مظاهرات الفراغ السياسي.. لماذا أيَّد المصريون عبد الناصر بعد النكسة؟

المظاهرات لتأييد عبد الناصر بعد النكسة

في ليلة التاسع من يونيو/حزيران عام 1967 وحتى مساء اليوم التالي، تدفَّقت جموع المصريين في حشود هي الأكبر والأوسع انتشارا منذ عقود في القاهرة وغيرها من المُدن المصرية، وكذلك في بعض القرى في الريف، مطالبة بعودة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، بعد بيان ألقاه في التلفاز والإذاعة أعلن فيه تنحِّيه عن منصبه وتحمُّله المسؤولية كاملة عن الهزيمة العسكرية الضخمة، أو ما يُعرف الآن في التاريخ المصري بالنكسة.

 

خرجت الحشود الكبيرة بدون هدف واضح سوى رجوع القائد المهزوم إلى منصبه رئيسا للبلاد وقائدا أعلى للجيش. وبحسب المصادر التاريخية ورواية شهود عيان، اندلعت التظاهرات في المساء، بعد أن سمع عموم الناس في مصر بيان التنحي داخل منازلهم وخارج أماكن تجمُّعاتهم المُعتادة مثل أماكن العمل والجامعات والمصانع. ورغم وجود خلاف اليوم حول طبيعة هذه المظاهرات بين من يراها مدبَّرة من جهة الدولة، وبين من يراها رد فعل سريع وعفوي، فإن الأرجح أن الاتحاد الاشتراكي والأجهزة التعبوية والأيديولوجية للنظام الناصري لم يسعها تنظيم المظاهرات على هذا النطاق الواسع بعد أن شلَّتها الهزيمة، حتى وإن شاركت في تمهيد الظروف لخروجها (1).

 

وإذا هذا الحدث من الأكثر نُدرة في تاريخ مصر، فإن هناك جملة أسئلة يتعين علينا الإجابة عليها، أهمها على الإطلاق هو: لماذا تخرج التظاهرات الشعبية كي ترفض تنحي قائد عسكري مهزوم تسبَّب بوضوح -وباعترافه الصريح- في أكبر هزيمة عسكرية شهدتها البلاد منذ معركة التل الكبير قبل نحو قرن؟

 

يبدو إذن أن مظاهرات التاسع والعاشر من يونيو/حزيران بحاجة إلى تفسير. وبشكل مبدئي، من الواضح أن هذه المظاهرات، رغم كونها عفوية في معظمها، كانت تحكمها أفكار ومشاعر وقيم كانت سائدة من قبلها لمدة عقد أو يزيد، بفضل البنية الأيديولوجية المتكاملة للنظام السياسي الناصري الذي شكَّل أذهان الناس وعواطفهم. وهذه البنية الأيديولوجية هي محل النقاش في هذا المقال القصير لفهم دوافع تأييد المصريين لعبد الناصر بعد نكسة 1967.

 

الجمعية السرية.. كيف تَشكَّل النظام الناصري؟

الضباط الأحرار

في كتابه "الديمقراطية ونظام 23 يوليو"، يُشرِّح المستشار طارق البشري بنية تنظيم وحركة الضباط الأحرار. وفق البشري، كان ما شهدته مصر في 23 يوليو/تموز 1952 هو حركة عسكرية نفَّذها ضباط ذوو رُتَب متوسطة بالانقلاب على قيادة الجيش أولا، ثم القصر الملكي ثانيا، وأخيرا على مُجمل النظام السياسي والاجتماعي القائم. وقد كان الضباط الأحرار قوة إصلاحية غامضة ظهرت على الساحة السياسية فجأة، واستولت في فترة قصيرة نسبيا على كل مفاصل السلطة السياسية في مصر، وأعلنت عزمها تغيير شكل الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد.

 

في ضوء ذلك، كان الملمح الأول الذي يُميِّز النظام الناصري بطبيعة الحال هو أنه نظام عسكري استولى على السلطة السياسية بقوة السلاح، لكن هذا لا يُفسِّر تعاطف الناس معه حين هُزِم عام 1967، وهو ما يقودنا إلى الملمح الثاني. لقد كان النظام الناصري إصلاحيا في جوهره وراغبا في إصلاح وتغيير النظام القائم، والأهم أنه نظام تَشكَّل بمعزل عن معظم القوى السياسية القائمة آنذاك، سواء الموالية للنظام أو المعادية له، مما يعني أن الحيِّز السياسي والسلطة السياسية قيد التشكُّل عقب الانقلاب كانت غير متصلة بأيٍّ من القوى الحية أو التنظيمات الجماهيرية داخل المجتمع، ولم تُمثِّل امتدادا لأي طرف سياسي في مصر. لقد كانت سلطة الضباط الأحرار سلطة مستقلة متعالية تنظر إلى المجتمع بأسره من أعلى، مثل نظرة المهندس إلى الآلة أو البستاني إلى الحديقة.

 

منحت تلك الاستقلالية الضباط الشبان حرية واسعة في التصرُّف، وحرَّرتهم من جميع المساومات والالتزامات تجاه أي قوى اجتماعية أو سياسية أو حتى أهلية، أي من العملية السياسة الداخلية برُمَّتها. وقد مَكَّنتهم تلك الاستقلالية من الشروع في عملية هندسة اجتماعية وأيديولوجية واسعة وجذرية مع ترسيخ سلطتهم الجديدة، لكنها عملية لم تخلُ من السياسة والانحيازات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، تلك الانحيازات الموجودة والسابقة على وجود الضباط في السلطة، التي كانت في انتظار مَن يبلورها في شكل سياسات حاكمة، مما يعني أن استقلالية الضباط عن القوى السياسية لم تكن خالصة تماما، لأنهم في الأخير أبناء تيارات المجتمع نفسه الذي خرجوا عليه وحكموه، بل وجسَّدوا مطالبه الأساسية التي عبَّروا عنها مرارا على مدار الأربعينيات.

الضباط الأحرار

بحسب البشري، تفتَّح الوعي السياسي لأغلب الضباط، وعلى رأسهم عبد الناصر، في الأربعينيات بالتزامن مع تعثُّر المشروع الحداثي الديمقراطي الذي سبَّبه تآكُل شعبية حزب الوفد وعجزه عن حسم الصراع الدستوري مع الملك، وبروز تنظيمات سلطوية على يمين الحزب على رأسها "مصر الفتاة" و"الحزب الوطني" وجماعة "الإخوان المسلمين". ورأت تلك الحركات في مُجملها أن الأحزاب والتعدُّدية السياسية السائدة في مصر دليل على الضعف والانقسام، وأنها تتحمَّل مسؤولية استمرار الاحتلال، ومن ثمَّ بحثت تلك الحركات عن حاكم قوي أو مُخلِّص يوحِّد المجتمع والدولة تحت قيادته.

 

في ضوء تفشِّي تلك الأفكار السلطوية تلقَّى الضباط جُلَّ ثقافتهم السياسية، فنشأوا فضلا عن طبيعتهم العسكرية على كراهية الأحزاب والتعدُّدية السياسية والمجال العام المفتوح، وتخيَّلوا مصر مُجتمعا متجانسا موحَّدا يسير خلف قيادة قوية في زحف مُقدَّس نحو الكرامة والاستقلال والعدالة الاجتماعية. بيد أن الضباط واجهوا معضلة مهمة، وهي أنهم رغم كراهيتهم للأحزاب، لم يكن مُتصوَّرا حتى في أذهانهم أنهم سيحكمون بسطوة السلاح وحدها أو بحق السيطرة العسكرية الفعلية على غرار المماليك في العصور الوسطى، وذلك لأنهم في الأخير أبناء الحداثة المصرية التي قامت على مبدأ سيادة الشعب والفكرة الوطنية. (2)

 

واقع الأمر أن الضباط شكَّلوا تنظيمهم من البداية بالفعل على مبدأ الدفاع عن سيادة الشعب والحق في تقرير المصير، وهي أفكار سياسية حداثية، مدفوعين بدافع وطني اقتبسوه من مُجمل تراث الوطنية المصرية لتحقيق السيادة بمعناها الحديث. ولم يتصوَّر الضباط في البداية أن تستمر سلطة الأمر الواقع التي فرضوها عبر الانقلاب إلا فترة انتقالية، بحيث تعود السلطة إلى الشعب نفسه بعدئذ وفقا للتقاليد الديمقراطية الوطنية السائدة في مصر آنذاك.

الضباط الأحرار بين الحشود

لقد تخيَّل الضباط أن ما يعوق الشعب عن الديمقراطية هي القوى السياسية القديمة التي تلاعبت بالشعب ومَكَّنت لأعدائه. ولذلك، قام الضباط بتصفية الحياة السياسية، وحلِّ الأحزاب والتنظيمات السياسية كافة، وتأميم النقابات والصحافة والمجتمع المدني؛ باسم سيادة الشعب والثورة، وسعيا نحو إعادة تأسيس ديمقراطية سليمة وصحية. وقد تصوَّروا حينئذ أنهم في فترة انتقالية يحكمون باسم الشعب المُستضعَف لتطهير البلاد من أعدائها، وإعداد الشعب نفسه كي يصبح جديرا بالديمقراطية والحرية في المستقبل القريب.

 

عند تلك النقطة تحديدا اكتمل البناء الخطابي للنظام واستقر وعيه بنفسه بوصفه نظاما انتقاليا ديكتاتوريا تربويا يحاول بناء شعب جديد حر. ثم أتت أزمة مارس/آذار 1954 بوصفها لحظة تأسيسية في النظام الناصري، فبعد إضرابات بعض النقابات العُمَّالية والمظاهرات التي تحرَّكت في وسط القاهرة هاتفة "تسقط الديمقراطية، عاشت الثورة"، أعلنت قطاعات من الشعب قبولها بالفترة الانتقالية الديكتاتورية والسلطة الجديدة بصورتها الديكتاتورية الوصية على الشعب. وهكذا تخلَّص الضباط من فخ ارتباط الحداثة بالديمقراطية عبر توصيف نظامهم بأنه نظام انتقالي نحو ديمقراطية مؤجَّلة إلى حين إعداد شعب جدير بالديمقراطية.

 

الفراغ السياسي.. الشعبوية الجذرية للنظام

عبد الناصر بين الحشود

عمل النظام بعد صعود عبد الناصر على ترسيخ سلطته في أكثر من اتجاه، فبعد تصفية المجال السياسي وتفكيك كل القوى الاجتماعية، أتت الخطوة التالية بتهيئة الشعب الجديد الحر عبر ردِّه إلى عناصره الأولية أفرادا دون أي روابط سياسية أو تنظيمية سياسية أو حتى مدنية وأهلية، وذلك بهدف تحويل الشعب إلى كُتلة موحَّدة تسير خلف رجال الثورة في مسيرة كبرى ضد "أعداء الثورة". وقد خلقت هذه الإستراتيجية الشعبوية فعليا حالة من الفراغ السياسي، التي سيطر الضباط من خلالها على كل المنافذ والمؤسسات داخل المجتمع، من الإذاعة والصحافة والنقابات إلى أصغر جمعية زراعية في الريف، وهو ما منع السكان في مصر من التشكُّل سياسيا والدفاع عن مصالحهم بأي وسيلة. لقد باتت السياسة الوحيدة المقبولة في البلاد هي السياسة التي حدَّدها الضباط بوصفهم المتحدِّثين الرسميين باسم الثورة، والمحتكرين لأهدافها وقيمها ومعناها.

 

في كتابه "الزحف المُقدّس" يرصد شريف يونس ملامح إستراتيجية النظام لملء الفراغ السياسي الناتج عن طبيعة ذلك النظام نفسه. فقد بدأ الأمر بالكرنفالات والاستعراضات الشبابية والمؤتمرات الشعبية الحاشدة التي باتت سِمة مُلازمة للنظام طيلة فترة حكمه، ثم أتت محاولات تأسيس نظام الحزب الواحد عبر "هيئة التحرير" و"الاتحاد القومي" و"الاتحاد الاشتراكي"، في محاولة للقضاء على عُزلة السلطة وتأمينها من تسييس الجماهير في اتجاهات مختلفة عن مبادئ النظام. وفي ظل حكم زُمرة قليلة العدد، خضعت السياسة لاعتبارات الأمن، ومن ثمَّ صار الهدف الطبيعي من ملء الفراغ السياسي الحيلولة دون حدوث تسييس مُضاد، وذلك بإدماج السكان في مؤسسات للعمل العام تحت إشرافه.

 

أخذ النظام في مراحل تَشكُّله المبكرة خطوتين كبيرتين إلى الأمام لملء الفراغ السياسي، لا سيما بعد أن تبيَّن له أن الاتحاد الاشتراكي وسيلة غير فعَّالة لدمج قطاعات عريضة من المصريين داخل بنية النظام. ونبعت الخطوة الأولى من أيديولوجيا التحرُّر الوطني التي تبنَّاها النظام، وهي أيديولوجيا البطولة أو العزة والكرامة، وقد كانت "أيديولوجيا شعبوية في المحل الأول، (أي إنها) تطرح أفكارا باسم الشعب عامة، وتُوجَّه له كلية، دون أن يكون مشاركا في صياغتها أو إقرارها عبر أي وسائل تمثيلية، أو في تنفيذها، وهي بالمقابل تقوم على تمجيد متواصل للشعب، وتقديس الرجل العادي، وإثارة حماسه باستمرار باسم أهداف عليا، دون أن يكون له من الأمر شيء أكثر من الانبهار والتأييد والشعور بعظمة مستعارة ناتجة عن انتماء قلبي لمشروع عظيم".

 

كانت هذه الخطوة الأولى في ملء الفراغ السياسي عبر إشعار الرجل العادي بالبطولة والأهمية، ورفع شعارات الاتحاد والعمل ومحاربة الاستعمار والرجعية، ولذا شعر الرجل العادي أنه يخوض معركة ملحمية ضد قوى كبرى، وأنه جزء من مسيرة طويلة نحو الحرية والتقدُّم. بيد أن أيديولوجيا البطولة الشعبوية احتاجت إلى خطوة ثانية مُكمِّلة لها حتى تملأ الفراغ السياسي عن آخره، ذلك الفراغ الذي انفجر دفعة واحدة عشية خطاب التنحي.

 

زعيم الفراغ السياسي

جمال عبد الناصر (مواقع التواصل)

جاءت الخطوة الثانية تتويجا لأيديولوجيا البطولة، وهي رسم ملامح البطل نفسه، أي الزعيم المُخلِّص الذي به اكتملت أيديولوجيا البطولة وامتلأ الفراغ الذي خلقه نظام الضباط الأحرار في مصر. وقد كان السياق التاريخي الذي فرَّغ فيه الضباط الأحرار المجتمع المدني من تنظيماته ومؤسساته سياقَ تحرُّر وطني ومواجهة مع الاستعمار القديم، وقد وفُّر هذا السياق شعارات شعبوية جاهزة جوهرها مفهومَا العزة والكرامة المختزلان في النظام وسياساته الوطنية السلطوية.

 

بحسب شريف يونس، كان الفراغ السياسي وما يعنيه من غياب آليات التمثيل الديمقراطي الحقيقية، وما تمنحه من شرعية سياسية لمؤسسات الحكم، الدافع الأساسي لاختزال تلك المنظومة في شخص عبد الناصر، وتحويله إلى القائد والمُعلِّم وبطل الفقراء والتحرُّر الوطني، ومن ثمَّ تحويل دفة الحكم كُلِّها من سلطة مؤسسات سياسية ودستورية حديثة إلى نظام الزعامة. ويعني نظام الزعامة، على عكس ما تدَّعيه الدعايات الشعبوية المعادية للديمقراطية، أنه نظام سياسي لا يجتمع فيه الشعب بصفته شعبا إلا بفضل الزعيم بوصفه المؤسسة السياسية التي يحدِّد من خلالها الشعب مواقفه ونِيَّاته. فدستور الشعب هو ببساطة خطب عبد الناصر، وسياسته الخارجية تتجلَّى حين يُمثِّله الزعيم في تحالف عالمي ضد الاستعمار مثل منظمة عدم الانحياز، دون آلية يُدلي عبرها الشعب برأيه بصورة دورية.

 

أصبح عبد الناصر بعد فترة وجيزة الضمانة النهائية لأداء بقية الأجهزة السياسية أدوارها في النظام الناصري. وقد أكَّد عبد الناصر بنفسه دوره رقيبا أعلى على الهيئات السياسية التي دشَّنها، وذلك استناد إلى كونه الزعيم المُمثِّل للشعب تمثيلا مُباشرا. وقد تجلَّى نظام الزعامة والفراغ السياسي بوضوح حين أصدر عبد الناصر دساتير 1958 و1964 بلا حاجة حتى إلى استفتاء شكلي، وأصدر الميثاق الذي مَثَّل الوثيقة الفكرية والسياسية الأهم في الحقبة الناصرية كلها بعد دعوة منه وبتعيين أعضاء المؤتمر كافة دون أي انتخابات.

دستور 1958

لم يكن هذا الفراغ السياسي تنظيميا ودستوريا فحسب، بل إن زعامة عبد الناصر شكَّلت امتدادا وحراكا داخل الفراغ فظهرت له أبعاد أوسع. لقد انتهت فكرة الزعامة الناصرية إلى أن باتت التعبير الوحيد عن الشعب، الذي من دونه يصير الشعب محض أعداد ضخمة من الأفراد ليس إلا، فالشعب بوصفه كيانا وإرادة سياسية يظهر إلى الوجود فقط بقدر ما يعلن عبد الناصر عن وجوده. لقد أصبح عبد الناصر التمثيل الوحيد للشعب من الناحية السياسية والأيديولوجية، ومن ثم أصبح المصري يعي ذاته السياسية بوصفها جزءا من جماعة سياسية أوسع لها إرادة داخل العالم والتاريخ من خلال شخص عبد الناصر، وكان ذلك تجسيدا لنظام الزعامة، والفراغ السياسي والفكري في آنٍ واحد.

 

في عام 1965، حدثت نُسخة مُصغَّرة من مظاهرات التنحي قبل انتهاء موعد الاستفتاء على ترشيح عبد الناصر للرئاسة مرة أخرى. فحين أعلن عبد الناصر عن رغبته في التفرُّغ لإدارة الاتحاد الاشتراكي، وتحت تأثير حملة دعائية ضخمة وتعبئة من الاتحاد الاشتراكي، والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الزراعية، خرجت تظاهرات حاصرت مجلس الأمة وطالبته بترشيح عبد الناصر لرئاسة الجمهورية. وقد كانت المظاهرات في مضمونها تعبيرا عن فراغ مؤسسي وسياسي ضخم ملأته زعامة عبد الناصر وحدها، وهو ما وصفة الصحفي "إحسان عبد القدوس" بدقة بليغة بقوله: "جمال عبد الناصر يُمثِّل حقيقة هذه الجموع.. إننا عندما نجلس أحدنا إلى الآخر نحس بأنفسنا كأفراد، وعندما نلتف حول عبد الناصر نحس بأنفسنا كشعب". لقد أصبح عبد الناصر هو الشعب بالمعنى السياسي للكلمة، وأصبح المطلوب هو أن يستمر حتى يستمر وجودنا من خلاله. وكان هذا معنى مظاهرات التنحي التي انطلقت بعد عامين فقط من مظاهرات الاستفتاء، فقد شكَّل الضباط الأحرار الشعب الذي حلموا به عام 1954، ولكن الحلم تحوَّل إلى كابوس عام 1967.

 

مظاهرات التنحي.. انفجار الفراغ السياسي

عنوان صحيفة أخبار اليوم الحكومية بعد التنحي (مواقع التواصل)
عنوان صحيفة أخبار اليوم الحكومية بعد التنحي (مواقع التواصل)

تلقَّت مصر أكبر هزيمة عسكرية في تاريخها منذ نحو قرن في يونيو/حزيران 1967. وأول ما يُلاحَظ أن شيئا لم يحدث بعد الهزيمة قبل أن يظهر عبد الناصر على الشاشة ويتنحَّى، فلم تتحرَّك أيُّ جهة لمساءلة عبد الناصر أو قادة الجيش، بل ولم يُعلن الجيش نفسه أو رئاسة الحكومة أيَّ بيان يشرح الوضع أو ما يجب عمله في المستقبل، وماذا يعني وقف إطلاق النار. لقد ظهر عبد الناصر على الشاشة وفي الإذاعة ليس إلا، وأعلن تنحيه عن السلطة وتحمُّله المسؤولية عن الهزيمة.

 

كان البيان بمنزلة القشة الوحيدة التي أُلقيت للناس وهُم في حالة ذهول وضياع، فقد جسَّد إلقاء بيان التنحي الفعل السياسي الوحيد من الهيئة السياسية الوحيدة المخوَّل لها الفعل السياسي. لقد أتى البيان المُوجَّه إلى الشعب متجاوزا مؤسسات الدولة كافة، ومن ثمَّ أكَّد العلاقة الشعبوية الجذرية والمباشرة بين الزعيم والشعب. وفي ظل التفريغ السياسي الشامل للمنظومة الاجتماعية، اندفع الناس إلى الشارع دون فِكرة أو برنامج سوى إبقاء الرئيس في السلطة، وقد اندفعوا أفرادا لا يربطهم أي تنسيق سابق، ومن ثمَّ شكلوا جموعا بلا وزن سياسي حقيقي.

 

لقد تحطَّمت عبر حُكم الضباط الأحرار كل النخب السياسية وأشكال التنظيم والتعبير السياسي، ولم يُتَح أمام المصريين في هذا الظرف التاريخي الضاغط أي خيارات سياسية حقيقية. وكان الشعب الذي نزل في التاسع والعاشر من يونيو/حزيران هو ابن حالة الفراغ السياسي الذي أسَّسته وعمَّقته الهندسة الاجتماعية الانقلابية لسلطة الضباط الأحرار، ولمجال سياسي تأمَّم بالكامل لصالح شخص واحد برُتبه زعيم، ولمجتمع تحوَّل إلى أفراد متفرِّقين دون قدرة على العمل الجماعي، اللهم إلا أن يسيروا في كرنفالات واستعراضات شعبية حين تستدعيهم السلطة. بيد أنهم بعد التنحي شكَّلوا استعراضا شعبيا حزينا هذه المرة لاستدعاء السلطة التي شكَّلتهم على هذه الصورة ابتداء، دون قدرة بعد على بلورة أفكار أو بدائل حول أفق سياسي جديد.

جمال عبد الناصر

في هذا السياق التاريخي العام خرجت مظاهرات التنحي بصورة غير مسبوقة في تاريخ الأمم المهزومة، لكنها كانت أيضا لحظة الذروة المأساوية التي مَثَّلت بداية الأفول التدريجي لهذا الفراغ وتلك الشعبوية، وبُشرى ميلاد جيل جديد داخل أروقة الجامعات شرع في استعادة ميراث تجربة التنظيم الطلابي والحزبي في مصر. فبعد هذا التاريخ بأشهر، وتحديدا في فبراير/شباط 1968 داخل أسوار جامعة القاهرة، إذ اندلعت أولى المظاهرات السياسية الحقيقية في مصر منذ استيلاء الضباط الأحرار على الحُكم، وهي مظاهرات لم تخرج من أجل الزعيم، بل لأول مرة خرجت على ضوء قضية سياسية بعينها تخُص صدور أحكام قضائية مُخفَّفة بخصوص المسؤولية العسكرية عن الهزيمة فيما عُرف إعلاميا بـ"قضية الطيران".

 

لقد وقفت قطاعات من الجماهير تعلن بنفسها عن مطالبها ورؤاها في مواجهة مباشرة مع الرئيس، ومن ثمَّ حرمته ضمنيا وبشكل حاسم من مكانة الزعامة التي استأثر عن طريقها بتعريف الشرعية والسيادة والوطنية. على أرض الحرم الجامعي الأول في مصر، الذي تأسَّس قبل ستين عاما من مظاهرات الطلبة لعام 1968، وشهد زخما سياسيا كبيرا طيلة الثلاثينيات والأربعينيات، وأثَّر تأثيرا مباشرا في الحياة السياسية وفي الأجيال الجديدة للتنظيمات السياسية الأكبر قبل عام 1952؛ اندلعت مظاهرات طلابية بقيادة أجيال جديدة شابة خطت أول خطوة نحو إنهاء دولة الزعامة والفراغ السياسي وما صاحبها من أساطير، وهي أجيال شابة بدأت أول حراك سياسي حقيقي في ظل دولة الضباط، وفتحت الباب للعمل الطلابي والتنظيمي من جديد ولمدة عقد كامل حتى منتصف السبعينيات، وأنتجت جيبا سياسيا ظل مؤثرا لعقود قادمة.

————————————————-

المصادر

  1. الزحف المقدس .. مظاهرات التنحي وتشكل عبادة ناصر ، شريف يونس ، 2012
  2. الديمقراطية ونظام 23 يوليو، طارق البشري، دار الهلال
المصدر : الجزيرة