انتفاضة الصعايدة.. لماذا ثار أهل الصعيد على الفاطميين قبل ألف عام؟

عرفت مصر منذ أقدم العصور معنى الثورة فكرا وعملا؛ فقد مرّت مصر على مدار تاريخها الطويل قبل الإسلام وبعده بمجموعات لا تُحصى من الحُكّام الذين أرهقوا الرعية بالمظالم المختلفة، مظالم اقتصادية واجتماعية بل ودينية، وفي كل مَظلمة تُثقل كاهل المصريين كانت ردة الفعل هي الانتفاضة على تلك الأوضاع، رغم أن القوة في أغلبها كانت تميل إلى كفّة السلطة.

لقد ثار المصريون ضد الحكم الفارسي الذي بدأه الملك قمبيز قبل الميلاد بستة قرون، كما ثاروا ضد البطالمة والرومان، وهؤلاء الرومان عانى الأقباط منهم العنت والعذاب بسبب الخلافات الدينية والمذهبية بين الفريقين، حتى "أصبح القبط بعد الإسلام في مأمن من الخوف، وعادت الحياة إلى مذهب القبط في الجو الجديد؛ جو الحرية الدينية"، كما يقول ألفريد ج بتلر في كتابه "فتح العرب لمصر".

لكن رغم ذلك، عانى المصريون في ظل سيادة الإسلام من مظالم الحُكّام والولاة، تارة من الضرائب والخَرَاج المُرهِق، وتارة من المحاولات الحثيثة لتغيير عقائدهم وأديانهم كما حدث مع دخول الفاطميين العُبيديين الشيعة إلى مصر في منتصف القرن الرابع الهجري، فإذا كان الوجه البحري والقاهرة قد انصاعوا لهذا الحُكم بعد عدة محاولات جادة للمقاومة المسلحة في أواخر العصر الإخشيدي، فإن الجيش الفاطمي تمكّن في نهاية المطاف بقيادة جوهر الصقلي وقيل الصقلبي من غزو مصر واحتلالها.

لكن على إثر دخول جيش الفاطميين مصر قام الصعيد بثورة عارمة قادها أحد الرجال الذين لم يرضوا بهذا الاحتلال للبلاد والمحاولات الحثيثة لتغيير عقائد المصريين فيها، فكيف وقعت هذه الثورة؟ ومَن قائد هذه الثورة؟ وكيف تمكّن جوهر الصقلي من إنهاء هذه الثورة والقبض على زعيمها المحرك ورأسها المدبر؟ ذلك ما سنقف معه تاليا.

رغم أن مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان يُعتَبر أقدم المذاهب السُّنية فإن مذهب الإمام مالك بن أنس هو الذي دخل مصر أولا وانتشر بها، حيث يذكر المؤرخ المقريزي أن "أول مَن قدم بعلم مالك إلى مصر عبد الرحيم بن خالد بن يزيد بن يحيى مولى جُمح، وكان فقيها روى عنه الليث بن سعد وابن وهب ورشيد بن سعد وتوفي بالإسكندرية سنة 163هـ، ثم نشره بمصر عبد الرحمن بن القاسم، فاشتهر مذهبُ مالك بمصر أكثر من مذهب أبي حنيفة لتوفُّر أصحاب مالك بمصر"[1].

ولم يزل المصريون يتّبعون مذهب الإمام مالك إلى أن قدم عليهم الإمام الشافعي سنة 198هـ وأظهر مذهبه الجديد، ووجد فيه المصريون قُربا من أنفسهم وبيئتهم، فمال إليه عدد كبير، وصار لكلٍّ من مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي أتباع في مصر، وعلى هذا صار أهل السنة هم الأكثرية الغالبة في مصر مع مستهل القرن الرابع الهجري. في ذلك الوقت بدأ الفاطميون من المغرب في إطلاق حملاتهم العسكرية باتجاه مصر، واستطاع دُعاتهم نشر المذهب الإسماعيلي الشيعي بين عدد قليل من المصريين كانوا خير عون لهم على فتح مصر، فدخل جوهر الصقلي قائد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي مصر 358هـ، وكتب أمانا للمصريين التزم فيه بإطلاق الحرية الدينية والعقدية لهم[2].

لكن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الفاطميين نكصوا على عقبهم، ولم يلتزموا باحترام مذهب الأغلبية السُّنية في مصر، وتركَّز الاهتمام في تحويل المصريين إلى المذهب الشيعي الذي يتبع ويأتمر بأمر الفاطميين، واتّبع الفاطميون في سبيل ذلك عدة وسائل منها؛ إسناد المناصب العليا وخاصة القضاء إلى الشيعة، واتخاذ المساجد الكبيرة مراكز للدعاية الفاطمية الإسماعيلية، والأذان وفق الصيغة الشيعية "حي على خير العمل"، وذلك من مساجد أهل السنة المهمة وعلى رأسها مسجد عمرو بن العاص، ومسجد أحمد بن طولون، ثم أنشؤوا في سبيل ذلك الجامع الأزهر، ثم اهتموا بتعيين الدعاة لنشر مذهبهم في طول البلاد وعرضها[3].

وقد أثار إحياءُ هذه الشعائر المُخالِفة لمذهب الأغلبية استياءَ المصريين، لما كان يقترن بها في كثير من الأحيان من اعتداءات جيوش الفاطميين على المصريين في شهر ذي الحجة من عام 361هـ[4].

بعدها بعام تقريبا، حدث احتفال بعيد الغدير الشيعي في 18 ذي الحجة سنة 362هـ، وأُثير على إثره شغب واسع النطاق، الأمر الذي اضطر القائد جوهر الصقلي ليَحول دون تماديهم في الاعتداء على أموال الناس، وفي ذكرى استشهاد الإمام الحسين في 10 محرم سنة 363هـ سار جماعة من المصريين الشيعة والمغاربة في موكبهم ينوحون ويبكون على الحسين بن علي -رضي الله عنهما-، وصاروا يعتدون على كل مَن لم يُشاركهم في مظاهر الأسى والحزن، مما أدّى إلى تعطُّل حركة الأسواق وقيام القلاقل والفتن[5].

لقد قام أهل جزيرة تنيس (في بحيرة المنزلة شمال مصر) والفرما (بورسعيد الآن) بالثورة على الفاطميين، فغيّروا دعوتهم ولبسوا السواد شعار الدولة العباسية، ولم يرجع الهدوء إلى هذه الأقاليم إطلاقا بين عامَيْ 360-361هـ، وظل الفاطميون يرسلون الجيوش تلو الأخرى، حتى تمكّن جيش بقيادة أبي محمد بن عمار كان قوامه عشرة آلاف جندي بالقيام بسلسلة عمليات عسكرية عنيفة أدّت في نهاية المطاف إلى إسكات صوت أهالي هذه المناطق[6].

الصقلي كان قائدا عسكريا فذًّا، ووضع للقضاء على هذه الثورة خطة محكمة لحصار الثوار وإنهاء قوتهم

لهذه الأسباب لم يرضَ زعماء الصعيد من المصريين وأبناء القبائل العربية فيها بالسيادة الفاطمية على مصر، وبدؤوا في الاجتماع وتنظيم صفوفهم، وتعاهدوا على طرد الفاطميين من البلاد، وجعلوا على رأس ثورتهم رجلا من قبيلة بني كلاب العربية، اسمه عبد العزيز بن إبراهيم الكلابي، وقد بدأت هذه الثورة في شهور سنة 361هـ/971م، وللأسف الشديد لم تمدنا المصادر التاريخية بتفاصيل عن حياته، لكن ما نعرفه أن عبد العزيز الكلابي استطاع أن يطرد الوالي الفاطمي من الصعيد، وتمكّن من توسيع دائرة ثورته، وأعاد لبس السواد وهو شعار الدولة العباسية، وإعلان تبعية مصر للسيادة السُّنية مُمثَّلة في العباسيين، وشرع يستعد للزحف على الفسطاط والقاهرة عاصمة الفاطميين للاستيلاء عليها وإعلان السيادة السُّنية العباسية عليها من جديد[7].

وصلت أنباء هذه التطورات وثورة رجال الصعيد وتحريره من الهيمنة الفاطمية إلى القائد العسكري الفاطمي ومؤسس دولتهم في مصر جوهر الصقلي، والحقيقة أن الصقلي كان قائدا عسكريا فذًّا، ووضع للقضاء على هذه الثورة خطة محكمة لحصار الثوار وإنهاء قوتهم، فقسّم جيشه إلى فرقتين، الأولى فرقة عسكرية برية بقيادة رجل اسمه "أزرق"، وأخرى فرقة بحرية عن طريق النيل تتكوّن من أربعين مركبا عسكريا بقيادة "بشارة النوبي"، وهدف جوهر من هذه الخطة حصار الثوار من جهة البر والنيل، ويبدو من توليته للقائد بشارة النوبي الذي يبدو أنه ينتمي إلى النوبة معرفة هذا القائد بطرق ومسالك وتكتيكات الحروب الداخلية في الصعيد آنذاك.

دارت المعركة بين ثوار الصعيد بقيادة عبد العزيز بن إبراهيم وبين القوات الفاطمية بقيادة أزرق وبشارة النوبي، ونظرا لتفوُّق القوات الفاطمية عددا وعُدّة تخلّى الثوار عن قائدهم وتفرّقوا في المدن وقرى الصعيد، وتمكّن الجيش الفاطمي من القبض على الثائر الصعيدي عبد العزيز بن إبراهيم الكلابي، وقد أُرسل إلى القاهرة في نهاية المطاف، يقول المؤرخ الشهير المقريزي في "اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا": "خرج عبد العزيز بن إبراهيم الكلابي بالصعيد، وسوَّدَ (أي لبس السواد شعار العباسيين ورمز السيادة السُّنية آنذاك)، ودعا لبني العباس، فبعثَ إليه جوهر في البحر أربعين مركبا عليها بشارة النوبى، وأنفذ بأزرق في البر على عسكر، فأُخِذَ وأُدخل به في قفص مغلولا، وطيف به وبمَن معه"[8].

وبالقبض على الثائر عبد العزيز الكلابي، ووضعه في قفص مغلولا في قيده وأصفاده بُغية أن يشاهده عموم أهل مصر والقاهرة ليكون عبرة لكل مَن يريد الثورة على الحكومة في القاهرة، استطاع الفاطميون أن يسيطروا على الصعيد الذي ذكر التاريخ محاولتهم الجادة للانفكاك من ربقة الاحتلال الفاطمي، لكن هذا الصعيد ظلّ شوكة في حلق خلفاء الفاطميين المتعاقبين لا سيما مع بروز قوة قبائل بني هلال التي صارت تُهدِّد سلطة الفاطميين، وقد اضطروا في نهاية المطاف إلى تهجيرهم وترحيلهم إلى تونس، وتلك قصة أخرى قد نقف معها لاحقا!

______________________________________________________________________

المصادر

  1. المقريزي: المواعظ والاعتبار 2/334.
  2. محمد جمال الدين سرور: تاريخ الدولة الفاطمية ص76.
  3. محمد جمال الدين سرور: السابق نفسه.
  4. المقريزي: اتعاظ الحنفا 1/131.
  5. حسن إبراهيم: الفاطميون في مصر ص187.
  6. عمرو عبد العزيز: ثورات مصر الشعبية ص72.
  7. محمود خلف: ثورات المصريين في العصر الفاطمي ص64.
  8. المقريزي: اتعاظ الحنفا 1/131.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لعدم وجود منهجية واضحة لتعليم الأطفال في ذلك العصر، شرع الإمام بالتأليف في هذا المجال، فكتب رسالته المهمة “آداب المعلّم.. فمن هو ابن سحنون؟ وما آراؤه التربوية والتعليمية؟.. الإجابة وأكثر بهذا التقرير.

5/11/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة