شاعرة المحافظة الأميركية.. من هي لويز غلوك الفائزة بجائزة نوبل للأدب لهذا العام؟

 

للمرة الثانية منذ عشر سنوات يعود الشعر إلى منصة التتويج للفوز بجائزة نوبل للأدب لهذا العام، وهذا بعد إعلان الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم عن منح الشاعرة الأميركية لويز غلوك جائزة نوبل للأدب هذا العام، بعد أن فاز الشاعر السويدي توماس ترونسترومر في عام 2011، لم يخلُ الأمر من المفاجأة، ففي كل عام في مثل هذا الوقت، تنطلق التخمينات لتوقُّع الفائز بجائزة نوبل للأدب، وتبرز أسماء الروائيين الكبار كالعادة، مثل كونديرا، وموراكامي، وغيرهم، في إشارة ربما إلى انزياح مكانة الشعر أمام ضروب الفن الأخرى.

 

هنا كان فوز لويز غلوك لهذا العام ليس مجرد مفاجأة، بل أشبه بدفعة ضخمة للأمام، فحدثٌ مثل هذا التتويج من شأنه أن يردّ للشعر قليلا من هيبته، ويحفظ له ماء الوجه، ويُخلِّصه من يأسه، أن يتنفس بعد سنين من الاختناق، الذي تعدّدت أسبابه، في زمن يصفه الكثيرون أنه مُعادٍ للشعر، ومتوحش ومتحرش بالشعراء، وكانت المفاجأة الثانية هي في فوز أميركية بالجائزة التي طالما احتكرها الأوروبيون لصالحهم، ليس فقط عن الثقافات غير الغربية، ولكن حتى عن الأدباء والشعراء الأميركيين تعبيرا عن أصالة الثقافة والفن الأوروبي وعراقتهما، وهو ما يُثير التساؤل عن سيرة وشعر لويز غلوك وسبب تميُّزها لتفوز بالجائزة الأهم في المشهد الثقافي العالمي.

 

عنوان ميدان

 

الشاعرة الأمريكية لويز غلوكالشاعرة الأمريكية لويز غلوك

وُلِدت لويز غلوك في مدينة نيويورك في أربعينيات القرن الماضي، حيث عاشت حياتها المبكرة في مدينة لونغ أيلاند، لعائلة يهودية وفدت على أميركا من المجر، وعانت في طفولتها وشبابها من مرض فقدان الشهية العصبي، حيث خاضت رحلة علاج طويلة استنزفت شبابها كله تقريبا، حتى تغلّبت على المرض، حيث كتبت إحدى أولى قصائدها "قطرات الثلج" تصف الحياة بعد الشفاء من المرض:

 "لم أتوقع أن أبقى على قيد الحياة/ الأرض تُكبّلني لم أكن أتوقع/ أن أستيقظ مرّة أخرّى، لأشعر/ بجسدي في الأرض الرطبة/ قادر على النهوض مرة أخرى".

نُشِر أول ديوان "First born" لغلوك في عام 1968، وهي في أواخر العشرينيات من عمرها، ثم أصدرت اثني عشر ديوانا شعريا على مدى خمسين عاما بعد ذلك، بالإضافة إلى كُتب النقد الأدبي المتخصصة في الشعر وتاريخه وأنواعه، وخلال رحلتها الفنية الطويلة تلك درست في جامعة كولومبيا، ثم تنقّلت في أكثر من ولاية داخل أميركا، وفازت غلوك بالعديد من الجوائز الأدبية الكبرى في الولايات المتحدة، بما في ذلك ميدالية العلوم الإنسانية الوطنية الأميركية، وجائزة بوليتزر، وجائزة الكتاب الوطني، وجائزة دائرة نقاد الكُتَّاب الوطنية، وجائزة بولينغن، وغيرها (1).

أول ديوان " First born" لغلوكأول ديوان " First born" لغلوك

تُصنَّف غلوك بحسب عديد من النقاد ضمن خانة الأدب الأميركي المحافظ، حيث يرى الشاعر العراقي محمد مظلوم (2) "أن لويز غلوك شاعرة محافظة، شعرها ينتمي إلى أجواء شعر القرن التاسع عشر في أميركا، ومعظم تجاربها متأثر بإيميلي ديكنسون، مع فارق أن نبرة الاعتراف والشكوكية الإيمانية لدى ديكنسون أعمق وعُزلتها أكثر إشعاعا. فازت لويز غلوك خلال السنوات الثلاثين الماضية بأكثر من ثلاثين جائزة ومنحة أميركية".

وفي عام 2003، إبان حقبة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، لُقِّبت غلوك بشاعرة الولايات المتحدة الأميركية، أو شاعرة العائلة الأميركية، حيث أبرزت الأكاديميةُ السويدية أثناء تعليقها على منح غولك الجائزة لهذا العام دورَ غلوك في موضوعات "الطفولة والحياة الأسرية، والعلاقة الوثيقة مع الوالدين والأشقاء"، التي تُركِّز عليها في أعمالها، ويدعم وجود النزعة المحافظة كذلك عند غلوك اهتماماتها الشعرية الأخرى بالطبيعة، ففي إحدى قصائدها تدور الأبيات في حديقة حيث تتمتع الأزهار بأصوات ذكية وعاطفية.

 

الجزء الأهم كذلك في توصيف غلوك بالشاعرة المحافظة هو أنه رغم كونها شاعرة وفنانة منذ شبابها فإنه يُلاحَظ دائما غياب أي بُعد نسوي أو تقدُّمي في أشعارها، حيث يقول الناقد الأدبي دانيال موريس إن "كتابات غلوك غالبا ما تتهرَّب من تحديد الهوية العِرقية أو التصنيف الديني أو الانتماء الجنسي. في الواقع، غالبا ما ينفي شعرها التقييمات النقدية، التي تؤكد سياسات الهوية كمعايير للتقييم الأدبي، فلا يمكن وصفها فقط بأنها شاعرة يهودية أميركية أو نسوية أو شاعرة طبيعة" (3).

 

عنوان ميدان

Books of American poet Louise Gluck during the announcement of 2020 Nobel Prize in literature at Borshuset in Stockholm, October 8, 2020. Gluck won the prize. TT News Agency/Henrik Montgomery/via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. SWEDEN OUT.

في عام 2018، أعلنت الأكاديمية السويدية أنها لن تمنح جائزة نوبل للأدب في هذا العام، على إثر فضيحة بسوء سلوك جنسي أدّت إلى تنحي عدد من أعضاء مجلس الأكاديمية، حيث استقال أو أُجبِر على الاستقالة سبعة من ثمانية عشر عضوا، لتجد الجمعية نفسها دون النصاب القانوني لاتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بتوزيع الجوائز (4).

 

في العام التالي منحت الأكاديمية جائزة نوبل للأدب للروائي النمساوي بيتر هاندكه المعروف بتأييده المُعلَن لجرائم الإبادة التي ارتكبتها القوات الصربية في مسلمي البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي، بعد المذبحة التي راح ضحيتها نحو 8 آلاف شخص من رجال مسلمي البوسنة وصبيانها في مدينة سربرنيتسا، وهو ما عرَّض الأكاديمية والجائزة لانتقادات لاذعة من العديد من المثقفين والأدباء حول العالم فضلا عن المنظمات الحقوقية، تحت دعوى أن المجتمع الأدبي يستحق اختيارا أفضل من هذا (5).

 

حيث توقَّع عدد من النقاد والفنانين أن تنحاز الأكاديمية تعويضا عن أزمة هاندكه إلى ثقافات أخرى تعبيرا عن إيمان الأكاديمية بالتعددية الثقافية، فكتب الناقد فخري صالح على صفحته في فيسبوك: "بغض النظر عن أهمية لويز غلوك الشعرية والأدبية، فإن منح نوبل للآداب هذا العام لشاعرة أميركية غربية بيضاء يدل على شيء واحد: المركزية الغربية التي تتحكم في عقلية جائزة نوبل للآداب. يتحدثون طويلا عن العالمية والوصول إلى لغات وثقافات أخرى، لكنهم عندما يأتون لمنح الجائزة يبحثون عن مرشح من أوروبا، أو أميركا، وسوف يكون أبيض، أو بيضاء. لا فائدة، العقلية هي نفسها لن تتغير. هذا مرض عضال يبدو أن الغرب لن يبرأ منه" (6).

بينما علَّق الروائي والأديب الجزائري سعيد خطيبي أن غلوك "كتابتها مختزلة، تدور حول نفسها، كتابة نشعر كما لو أنها ناقصة غير مكتملة، تنحو نحو مسائل شخصية، داخلية، عن حياتها وعائلتها وطفولتها، لا تبدو نصوصا متأثرة بموضة الشعر المُعاصر، بل خارجة عن التصنيفات التي نعرفها اليوم، ذاتية ونافرة من التجارب التي يعرفها مَن هُم في جيلها، "لا هو شعر نخبوي ولا شعر بوح ذاتي""، وفي هذا أمر يدعو للغرابة، حيث تبدو الأكاديمية السويدية مرة أخرى من خلال جائزة نوبل غير معنية بالتجديد في الشعر، بل تُكرِّس التقليد بمنحها الجائزة لشاعرة محافظة شعرها ينتمي إلى أجواء الشعر الكلاسيكي الأميركي.

 

وفي تصريح خاص لـ "ميدان" علَّق الناقد أمير داوود أنه أيًّا كان توجُّه لويز غلوك الشعري ورغم أي تحفظات على الأكاديمية السويدية فإنها تستحق الجائزة، "لأنها شاعرة لها هويتها الشعرية وبصمتها الشخصية باعتراف نقاد عالميين، هي لديها مشروع شعري ممتد على مدار أكثر من 4 عقود، بإمكانك تلمس صنعتها الشعرية وتحديدا اللغة البسيطة الذكية واللعب على الإيقاعات الجديدة وتأمل اليوميات والأجزاء الحميمية من الذاكرة، كل هذا دفع لجنة الجائزة لاعتبارها تُضفي جمالية شعرية على الوجود الفردي. بحسب البيان الصادر من الأكاديمية، ربما نحن العرب الأقل قدرة على محاكمة شعرها ومجادلته نظرا لضآلة ما تُرجِم، وهي مجموعة شعرية منتقاة من مجموعة دواوين غير قصائد انتُقِيت وتُرجِمت من هنا وهناك".

 

بينما اتفق غالبية المعترضين أن الأكاديمية تعتمد العديد من المعايير، وقد لا تكون أهمية الشاعر وعمق منجزه الشعري وتأثيره، محليا وعالميا، المعيارَ الوحيد لتسلم الجائزة، فمن المعروف أن الغالبية العظمى ممّن تسلّموا الجائزة رُشِّحوا ودُعِموا من مؤسسات أكاديمية ولوبيات مؤثرة في العالم الغربي، خاصة أن كل أعضاء الأكاديمية سويديون لغتهم الأساسية هي الإنجليزية والفرنسية، وربما اللغات الأوروبية الأخرى، مما يُعطي الجائزة انطباعا أنها ملكية حصرية للغرب فقط، فهل نفرض عليهم منح جائزة لأدب لا يُترجَم إلى تلك اللغات إلا نادرا بما فيه الكفاية؟

______________________________________________________________________

المصادر

  1. شاعرة السيرة والأسطورة.. الأميركية لويز غلوك تفوز بجائزة نوبل الآداب لعام 2020، الجزيرة نت
  2. نوبل لويز والنقد العربي، المدن
  3. Nobel Prize in literature awarded to Louise Glück
  4. شاعرة السيرة والأسطورة.. الأميركية لويز غلوك تفوز بجائزة نوبل الآداب لعام 2020، الجزيرة نت
  5. شاعرة السيرة والأسطورة.. الأميركية لويز غلوك تفوز بجائزة نوبل الآداب لعام 2020، الجزيرة نت
  6. نوبل لويز والنقد العربي، المدن
  7. لويز غلوك… في شعرها الفاضل، سعيد الخطيبي، القدس العربي

حول هذه القصة

يعم الغموض رواية “الحالة الغريبة للدكتور جيكل ومستر هايد” -للروائي روبرت ستيفنسون- ليس على أبطال الرواية فقط، بل على القارئ ذاته الذي تدفعه القصة لإسقاطها على نفسه، متسائلا: أيّ تلك الشخصيات يُمثلني؟

Published On 16/7/2020

عندما يقتني أحدهم كتب موراكامي باللغة الإنجليزية، فإنّه يتلقّى المؤلف مصحوبا بآلة النشر [التي أنتَجته]. الرواة قد لا يكونون أجهزة آيفون لكن، عند إنتاج رواية تثير جلبة، فإن السوق الأميركي يلعب دورا.

Published On 13/10/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة