموت، وما بين حياة الأولى وموت الثانية يستفيق "مونتاغ" على جرس الباب: إنه الرئيس "بيتي".

 

على لسان "بيتي" يخبرنا "برادبوري" عن فلسفة النظام الممتدة عبر التاريخ، الذي "يُعتَبر حدثا تكرّر بشكل كثيف بسبب تعاقب الديكتاتوريات عبر رحلة الحضارة البشرية في كل مكان على هذه الأرض، ألا وهو إحراق الكتب.. ذلك الحدث المتكرر في كل الحضارات التي عرفت الحضارات الشمولية"[4]، غير أن الحرق هذه المرة كان حرقا مطلقا، وكانت الرقابة سجنا لا فِكاك منه، والفضل للتكنولوجيا التي جعلت البلاد سجنا لا حدَّ له.

 

لقد وضع الكاتب زيارة "بيتي" كونها مرحلة فاصلة بين حياتين: الحياة التي كان "مونتاغ" فيها محض تابع لا وعي له ولا إرادة، إذ لم يكن رئيسه يعبأ به، والحياة الأخرى التي بدأت بزيارة هذا الرئيس لمنزله فأربكت كل شيء. لقد شكّ "بيتي" في "مونتاغ" وأمهله فرصة ليُرجع الكتاب الذي سرقه، لم يره "بيتي" لكنه رأى على مُحيَّاه إنسانا يمكنه التأثر والتفكير، فعلِم أنه خرج من دائرة الإخضاع، وأنه في طريقه لاسترداد إنسانيته.

 

يقول "بيغوفيتش" إن المجتمع العاجز عن التدين هو مجتمع عاجز عن الثورة[5]، والتدين بهذا المعنى يعني المعرفة العميقة التي يعرف بها الإنسان أصل وجوده وغايته، فتتبعها المعارف الأخرى التي يحتاج إليها لتحقيق هذا الوجود. وفي "فهرنهايت 451" لم يحتج "مونتاغ" إلى أكثر من بضع صفحات يقرأها خلسة -بعد انصراف رئيسه من منزله- ويتذكر الدكتور الجامعي "فابر" الذي تعرف عليه في مناسبة سابقة.

 

يلجأ "مونتاغ" إلى الدكتور ويتحالف معه في سبيل المعرفة والثورة على هذا النظام، غير أنه ينكشف سريعا ويجد نفسه ذاهبا مع رفاقه في حملة إحراق جديدة، ولكنه هذه المرة يتجه إلى منزله، لقد خانته زوجته في النصف الثاني من الرواية لتتصاعد الأحداث وتتسارع في الثلث الأخير منها بنسق متزايد ينتهي بـ "مونتاغ" هاربا في الطرقات من المروحيات البوليسية التي تُلاحقه.

 

وعقب إرشاد الدكتور "فابر" له، يتجه "مونتاغ" عبر النهر إلى الريف، حيث يلتقي بمجموعة من المتمردين المنزوين عن أعين الدولة مع كتبهم المحترقة. لقد كانوا يحرقونها هم أيضا لكن بعد حفظها عن ظهر قلب، فيقول أحد قادة الثورة، البروفيسور "جرانجر": "أنا "جمهورية أفلاطون"، هل تريد قراءة "ماركوس أوربليوس"؟ مستر "سيمون" هو "ماركوس أوربليوس". أما هذا فـ "تشارلز داروين"، وهذا "شوبنهاور" وهذا "أينشتاين"، نحن هنا يا "مونتاغ". "أريستوفان" والمهاتما غاندي و"بوذا" و"كونفشيوس" و"توماس بيكوك"".

لقد اخترع "برادبوري" في روايته نموذج "القارئ الكتاب" الذي يحفظ إنسانيته بحفظ المعرفة وصيانتها؛ لأن ما يخبرنا به الفن والأدب والفلسفة شيء يفوق قدرتنا على التصديق، "إن الفن ليس إبداعا للجميل، خصوصا إذا اعتبرنا أن نقيض الجمال ليس هو القبح وإنما الزيف"[6]، إن الثقافة بهذا المفهوم هي عنوان الحقيقة التي يحتاج إليها المجتمع، ومن ثم هي العدو الأول الذي يخشاه المتسلط، لذا كان الأدب دائما -كما أخبرتنا الحكومة السوفيتية- وسيلة للتأثير السياسي اليومي على الجماهير؛ فكان ذلك هو السبب الرئيس وراء قرار الحزب الشيوعي عام 1932 بإلغاء جميع الجمعيات الأدبية[7].

 

أيضا يعرض لنا "برادبوري" تنبؤه للدولة حين تُلغي الإنسان وتتجه نحو العلم والآلة، فتكون السيطرة هي المركز، فنرى أن تحوُّل الجامعات والكليات الأدبية والفنية إلى مختبرات علمية نووية وتقنية قد ألغى المجتمع بالكامل؛ ليفقد هذا المجتمع مع الوقت حقيقة إنسانيته ويتواطأ مع السلطة لوأد أي ثورة في مهدها، وهو ما نلمسه في صورة "ميلدريد" التي أبلغت عن زوجها "مونتاغ" حين حاول إخراجها من أسر الشاشات الحكومية إلى فسحة المعرفة البشرية المتراكمة.

 

في النهاية، يقول "بيغوفيتش" في كتابه الشهير "الإسلام بين الشرق والغرب" إن الثقافة تمتلك الفن حين تمتلك الحضارة العلم، ويُصدّق "برادبوري" في تحفته الخيالية على الفكرة ذاتها حين يقود التقدُّمُ الدولةَ إلى الفناء تحت وطأة الحرب النووية، لينهار النموذج بنفسه على نفسه، ويجد "مونتاغ" وفابر" و"جرانجر" وآلاف الثوار أن الدولة قد فنيت تحت وطأة الحرب النووية، وأن العالم قد أضحى ملكهم من جديد، وأنهم قد نجحوا في اختبار إنسانيتهم وتبقى لهم أن يُعيدوا الإنسانية المهدرة إلى مواطني الشاشات. ويسألنا "برادبوري" -نحن معشر القراء- قائلا: أحقا نمضي نحو العتمة ونحترق ونعاود إدمان الفناء في مواكب النور، دون رأب صدع المعرفة؟

_________________________________________________________

الهوامش

  • ديستوبيا: أدب المدينة الفاسدة، أو الواقع المرير.

المصادر

  1. Orelan, Susan (2018). The Library Book. New York: Simon & Schuster
  2. Fahrenheit 451 – Audio guide 
  3. منى خليفة، فهرنهايت 451 دستوبيا السرد في كون بلا كتب.
  4. استعراض رواية فهرنهايت 451، الباحثون السوريون
  5. علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب.
  6. المصدر السابق.
  7. المصدر السابق.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة