جمهورية جان كالفن.. حين حكم المتطرفون المسيحيون قلب أوروبا

جمهورية جان كالفن.. حين حكم المتطرفون المسيحيون قلب أوروبا

خلال العقدين الماضيين، لم تتوقف وسائل الإعلام العالمية عن الحديث عن "التطرف الإسلامي" والتحذير من زيادة سطوة المتطرفين، لكن هذا التركيز المُبالغ فيه على المسلمين أخفى خلفه حقيقة أن جميع الأديان شهدت أشكالا مختلفة من التطرف، وأفرزت جماعات دينية سعت للاستيلاء على السلطة، أو نجحت في ذلك بالفعل. وعلى مستوى التاريخ المسيحي، كانت جماعة "جان كالفن" من أكثر هذه الجماعات تأثيرا، وقد بلغت من النفوذ أنها سيطرت على مدينة جنيف وحكمتها(1).

 

كان قائد الجماعة، ويُدعى جان كالفن، أحد أهم رجال حركة الإصلاح البروتستانتي، التي نشأت بوصفها رد فعل على حكم الكنيسة الكاثوليكية لأوروبا. لكن الأمر المثير حول هذه الجماعة هو أن كثيرا من ممارساتها تتشابه إلى حد بعيد مع ممارسات من التيارات الإسلامية التي توصم حاليا بالتشدد أو التطرف. على سبيل المثال، ستكتشف أن هذه الجماعة كان لديها "هيئة ضبط" تُعنى بمراقبة المخالفات الأخلاقية، مثل الرقص والأغاني وألعاب الحظ، وهي هيئة تشبه كثيرا "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". فما قصة هذه الجماعة؟ وكيف ارتقت إلى حكم أهم حواضر أوروبا؟

 

كالفن.. من الكنيسة الكاثوليكية إلى الإصلاح

جون كالفن
جون كالفن

في أعقاب سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس للميلاد(1)، ملأت الكنيسة الكاثوليكية فراغ السلطة الذي تركته الإمبراطورية وراءها، حيث هيمنت بصورة مطلقة على أوروبا لفترة تقترب من ألف عام. وخلال هذه الأعوام الطويلة، مدت الكنيسة نفوذها إلى كل مجالات الحياة تقريبا، وأسست نظاما بيروقراطيا شابَهُ الفسادُ وانعدام المساواة، بل إنها باعت الجنة فعليا للبشر عن طريق "صكوك الغفران".

 

بحلول نهاية تلك الحقبة، وتحديدا في مطلع القرن السادس عشر، كان من الواضح أن أوروبا تمر بمخاض جديد، بعدما أيقن الجميع أن الكنيسة الحاكمة تحتاج إلى ثورة شاملة. في تلك الفترة، بزغ نجم القس "مارتن لوثر"، وهو راهب وأستاذ لاهوت في ألمانيا نشر 95 مخطوطة دعا خلالها إلى إعادة النظر في عقيدة وأسس الكنيسة الكاثوليكية نفسها، ومراجعة دور البابا والرهبان في أمور الدين والدنيا، وحقهم الحصري في "منح الخلاص"(2).

 

كان "لوثر" يحاول -من خلال رسائله- إصلاح الكنيسة من الداخل بهدوء، لكنه لم يكن على دراية حينها أن نقده هذا من شأنه أن يغير وجه أوروبا كليا. جادل "مارتن لوثر" بأن العلاقة بين الإنسان والله هي علاقة شخصية في الأساس، يغذيها الإيمان الفردي، ولا تخضع لسلطةٍ خلاف الكتاب المقدس نفسه. هذا الطرح البسيط وجد له أنصارا كثرا في جميع أنحاء أوروبا، وبدأت أفكار "مارتن لوثر" تنتشر مثل النار في الهشيم.

 

على الجهة الأخرى، هيّجت أفكار لوثر وشعبيته غضب الكنيسة، لكنها أثارت في الوقت نفسه انقسامات سياسية داخلها، وكان من الواضح أن الثورة الدينية قد بدأت مُحدثة ما يصفه البعض بأنه أكبر انقسام ديني عرفه التاريخ، بخروج الكنيسة البروتستانتية من رحم الكنيسة الكاثوليكية الأم(3).

مارتن لوثر
مارتن لوثر

في هذه الأجواء المضطربة، قدم "جان كالفن" إلى الدنيا في 10 يوليو/تموز سنة 1509 في بلدة نويون (قرب باريس) بفرنسا، لعائلة كاثوليكية محافظة. عمل والد كالفن مسؤولا إداريا في كاتدرائية المدينة، وأراد الأب بدوره أن يصبح "جان" كاهنا في الكنيسة؛ بسبب علاقاته الوثيقة مع الأسقف المحلي للمدينة وعائلته النبيلة.

 

في مدارس باريس، درس كالفن النحو والبلاغة والمنطق والحساب في سنوات عمره الأولى استعدادا لدراسته الجامعية في اللاهوت المسيحي والقانون. أثناء هذه الفترة، كانت مصاريفه الدراسية يدفعها مانحون كاثوليك يشجعون الطلاب على دراسة الدين المسيحي والكاثوليكية. وبالرغم من انتشار أفكار "مارتن لوثر" في باريس في تلك الفترة، فإن "كالفن" كان لا يزال مرتبطا بعلاقة وثيقة مع الكنيسة الكاثوليكية.

 

ومع ذلك، وبحلول عام 1527، طوّر "جان كالفن" صداقات مع طلاب من معتنقي المذهب الإصلاحي الجديد، وكانت هذه الصداقات هي الخطوة الأولى في طريق كالفن نحو البروتستانتية. كان أصدقاؤه الجدد يعارضون الكنيسة الكاثوليكية بشكل علني بالكتابات والمحاضرات؛ ما هدد حياة "كالفن" في باريس، وفرض عليه الفرار منها سنة 1533 والتنقل بين مدن فرنسا بأسماء مستعارة، مع استمراره في الدراسة بمفرده. بدأ "جان كالفن" حينها بإعادة النظر في عقيدته المسيحية طيلة هذه الفترة، وبعد 3 سنوات من هروبه من باريس نشر كتابه المشهور "تأسيس الديانة المسيحية"، الذي أعلن من خلاله فك كل ارتباطاته بالكنيسة الكاثوليكية، ومن بعدها قرر "كالفن" الخروج من فرنسا نهائيا(4).

 

كانت مدينة ستراسبورغ وجهة "جان كالفن" الأولى، حيث كانت المدينة أحد المعاقل الأولى للبروتستانتية، ولكن بسبب الحرب التي اندلعت بين فرنسا وإسبانيا في تلك الفترة، غيّر "كالفن" وجهته إلى جنيف حين استدعاه وليام فارل، أحد أهم رجال الإصلاح البروتستانتي في المدينة حديثة الاستقلال(5).

 

جنيف.. مشروع جمهورية دينية

الإصلاح البروتستانتي

كانت الدوافع الدينية والسياسية مترابطة في دفع مسيرة الإصلاح البروتستانتي في جنيف، فقد سئم مواطنو المدينة من إدارة وهيمنة آل سافوي (سلالة ملكية أوروبية حكمت أجزاء من إيطاليا) على أراضيهم وتسلط الأسقف التابع للكنيسة الكاثوليكية. وعلى إثر ذلك، تحالف سكان جنيف سنة 1526 مع كل من كانتونات (ولايات) "فريبورغ" و"برن" السويسرية البروتستانتية لإقامة حكم مستقل في جنيف وحولها. وبعد العديد من الهجمات والكفاح المسلح، أعلن المجلس العام لجنيف استقلال المدينة، واعتناقها البروتستانتية بعد حملة التبشير التي قادها "ويليام فارل". ومن أجل ترسيخ دعائم البروتستانتية في المدينة، قرر "فارل" الاستعانة بمجهودات "جان كالفن" القادم من فرنسا وصاحب الـ27 عاما حينها(6).

 

هدف فارل وكالفن إلى توظيف الإصلاح الديني من أجل صناعة هوية جديدة لجنيف، وكان ذلك يستلزم بالتبعية تقليص السلطة الدينية وحصرها في يد الأشخاص الموثوقين فقط. فقبل اعتناق جنيف للبروتستانتية، وبينما كان عدد سكان المدينة يبلغ بالكاد 12 ألفا، فإنها كانت تحتوي على أكثر من 500 راهب، ولكن بعد الإصلاح البروتستانتي تقلص هذا العدد إلى 6 رهبان فقط. وحتى بعد موجة هجرة اللاجئين البروتستانت إلى المدينة فيما بعد، والتي ضاعفت عدد السكان، لم يتعدّ عدد الرهبان 15 راهبا في المدينة كلها. ومع ذلك، لم يكن الطريق أمام تلك الخطوات مفروشا بالورود، حيث تحدى المجلس العام للمدينة طلبات فارل وكالفن، بل برزت خلافات عميقة في البداية، خاصة حين طلبت الكنيسة من مجلس المدينة نفي كل الأشخاص الذين لا يأتون لتجمعات الكنيسة، ووصل حد الخلاف إلى نفي كل من فارل وكالفن نفسيهما سنة 1538 إلى ستراسبورغ، بعد أن اعتبر نشاطها تهديدا للسلم الاجتماعي في المدينة(7).

 

بعد نفي دام 3 سنوات، دعت السلطات في جنيف جان كالفن من جديد، بعد أن احتاجت لقيادة قوية في الكنيسة. قبِل كالفن طلب المجلس العام للمدينة مقابل شرطين: أولا، أن يكون لدى سلطات المدينة نية واضحة لتثقيف المواطنين حول أسس الدين المسيحي وعقيدته، وثانيا، إنشاء هيئة تضمن الانضباط بالتعاليم المسيحية في الحياة العامة للمدينة. قبلت سلطة المدينة هذه الشروط، وقد شكّل هذا الاتفاق نقطة البداية لحكم جماعة دينية لمجتمع مدينة جنيف بشكل مباشر. بعد الاتفاق، كوّن "جان كالفن" هيئة تهدف إلى تشريع كل تفاصيل الحياة العامة حسب ما تقوله الكنيسة(8)، وسميت الهيئة مجلس جنيف الكنسي أو "Consistoire de Genève".

Genevan Consistory
مجلس جنيف الكنسي

عكست الهيئة الجديدة تركيز البروتستانتيين الإصلاحيين الأوائل، بما في ذلك جان كالفن، على مفهوم الانضباط بشكل كبير، ويعود ذلك إلى قناعتهم بأن مفاسد الكنيسة الكاثوليكية بدأت مع عدم الانضباط في التعامل مع التعاليم الدينية. ويعتبر الكالفنيون أكثر انضباطا مقارنة حتى باللوثريين، حيث يرى جان كالفن أن كل الأمور المتعلقة بالحياة العامة هي بالضرورة مسؤولية الكنيسة والدولة، ويعتقد بأن أي تفريق بين الاثنين هو تفريق مصطنع وغير واقعي(9).

 

عادةً ما تأتي الحركات الإصلاحية الدينية ردة فعل للشعور بأن "الأمة" التي تمثلها تعيش حالة ركود. فلقد أتت حركة الإصلاح البروتستانتية بعد حالة الفساد العارم الذي حل بأوروبا أثناء حكم الكنيسة الكاثوليكية، ونلاحظ هذا النمط ينسحب أيضا على العالم الإسلامي، ففي أعقاب عصر الاستعمار الأوروبي وتهميش دور الدين في العالم الإسلامي وشعور المسلمين بوصفهم أمّة بالضعف، ظهرت الحركات الإصلاحية مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، أو حركة الإصلاح في السعودية، أو حتى تيار الثورة الإسلامية في إيران. ورغم الاختلافات الواضحة بين التجارب الإسلامية ومثيلاتها في أوروبا، فإن جوهر الدوافع لدى الطرفين كان واحدا، حيث كان الركود المجتمعي وأزمات السلطة هي المحركات الرئيسة لظهور حركات تدعو إلى التغيير من منطلقات دينية.

 

وحتى على المستوى التطبيقي، يقترب مفهوم الهيئة الدينية في جمهورية جنيف كثيرا من مفهوم الحسبة المُطبق في بعض الدول الإسلامية، ومثاله الأبرز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية (قبل تقليص صلاحياتها في الأعوام الأخيرة). وهنا تجدر الإشارة إلى أن مفاهيم الأمر بالخير والنهي عن الشر موجودة في أغلب الديانات، خاصة الدعوية (الإسلام) والتبشيرية (المسيحية)، والتي تهدف إلى استقطاب المزيد من الناس للدخول إليها والتمسك بتعاليمها، لكن تشكُّل هذا المفهوم في صورةِ مؤسَّسةٍ شُرطية دينية ليس ظاهرة دينية بحتة، وغالبا ما يكون مرتبطا بطبيعة التشابك بين السياسة والدين في منطقة أو حقبة ما.

 

كانت الظروف السياسية المواتية إذن هي التي مهدت لظهور واستقرار جمهورية البروتستانتيين الأولى في جنيف. عن ذلك يقول ويليام مونتير(10) في كتابه "دراسات في حكومة جنيف" الصادر سنة 1964: "لم تنجح أي مدينة أوروبية استقلت في القرن السادس عشر في الحفاظ على استقلالها لأكثر من مئتي سنة باستثناء جنيف، هذه الجمهورية المدنية الجديدة والصغيرة زودت جان كالفن بالقاعدة السياسية المثالية لتجاربه وأفكاره، بل وقد غيرت مفاهيمه أيضا في قضايا الحكم والاقتصاد والقضايا الاجتماعية".

كتاب "دراسات في حكومة جنيف" ويليام مونتير
كتاب "دراسات في حكومة جنيف" ويليام مونتير

في النهاية، تشكلت هيئة الحسبة المكلفة بضبط الانضباط المسيحي من قساوسة وشيوخ المدينة، وكانت تلتقي كل يوم خميس لمناقشة المخالفات الأخلاقية والدينية في المدينة وكيفية علاجها. وكان كالفن نفسه يحرص على حضور كل اجتماعات الهيئة، والمبادرة بالنقاش فيها، وطرح الحجج الدينية لكل التفاصيل المتعلقة بالحياة العامة، وبقي حريصا على حضور هذه الاجتماعات إلى أن تُوفي سنة 1564.

 

وللمفارقة التي تستحق الذكر، كان الحكم البروتستانتي الجديد بقيادة "جان كالفن" أكثر صرامة على سكان جنيف من الحكم الكاثوليكي السابق، فمثلا حاول القادة المصلحون في جنيف اجتثاث بعض ما اعتبروه انحرافات أخلاقية، مثل الرقص وألعاب الحظ والأغاني العلمانية، والتي كان القادة الكاثوليك قبل ذلك يتغاضون عنها بدرجات متفاوتة. وبالرغم من أن كالفن كان يقود حركة دينية، فإن معظم القضايا التي كانت تأتيه للمناقشة من طرف هيئة الحسبة كانت مرتبطة بأمور أخلاقية أكثر من ارتباطها بالمعتقدات والممارسات الدينية.

 

علاوة على ذلك، سعى كالفن وزملاؤه للقضاء بقوة على الممارسات ذات الطابع الديني التي خالطت عادات أهل جنيف منذ العهد الكاثوليكي، مثل الصلاة للموتى والاحتفال بأيام القديسين وعادات أخرى. وكي نفهم أكثر مدى التحكم الذي مارسته هيئة الانضباط الديني في المدينة، نورد مثالين على ذلك، فقد سُمع رجل من رجال جنيف سنة 1555 يقول: "أُفضِّل العودة للبابوية (حكم الكنيسة الكاثوليكية) لنعيش حياة سعيدة، الناس لا يضحكون هنا على الإطلاق"، فيما سُمعت امرأة تدعى "جين بوشو" وهي تدعو قائلةً: "يا رب، أخرِج هؤلاء الرهبان من المدينة، وسلط عليهم عذابك، فهم لم يفيدونا بشيء"، بعد هذا الدعاء عوقبت المرأة من طرف هيئة الانضباط الديني بالجَلد في الشوارع، وبعدها طُردت من المدينة(11).

 

ورغم تلك القبضة الصارمة، واجه الحكم الجديد لكالفن ورفاقه مقاومة نسبية من طرف بعض سكان جنيف، وأصر البعض بالقول إنهم "لم يخوضوا حربا لتحرير أنفسهم من الأسقف الكاثوليكي حتى يأتيهم ظلم أكبر من قساوسة أجانب جاؤوا من فرنسا"(12). ولكن هذه المقاومة كانت تمثل أقلية فقط، فقد اعتمد كالفن كثيرا على سكان جنيف لإخبار هيئة الانضباط الديني بكل التجاوزات الدينية والأخلاقية التي يرونها من جيرانهم، في طريقة تشبه عمل أجهزة الاستخبارات القمعية في تجنيد المواطنين للتجسس على بعضهم بعضا. في النهاية، نجح جان كالفن في تحويل جنيف إلى مجتمع خائف، يضبط نفسه بنفسه، وحوّل نظامها السياسي الذي كان يعتبر ديمقراطيا في ذلك الوقت (حيث ينتخب الرجال فقط أعضاء مجلس المدينة) إلى نظام ديكتاتوري يضع كل السلطات الدينية والمدنية في قبضة كالفن نفسه، ومن بعده هيئة حسبة جنيف.

 

حكم الحسبة

القادة البروتستانت

مكنت هذه القبضة الصارمة القادة البروتستانت من التحكم في كل جوانب حياة مواطنيهم تقريبا. على سبيل المثال، أُجريت تعديلات كبيرة في قضايا الزواج، منها تحديد سن معين للزواج (20 عاما للرجل، و18 عاما للمرأة)، والإصرار على حضور الشهود، واشتراط إذن الوالدين، وإعلان الزواج من طرف الكنيسة. كذلك أعطت السلطة الكنسية الجديدة الحق في الزواج للرهبان والعاملين بالكنيسة، وجعلوا الطلاق مسموحا، ولكنه بقي صعبا ومقصورا على حالات استثنائية(13). في الوقت نفسه، شرعت هيئة الحسبة في معاقبة كل من تجاوز الحدود الدينية للزواج، وكانت العقوبة تصل إلى الإعدام في بعض الأحيان، إما بالجلد وإما بالرمي بالحجارة، وكانت النساء تُعاقَب بقسوة أكثر مقارنة بالرجال(14)،(15).

 

لم تقف الأمور عند هذا الحد. وبسبب الجهل بقضايا الطب في تلك الفترة، كان الكثير من المرضى يذهبون إلى الدجالين والسحرة بهدف الشفاء، وكانت هيئة حسبة جنيف ترفض ذلك تماما، وتعاقب كل من ذهب إلى الدجالين. كذلك كان للهيئة السلطة الحصرية في تسوية النزاعات الطبية وإصدار التراخيص للجراحين والصيادلة والأطباء حتى لا تختلط بأمور السحر والشعوذة. ولكن على الجانب الآخر، عوقب العديد من الأطباء بسبب مهنتهم، حيث كانت هيئة الحسبة تعتبر الكثير من أدويتهم وخلطاتهم العشبية ضربا من السحر(16).

 

في ظل نفوذه الديني والاجتماعي المتوسع، كان من الطبيعي أن يضطلع كالفن أيضا بالدور السياسي في حماية جمهوريته وتأمين غذائها. قبل استقلال المدينة، كان "آل سافوي" يستخدمون أراضي جنيف في زراعة الفواكه وإنتاج الخمر، ويفرضون على سكانها شراء القمح بأسعار مرتفعة من أماكن مختلفة. ولكن بعد الاستقلال، استغل جون كالفن وهيئة الحسبة سلطتهم وغيّروا النظام الاقتصادي والغذائي للمدينة، وفرضوا سياساتهم على المزارعين والتجار، وأهمها زراعة القمح(17). فبعد الموجات المتتالية للاجئين البروتستانت الفارين من اضطهاد الكاثوليك، أصبحت عملية إطعام سكان المدينة أكثر صعوبة، وطلب كالفن من جميع المزارعين التركيز فقط على زراعة القمح، ولا شيء غيره إلى أن تستقر الأمور، وذلك بحجة "الصحة الاقتصادية للدولة والصحة الأخلاقية للمجتمع". باختصار، كان كالفن يرى أن إطعام اللاجئين البروتستانت وفقراء المدينة هو مسؤولية أخلاقية لمجتمع جنيف كله، حتى إنه أرغم المجتمع على ذلك.

 

وكما هو متوقع، لم تخلُ تلك السياسات القسرية لكالفن وأنصاره من أعمال متطرفة في كثير من الأحيان. أحد أشهر تلك الحوادث هي حادثة حرق "مايكل سيرفيتوس" بحجة الهرطقة سنة 1553، كان "سيرفيتوس" رجلا إسبانيّا يمتهن الطب في مدينة جنيف، وكان رافضا لعقيدة الثالوث المسيحية (القائلة بأن الله واحد ولكنه منقسم إلى ثلاثة كيانات إلهية)، وهو ما دفع هيئة الحسبة للحكم بحرقه بسبب توحيده. وقد أعادت هذه الحادثة فظائع حكم الكنيسة الكاثوليكية إلى أذهان سكان جنيف، وأفرزت الكثير من المعادين لحكم كالفن وطائفته، وأهمهم "سيباستيان كاستيليو" الذي لطالما دافع عن حقوق الإنسان وحرية المعتقد في جنيف، وبالرغم من عدم إيمانه بعقيدة سيرفيتوس التوحيدية فإنه دافع عنه وقال: "إن رفض إحراق إنسان لا يعني إطلاقا الدفاع عن عقيدته"(18).

مايكل سيرفيتوس
مايكل سيرفيتوس

على مدار سنوات حكم جان كالفن، كان التعذيب الجسدي، ومن بعده الإعدام بقطع الرأس أو الحرق، هي الطرق الأكثر استعمالا في معاقبة كل من تجاوز الحدود الدينية والأخلاقية. وفي بعض الحالات كان الإعدام يُشرّع أيضا لمن قام بتجاوزات قانونية بسيطة. على سبيل المثال، سُجِن الأخوان "كومباريه" بعد مشاركتهما في شجار كبير في المدينة سنة 1555، وبعدما رفضا الإفصاح عن سبب الشجار لسلطات المدينة، طلب كالفن تعذيبهما، قائلا في رسالة أرسلها لصديقه الراهب ويليام فارل: "آمل أن نرى في غضون يومين ما سيخرُج من أفواههما بعد التعذيب". وبعد التعذيب، أمر بقطع رأس الأخوين وتقطيع جسديهما ليكونا عبرة لكل من أراد أن يشارك في "الفوضى" في جمهوريته. وبحلول عام 1558، أُدخلت طريقة عقابية جديدة، وهي الإعدام بالغرق، وكانت هذه الطريقة التي تعدم بها غالبية النساء؛ لكونها "أقل ألما من الحرق وقطع الرأس"(19).

 

كثيرا ما يقارن النظام الديني في جنيف وهيئة الانضباط فيها بمحاكم التفتيش الكاثوليكية، ولكن في حقيقة الأمر كان للنظام في جنيف سلطة أكثر على المجتمع، وكان أكثر توغلا فيه. فبينما كانت محاكم التفتيش منوطة بقضايا الهرطقة ومعاداة الكنيسة، كانت هيئة جنيف تدير كل تفاصيل المجتمع، من الاقتصاد إلى الصحة. وكان عدد المنضمين إلى هذه الهيئة يمثل 5-7% من سكان جنيف(20).

 

في النهاية، فُقدت الكثير من الأرواح إثر الحكم الديكتاتوري في جنيف، وعوقب كل من تعدى على التعاليم المسيحية البروتستانتية، وأدى هذا الجو الديكتاتوري الذي صنعه كالفن ونفذت تعاليمه هيئة الانضباط إلى نظام صلب حافظ على استقلالية مدينة جنيف، وجعل هذه الجمهورية الصغيرة من أهم المدن البروتستانتية في جميع أنحاء أوروبا. واليوم، تقدم لنا تجربة كالفن نموذجا حول الكيفية التي يرسخ بها المتشددون الدينيون سلطتهم، وبرهانا على أن التطرف والعنف لم يكونا حكرا على دين بعينه يوما ما.

—————————————————————————–

المصادر

  1. Historical context for the protestant reformation. Columbia University.
  2. المصدر السابق
  3. McGrath, Alister E. (2013). Historical Theology: An Introduction to the History of Christian Thought (2nd ed.). p.137
  4. John Calvin. Calvin University.
  5. المصدر السابق
  6. Watt, J. R. (2020). The Consistory and Social Discipline in Calvin’s Geneva. University of Rochester Press, p.1-2.
  7. Robert M. Kingdon. (1984) “Calvin and the Government of Geneva,” in Calvinus Ecclesiae Genevensis Custos, ed. Wilhelm H. Neuser, p.53–54
  8. Registres du Conseil de Genève à l’ époque de Calvin, vol. 3, Du 1er janvier au 31 décembre 1538, ed. Sandra Coram-Mekkey (Geneva: Droz, 2006), p. 226–36
  9. Innes, W. C., & Cembalisty-Innes, S. (1983). Social concern in Calvin’s Geneva. Pickwick Publications. p.238.
  10. E. William Monter. (1964) Studies in Genevan Government (1536–1605) p.5.
  11. Watt, J. R. (2020). The Consistory and Social Discipline in Calvin’s Geneva. University of Rochester Press, p.20.
  12. المصدر السابق، ص15
  13. Kingdon, R. M. C. (1997). Adultery and Divorce in Calvin’s Geneva. Harvard University Press, p.175.
  14. المصدر السابق، ص116
  15. Watt, J. R. (2020). The Consistory and Social Discipline in Calvin’s Geneva. University of Rochester Press, p.116-117.
  16. Innes, W. C., & Cembalisty-Innes, S. (1983). Social Concern in Calvin’s Geneva. Pickwick Publications. p.193.
  17. Watt, J. R. (2020). The Consistory and Social Discipline in Calvin’s Geneva. University of Rochester Press, p.148.
  18. ستيفان زفايغ، عنف الديكتاتورية، ترجمة "فارس يواكيم", 2013, صفحة 22.
  19. Watt, J. R. (2020). The Consistory and Social Discipline in Calvin’s Geneva. University of Rochester Press, p.30.
  20. المصدر السابق، ص221
المصدر : الجزيرة