واحة الديمقراطية الزائفة.. لماذا تعد إسرائيل آخر قوة استعمارية على وجه الأرض؟

قبل الحرب الأخيرة بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإسرائيل، التي أدَّت إلى زيادة الضغوط على رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو وتفاقم الأزمة السياسية بتل أبيب، كان نتنياهو يعيش أسعد أيامه؛ فقد أصبح أطول رئيس وزراء إسرائيلي يعتلي سدة الحكم منذ تأسيس دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين، مُتفوِّقا على ديفيد بن غوريون الذي بقي في منصبه رئيسا للوزراء لمدة 8475 يوما. نجح نتنياهو أيضا في تجاوز الاتهامات التي وُجِّهت له، كونه أول رئيس وزراء إسرائيلي يُتهم بارتكاب جرائم وهو على رأس وزارته، بينما أُجبر سلفه أيهود أولمرت على الاستقالة، قبل أن تُوجَّه إليه تهمٌ زجَّت به في السجن أكثر من عام. (1)

كان نتنياهو -عكس سلفه أولمرت- قد نجح في تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية واسعة تحت غطاء ما سُمي إعلاميا بـ "صفقة القرن". فقد جاءت "صفقة القرن"، كما قال "ناحوم برنياع"، المحلل السياسي في صحيفة يديعوت أحرونوت، سخية للغاية في "توفير الاحتياجات الأمنية لإسرائيل والمستوطنات في الضفة. فاستطاع نتنياهو انتزاع مكتسبات لم يستطع أسلافه انتزاعها من الأميركيين، وتضم قائمة المكتسبات اعترافا بسيادة إسرائيل في شرقي القدس حتى الجدار الفاصل، واعترافا بالسيطرة الأمنية على الضفة كلها، وتبادل أراضٍ على أساس غير متساوٍ". (2)

أما "ألوفِ بِن"، رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، فوصف "صفقة القرن" بأنها "حقَّقت معظم أحلام نتنياهو السياسية. وكان التجديد الأساسي هو الاعتراف الأميركي بمطالب إسرائيل في الضفة الغربية، وبتسويغات قانونية وأمنية وتاريخية تُضفي لأول مرة شرعية من البيت الأبيض لفرض القانون الإسرائيلي على المستوطنات وغور الأردن".

مع انطلاق قطار "التطبيع" عام 2013، وكذلك بدء تفوُّق الثورات المضادة في المنطقة العربية وعلى رأسها مصر بانقلاب عسكري، بدا أن إسرائيل بقيادة نتنياهو تُحقِّق نوعا من النفوذ السياسي الكبير في المنطقة والعالم، بل وصل الأمر إلى حد وصف الرئيس الأميركي السابق "دونالد ترامب" إسرائيل بـ "واحدة من أنجح الديمقراطيات في العالم". (3) لكن الواقع قد اتفق والتحذير الذي كتبه ناحوم برنياع، من أن "إنجاز نتنياهو، بمساعدة متحمسة من كوشنر وفريدمان، هو هدية مُقلِقة؛ إذ يقود إلى نهاية الدولة اليهودية-الديمقراطية، وإلى نهاية الصهيونية".

لطالما ادَّعى إسرائيليون وأميركيون كثر، وبعض العرب أيضا، بأن إسرائيل واحة "الديمقراطية" في صحراء الاستبداد العربي. بيد أنها على مر السنين لم تُثبت ذلك بقدر ما أثبتت استنادها إلى الفصل العنصري بين العرب (أهل فلسطين الممتدة جذورهم على مر القرون) واليهود المُستجلَبين من الخارج عبر موجات من الاستيطان المصاحبة للاستعمار الأوروبي، دون صلة بيهود الشرق الأوسط الأصليين. لم تكن إسرائيل في الحقيقة إلا امتدادا لنمط استعماري "استيطاني".

في 19 يوليو/تموز 2018، أقرَّ الكنيست الإسرائيلي قانون "الدولة القومية لليهود في إسرائيل"، الذي ينص على أن "دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وأن إعمال الحق في تقرير المصير الوطني في دولة إسرائيل أمر خاص بالشعب اليهودي"، مع تأكيد أن الدولة ستعمل على ضمان سلامة وأمن أبناء الشعب اليهودي، وعلى الحفاظ على التراث الثقافي والتاريخي والديني له بين يهود الشتات. ويُضاف إلى ذلك تقنين عملية الفصل والاستبعاد العنصري للشعب الفلسطيني بالداخل المحتل. (4)

لكن الأخطر من ذلك كله هو أن دولة إسرائيل تنظر إلى الاستيطان اليهودي بوصفه قيمة وطنية، ومن ثم تعمل على تشجيع وتعزيز إنشاء المستوطنات وتطويرها، أي إن القانون قد حوَّل حركة الاستيطان وبناء المستوطنات في فلسطين المحتلة إلى حركة قانونية تحظى بتشريع برلماني من الكنيست. (4)

جاء هذا القانون في إطار إعادة بناء الأساس القانوني والشرعي لليهود بالداخل الفلسطيني المحتل (دولة إسرائيل)، وهُم يتكوَّنون من أطياف متنافرة أتت من كل أنحاء العالم لتسكن دولة (إسرائيل) وتحظى بالمواطنة فيها، وقد اعتمد ذلك على التعبئة الأيديولوجية حول ادعاءات أحقيتهم في أرض فلسطين، لتصنع نوعا من التجانس لـ "شعب يهودي" يلتف حول دولته الحديثة ذات الرسالة التبشيرية والحضارية وفق ادعائها. (5)

لكن المشكلة في هذا المشروع أنه يتناقض بوضوح مع الوجه الديمقراطي المزعوم لدولة إسرائيل، التي أثبتت أنها لا تقوم إلا باستبعاد العرب والشعب الفلسطيني من داخلها وحولها، ومنعه من العودة إلى بيوته وأراضيه المسلوبة منذ قرن تقريبا. هذا ما يُوضِّحه المؤلف "جان كلود ميلنر" في كتابه "الميول الإجرامية لأوروبا الديمقراطية"، إذ يشرح ميلنر أن السلام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقَّق إلا "بحل سِلمي للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وهو سلام لا يمكن أن يعني سوى شيء واحد: دمار إسرائيل". (6) ففي حين نجحت الديمقراطية الأوروبية في تحقيق سلامها، فإنها سلكت مسلكا يُخلِّصها أيضا من عبء المسألة اليهودية ويمحو عقدة الذنب المرتبطة بخطيئة الهولوكوست في آنٍ واحد عبر إنشاء دولة لهم في فلسطين. (6)

يُقدِّم كتاب "ميلنر" اعتقادا معاكسا لما هو سائد في الغرب حول ديمقراطية إسرائيل. ففضيلة إسرائيل -حسب ميلنر- هي أنها تُجسِّد نقيض المبدأ الديمقراطي الأوروبي، وامتدادا خارجيا لمشروعها في الوقت نفسه. فقد أمست الشمولية التي تعني التهام الدولة للمجتمع، والمتناقضة مع مفهوم الديمقراطية الغربية، هي نفسها خصائص "الديمقراطية الإسرائيلية" بوصفها مشروعا يلتهم الشعب الفلسطيني ويحل محله؛ مما جعل "جاك رانسييه" يقول في كتابه "كراهية الديمقراطية" إن "اليهود والديمقراطية في تعارض جذري".

"يرى الأحياء في اليهودي إنسانا ميتا، ويراه أهل البلد رجلا غريبا ومُتسكِّعا ومُتسوِّلا، ويراه الفقراء والمستغلون مليونيرا، أما محبو الوطن فيرونه رجلا بلا وطن"، هكذا كتب "ليو بينسكر" الناشط الصهيوني البولندي عام 1882. لم يُعبِّر بينسكر في مقولته تلك إلا عن المشاعر التي اجتاحت أوروبا تجاه اليهود آنذاك، كونهم جماعة معزولة تعمل لصالح الإقطاعيين والنبلاء وأصحاب السلطة، وقد تكرَّرت تلك المشاعر مرة أخرى عام 1946 في إحدى المقولات التي عبَّرت عن مخاوف الأوروبين من اليهود: "إن اليهودي يمكن أن يكون تجسُّدا لكل شيء نحتقره ونخشاه ونزدريه، فهو المُنذِر بالثورة البلشفية ضد الأوضاع الاجتماعية والسياسية، لكنه في الوقت نفسه، وهنا تكمن المفارقة الغريبة، رمز الروح الليبرالية للديمقراطية الغربية الفاسدة. فعلى المستوى الاقتصادي، عُدَّ اليهودي رمزا للرأسمالية والاشتراكية على السواء. كما اتُّهِم اليهودي بأنه داعية سلام كسول، لكنه اتُّهِم أيضا بالمصادفة الغريبة بأنه المُحرِّض الأبدي الذي يُشعل نيران الحرب". (7)

استقر حينذاك في الوجدان الغربي أن اليهود عقبة أساسية أمام ازدهار الديمقراطية وروحها الفاسدة التي يجب أن تُلفَظ. وتشرح "آنا زوك"، الأستاذة بجامعة لوبلين، هذه "العقبة اليهودية" في دراسة حديثة تصف اليهود بأنهم كانوا "طبقة متنقلة" داخل أوروبا، "فهم موضوع المشاعر والانفعالات التي تُكِنُّها الطبقات الاجتماعية العليا نحو الطبقات الدنيا، وهم أيضا موضوع المشاعر والانفعالات التي تُبديها الطبقات الدنيا نحو الطبقات العليا". (7)

تتناول "زوك" بالتفصيل الدقيق صراع الصور الإدراكية في بولندا أثناء القرن الثامن عشر بوصفه نموذجا يعكس ظاهرة اجتماعية عامة ومهمة في تفسير معاداة اليهود داخل أوروبا، "إذ عمل اليهود البولنديون على وجه الإجمال خدما للنبلاء والأعيان، ومارسوا الأعمال كافة التي يشمئز منها عامة الناس ويبغضونها، ما يعني أن اليهود شكَّلوا ’جماعات وسيطة‘، و’دروعا واقية‘ لملاك الأراضي الحقيقيين بالمعنيين النفسي والاجتماعي". (7)

من جهة أخرى، عامل أصحاب الأراضي اليهود مثلما عاملوا جميع الخدم من طبقات المجتمع الدنيا، "ونظروا إلى اليهود، مثلما نظروا إلى الفلاحين وعامة الشعب من الحضر، على أنهم أناس يتسمون بالبربرية والقذارة والجهل والطمع، ومن ثمَّ عُزِل اليهود تماما. ولما كان تجنُّب الاختلاط باليهود نهائيا غير ممكن بسبب أهمية أدوارهم الاقتصادية، كانت هناك مراعاة دقيقة وصارمة لقواعد انفصالهم الاجتماعي". (7)

من جهة أخرى، نظر الفلاحون وعامة الشعب من الحضر إلى اليهود بصورة مختلفة تماما. فالوظيفة التي أدّاها اليهود لأصحاب الأرض لم تكن في الأصل مجرد خدمة اقتصادية، بل خدمة وقائية تمثَّلت في حماية النبلاء وأصحاب الأراضي من الغضب والهياج الشعبي. فبدلا من أن يقتص الساخطون على الأوضاع من الظالم الحقيقي، حشدوا أنفسهم وصبّوا غضبهم على الوسطاء اليهود. أما الطبقات الدنيا، فرأت اليهود أعداء لها؛ إذ إنهم المستغلّون الوحيدون الذين يعرفونهم معرفة شخصية. لم تذق تلك الطبقات ظلما مباشرا سوى الظلم اليهودي، ولذا رأت أن اليهود والطبقات صنوان، ومن ثمَّ لا غرابة أن اليهود ذوي المكانة المتدنية نفسها باتوا هدفا للعدوان الموجَّه نحو طبقات المجتمع العليا. "لقد وُضع اليهود في وجه المدفع باعتبارهم وسطاء لا يجهلهم أحد، ومن ثم أصبحوا هدفا رئيسيا لعنف الطبقات المطحونة". (7)

رغم ذلك، لم يرَ المجتمع الأوروبي أن الخصوصية اليهودية تختلف بأي حال عن الخصوصيات التي عجَّت بها أوروبا أثناء العصور الوسطى، وسعت الدول الحديثة لتفكيكها وإدماجها بالمجتمع الأوروبي الحديث المتجانس. لكن الحداثة الأوروبية في سعيها لتفكيك الخصوصيات الثقافية بدأت في القضاء على المصالح الاقتصادية لتلك الجماعات، وتدمير سياج عزلتهم وإعادة دمجهم في المجتمع الصناعي الحديث. ولذا خرج اليهود من عزلتهم وحازوا الممتلكات واستأجروا العقارات في أحياء مسيحية خالصة عجزوا سابقا عن الوجود فيها؛ فصاروا جزءا من الحياة اليومية الأوروبية.

على ما يبدو، "تورَّطت الجماعات اليهودية في أشد الصراعات التاريخية شراسة، وهو صراع عالم ما قبل الحداثة مع عالم الحداثة الزاحفة. وكشف هذا الصراع عن نفسه أول مرة في الممانعة العملية التي أبدتها طبقات النظام القديم عندما أوشك النظام الاجتماعي الجديد على اقتلاع جذورها، وحرمانها من الإرث، واجتثاثها من فوق أراضيها الآمنة. (7) لكن الأمر زاد تعقيدا مع الوقت، فالالتحاق بقطار الحداثة والتحديث التقني لم يسِر سيرا متزامنا في أنحاء أوروبا كافة، ولذا سبق يهود غرب أوروبا أقرانهم في شرق أوروبا فيما يتعلَّق بالاندماج والترقي الاجتماعي. وقد مَثَّل تخلُّف يهود شرق أوروبا عن الاندماج والانعتاق من العزلة، ثمَّ هجرتهم إلى غربها، تهديدا لامتيازات يهود غرب أوروبا وللتوازن الاجتماعي داخل تلك المجتمعات.

تيودور هرتزل

في وسط هذا الصراع، ظهر "تيودور هرتزل" بين صفوف يهود الغرب المندمجين، فاكتشف حاجة الغرب ويهود الغرب إلى التخلُّص بسرعة من يهود شرق أوروبا. ولكنه اكتشف حقيقة غابت عن كثيرين: حتمية التحرُّك داخل إطار الاستعمار الغربي الذي يُعَدُّ المخرج الوحيد لنقل اليهود خارج أوروبا وتوظيفهم لصالحها نظير دعمهم وحمايتهم. وقد نجح هرتزل في التوصُّل إلى صياغة خطاب قومي عضوي مُعبِّر عن الشعب اليهودي كما يصفه المفكر المصري عبد الوهاب المسيري، وقد كان خطابا مراوغا عُدَّ بمنزلة إنجيل للعقد الصامت بين الدول الغربية والحركة الصهيونية، بشكل يُرضي يهود الشرق ولا يُفزع يهود الغرب، ويجعل ممكنا أن يضع الاستعمارُ الأوروبي المشروعَ الصهيوني موضع التنفيذ. (8)

ورُغم الحضور الواضح للديانة اليهودية في الفكرة الصهيونية، فإنّ الصهيونية في جوهرها فكرة علمانية نفعية مادية تماما، كما يقول المسيري، رغم ما يحيط بها من ديباجات مسيحية أو رومانسية. فهي ترى اليهود في نهاية الأمر مادة نافعة لا قداسة لها، وتنظر لوجود اليهود في العالم الغربي نظرة سلبية، وترى أنه لا بد من وضع نهاية له. لذا، ابتُدعت هذه الصيغة التي تدعو اليهود إلى إنهاء السلبية الدينية والاتجاه نحو فلسطين في مشروع مادي علماني لا يتقيَّد أو ينتظر الأمر الإلهي وفق العقيدة اليهودية. كان المشروع الصهيوني إذن متنافيا مع العقائد المسيحية الكاثوليكية واليهودية الأرثوذكسية في آنٍ واحد". (8)

كان مفتاح تقبُّل أوروبا للمشروع الصهيوني وتبنّيه هو أنه يُقدِّم لها حلا لمشكلة اليهود غير المندمجين، أي الفائض البشري اليهودي غير النافع، كما أن المشروع الصهيوني كان يتفق والعقيدة الاستعمارية التي اعتنقها كل دول أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين. باتت الصياغة السحرية للمشروع الصهيوني هي: "شعب عضوي منبوذ نافع يُنقل خارج أوروبا ليُوظَّف لصالح الغرب، وهي صيغة علمانية كاملة لا تعترف بقداسة أرض أو إنسان ولا تعترف بأي أخلاقيات، فهو مشروع استعماري عادي، شأنه شأن أي مشروع استعماري غربي يهدف إلى حل بعض المشكلات الاجتماعية التي ظهرت داخل التشكيل الحضاري السياسي الغربي عن طريق تصديرها إلى آسيا وأفريقيا". (8)

وعت الحركة الصهيونية نفسها تماما بوصفها حلا استعماريا للمسألة اليهودية. كما نقل المسيري عن "هرتزل" وصفه للفكرة الصهيونية بأنها "فكرة استعمارية"

في هذا الإطار لا تختلف الصهيونية عن كثير من أيديولوجيات الاستيطان الأبيض أو حتى عن النازية. فالمستوطنون البيض في جنوب أفريقيا "أصحاب أيديولوجية عِرقية بيولوجية حتمية استبعدت السود مستخدمة ديباجات مسيحية لتسويغ أفعالها رُغم تعارضها الواضح مع قيمها. وبالمثل فعل النازيون، إذ اعتنقوا أيديولوجية وثنية حاولت بعث التاريخ الألماني السابق على المسيحية، والسابق على تغلغل غير المنتمين للجنس الآري". (8)

وعت الحركة الصهيونية نفسها تماما بوصفها حلا استعماريا للمسألة اليهودية. ويُوضِّح ذلك المنشور الصادر عام 1921 عن "المنظمة الصهيونية في بريطانيا العظمى" بعنوان "الصهيونية: رد على النقد الجديد"، إذ يبدأ المنشور بتأييد الحقيقة البديهية التي أثبتتها التطورات اللاحقة، وهي أن "الصهيونية لا تتفق ومبدأ تقرير المصير، لأن هذا المبدأ يعني ببساطة تقبُّل (التركيب العِرقي الحالي في كل مقاطعة وبلدة)". ثم يسأل المنشور: "هل جرى الاعتراف في أي وقت مضى بأن استعمار إقليم مُتخلِّف لا يمكن أن يتم إلا بموافقة غالبية السكان الحقيقيين هناك؟ لو كانت الحال كذلك لندر أن يُستعمر أي بلد في العالم". ثم يدافع المنشور عن فكرته فيقول: "إذا نُفِّذ مبدأ تقرير المصير حتى نهايته المنطقية المجردة، واستُفتي السكان المحليون، لأصبح كل توسُّع مستحيلا، ولسارت الجماهير الأوروبية تطوف طليقة وتجول على هذا الطرف من الأطلسي، بينما حفنة من الهنود الحمر لا تزال تطوف طليقة في مساحات أميركا التي لا حدود لها". وقد شبَّه "بن جوريون" المعارك العنيفة التي خاضها المستوطنون الصهاينة ضد الفلسطينيين بتلك التي شنّها المستوطنون البيض ضد الطبيعة المتوحشة وضد الهنود الأكثر وحشية. (8)

نقل المسيري عن "أوسكار رابينوفيتش" قوله إن المشروع الصهيوني يهدف إلى حل المسألة اليهودية عن طريق تحويل "تيار المهاجرين اليهود من إنجلترا إلى أفريقيا وآسيا"، وإنه يهدف إلى تدعيم بريطانيا عن طريق "إنشاء مركز يهودي للحكم" يطل على الطريق البريطاني الحيوي (لندن – سنغافورة – ملبورن). كما نقل المسيري عن "هرتزل" وصفه للفكرة الصهيونية بأنها "فكرة استعمارية". (8)

أدرك معظم الصهاينة الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية للمشروع الصهيوني وفق تعبير المسيري، فكان شعار "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب" إفصاحا عن تلك السمات. أضف إلى ذلك أن النزعة الإحلالية واضحة في كتابات هرتزل منذ البداية، حينما يتحدَّث عن استخدام "المواطنين الأصليين" في قتل الثعابين الكبيرة والحيوانات المفترسة الأخرى، ثم منحهم وظائف في دول أخرى ليقيموا فيها بصفة مؤقتة إلى أن يختفوا تماما.

يُقسِّم المسيري في كتابه "تاريخ الفكر الصهيوني" أنواع الاستعمار في العصر الحديث إلى ثلاثة أنواع، تختلف حسب درجة التشوُّه الذي يُلحقه المُستعمِر بالشعب المقهور نتيجة الغزو الاستعماري. يأتي في المرتبة الأولى "الاستعمار الجديد"، وهو أن تتحكم القوة العظمى الاستعمارية في مصير الشعب وثرواته عن طريق حكومات عميلة ومنظمات دولية خاضعة لهيمنتها، في المرتبة الثانية الاستعمار التقليدي، حيث ترسل الدولة الغازية جيوشها وتحتل بلدا لاستغلال سكانه مصدرا للعمالة الرخيصة، وللاستيلاء على موارده الطبيعية، وتحويله إلى سوق للسلع الفائضة، وللاستفادة من وضعه الإستراتيجي (كما كان الحال مع الاستعمار البريطاني). أما المرتبة الثالثة والأشد فهي "الاستعمار الاستيطاني"، إذ يأخذ الاحتلال هنا شكل جماعة استيطانية، بكل مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والحضارية، التي تُلقي بظلالها الكثيفة على السكان الأصليين، مُحوِّلة إياهم إلى سكان من الدرجة الثانية أو عبيد، أو أسوأ من ذلك بالقضاء عليهم تماما. (8)

منذ اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ثم اتفاقية أوسلو، بدأت إسرائيل في الاستثمار في هذا الوضع، وربط وجودها ونفوذها السياسي بالأنظمة العربية الاستبدادية

بعد هرتزل وبِلفور، باتت الدولة "اليهودية" جزءا من الصيغة الصهيونية الأساسية. فقد حلَّت دولة "إسرائيل" محل "الجيتو" اليهودي، الذي نُقِل من أوروبا إلى الشرق الأوسط، ويُلخِّص المسيري التشابه بين الجيتو اليهودي ودولة "الكيان الصهيوني" في عدة نقاط، أهمها: أولا، نظر سكان الجيتو للعالم الخارجي نظرة شك عميقة تستند إلى الثنائية الحادة التي تسم رؤية الجماعات الوظيفية للعالم، وتتبنى الصهيونية هذه النظرة انطلاقا من ثنائية اليهود والأغيار، التي تتبدَّى في نظرية الأمن الإسرائيلية، كما تتبدَّى في كل الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي (والأغيار اليوم يُمثِّلهم العرب في الخريطة الإدراكية الصهيونية).

ثانيا، ورثت إسرائيل دور الجيتو في منطقة الشرق الأوسط، فالجيتو لم يكن مُنتِجا من الناحية الاقتصادية فحسب، وإنما قدَّم دورا وسيطا في البنية الاجتماعية. كان الدور الذي أدَّته الجماعة الوظيفية اليهودية وسيطا بين أصحاب الأرض وعامة الناس هو الدور نفسه الذي تقوم به إسرائيل بين الدول الغربية والعالم العربي اليوم.

منذ اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ثم اتفاقية أوسلو، بدأت إسرائيل في الاستثمار في هذا الوضع، وربط وجودها ونفوذها السياسي بالأنظمة العربية الاستبدادية، فأصبحت تل أبيب وكيلا للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، ومن ثمَّ واصلت استعمار فلسطين وقمع أهلها عبر غطاء دولي وعربي في آنٍ واحد. بيد أن نشوب الثورات العربية في نهاية العقد الأول من القرن الجديد مَثَّل تهديدا خطيرا لذلك الوضع، وأثار قلقا بالغا في الأوساط السياسية والأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية (9). ولذا، اتخذت إسرائيل وضع المراقبة عن بُعد بينما يسقط حلفاؤها، ولم تشتبك سياسيا بالمشهد ما دامت شعارات الثورات العربية بعيدة عن "القضية الفلسطينية"، وموجَّهة نحو قضايا الفساد والاستبداد العربي الداخلي.

تغيَّر هذا الوضع تماما في ليلة التاسع من سبتمبر/أيلول عام 2011، بعد أن حاصر آلاف من المتظاهرين المصريين السفارة الإسرائيلية في القاهرة، ثم اقتحمها عدد منهم بعد انهيار الجدار الأمني الخرساني المحيط بالمبنى. (10) بعد تلك الحادثة، بدأت "الثورة المضادة" تأخذ منحى التعاون الواضح مع إسرائيل، وبدأ العمل على إسقاط الثورات في البلاد العربية عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية مع أنواع الدعم كافة لبقايا النظم القديمة التي شكَّلت "الكنز الإستراتيجي" لدولة الاحتلال.

في هذا السياق تتأكَّد مجددا مقولة ميلنر إن "اليهود والديمقراطية في تعارض جذري"، التي يُقصد بها الشكل الحالي للوجود اليهودي المرتبط بالاستعمار والاستيطان، كما يتأكَّد تحليل المسيري بخصوص "الصهيونية" وأنها في جوهرها مشروع استعماري متعارض مع مبدأ تقرير المصير الذي تقوم عليه الديمقراطية، وأن التصدي الوحيد الممكن لهذا المشروع هو مقاومته كي ترتفع تكلفته على الدول الغربية الراعية له، فيصبح بلا قيمة في نظرهم، ومن ثمَّ بلا مستقبل.

_________________________________________________________________

المصادر:

  1. "مملكة نتنياهو" والقلق على الديمقراطية في إسرائيل.
  2.  نهاية نتنياهو وربما إسرائيل.
  3. ليست واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
  4. لماذا لم ولن تكون إسرائيل أبدا دولة ديمقراطية؟
  5. زيجمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، ص106.
  6. جاك رانسييه، كراهية الديمقراطية، ترجمة :أحمد حسان، ص19.
  7. زيجمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، ص108.
  8. عبد الوهاب المسيري، تاريخ الفكر الصهيوني، ص33-49.
  9. السياسة الإسرائيلية في مواجهة الثورات العربية.
  10. عزمي بشارة، ثورة مصر الجزء الثاني.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة