موراكامي منزوع الدسم.. الأدب الياباني ومجازر الترجمة إلى الإنجليزية

المقالة التالية التي نشرتها الأتلانتك تُسلِّط الضوء على دور التَّرجمة في سوق النشر الأميركي، ومفارقات الحوار الثقافي والرّبح في عالم يلعب فيه السُّوق العامل الأكبر. لقد قُدِّم موراكامي إلى سوق قُرَّاء اللغة الإنجليزية بأسلوب مغاير لما ظهر عليه في اليابان، وقُصَّت العديد من أعماله واختُزِلت بحيث تُقدِّم صورة تروق المستهلك المطمئن إلى صورة معيَّنة للآخر لا يرغب الناشر بزعزعتها. في النهاية، هل الترجمة عن لغة وسيطة ترجمة كافية؟

 

الكتب ليست كغيرها من المنتجات، والروائيّون ليسوا أجهزة آيفون، والجديد لا يحل محل القديم. مهما أحببت سالي روني فلن تقول إن أوسكار وايلد صار بسببها من التَّاريخ، كما أنَّ الوله بإيما كلاين لن يقودك للقول إنَّها حجبت شمس جوان ديديون. لا أحد يحل محل آخر، لكن كانت هذه هي الطريقة التي قُدِّم فيها هاروكي موراكامي على المسرح العالميّ.

هاروكي موراكامي

كان ألفريد بيرنباوم أول مَن ترجم روايات موراكامي للإنجليزية، وهكذا يصف أعمال موراكامي: "النقيض التام لأصوات متحجِّرة معدومة المهارة تصيح في وجهك من أمثال كينزابورو أوي، وكوبو آبي، وجورو كارا، وكينجي ناكاجامي". اتضح هذا الموقف في مراجعة أجراها عام 1989 لصحيفة نيويورك تايمز عن رواية "مطاردة كبش برّي"، عمل موراكامي الأوّل الموجَّه للسوق الأميركي. وصفهُ هيربرت متغانغ بأنه "فئة متقدِّمة جريئة من الأدب العالمي؛ هذا ليس الأدب التقليدي الخاص بكوبُو آبي أو يوكيو ميشيما أو ياسوناري كاواباتا"، وقد عكس نُقّاد أميركيّون آخرون هذه العاطفة، نائينَ بموراكامي عن هؤلاء الكُتَّاب اليابانيين حفاوة به.

 

قال موراكامي إنه تأثَّر بالأدب الأميركي أكثرَ من الأدب الياباني، لكن هذا التصوير -التلميح بأنّ امتيازه إنّما يأتي من اختلافه عن كُتَّاب يابانيين آخرين- رغم ذلك يبدو أنه ظاهرة يُسمّيها الكاتب والناشط نيكيش شوكلا "متلازمة الجبليّ": عندما يؤلَّب أبناء عِرق واحد أو أقلية واحدة ضد بعضهم بعضا بأسلوب يفسح المجال لفائز واحد في النهاية. كيف أصبح موراكامي، الذي تبلغ مبيعات كتبه اليوم الملايين، والذي بات اسما معروفا حتى لدى أولئك الذين لا يقرؤون أعماله، رمزا للأدب الياباني في الخارج، هو جوهرُ كتاب بعنوان "لمَن نقرأ حين نقرأ موراكامي"، وهي شهادة أخّاذة على قِصَرِهَا لديفيد كاراشيما حول مصاحباتِ تصدير أفضل الروائيين مبيعا إلى جمهور عالمي.

كتاب بعنوان "لمن نقرأ حين نقرأ موراكامي" لديفيد كاراشيما

غلاف الطبعة اليابانية من الكتاب يوحي أن موراكامي الإنسان وموراكامي الكاتب كما ظهرا في الترجمة قد لا يكونان متطابقين. العنوان مبسوط على حافّة الغلاف العلويَّة بالأحرف اليابانية، فيما عدا اسم موراكامي، المكتوب بالأحرف الرومانية، وهو تجاور لا نراه في طبعة اللغة الإنجليزية يوحي بمنتج ثقافي. عندما يقتني أحدهم كتب موراكامي باللغة الإنجليزية فإنّه يتلقّى المؤلف مصحوبا بآلة النشر [التي أنتَجته]. الرواة قد لا يكونون أجهزة آيفون، لكن عند إنتاج رواية تُثير جلبة، فإن السوق الأميركي يلعب دورا. هكذا يصب كاراشيما تركيزه على الكيفية التي أُطلِق بها موراكامي إلى هذا السوق بالذات، كما يقول: "إنه (أي الكتاب) حكاية لفيف متنوع من الشخصيات التي ساهمت في نشر أعمال موراكامي بالإنجليزية في باكورتها". على امتداد الصفحات، يُحقِّق كاراشيما في دوافع هذه الشخصيات، ومزاياها، والكلمات التي اقتُطعت بعيدا.

 

يقود كاراشيما قُرَّاءه في جولة من التدارك التَّرجمي، مستهلا كتابه ببيرنباوم، أوّل مترجم لموراكامي، وإلمرْ لوك، محرر في كودانشا، دار يابانية كانت تسعى لاقتحام السوق الأميركي. تبدأ "مغامرة تحيط الأكباش"، رواية موراكامي الثالثة، وهي لغز سريالي، بمعرفة البطل بشأن موت فتاة كان يطارحها الغرام فيما مضى. أجواء الحكاية الأصلية تدور في السبعينيات، لكنَّ بيرنباوم ولوك، محرري الكتاب، أخذوا في حسبانهم "القارئ الأميركي، بالأخص قُرّاء نيويورك الأميركيين"، وكانوا يعتقدون أنّهم يريدون شيئا "معاصرا". لذا فيما يتعلق بنشر الكتاب عام 1989 في الولايات المتّحدة، أُزيلت إشارات واضحة إلى تلك الفترة الزمنية، كما أضافا إشارة ضمنيَّة إلى خطاب رونالد ريجان الذي كان قد أُلقي في الفترة التي تلت نشر الكتاب، وغيّرا العنوان إلى "مطاردة كبش برّي". (يُقال إن بيرنباوم قال: "ألا تعتقد أنه أفضل بكثير من الأصلي؟")

 

في مشروعهم التالي، "أرض العجائب الجرداء ونهاية العالم"، اقتطعَا مئة صفحة. وعلى الرغم من قول موراكامي إنه أراد أن يؤلِّف كتابا يحوي مقاطع "غير منطقية"، فإن بيرنباوم ولوك كانا يخشيان من أن القُرَّاء الأميركيين سيفقدون الاهتمام، فأجريا قصًّا لا يُستهان به. بالتحديد، أُزيلت فقرات تتضمّن شخصية تُدعى "الفتاة ذات الرداء الوردي" التي تقود البطل في متاهته.

كتاب "أرض العجائب الجرداء ونهاية العالم"

عند سؤاله عن هذه الاقتصاصات، أجاب لوك أن مشكلته مع هذه المشاهد لم تكن في جرأتها الجنسية ولكن أنّها كانت "شبه مستحيلة"، وأنّه لم يُرِد "للجمهور الأميركي أن ينبذ مؤلِّف الكتاب"، إنه لا يعتقد أن سنّها كان ليُمثِّل مشكلة، فيقول: "لربما كان الأمر ليكون مختلفا لو أنّها كانت ابنة 12 عاما أو نحوها". لا لوك ولا كاراشيما يخوضان بشكل أكبر في السبب الذي قد يجعل جنسانية الفتاة غير منطقية، أو تلك التي ستقود الجمهور الأميركي إلى نبذ الكتاب. يستشهد كاراشيما بالناقدة غيتي ماريان هانسن، التي أشارت إلى أنه كان "من المؤسف" عدم الحفاظ على هذه الفقرات، معتقدة أنّ "الوصوف الجنسيّة في عالم موراكامي تتعلّق بشكل أكبر باكتشاف الذات والتواصل بين الشخصيات التي لا تفهم بعضها بعضا، بدلا من الجنس بمعناه الإباحي، وأن هذا الإحساس لعلّه كان مفقودا عندما أُزيلت تلك الكلمات والتصاوير".

 

موراكامي ليس أول مؤلف يتغيّر عمله الأدبي أثناء الترجمة، والموضِعُ الذي يُرسَم عنده الحد الفاصل كان دائما موضوع نقاش وجدال. مسألة "الفتاة ذات الرداء الوردي" تستدعي إلى الأذهان مقالة عن الترجمة كتبها فلاديمير نابوكوف، يقول فيها: "ما أحطَّ الشخص الغَرور الذي، مع أنه يفهم المعنى، يخاف أن يحيِّر بليدَ فهم أو يُفسِدَ شخصا نبيلا، فيظلّ يخشى على القارئ الصغير الذي يلهو في الزاوية بأشياء خطرة ومتّسخة". سواء كنا نعتقد أنّ هذه الاقتصاصات تفيد أو تضر، فمن الواضح أنها شكَّلت الكتاب بطرق تزيد على مجرّد عدد الصفحات. (قام الرجلان أيضا بإضافة قسرية واحدة على الأقل: إشارة ضمنيّة إلى والد بيرنباوم) .

 

فيما يخص تعديلاته وتعديلاتِ بيرنباوم، يتوقع لوك من "المؤمنين الحقيقيين بموراكامي أن يصابوا بالذُّعر". لكنّ الرجلين برغم ما يتمتعان به من شفافية، تصرَّفا بالنيابة عن موراكامي، لقد بذلا جهدا يعلو ويفوق ما يمكن أن تتوقّعه من أوصاف عملهم. يؤكد كلٌّ من لوك وبيرنباوم أن مجمل التغييرات التي أدخلاها كانت بغرض مساعدة موراكامي على الوصول إلى الجمهور الأميركي، نزولا عند رغبة موراكامي. لكن موراكامي نفسه لاحظ أن المحررين اليابانيين أيديهم أخفُّ على النص من أندادهم الأميركيين. لربما أمكن النظر إلى أسلوب تحريرِ لوك وبيرنباوم بعين المجاملة. لقد صرَّح موراكامي مرارا أنه يُكِنّ الإعجاب لأعمال رايموند كارفر، وقد اشتهر كارفر بتعرُّض أعماله لتحرير ثقيل على يد محرّره النيويوركي غوردون ليش. مع ذلك، يظل موراكامي صريحا، مسمّيا بيرنباوم "أشبه بمقدِّم منه بمترجم دقيق"، ويُشير إلى أنه لربما يكون قد تمادى.

المترجم ألفريد بيرنباوم

مع تنامي شهرة موراكامي، قام بتغيير معاونيه السابقين. بحلول عام 1992، بدّل موراكامي محرريه، من لوك إلى غاري فسكتجِن لدى دار "كيه نوبف". يبدو لوك رقيقا جدا تجاه موراكامي، إذ يقول إنه "راضٍ" بأنه ساعد في "تدشين محرّك موراكامي"، على أننا لا نعلم تماما ما إذا كان يحس بالاستفزاز أو اللا مبالاة تجاه انتقال موراكامي إلى ناشر أميركي آخر. الكتاب الأول الذي نشرته دار "كيه نوبف" كان مجموعة من القصص القصيرة التي تضمنت أعمال عدد من المترجمين، بمَن فيهم بيرنباوم، لكن الرواية الأولى التي نشرتها الدار ترجمها جاي روبين. لا يبدو بيرنباوم واثقا ما إذا كان موراكامي قد تخلّى عنه أو تناساه، أو إن كان هو الذي اختار المُضي قُدما.

 

روبين أيضا سيُجري تغييرات ضخمة على عمل موراكامي. في اليابان نُشِرت رواية "يوميات طائر الزنبرك" على ثلاثة كتب، بينما نُشِرت في الولايات المتحدة في مؤلَّف واحد. لقد شعر روبين أن أجزاء من الرواية الأصلية كانت "فوضويّة"، لذا قام بقصّ أجزاء منها بحيث تبدو "مشدودة ونظيفة" بشكل أكبر من المؤلف الأصلي، نحو 25.000 كلمة ككل. بعكس لوك وبيرنباوم، اللذين يقال إنّهما يقصّان المؤلَّف الأصلي أثناء العمل عليه، بدلا من إنتاج ترجمة تامّة أولا، يقوم روبين بعمل نسختين: واحدة تامّة، وأخرى معدَّلة. الدار اختارت النسخة المعدلة، يقول فسكتجن إن النسخة التامّة "كانت لتكون مستحيلة كليا في الولايات المتحدة"، ولربما كان محقا. في نهاية المطاف، يعتبر الكتاب على نطاق واسع بمنزلة انطلاقة موراكامي في أميركا، لكن من المستحيل أن نعرف ما إذا كانت قرارات من هذا النوع قد ساعدت في إنجاح موراكامي هذا النجاح الذي لاقاه في الخارج أم أن جوهر رؤية موراكامي كان سيشعّ على كل حال.

 

بالنسبة لأولئك المهتمين بالأمور العابرة فيما يخص موراكامي، فإن كاراشيما يُضمِّن أيضا ثرثرات عالم النشر، مثل ما إذا كانت حفلة من سبع طهاة للسوشي قد أُقيمت فعلا على شرف موراكامي، أو عدد المرات التي قابل فيها موراكامي أو لم يقابل كارفر. هذه النوادر على قدر تسليتها فإنّها تُبيّن الحد الذي بلغته أسطورة موراكامي من انتشار. يلاحظ كاراشيما، الذي يحصر تحليله بأعمال موراكامي الأولى، أن الطريقة التي يُفهَم بها موراكامي في تغيّر مستمر، وربما، كما طلب موراكامي، ستكون بواكير أعماله متاحة ذات يوم باللغة الإنجليزية غير منقوصة. وأتساءل، مع ذلك، ماذا إذا كان أكثر ما سيغيّر فهمنا لأعمال موراكامي هو ترجمة الجيل القادم من الكُتَّاب اليابانيين إلى الجمهور العالمي.

ثمة مقابلة شُورِكت على نطاق واسع بين الروائية اليابانية مايوكو كاواكامي وموراكامي تظهر فيها متسائلة بشأن الطريقة التي قدَّم فيها موراكامي النساء: "صديقاتي كثيرا ما يقلن لي: "إن كنت تحبين أعمالَ موراكامي كثيرا جدا، فكيف يمكنكِ تبرير الطريقة التي صوَّر بها النساء؟"، ثمة تصوُّر أن هناك ما يبعث على الإحراج بشأن حضور النساء في حكاياك".

 

تستمر كاواكامي بتشريح دقيق، وسلبي في جزء منه فقط، لشخصياته الإناث، مشيرة إلى أن "ثمة الكثير من الحالات التي تُقدَّم فيها النساء كونهن منافذ، أو فرصا للتحوُّل"، من خلال الجنس، وهو ما قد يُخضِع النساء إلى "دور جنسي مفرط"، لكنها تقول أيضا إنها تعتقد أنه يلتقط بعضا من شخصياته الإناث على نحو جيد جدا.

 

شخصيا، فإنني سعيد جدا برؤية فوج من الكاتبات اليابانيات يُترجمن لمتلقّي اللغة الإنجليزية: مايوكو كاواكامي، ويوكو أوغاوا، وكيوكو تسوموري، وهيرومي كاواكامي، وساياكا موراتا، متاحات عبر الترجمة، لكنني كنت أجري مزيدا من الحوارات مع أشخاص ليس لديهم اهتمام خاصّ باليابان والذين كانوا قد قرؤوا لواحدة أو أكثر من هؤلاء النساء. وأتذكر قولي لنفسي، أخيرا شخص آخر عدا موراكامي. لكن ذلك فخ أيضا، هؤلاء النساء لسن بحاجة إلى استبدال موراكامي، فعندما يُحتفى بكاتب واحد من ثقافة ما؛ فلا بد لذلك الكاتب أن يُعبِّر عن تلك الثقافة بكل نواحيها، وعندما يكون هناك أكثر من صوت؛ يولَدُ حوار، وهذا أكثر تشويقا.

———————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة