شعار قسم ميدان

خائن أم مظلوم.. هل ساعد البحارة الشهير أحمد بن ماجد البرتغاليين على احتلال الهند؟!

في أواخر القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، كانت الفصول الأخيرة من هزيمة المسلمين في الأندلس تكشف عن واقع دولي جديد، واقع سيطر فيه الإسبان وأبناء عمومتهم البرتغاليين على الأندلس سيطرة تامة، وبلغوا من التنافس مبلغا جعل الإسبان يستعينون بالإيطالي كريستوفر كولومبس في استكشاف الأميركتين، والهجوم على شمال أفريقيا لاحتلال أجزاء واسعة من مدن تونس والجزائر والمغرب، وقد رأى البرتغاليون كيف يجني الإسبان من وراء هذا النشاط الاستعماري أموالا ونفوذا واسعين، فدخلوا معهم في مواجهات ومنافسات حامية في البر والبحر، فاحتلوا أجزاء من المغرب الأقصى أشعلت المواجهة بين الفريقين حتى تدخل البابا إسكندر السادس لإبرام اتفاقية عام 1494م والتي تم بموجبها تحديد نقطة الحدود التي تفصل بين الدولتين في شمال أفريقيا والتي عُرفت باسم نبون دي فاليز أو حجر باديس التي تقع في شمالي المغرب.

وقد اتخذ الجانبان هذه المنطقة ليعمل الإسبان على التوسع شرقا، بينما يعمل البرتغاليون على التوسع غربا ناحية السواحل المغربية المطلة على المحيط الأطلسي، وقد أجبرهم هذا الأمر على تقوية نفوذهم البحري، وإنشاء أساطيل على غرار الإسبان، وكانت قوة الدولة المملوكية في مصر وبلاد الشام وتضييقها على الأوروبيين في تجارة التوابل الهندية التي كانت تُعد مثل تجارة النفط في يومنا هذا من أهم وأسرع العوامل التي جعلت المستكشف والرحالة والقائد العسكري البرتغالي فاسكو دي جاما يسعى للالتفاف حول القارة الأفريقية باتجاه الهند والشرق الأوسط من طريق بعيدة عن الإسبان من جانب والمماليك من جانب آخر.

 شرع فاسكو دي جاما في إنشاء مراكز تجارية ثابتة للبرتغاليين على طول الساحل الشرقي لأفريقيا في موزمبيق و.كينيا ومدغشقر وتنزانيا ثم الانطلاق صوب الهند منبع تجارة التوابل العالمية. (مواقع التواصل)

وبالفعل تمكن فاسكو دي جاما من استكشاف طريق رأس الرجاء الصالح في عامي 1495-1496م، ثم شرع في إنشاء مراكز تجارية ثابتة للبرتغاليين على طول الساحل الشرقي لأفريقيا في موزمبيق وكينيا ومدغشقر وتنزانيا، ثم الانطلاق صوب الهند منبع تجارة التوابل العالمية حينذاك التي كانت على علاقات متينة مع دولة المماليك في مصر[1]، ويكاد المماليك يحتكرون تجارة التوابل منهم، بحكم السيطرة على البحر الأحمر من جهة، ومن جهة أخرى السيطرة شبه المطلقة على شرق البحر المتوسط وبلاد الشام ومصر والحجاز حتى حدود اليمن.

وقد كان الوجود البرتغالي في الهند سببا في تدمير الدولة المملوكية على الرغم من انتصارها في معركة شول البحرية سنة 914هـ/1508م، إلا أن هزيمة الأسطول المملوكي وتدميره بالكلية في معركة ديو البحرية قرب سواحل الهند في أواخر العام نفسه قد أدى إلى سيطرة البرتغاليين المطلقة على السواحل الهندية الغربية، بل وعلى مناطق مهمة من الساحل العُماني مثل ظفار، ومن ثم أصبحوا السادة الجدد في بحر العرب ومضيقي هرمز وباب المندب، وهكذا أدّى هذا الوجود البرتغالي إلى تجفيف منابع التجارة المملوكية، وهي عماد الاقتصاد المملوكي الذي دخل منذ ذلك الحين في حالة من الركود والتراجع، وانتهى بهم الحال منهزمين أمام العثمانيين الذين رأوا فداحة التمدد البرتغالي في بحر العرب والبحر الأحمر، وتهديدهم فوق ذلك للحجاز والحرمين الشريفين بنزعة صليبية لم تكن خافية، وظل الاحتلال البرتغالي يتوسع ويهدد السواحل العربية في عُمان وهرمز ومناطق شرق الجزيرة العربية وحتى البصرة شمالا طوال القرن السادس عشر الميلادي، ودخل العثمانيون أمامهم في معارك مختلفة في اليمن وشرق الجزيرة العربية.

رواية قطب الدين النهروالي

والحق أن المؤرخ ومفتي مكة في عهدها العثماني قطب الدين النُهروالي الهندي (1511-1581م)، الذي عُرف عنه تقربه وولاؤه الشديد للدولة العثمانية، قد أثار في كتابه الشهير "البرق اليماني في الفتح العثماني" مسألة الاحتلال البرتغالي للهند، وكيف أنهم كانوا جهلة بالمحيط الهندي حتى هلكت كثير من سُفنهم فيه، وأن الذي دلّهم على طرقه الآمنة وسواحله الهادئة ومواسم الإقلاع والرسو فيه كان البحارة العربي الشهير شهاب الدين أحمد بن ماجد بن عمر الجُلفاري النجدي (1418-1501م)، وهو الذي عاش ومات في القرن الخامس عشر وفاتحة القرن السادس عشر الميلادي، وعاصر بنفسه قدوم الحملات البرتغالية على العالم الإسلامي المشرقي في بحر العرب والمحيط الهندي.

يقول النهروالي في "البرق اليماني": "وقع في أوائل القرن السادس العاشر الهجري/1495م من الحوادث الفوادح والنوادر دخول الفرتقال (البرتغال) اللعين من طائفة الفرنج الملاعين إلى ديار الهند، وكانت طائفة منهم يركبون من زقاق (مضيق) سبتة البحر، ويلجّون في بحر الظلمات (المحيط الأطلسي)، ويمرون بموضع قريب من جبال القُمر…، ويصلون إلى المشرق، ويمرّون بموضع قريب من الساحل في مضيق أحد جانبيه جبل والجانب الثاني بحر الظلمات، في مكان كثير الأمواج، ولا تستقر به سفائنهم وتنكسر، ولا ينجو منهم أحد، واستمروا على ذلك مدة وهم يهلكون في ذلك المكان، ولا يخلص من طائفتهم أحد إلى بحر الهند (المحيط الهندي) إلى أن خلص منهم غراب (نوع من السفن) إلى الهند، فلا زالوا يتوصلون إلى معرفة هذا البر إلى أن دلّهم شخص يُقال له المسندي (Almirante بالإسبانية تعني أمير البحر، وأصلها عربي)، فعلَّمهم الطريق في حالة سكره وقال لهم: لا تقربوا الساحل من ذلك المكان، وتوغّلوا في البحر ثم عودوا فلا تنالكم الأمواج، فلما فعلوا ذلك صار يسلمُ من الكسر كثير من مراكبهم، فكثروا في بحر الهند"[2].

أثارت رواية النهروالي الجدل بين المؤرخين؛ ذلك أنها تكشف لنا عن عبقرية البحارة والملاح ابن ماجد، وهو واحد من الآباء الكبار للبحرية العربية طوال تاريخها. (مواقع التواصل)

وقد أثارت رواية النهروالي منذ القرن السادس عشر الميلادي وحتى يومنا هذا الجدل بين المؤرخين، ذلك أنها تكشف لنا عن عبقرية البحارة والملاح ابن ماجد، وهو واحد من الآباء الكبار للبحرية العربية طوال تاريخها، فقد دلّ البرتغاليين على فرص نجاتهم وخلاصهم من عواصف المحيط الهندي وأنوائه ومجاهيله، وهو في الوقت عينه -طبقا لرواية النهروالي- خائن لبني دينه، فقد دلّ البرتغاليين على مكامن ضعف المسلمين، وهيأ لهم مواطن الأقدام، فجعلهم ولمدة قرن كامل خنجرا قتّل الآلاف من الهنود والعُمانيين واليمنيين والعرب من أبناء الساحل الشرقي للجزيرة العربية، فضلا عن تدميرهم أساطيل المماليك.

واعتمادا على رواية البرق اليماني للنهروالي، يُعلق المؤرخ جورج حوراني قائلا: "كان من سخرية التاريخ أن ملاحا عربيا كبيرا ساعد على القضاء على الملاحة العربية"[3]، إذ إن الأساطيل البرتغالية التي جابت بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي سحقت الأساطيل العربية وقضت عليها، بل وتمكن البرتغاليون من احتلال كثير من شواطئ العرب الشرقية والجنوبية في الجزيرة العربية، وكان مجيء البرتغاليين تمهيدا لمجيء الهولنديين والفرنسيين والإنجليز فيما بعد.

هل ابن ماجد خائن؟!

يتفق بعض المستشرقين مثل الروسي شوموفسكي والفرنسي غابريل فيرّان مع رواية النهروالي، ويقولان بأن اتصال ابن ماجد بفاسكو دي جاما كان في مدينة ماليندي في كينيا في شرق أفريقيا، وقد أُجبر ابن ماجد على السفر مع فاسكو دي جاما إما تحت تأثير السُّكر وإما لقاء مبلغ مالي ضخم تقاضاه ابن ماجد لأداء هذه المهمة.

صورة تخيلية لابن ماجد (مواقع التواصل)

والحق أن التأمل في مؤلفات ابن ماجد في علم الملاحة أو البوصلة وأراجيزه وقصائده الكثيرة التي كان قد بدأ في تأليفها منذ سبعينيات القرن الخامس عشر الميلادي، بل والأحزاب التي ألفها على طريقة الصوفية في البر والبحر، وهي مجموعة من الأدعية والأوراد التي يجب على أهل البحر أن يدعوا الله بها لتيسير أسفارهم، ولصرف قراصنة البحر والفرنج عنهم، تكشف لنا عن شخصية مسلمة ملتزمة، فكيف لهذا الرجل الذي نذر في إحدى أراجيزه أن يذهب لبيت الله الحرام بُغية الحج، والذي بلغت شهرته حتى القرن التاسع عشر بعد وفاته بثلاثة قرون بين عامة الملاحين في عُمان واليمن، والذين بلغ بهم الحال الدعاء له على ما يروي الرحالة الإنجليزي السير ريتشارد بورتون في كتابه "الخطوات الأولى في شرق أفريقيا" حين أبحر إلى عدن في اليمن عام 1854م[4]، كيف لهذا الرجل أن يخون تراثه ودينه وأفكاره ويتعاون مع العدو للقضاء على شوكة المسلمين في المحيط الهندي، وعلى أساطيلهم وعلومهم؟!

ذلك سؤال عكف عليه المستشرق الروسي كراتشكوفسكي في موسوعته الشهيرة "تاريخ الأدب الجغرافي العربي"، ورأى أن رواية النهروالي لا تتوافق مع شخصية ابن ماجد ومع الأحداث التي وقعت في ذلك الحين، يقول: "يجب أن نطرح من هذا المتن (متن النهروالي) الحكاية الخاصة بسُكر الربان المسلم، إذ من الواضح أن المؤلف أراد بها على ما يبدو إيجاد تبرير لموافقة ذلك الملاح على أن يرشد سفينة للفرنجة". ولكن كراتشكوفسكي لا ينفي مُطلقا أن يكون ابن ماجد قد تعاون مع فاسكو دي جاما في إرشاده أثناء عملية استكشاف ثم احتلال الهند فيما بعد، فيقول: "عندما تصف المصادر البرتغالية ابن ماجد بأنه مسلم من كُجرات (في الهند) فينبغي أن نبصر في هذا انعكاسا لصلته بالهند ليس إلا، وربما كانت مركزا لعملياته البحرية، ويلوح أنه كان من الشيعة، وهو أمر مفهوم على ضوء علاقاته الدائمة مع الفُرس…، ومن هذا يتضح لنا أن إرشاده لسفن فاسكو دي جاما كان في الغالب من أواخر أعماله الملاحية الكبرى"[5].

هل ابن ماجد بريء؟!

يذكر الأرشيف البرتغالي أن المعلم كاناكا من كجرات هو الذي قدّم الدعم لدي جاما، وأعانه على عبور المحيط حتى وصوله إلى مدينة كاليكوط على الساحل الغربي للهند في 1498 بعد عامين من التخبط. (مواقع التواصل)

وكراتشكوفسكي بهذا الاستنتاج زادنا غموضا، فهو ينفي عن ابن ماجد تُهمة معاقرة الخمر التي اتهمه بها النهروالي، وهي تهمة سمعها بطبيعة الحال، إذ الفارق بين الرجلين أكثر من 70 سنة، لكنه يثبت تعاونه مع البرتغاليين لفتح المسار أمامهم في بحر العرب والمحيط الهندي، ولكن الدكتور عبد الهادي التازي المغربي عكف على هذه القضية في كتابه "ابن ماجد والبرتغال"، وتتبع الأرشيف البرتغالي، مؤكدا أن البرتغاليين دأبوا على ذكر العملاء المحليين الذين تعاونوا معهم ودلّوهم على مكامن ضعف المسلمين في المغرب وكذلك في المشرق، وأن الأرشيف البرتغالي لا يزال يحتفظ بجميع أسماء هؤلاء المرشدين المحليين الذين تعاونوا معهم منذ القرن الخامس عشر الميلادي، ويؤكد التازي أن هذا الأرشيف يخلو من اسم ابن ماجد على الرغم من الدور الكبير (المزعوم) الذي قدّمه للبرتغاليين في حملاتهم على المحيط الهندي، بل يذكر الأرشيف البرتغالي أن المعلم كاناكا من كجرات هو الذي قدّم الدعم لدي جاما، وأعانه على عبور المحيط حتى وصوله إلى مدينة كاليكوط على الساحل الغربي للهند في 1498 بعد عامين من التخبط.

يضيف التازي أن شهرة ابن ماجد العملية والعلمية في ميدان الملاحة العربية قد بلغت الآفاق وقتذاك بعد أكثر من 50 عاما قضاها في البحر، فضلا عن كتابه "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد"، ثم أراجيزه الكثيرة مثل المعزية والمخمسة والألفية والسُّفالية والملعقية (الملاقية) وغيرها التي كانت أكثر شهرة لسهولة حفظ النواخذة والربابنة والبحّارة لها، وكلها تتناول علوم البحر، ومواسم الرياح، والجغرافيا البحرية لهذه المناطق؛ وقد تعرف البرتغاليون على ابن ماجد من خلال هذه العلوم والأراجيز عبر ربابنة ونواخذة العرب والأفارقة والهنود.

كتاب إبراهيم خوري "أحمد بن ماجد، حياته، مؤلفاته، استحالة لقائه بفاسكو دي جاما" وقف مع مؤلفات ابن ماجد وحياته، ثم مع علومه الكبيرة بالملاحة. (مواقع التواصل)

يقول التازي: "إن هذه الصلة لا تتجلى أبدا في مجالسة دي جاما ولا منادمته أو مسامرته أو معاقرته لكأس معه، ولكنها تجلّت في أن الفرنج والبرتغال على الخصوص استفادوا من [المرشدات البحرية] لابن ماجد، وآثاره العلمية التي كانت رائجة مستعملة في ذلك العهد…، تلك المؤلفات التي قال عنها الأميرال العثماني التركي سيدي علي ريّس (أميرال العثمانيين في اليمن والجزيرة العربية) في كتابه محيط: إنه كان من الصعوبة بمكان أن يُبحر المرء في الممرات المائية وأن يخترق المحيط الهندي دون الاستعانة بأمثال تلك الكتب"[6].

على أن كتاب إبراهيم خوري "أحمد بن ماجد، حياته، مؤلفاته، استحالة لقائه بفاسكو دي جاما" قد توسّع أكثر من كتاب عبد الهادي التازي في هذه المسألة، ووقف مع مؤلفات ابن ماجد وحياته، ثم مع علومه الكبيرة بالملاحة التي أفادت العرب والأتراك والهنود والبرتغاليين وغيرهم. ويؤكد إبراهيم خوري أن رواية النهروالي تشي بجهل البرتغاليين التام بالبحار والمحيطات، وهذا وهم وخطأ وقع فيه النهروالي، فالبرتغاليون الذين خرجوا من برشلونة وعبروا المحيط الأطلسي طوال شهور، وهلكت كثير من سفنهم لاستكشاف رأس الرجاء الصالح في عام 1495م، لم يكن من الصعب عليهم بعد بلوغ هذه النقطة الفاصلة من تاريخ حملاتهم البحرية أن يستعينوا بالربابنة والبحارة الأفارقة أو الهنود الذين دأبوا على التجارة مع شرق أفريقيا أو العرب لبلوغ أهدافهم في الهند، فضلا عن خبرتهم الكبيرة بعالم البحار والمحيطات، لا سيما أن غرض فاسكو دي جاما في مبتدأ أمره كان تجاريا، وأنه جاء بثلاث سفن فقط[7].

تلك هي قصة لقاء البحارة العربي الأشهر أحمد بن ماجد بالمستكشف وأمير البحر البرتغالي فاسكو دي جاما، وهو لقاء أشار إليه النهروالي، مؤرخ ومفتي مكة في عصرها العثماني، وقد جاء بعد ابن ماجد بثمانين عاما فقط ناقلا ما سمعه، وهي رواية لا يزال المستشرقون والمؤرخون يطرحونها بين القبول والرفض، ويبدو لنا أن ابن ماجد لم يلتقِ بالبرتغاليين ولم يتعاون معهم للأسباب التي أوردها التازي وخوري ونقلناها في السطور السابقة.

__________________________________

المصادر

  • [1] جمال حمدان: إستراتيجية الاستعمار والتحرير ص55، 56.
  • [2] النهروالي: البرق اليماني في الفتح العثماني، تحقيق حمد الجاسر ص18-19.
  • [3] إبراهيم خوري: أحمد بن ماجد، حياته ومؤلفاته ص271.
  • [4] عبد الهادي التازي: ابن ماجد والبرتغال ص9.
  • [5] كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي 2/570، 573.
  • [6] التازي: ابن ماجد والبرتغال ص67.
  • [7] إبراهيم خوري: ابن ماجد حياته ومؤلفاته ص249، 250.
المصدر : الجزيرة