سعد زغلول.. كيف قاد المُلاك والفلاحين في مواجهة الاستعمار؟

في خمسينيات القرن التاسع عشر، تحديدا في يونيو/حزيران 1857، بقرية إبيانة التابعة لمديرية الغربية (محافظة كفر الشيخ حاليا)، وُلد سعد زغلول إبراهيم لإحدى الأُسَر ذات اليسار والسعة والزعامة الاجتماعية، كان والد سعد زغلول الشيخ إبراهيم زغلول شيخ البلد في قريته، ويملك وحده أكثر من 200 فدان من الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى امتلاك عدد من أفراد عائلته الكبيرة لمساحات واسعة من الأراضي، في قرية بعيدة عن العواصم حيث تستقر سطوة الحكام، لكنها غير بعيدة تماما عن آثار عسفهم وفسادهم حسب تعبير مصطفى العقاد.

في العقد الأول من حياته ذهب سعد زغلول، كغالبية الراغبين في التعلُّم في مصر، إلى الكُتَّاب، حيث واظب خمس سنوات يحفظ القرآن ويتعلم القراءة وقواعد اللغة العربية والحساب، وفي منتصف العقد الثاني من حياته ذهب إلى القاهرة ليُكمل دراسته في الأزهر، وقد "وافق وصول سعد زغلول إلى القاهرة مجيء جمال الدين الأفغاني إليها، وكانت القاهرة والأزهر آنذاك يشهدان حراكا سياسيا وثقافيا يقوده الأفغاني بنفسه، الذي بعد فترة من النشاط السياسي مُنِعَ من التدريس في الأزهر بسبب مواقفه الحادة من التدخُّل الأوروبي -الفرنسي والبريطاني تحديدا- في منظومة الحكم والسلطة في مصر".

ما لبث سعد أن وجد طريقه إلى جماعة الأفغاني، حيث واظب على حضور جلساتها الثقافية والسياسية، وهناك قابل سعد زغلول الشخصية الأهم في حياته كلها تقريبا. حينما أسَّس الأفغاني جريدة "الوقائع المصرية" كان قد عيَّن الشيخ محمد عبده رئيسا لها، وعيَّن سعد زغلول بها، وتقابل سعد زغلول مع الشيخ محمد عبده الذي كان يكبره بعشر سنوات وتكوَّنت بينهما علاقة الأستاذ والتلميذ، أو الشيخ والمريد كما سمَّاها سعد زغلول بنفسه في المراسلات التي تعاقبت بينهما لسنين بعد ذلك.

محمد عبده

يلاحظ المؤرخ عبد الخالق لاشين من المراسلات بين سعد زغلول ومحمد عبده أن علاقتهما وصلت إلى الإعجاب المتبادل في فترة وجيزة، حيث بدا أن سعد زغلول وجد ضالّته وإجابات أسئلته عند محمد عبده، وكان زغلول -كما يُوضِّح لاشين- يَعتبر الشيخ محمد عبده بمنزلة الأب الروحي والمرجعية الفكرية والسياسية، حيث كان يُوقِّع خطاباته إلى عبده دائما بعبارات مثل "ابنك" أو "تابعك".

يُضيف لاشين أن أول ملمح من ملامح تأثُّر سعد بعبده كان في تركه للأزهر، حيث كان لعبده موقف ناقد ومُتحفِّظ تجاه التعليم الأزهري وطبيعة المناهج المعمول بها داخله، وبعد فترة بسيطة من بدء علاقتهما معا ترك زغلول دراسة الأزهر دون أن يحصل على شهادة، وعمل صحفيا في جريدة "الوقائع" التي كان يرأسها الشيخ محمد عبده بنفسه كما ذكرنا.

الثائر المهزوم

كان سعد زغلول في الخامسة والعشرين من عمره حين نشبت الثورة العرابية عام 1882، وقد انخرط فيها شابا يلفحه لهيب الثورة مع شيخه الإمام يطعنان الاستبداد الخديوي ويطالبان بحكم شوري دستوري وتعميق النزعة الوطنية والقضاء على التأثير الأجنبي، وكان لهزيمة الثورة تأثير كبير على التلميذ والأستاذ معا، حيث خلقت الفجوة بين القوة البريطانية من جهة، وقوة جيش عُرابي والقوى الاجتماعية الشعبية المؤيدة له من جهة أخرى، صدمة لا تقل في تأثيرها عن صدمة الهزيمة أمام الهجوم الاستعماري الفرنسي على مصر بقيادة نابليون عند مطلع القرن ذاته.

بعد هزيمة الثورة العُرابية وانتصار الاستعمار البريطاني، فُصِل سعد زغلول من الوظيفة الحكومية التي شغلها، وحُلَّت جريدة "الوقائع"، ونُفِي الشيخ محمد عبده إلى بيروت. وبعد ذلك بفترة وجيزة اعتُقِل سعد زغلول بتهمة تشكيل خلية مقاومة تُسمى "جمعية الانتقام"، التي سعت إلى القصاص للشهداء المصريين الذين سقطوا نتيجة العدوان، ومُعاقبة كل مَن ساعد على دخول البريطانيين إلى مصر وعلى رأسهم الخديوي توفيق. وقد كان محمد عبده هنا بالطبع يدفع ثمن مساندته لحركة عُرابي، فيما كان سعد زغلول يدفع ثمن صداقته لعبده ومساندته لعرابي أيضا.

بعد انكسار الحركة العُرابية بوصفها أول حركة تَحرُّر وطني في التاريخ المصري والعربي المعاصر، ووقوع مصر تحت هيمنة الاستعمار، تغيَّرت تحت أثر الصدمة رؤية الشيخ محمد عبده للعالم ومعه مَن تبعه من تلامذته، "فقد تبيَّن لهم أن القوى التقليدية في معظم بلدان العالم لم تنجح في مواجهة الاستعمار، بمعناه الضيق (الاحتلال الأجنبي) أو بالمعنى الواسع (التحديث العنيف المفروض من أعلى سواء كان احتلالا أجنبيا أو استبدادا محليا)، يستوي في ذلك القوى التقليدية المسلحة مثل التحالف القبلي الذي قاده عمر المختار في ليبيا أو القوى المجتمعية الأهلية كفلاحي مصر طوال القرن التاسع عشر".

هنا تحديدا أتى التحوُّل الأهم الذي صبغ رؤية سعد زغلول السياسية والفكرية، فقد رأى الشيخ محمد عبده أن من الأجدى أن يُقاوم الاستعمار من الداخل باستخدام منطق الحداثة وبأسلحتها، ومن هنا بات مفهوم النصر الجديد مرهونا بالقدرة على انتزاع الدولة الحديثة من السيطرة الخارجية وتعلُّم إدارتها وقيادتها على يد مَن اخترعوها، قبل الثورة على الاستعمار والخديوي. وكانت تلك الرؤية واحدة من رؤيتين تدافعتا داخل الحركة الوطنية بعد الهزيمة، رؤية الشيخ محمد عبده وسعد زغلول التي رأت أن التخلف والفساد الخديوي هما المشكلة، وأن المشروع التحديثي للاستعمار بَنَّاء في مُجمله ويساهم في الوقت نفسه في تقوية المجتمع المصري لتفكيك الاستبداد الخديوي السلطاني التقليدي والرجعي، في حين رأى تيار ثانٍ بأن العدو الأساسي هو الاستعمار الأجنبي، وأن الخديوي حليف مُحتمَل في الصراع مع الاستعمار.

سعد زغلول

مَثَّل سعد زغلول أحد وجوه التيار الوطني الأول الذي رأى أن الخديوي سبب البلاء والهزيمة، وأنه يجب التخلُّص منه أولا والمطالبة بالدستور والحياة النيابية والديمقراطية، وقد رأى محمد عبده -الذي تبعه سعد زغلول أينما ارتحل- أن القوى الوحيدة التي تستطيع أن ترث الاستعمار وأن تقود المجتمع المصري التقليدي إلى الحداثة السياسية هي طبقة كُبار الملاك أو البرجوازية الزراعية المصرية التي تشكَّلت نتيجة لمعاهدة 1840 بعد خصخصة الأراضي المصرية، وتحالفت مع الضباط الوطنيين في الجيش بقيادة عرابي للثورة على الخديوي.

تشكُّل الطبقة البرجوازية المصرية

في غالبية الدراسات التاريخية التي تناولت تاريخ مصر الحديث، تمر قصة الحداثة المصرية عبر عدة محطات رئيسية، أولها مجيء الحملة الفرنسية واستيلاؤها على مصر، مرورا بمشاريع محمد علي الذي حكم مصر بُعَيد جلاء الفرنسيين. ويؤكِّد الباحث "روبرت هنتر" أن مشاريع محمد علي وأبنائه لا تختلف جوهريا عن المشاريع التي قرَّرت السلطة الاستعمارية الفرنسية إقامتها في مصر من الناحية التقنية والسياسية، التي شملت بناء المصانع ومعسكرات العمل، وتنظيم الزراعة وقوانين الملكية، وتكوين الفِرَق العسكرية والأمنية الحديثة وفرض التجنيد، ومشاريع إحصاء السكان والصحة العامة والتخطيط العمراني للمُدن.

أما المحطة الثانية فبدأت مع لحظة تفكيك المشاريع الاحتكارية لمحمد علي بواسطة تسوية عام 1840، التي أُبرمت بينه وبين القوى الأوروبية، وخصخصة الأراضي المصرية المملوكة للباشا وظهور طبقة محلية من الأعيان وكبار ومتوسطي المُلاك. وبحسب عدد من المؤرخين، شكَّلت تلك الطبقة نواة وحجر أساس المجال السياسي المصري الحديث، حيث أظهرت وعيا أخذ يتزايد بمرور الوقت بمصالحها، ودخلت في موجات من التفاوض والنضال للتخفيف من وطأة الاستبداد الخديوي وحكمه المُطلق المدعوم من السلطنة العثمانية. وقد جاءت الثورة العُرابية بوصفها أول حركة وطنية ضد الاستبداد لتصبح ذروة هذه المرحلة من تاريخ التحديث في مصر.

محمد علي باشا

ثم أتت المرحلة الثالثة بقيادة سعد زغلول بوصفه زعيما سياسيا يستلهم رؤى الشيخ محمد عبده، وقد نظر رواد هذه المرحلة إلى ما أحدثه الاستعمار من تنظيم للإدارة وتمصير للبيروقراطية والجيش بوصفه خطوة مهمة في بناء مصر الحديثة وإضعاف النخبة التركية والشركسية الموالية للخديوي. هذا وسعت سياسة الاحتلال إلى موازنة سلطة الخديوي والنُّخب الموالية للسلطنة العُثمانية عبر سُلطة كبار الملاك والأعيان المصريين أصحاب المصلحة التاريخية في إضعاف حُكم أسرة محمد علي والنخبة العُثمانية منذ اتفاقية 1840.

وقد مَثَّل سعد زغلول حالة الاعتدال داخل تلك الطبقة التي رأت في الشيخ محمد عبده مُنظِّرا لها ولمشروعها السياسي، فحاولوا الاستفادة من الآثار التحديثية للمشروع الاستعماري، التي شملت عقلنة أدوات الحُكم والحدّ من سُلطة القصر، بل إن العديد من رموز تلك الطبقة تعاونوا علنا مع الإنجليز في التجارة والسياسة، وكان هذا اتجاه حزب الأمة الذي تحالف مع الاستعمار سياسيا بالفعل. غير أن سعد زغلول أبقى نفسه على مسافة من حزب الأمة، ولم ينضم إليه طيلة تلك الفترة وإن شاركه التوجُّه العام لطبقة البرجوازية المصرية حينئذ.

في تلك الحقبة التاريخية التي أعقبت الاحتلال البريطاني، وداخل هذا المشروع السياسي للبرجوازية المصرية، وبسبب ذكائه الخاص ومهاراته في المحاماة والقانون والخطابة، بدأ سعد زغلول صعوده السياسي سريعا، وسرعان ما كوَّن دائرة من الأنصار في صفوف طبقته الاجتماعية والسياسية، إذ انتظم في حضور الصالونات الثقافية والاجتماعية التي أقامها الأعيان في قصورهم. وقد تعرَّف داخل إحدى المناسبات إلى نازلي فاضل باشا ابنة عَيْن من أعيان القاهرة هو مصطفى فاضل باشا، وعن طريق مصطفى فاضل قابل سعد زغلول ثاني أهم شخص سوف يتعرَّف إليه في حياته السياسية الطويلة، وهو اللورد كرومر.

اللورد كرومر

استطاع سعد زغلول بسهوله نيلَ إعجاب اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني، وقد كتب زغلول في يومياته: "إن اللورد كرومر يجلس معي الساعة والساعتين، ويُحدِّثني في مسائل شتى لكي أتنور منها في حياتي السياسية". ثم تزوج سعد زغلول من صفية ابنة مصطفى فهمي باشا، وهو أول رئيس وزراء مصري في عهد الاحتلال، ويُعَدُّ واحدا من أخلص أصدقاء الاحتلال منذ قدومه. وبمرور السنوات كان سعد زغلول قد تموضع جيدا داخل البرجوازية المصرية المُعادية للخديوي والسلطان العُثماني والمتحالفة مع اللورد كرومر تحالفا مرحليا حتى تستلم منه في وقت لاحق قيادة الدولة المصرية الحديثة.

الطريق إلى الثورة.. الجماهير والهيمنة

ذكر اللورد لويد في مذكراته، وهو موظف ومدير استعماري، أن ثمة صفتين أساسيتين أثَّرتا في تكوين سعد زغلول السياسي بعد خروجه من السجن، الأولى هي تعلُّمه الفرنسية، والثانية -والأهم- أنه "فلاح ولكنه لا يُفكِّر مثل بقية الفلاحين". وفي الحقيقة، لم يكن زغلول فلاحا قط ولو يوما في حياته، ولم يكُن أيٌّ من أفراد أسرته أيضا من الفلاحين، إذ إن أيًّا من عائلة زغلول لم يعُد ينتمي إلى تلك القوة الاجتماعية التاريخية المُسماة بـ "فلاحين مصر" منذ عام 1840.

لكن على جانب آخر، وكما أوضح المستشار الراحل طارق البشري في دراسة بعنوان "الفكر السياسي لسعد زغلول"، فإن أسرة سعد زغلول لم تكن من الثراء بحيث تنعزل عن مطالعة شقاء المجتمع، ولا من البؤس بحيث تنكسر أمام الظلم. وقد كتب اللورد لويد، وأيَّده في ذلك عبد الخالق لاشين، أن دخول سعد زغلول إلى وزارة المعارف وتعيينه في السلك القضائي وتدرُّجه وصعوده السريع كان جزءا من خطة أوسع لكرومر استفاد منها زغلول نفسه فيما بعد. وقد اقتضت خطة كرومر إدخال فئات اجتماعية من السكان المحليين استفادت من انهيار مشروع محمد علي الاحتكاري إلى الحكومة، وتمكينهم من الجهاز البيروقراطي للدولة والجيش، أي تصعيد الفئة الأكثر استفادة من المشروع التحديثي الرأسمالي الاستعماري والمعادية بحكم الموقع الطبقي والاقتصادي للخديوي وحُكم أسرة محمد علي إلى موقع الصدارة السياسية.

لم تكن تلك الفئة من الفلاحين بالمعنى المعروف، لكنهم كانوا مصريين وطنيين بالمعنى الحديث، لديهم مقدرة على تنظيم أنفسهم والتحدُّث باسم أغلبية المصريين. وقد أورد اللورد لويد أن سعد زغلول وطبقته من الفلاحين كانوا جزءا من الخطاب الاستعماري الذي اختار مُمثلين عن الناس يتكلمون باسمهم. وهكذا وجد المشروع السياسي للبرجوازية المصرية نقطة انطلاقه من ثنايا الإستراتيجية الاستعمارية، إذ أراد الاحتلال موازنة سلطة الخديوي وإيجاد وسيط سياسي محلي يساعدهم في حكم مصر، وأرادت البرجوازية المصرية بدورها إضعاف السلطة التقليدية ودفع التحديث السياسي والقانوني إلى الأمام.

خلال العقود التي تلت الاحتلال وسبقت ثورة 1919، قطع هذا التحالف الضمني أشواطا معتبرة في مشروعه السياسي، فتمصَّرت البيروقراطية المصرية والجيش والاقتصاد، وأُضعِفت النخبة التركية في مصر، وبدأت البرجوازية المصرية تلعب دورا مهما في الحياة الثقافية والسياسية. وكان للفجوة الواقعة بين القصر والإنجليز دور مهم في تقوية مشروع محمد عبده وسعد زغلول بتجهيز البديل المحلي الوطني القادر على المطالبة بالديمقراطية والدستور من الخديوي، والاستقلال الوطني من الإنجليز في الوقت ذاته. وقد سجَّل زغلول في يومياته خلاصة آرائه في ذلك قائلا: "إن الوجود الاستعماري ضروري لتحسين الثقافة السياسية المصرية، إن المُستعمِر، وهو المعلم الوصي، هو الضمان الوحيد ألا تقع هذه البلاد في الطغيان القديم، إن الأمة المصرية لا يمكنها -وحدها- أن تحفظ الهيئة العامة النيابية، إنها لو كانت خالية من الاحتلال الأجنبي سَهُل على حاكمها (في إشارة إلى الخديوي) أن يستبد فيها".

كان من مظاهر تقدُّم هذا المشروع السياسي إنشاء الجمعية التشريعية عام 1913 بعد ضغط وطني-استعماري على الخديوي، وقد تشكَّلت من أغلبية مُنتخَبة على درجتين، وتكوَّنت في كُليتها من كبار المُلاك وباكتساح شعبي بمعايير ذلك الوقت، ومن ثمَّ مَثَّلت علامة على البروز السياسي للبرجوازية المصرية الوطنية، حيث نجح سعد زغلول في دائرتين بالقاهرة باكتساح ملحوظ، وحظيت النخبة الوطنية الجديدة بشرعية شعبية ورسمية مَكَّنتها من تقديم نفسها لكل الأطراف بوصفها المُمثِّل الرسمي للجماهير المصرية.

انتهت الحرب العالمية الأولى وذهب سعد زغلول مع عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي إلى المندوب السامي البريطاني لطلب التصريح بالسفر كي يعرضوا قضية الاستقلال الوطني في مؤتمر الصلح بباريس.

بطبيعة الحال، كانت الجمعية التشريعية محدودة الصلاحيات أمام الإنجليز والخديوي، لكنها صارت مقر المفاوضات الرسمي والمؤسسي للنخبة المصرية وكبار المُلاك بوصفهم مُمَثِّلين لعموم المصريين أمام الإنجليز والقصر (والعالم فيما بعد). وقد كتب طارق البشري أن سعد زغلول لعب دورا مهما في توسيع صلاحيات الجمعية والذهاب بها لتأثير سياسي وشعبي أوسع، إذ استطاع في نهاية المطاف تقديم الجمعية بوصفها المُمثِّل السياسي لشعب كان في طور التشكُّل آنذاك.

انعقدت الجمعية التشريعية خمسة أشهر حتى عاجلتها الحرب العالمية الأولى، فأُوقفت وأُعلِنَت الأحكام العرفية طيلة فترة الحرب، لكن التقدُّم السياسي لسعد زغلول والنخبة المحيطة به بات من الصعب إنكاره، حيث أصبح سعد إحدى الزعامات السياسية القوية في الداخل المصري، وحافظ على اتصاله بالرأي العام في مصر طوال الحرب، مما زاد التفاف عموم المصريين من حوله.

انتهت الحرب وذهب سعد زغلول مع عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي (وثلاثتهم من الأعيان) إلى المندوب السامي البريطاني لطلب التصريح بالسفر بوصفهم مُمثِّلين عن مصر كي يعرضوا قضية الاستقلال الوطني في مؤتمر الصلح بباريس. وبحسب طارق البشري فإن الغرض من السفر كان إثارة موضوع الاستقلال في مؤتمر السلام وإحراج بريطانيا والضغط عليها أمام العالم، وقد روى عن سعد زغلول أنه قال "إما أن يدعونا نسافر، وإما أن يقبضوا علينا". وكان ما شاء، إذا اعتُقل هو وعدد من صحبه ونفوا في 8 مارس/آذار 1919، فاندلعت الثورة اليوم التالي في أنحاء مصر كافة، دفاعا عن المُمثِّلين الشعبيين للمصريين ومشروعهم السياسي.

لم تكن ثورة عام 1919 محض تظاهرات حاشدة غاضبة أتت ردا على نفي زعيم سياسي، وإن كان ذلك الحافز المباشر الذي أشعلها، ولكنها في جوهرها أتت تتويجا لحراك سياسي وثقافي أخذ يختمر لعقود، وهو مشروع قادته النخبة المصرية التي ظهرت للوجود مع انهيار مشروع محمد علي. كانت الثورة هي ذروة هذا المشروع وتلك المرحلة من تاريخ التحديث في مصر، بوصفها مرحلة تأسيس جذري واسع للوطنية المصرية في صورتها الحديثة ودمج من أسفل للسكان المحليين داخل بنية الوطنية الحديثة، بعد الدمج السلطوي من أعلى الذي قام به محمد علي وأبناؤه وشابته إشكاليات عديدة.

أدَّت الثورة إلى خلق شرعية سياسية جديدة أخذت فيها مصر مظهر الدولة الوطنية المملوكة لمواطنيها وغير الخاضعة لحكم سلطان بالمعنى التقليدي، وظهر المصريون عبرها شعبا متجانسا ومُوحَّدا يعمل لاستعادة السيادة على أرضه وثرواته، رغم أن تحقيق ذلك الطموح فعليا بدا صعبا في الواقع.

وصف طارق البشري سعد زغلول بأنه بمنزلة جسر بين ثورتين، ثورة عرابي التي تحالفت فيها قطاعات من السكان على رأسها طبقة الأعيان وكبار المُلاك مع الضباط المصريين في الجيش ضد الخديوي عام 1882، وأدركها سعد في بداية حياته السياسية، وثورة 1919 التي أدركها وهو إمام للمصريين تحت الأهداف الوطنية الحديثة نفسها، وضد الخصوم الرجعيين أنفسهم. لقد حمل سعد زغلول في ثورته رسالة الثورة العرابية الأولى، وهي أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة وطنية، وأضاف إليها العُمق الدستوري الليبرالي، حيث قدَّم مصر أيضا بوصفها دولة دستورية يحكمها عقد اجتماعي ديمقراطي ويعيش المصريون فيها بوصفهم مواطنين أحرارا لا رعايا.

______________________________________________________

المصادر:

  1. ثورة 19 في التاريخ المصري المعاصر، طارق البشري، دار مرايا.
  2. سعد زغلول يفاوض الاستعمار، طارق البشري، دار الشروق.
  3. البحث عن الخلاص، شريف يونس، الهيئة العامة للكتاب.
  4. ثورة 19 مجموعة مؤلفين، دار مرايا.
  5. البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة، صلاح عيسى، دار الشروق.
  6. الوطنية الأليفة.. الوفد وبناء الدولة الوطنية في ظل الاستعمار، تميم البرغوثي.
  7. سعد زغلول.. وتشكيل برجوازية الاستعمار، شريف مراد، مدونات الجزيرة.
المصدر : الجزيرة