شعار قسم ميدان

أول ذكر للعرب في التاريخ.. يحاربون مع اليهود في مواجهة الآشوريين

أول ذكر للعرب في التاريخ.. يحاربون مع اليهود في مواجهة الآشوريين

"لقد سبق الآشوريون الشعوب كلَّها في فرض سيادتهم بالقوة"، هذا ما كتبه المؤرخ الروماني "أميليوس سورا" في مطلع القرن الثاني قبل الميلاد، مضيفا أن تاريخ القوى العظمى الإمبريالية يبدأ -لدى المؤرخين القدماء- بالإمبراطورية الآشورية. وعندما كتب "سورا" ذلك كان قد مضى على انهيار الدولة الآشورية أكثر من أربعة قرون، وتولَّت السيادة في الشرق الأدنى القديم شعوب أخرى، مثل الميديين والفَرثيين من الفُرس، والمقدونيين والسلوقيين من قدماء اليونانيين، حتى انتقلت السيادة أخيرا إلى روما. ولم يكن ذلك رأي "سورا" وحده، بل رأى كُتَّاب قدماء آخرون أيضا أن الآشوريين أصحاب أول نمط من أنماط السيادة تميَّز عن كل ما سبقه باتساعه وعظمته[1]. ومن مِنَّا لا يعرف حضارة آشور الطاغية التي استطاعت أن تُخضِع جيرانها وأن تصل إلى أوسع مدى في حدود العالم القديم؟ ومَن لا يعرف "نبوخذنصَّر" الثاني وقوته التي بلغت العراق والشام وفلسطين، بل وسيطر على مصر لعشر سنوات؟

 

لهذه الأسباب مجتمعة، ولأن الحضارة الآشورية كانت حضارة عسكرية حربية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ اضطر جميع الجيران من أعدائها إلى الاتحاد لمواجهة هذا العدو الأخطر الغاشم "آشور"، والقضاء عليه بكل سبيل مُمكِنة. وقد حلَّ موعد اللقاء الأول عند "قرقر"، وهي منطقة إلى شمال حماة بسوريا اليوم، خُلِّدت فيها آثار المعركة على نُصب/مسلة آشورية من الحجارة السوداء أتت على ذِكر المشاركة العربية العسكرية الأولى في التاريخ المكتوب وقبل نزول الإسلام بأكثر من ألفية كاملة، حين رُسم الجمل العربي في أبهى حُلَّة. من هم الآشوريون إذن؟ ولماذا شارك أكثر من عشر ملوك، منهم ملك العرب "جِنْدِبُو" وملك اليهود "أخاب" وملك مملكة "آرام" بدمشق "بِن هَدَد الثاني"، مع غيرهم من ملوك في الشام، في هذه المعركة الفاصلة؟ وكيف انتهت بعد أن وضعت الحرب أوزارها؟

 

من هم الآشوريون؟

الآشوريون

عرفت بلاد الرافدين منذ حقبة ما قبل التاريخ بآلاف السنين العديدَ من الحضارات الكبرى، وعلى رأسها الحضارة السومرية القديمة التي خرج من رحمها البابليُّون في جنوب العراق، والآشوريون في شماله، وذلك في الألفية الثانية قبل الميلاد. وقد نشأت الدولة الجديدة حول أربع مدائن رَوَتها مياه نهر دجلة وروافده، وهي "آشور" وموقعها الآن قلعة "الشرقاط"، و"إربيل" و"نمرود" و"نينوى". وقد عثر المُنقِّبون في أطلال آشور على شظايا من حجر زجاجي أسود وسكاكين وقطع من الفخار عليها رسوم هندسية توحي بأنها ذات أصل آسيوي. وخلع الإله "آشور" اسمه على مدينة من مُدُن تلك المملكة، ثم على القطر كله آخر الأمر، وهو الإله الذي آمن به الآشوريون كما تقول الروايات.. وفي آشور سَكَن أقدم ملوك الآشوريين، وظلُّوا يقيمون بها حتى اضطروا إلى إنشاء عاصمة ثانية بسبب حرِّ الصحراء اللافح وهجمات جيرانهم البابليين، وهي "نينوى"؛ واسمها مأخوذ أيضا من أحد آلهتهم. وقد سكن نينوى ثلاثمئة ألف في أيام مجدها بعهد "آشور بانيبال"، وتلقَّى ملوكها الجزية من جميع بلاد الشرق القريبة[2].

 

وكان أهل آشور خليطا من الساميين الذين وفدوا إليها من بلاد الجنوب المُتحضِّرة مثل "بابل" و"أكَد"، ومن قبائل غير سامية جاءت من الغرب مثل الكُرد سكان الجبال الآتين من القوقاز، وقد أخذ هؤلاء كلُّهم لغَتهم المشتركة وفنونَهم من "سومَر"، لكنهم أعادوا صياغتها حتى بات صعبا التفرقة بينها وبين لغة بابل وفنونها. بيد أن ظروفهم الخاصة باعدت بينهم وبين النعيم والرفاهية التي أضعفت جيرانهم البابليين، ولذا بقوا طوال عهدهم شعبا مُحارِبا يطئون بأقدامهم عالم البحر الأبيض المتوسط الشرقي، فتاريخهم تاريخ الملوك والرقيق، والحروب والفتوح، والانتصارات الدموية والهزائم المفاجئة. وقد اغتنم ملوكُهم استقلالَهم عن بعض الجيران الأقوياء مثل الكيشيين أو الكاشيين (من بابل)؛ ولم يمض إلا القليل حتى ازدان أحدهم باللقب الذي ظل ملوك آشور يتباهون به طيلة عهدهم وهو "الملك صاحب الحكم الشامل"، كما ذكر "ديورانت" في "قصة الحضارة"[3].

 

بدءا من القرن الثالث عشر قبل الميلاد في عهدَي ملكَي آشور "أداد نيراري" الأول وخليفته "شَلْمَنَصَّر" الأول، بدأت آشور في التعامل مع جيرانها تعاملا نديّا، وصحيح أن جزءا كبيرا من هذه الإمبراطوريات لم يكُن يرى في الآشوريين قوة عالمية مكافئة له، لكن الأوضاع تغيَّرت تدريجيّا مع توسُّع الآشوريين شمالا وشرقا حتى بلغوا المناطق الشرقية في سوريا، بل استطاع الملك "توكولتي نينورتا الأول" بن "شَلْمَنَصَّر الأول" أن يُسقِط بابل لعدة سنوات ويجعلها تابعة له[4].

 

عصر الازدهار والمجد

الآشوريون

بين القرنين الثالث عشر قبل الميلاد والسابع الميلادي، اعتلى عرش آشور عدد من الملوك الكبار الذين خُلِّد تاريخهم العسكري والحضاري والعمراني، كما خلَّدت وحشيتهم التي لم تَقِل عن "جنكيز خان" و"تيمورلنك"؛ أمثال "سَرْجون" الثاني و"سِنَّحَريب" و"شَلْمَنَصَّر" الثالث و"تِغْلَث فِلاسَر" الثالث الذي استطاع ضم "أرمينية واجتاح سوريا وبابل، وأخضع لحكمه دمشق والسامرة، ومد مُلك آشور سلطانه من جبال القوقاز إلى مصر، ولما ملَّ الحرب وجَّه همَّه إلى شؤون الحكم، فأثبت أنه إداري عظيم، وشاد كثيرا من الهياكل والقصور، وساس إمبراطوريته الواسعة سياسة قوية حازمة"[5].

 

أما الملك "آشور بانيبال" (668-631 ق.م)، فوصلت "آشور" تحت حكمه الطويل إلى ذروة مجدها وثروتها، ولم يخطُر قَط بباله أنه ورجاله ليسوا وحوشا كاسرة على حد قول "ديورانت"، بل ارتكبوا جرائم القتل والتعذيب بلا رحمة على مدار شهور وسنين في حقِّ خصومهم وتابعيهم، ونظروا إليها بوصفها عمليات جراحية لا بدَّ منها لمنع الثورات وتثبيت دعائم الأمن والنظام بين الشعوب المشاكسة لهم والمنتشرة من حدود الحبشة إلى أرمينية، ومن سوريا إلى ميديا (وسط آسيا وإيران وجنوب شرق الأناضول). لذا، لطالما افتخر "آشور بانيبال" بما بلغه من قوة، فهو كما نرى في المَسَلَّات والآثار الكتابية التي تركها "الملك العظيم، الملك الحق الشرعي، ملك العالم، ملك آشور، ملك الجهات الأربع، ملك الملوك، الأمير الذي لا ينازعه مُنازِع، الذي يحكم من البحر الأعلى إلى البحر الأسفل، والذي جعل كل الحكام الآخرين يخرُّون له سُجَّدا ويُقبِّلون أقدامه".

 

إذا عدنا إلى فترة القرن ونصف القرن التي اتَّسمت باشتداد حروب الآشوريين تجاه جيرانهم، والتي بدأت بتسلُّم الملك الآشوري "شَلْمَنَصَّر الثالث" الحكم عام 858 ق.م مرورا بـ"تِغْلَث فِلاسَر" عام 745 ق.م وانتهاء بانتصار "نبوخذنصَّر" على الفرعون "نخاو" في موقعة "كَرْكَميش" عام 605 ق.م وإبادته بني إسرائيل، يجد المؤرِّخون أن آشور دمَّرت جماعات بأسرها عن طريق الضربات القاضية المتتابعة، حيث ساوت المُدُن بالأرض، وحملت إلى الأسر سُكَّان مدن كاملة، كما حدث في "دمشق" عام 732 ق.م، و"بابل" عام 689 ق.م، و"صيدا" عام 677 ق.م، و"مَمْفيس" في مصر عام 671 ق.م، وغيرها الكثير؛ فلم يسلم من عدوان الآشوريين سوى "صور" و"القدس"[6].

 

تحالف "قرقر" ونهاية آشور

ملك مملكة "آرام" بدمشق "بِن هَدَد"
ملك مملكة "آرام" بدمشق "بِن هَدَد" (مواقع التواصل)

انتبه لهذا الخطر الآشوري التوسُّعي في وقت مُبكِّر ملك مملكة "آرام" بدمشق "بِن هَدَد"، فقد هالَه تمدُّد الآشوريين وتدخُّلهم في شؤون الممالك الصغيرة والإمارات المجاورة لهم، وبخاصة تدخُّلهم في شؤون مملكة "حلب" في القرن التاسع قبل الميلاد، وخضوع هذه المملكة لهم بدفعها الجزية واعترافها بسيادة آشور. ومن ثَمّ، عَزَم "بن هَدَد" على الوقوف بوجه الآشوريين، لكنه لمَّا أدرك أنه أضعف من أن يواجههم وحيدا، ألَّف حِلفا من الملوك السوريين وسادات القبائل العربية لدرء هذا الخطر الداهم، وقد انضم إليه "أخاب" ملك إسرائيل و"جَنْدِبو" ملك العرب مع ملوك من الشام، حتى بلغت الممالك المتحالفة معه 11 أو 12 مملكة. وقد أمدَّ "جَندِبو" الحِلَف بألف جمل وبمئات من المحاربين[7].

 

يُعَد ذِكر العرب في مَسلَّة الآشوريين السوداء التي خلَّدت هذه المعركة الذِكر الأول لهم في التاريخ القديم، ولا يعني ذلك أن العرب لم يُعرَفوا قبل ذلك التاريخ، لكن الراجح أنهم عُرِفوا بوصفهم قبائل مُتفرِّقة بأنسابهم، أما ذِكرهم على أنهم مملكة واحدة خاضعة لملك عربي من الشمال فيؤكِّد على خطورة الدولة الآشورية التي استشعرها العرب آنذاك، إذ خشوا تأثُّر تجارتهم وعلاقاتهم بجيرانهم في العراق والشام، ومن ثَمّ جنحوا للقتال والحرب حتى تظل مملكتهم بمأمن.

 

عند مدينة "قرقر" إذن وقعت الواقعة وتلاقى الجيشان: جيش "آشور" تُسيِّره نشوة النصر، وجيوش تحالف "آرام" مع العرب واليهود والفينيقيين. وقد تجمَّع ألوف من جنود الحلفاء في "قرقر" لمقاومة الآشوريين وصدِّهم عن التوسُّع نحو الجنوب، واشتركت في المعركة مئات من المركبات الحربية.ووفقا للرواية الآشوؤية، كان النصر حليف "شَلْمَنَصَّر الثالث" ملك آشور الذي سحق خصومه بيسر وسهولة، وأوقع بهم خسائر كبيرة، وغنم منهم غنائم كثيرة، وخلد انتصاره هذا في كتاب ليقف عليه الناس[8]. بيد أن الرواية الآشورية التي تتغنى بالانتصارات تحتاج إلى إعادة نظر، إذ إن الانتصار يؤدي إلى المزيد من التوسُّع الآشوري في بلاد الشام عقب المعركة؛ ما يُثير الشكوك حول دقة ادِّعاءات النصر. بيد أن قوة آشور في الأخير لم تتراجع تماما، ومن ثَمّ يبدو أن المعركة لم تنتهِ بنصر حاسم وكاسح لأحد الطرفين، بل عزَّزت الحد الفاصل بين آشور وأعدائها.

 

وقد كتب المؤرخ "أرنولد توينبي" في موسوعته المهمة "مختصر دراسة للتاريخ" عن مقدمات سقوط الدولة الآشورية في العراق، حيث رأى عوامل الضعف الداخلي الذي اختبأت وراءه الآلة الحربية الآشورية الجبارة التي لم تعرف الهزيمة. ولئن ذكر "ابن خلدون" عوامل الضعف والخوار الداخلي التي تؤدي إلى انهيار الدول والحضارات، وتبدأ عنده من ترك الخشونة والبداوة ثم الترفُّه وزيادة الضرائب والتبعات المالية المرهقة المصاحبة لها ثم الضعف النفسي والمعنوي؛ فلقد أضاف توينبي إلى القائمة "اتحاد الأعداء" للقضاء على ما يعدُّونه "العدو الأخطر"، وهو ما نراه يتحقَّق بحذافيره مع الدولة الآشورية مرتين على الأقل، مرة عند قرقر والأخرى حين انهارت الحضارة الآشورية في الأخير.

انهيار الحضارة الآشورية

أخبرنا توينبي أن الآشوريين حين نبذوا إستراتيجية "الاعتدال السياسي" في المرحلة الأخيرة من عُمر دولتهم الممتدة على مدار عدة قرون، وعمدوا إلى نهب جيرانهم في بابل عام 689 ق.م؛ فإن ذلك أتى بعكس المقصود منه، إذ جعل سكان المدن القديمة وقبائل البدو في الشمال والشرق يتناسون -بدافع من كراهيتهم العمياء لهذا العدوان الآشوري- نفورَهم المتبادل، فانصهروا جميعا في أمة بابلية جديدة لم تستكن حتى طرحت خصمها أرضا[9]. وقد جاء الانهيار على يد الأسرة الأكدية، حُكَّام بابل الجُدد في نهايات القرن السابع قبل الميلاد بقيادة "نَبوبولاصَّر"، الذي سعى إلى الهجوم المباشر على الآشوريين في الشمال عبر إستراتيجية "الغزوات المتتالية" كما أخبرتنا المؤرخة "إيفا كانجيك" في كتابها "تاريخ الآشوريين القديم"، وقد آتت هذه الإستراتيجية ثمارها، فسرعان ما اضطر الآشوريون إلى الانسحاب من مواقعهم في الشمال.

 

وكان من حسن حظ القوات الأكدية أنها تلقت دعما من الميديين القادمين من جبال "زاكروس" في إيران، فباتت آشور القوية أمام هذا الحلف ضعيفة وحيدة مُنسحِبة، حتى سقطت مدينتها الأشهر "آشور" عام 614 ق.م، ثم العاصمة "نينوى" عام 612 ق.م بعد حصار دام ثلاثة أشهر، ثمّ في عام 610 ق.م أسقط التحالف البابلي-الميدي آخر أهم مدنها "حرَّان". وفي نهاية المطاف، لقي الملك الآشوري الأخير "آشور أوباليط الثاني" حتفه أثناء محاولته استعادة حرَّان بدعم من الأسرة السادسة والعشرين في مصر الفرعونية، ولم يكُن مقتله "نهاية حكم سلالة تولَّى أفرادها منصب الملكية في آشور منذ قرون فحسب، بل نهاية آشور كدولة مستقلة وكيان سياسي قائم على رقعة جغرافية واسعة"[10].

—————————————————————————

المصادر:

[1] إيفا كانجيك: تاريخ الآشوريين القديم، المقدمة.

[2] ول ديورانت: قصة الحضارة 2/265.

[3] ديورانت: السابق 2/266.

[4] إيفا كانجيك: تاريخ الآشوريين القديم ص52.

[5] ديورانت: السابق 2/268.

[6] تيونبي: دراسة مختصر التاريخ 2/110.

[7] جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 2/226.

[8] جواد علي: السابق نفسه.

[9] توينبي: السابق 2/109.

[10] إيفا كانجيك: السابق ص100.

المصدر : الجزيرة