العسَس.. كيف كانت الشرطة في زمن الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين؟

عرف المسلمون منذ عصر النبوة الشرطة أو العسس بمعنى الحراسة وترقب العدو، ولما كانت المعارك بين المسلمين والمشركين في الجزيرة العربية لا تهدأ، لا سيما بعد الاستقرار والهجرة إلى المدينة المنورة، فقد أصبحت الشرطة وظيفة لازمة لحماية مقدرات المسلمين وأرواحهم وقائدهم النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يختلف عن أصحابه في مظهر ولا شكل، حتى إن الأعرابي كان يأتي والنبي بين أصحابه فلا يعرفه فيقولُ: "أيُّكم محمد"؟! من تواضعه وبساطة عيشه وعيش أصحابه، ولهذا لم يكن للشرطة في ذلك العصر شكل محدد ولا لباس معين ولا مهمة معروفة كالتي نعرفها اليوم، بل إن المتأمل في وثيقة المدينة التي كتبها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي الدستور الأول لدولة المدينة المنورة التي كانت تجمع الأوس والخزرج، والأنصار والمهاجرين، والمسلمين واليهود، يجد من بنودها: "إن المؤمنين المتقين أيديهم على كل مَن بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظُلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم".

ويُفهم من هذه الفقرة أن مهمة الإشراف على الأمن والنظام كان يقوم بها المسلمون عامة، فالمسؤولية جماعية، لكن تطوَّر هذا الأمر بمرور الأيام في عصر النبوة ثم في عصر الخلفاء الراشدين من بعد. فكيف كانت شُرطة النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ وما أهم وظائف الشرطة أو العسس في عصر الخلفاء الراشدين من بعده؟ وهل عُرفت هذه الشرطة بأي نوع من أنواع التعدي على حقوق الناس وأموالهم؟ ذلك ما سنراه في سطورنا التالية.

عرفنا أن مفهوم الأمن في دولة المدينة المنورة، وهي دولة المسلمين الناشئة في الجزيرة العربية، التي ستُصبح عاصمة الخلافة الراشدة فيما بعد، كان جماعيا، ففي يوم بدر كان الناسُ على ثلاث مجموعات، مجموعة قامت عند خيمة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر معه في الخيمة، وكان سعد بن معاذ ممن أقام على خيمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- للحراسة، فهو يقول للرسول -صلى الله عليه وسلم-: "يا رسول الله، ما منعَنا أن نطلب العدو زهادة في الأجر، ولا جبنا من العدو، ولكنّا خفنا أن يُغزى موضعك، فتميل عليك خيل من خيل المشركين، ورجال من رجالهم، وقد أقام عند خيمتك وجوه الناس من المهاجرين والأنصار"[1].

وبعد هزيمة المسلمين في غزوة أحد في شوال من سنة 3 من الهجرة، وعودة النبي -صلى الله عليه وسلم- سالما بأصحابه إلى المدينة، "كانت وجوه الخزرج والأوس في المسجد على باب النبي صلى الله عليه وسلم يحرسونه فَرَقا (خوفا) من قُريش أن تكِرّ"[2] وتهاجم المدينة المنورة على حين غرّة من ليل أو نهار.

ومع الوقت أدرك النبي -صلى الله عليه وسلم- أهمية الحراسة والسهر على الأمن في المدينة وخارجها، فعيّن حرسا خاصّا يقوم بمهمة حماية الأمن وقائد المدينة وجماعة المسلمين وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعُيِّن الصحابي محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري على رأس خمسين رجلا من الصحابة لهذه المهمة حتى وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإننا نجده في أثناء غزوة الخندق في شوال سنة 5 من الهجرة يحرس على الدوام النبي -صلى الله عليه وسلم- وخيمته مع رجاله.

يقول عن هذه الأجواء العصيبة التي حوصرت فيها المدينة من قريش وغطفان وحلفائهما، ووعيه بأهمية الأمن وحراسة النبي ومتابعة التطورات الأمنية كافة بحرص وانتباه: "كُنّا حول قُبّة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحرسه ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم نسمع غطِيطَه؛ إذ وافت أفراس على (جبل) سلْع". حينها انطلق محمد بن مسلمة ليعرف حقيقة هذه الخيل، أهي للمسلمين أم للمشركين من قريش وحلفائها، وجعل مكانه عبّاد بن بشر يحرس النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعدما أدرك حقيقة هذه الخيل وأنها للمسلمين، يقول: "فرجعتُ فقُلتُ: خيلُ المسلمين أشرفَت، عليها سلَمة بن حريش، فرجعتُ إلى موضعنا، ثم يقول محمد بن مسلمة: كان ليلُنا بالخندق نهارا حتى فرّجه الله"[3].

وهذه المواقف من السيرة النبوية تُدلِّل على أن الشرطة في عصر النبوة كانت تعني الحراسة، وأن تحقيق الأمن بمفهومه العام كان وظيفة جماعية، ويؤكد هذا أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "إن قيس بن سعد الخزرجي كان يكون بين يدي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير"، وقيس هذا كان من أصحاب البنية القوية، والجسم الضخم، ولعله اختير لحراسة النبي -صلى الله عليه وسلم- بناء على هذه المواصفات البدنية التي نراها اليوم عند بعض رجال الأمن والشرطة من الحراسات الخاصّة.

والحق أن الصحابي أنس بن مالك خادم رسول الله قد عمّر طويلا وأدرك أكثر من نصف عمر الدولة الأموية، فهو في هذا الموقف يقرب الصورة للمتابعين له، وهو ما أدركه العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي يقول في شرحه لهذا الحديث: "وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده، لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودا في العهد النبوي عند أحد من العُمال (الموظفين)، وإنما حدث في دولة بني أمية، فأراد أنس تقريب حال قيس عند السامعين فشبهه بما يعهدونه"[4].

وقد تطور مفهوم الشرطة وأصبح أقرب إلى النظام والتخصص نظرا للتحديات الكبيرة والخطيرة التي استجدّت بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- عام 11 من الهجرة، وعلى رأسها حوادث الردّة في أرجاء الجزيرة العربية، حتى لم يبقَ في الإسلام إلا أهل المدينة ومكة والطائف، وكان قبل أن يُعلن الخليفة الراشد أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- الحرب ومواجهة مَن امتنعوا عن أداء الزكاة وفرّقوا بينها وبين الصلاة، كانت تأتي الوفود من رجالات القبائل تساوم الخليفة على هذا الأمر، لكنه رفض هذه العروض، وأعلن في نهاية المطاف عن المواجهة لإخضاع هؤلاء المرتدين، وأخرج من المدينة المنورة أحد عشر جيشا إلى الأرجاء المختلفة في الجزيرة العربية، وكانت هذه الجيوش تغيب 40 يوما على أقل تقدير[5].

ونظرا لهذا التحدي أدرك أبو بكر -رضي الله عنه- أهمية الأمن الداخلي للمدينة وهي عاصمة الدولة، وفيها وجوه الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن ثم قرّر أبو بكر -رضي الله عنه- أن يستعمل عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن مسعود في حراسة ضواحي المدينة وأطرافها، وقام بتعبئة المتبقين من أهل المدينة مُحذِّرا إياهم أن وفود المرتدين التي جاءت للمساومة والتفاوض قد رأت قلة المسلمين، وأن عليهم أن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم لحفظ الأمن في بلدهم[6].

وشيئا فشيئا أدرك أبو بكر -رضي الله عنه- أهمية العَسس، وهو من الفعل "عسّ" "عَسَسَ" وهو طلب الشيء بالليل، وأصبحت تُقال على مَن يطوفون بالليل لحراسة البيوت والأمن، وقد كلّف أبو بكر -رضي الله عنه- عبدَ الله بن مسعود بهذه المهمة الثقيلة، فأمره بالعسس في الليل، والارتباء بالنهار، أي الحراسة وترقب العدو إذا جاء فجأة، كما تولّى هذه المهمة أيضا في زمن أبي بكر عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه-[7].

وإذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قد تولّى مهمة العسس أو العسّ في زمن أبي بكر، فإنه في خلافته لم يترك هذه الوظيفة وهو متقلد للخلافة، وكان من أشهر الخلفاء طوافا بالليل ليتأكد من أمن المسلمين وبيوتهم، وقد استعان عمر بعبد الرحمن بن عوف ومحمد بن مسلمة وغيرهم ليعاونوه في هذه المهمة، وقصصه التي صادفها أثناء عسسه بالليل مشهورة، مثل قصة بائعة اللبن التي أرادت أن تغشّه ومنعتها ابنتها من ذلك، وقصة المرأة التي اشتاقت إلى زوجها الذي كان في جيش الفتوحات لأكثر من أربعة أشهر وإدراكه لخطورة المسألة وعمله على حلّها سريعا، بل وضع قانونا ألا يبتعد المجاهدون عن بيوتهم وزوجاتهم أكثر من أربعة أشهر، وقصته ومطاردته شاربي الخمر وعشاق المجون والتسوّر عليهم[8].

وكان عُمر -رضي الله عنه- أول مَن خصّصَ سجنا لأهل الجرائم والجنايات، فقد اشترى دار السجن في مكة المكرمة من صاحبها صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، ثم على نهج ذلك أُسِّست سجون مماثلة في مراكز الأمصار الإسلامية الأخرى في العراق ومصر والشام وغيرها.

تطورت مؤسسة الشرطة في عصر الخليفتين عثمان بن عفان وعليّ بن أبي طالب -رضي الله عنهما-، إذ نجد من الوقائع التاريخية ما يُبيِّن أن مهمة الشرطة تطورت من الحراسة وحفظ الأمن العام إلى التدخل لتنظيم التجمعات، وتيسير عمل السُّلُطات، فحين توفي العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة 32هـ تزاحم الناس للصلاة عليه في المدينة، وقد تعذّر دفنه بسبب الآلاف التي حضرت جنازته، وإحاطتهم نعشه، مما دفع الخليفة عثمان بن عفان إلى إرسال أعوان الشرطة أو العسس لإفساح المجال لبني هاشم على الأقل ليتمكّنوا من دفن العباس، واستطاع رجال الشرطة تفريق هذه الحشود وإتمام مراسم الجنازة على خير[9].

ثم تطورت مؤسسة الشرطة أكثر من ذلك في عهد الخليفة الرابع عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-، لا سيما في ظل الظروف العصيبة التي تولّى فيها الخلافة بعد استشهاد عثمان، وعصيان معاوية، وخروج عائشة وطلحة والزبير -رضي الله عنهم- إلى البصرة للاستعانة برجالها للقضاء على قتلة عثمان الذين كانوا قد احتلوا أجزاء واسعة من المدينة المنورة حتى وقعت معركة الجمل الشهيرة سنة 36هـ، ولهذا السبب وغيره شكّل عليّ -رضي الله عنه- هيئة متخصصة سُميت الشرطة، وأطلق على رئيس هذه الهيئة اسم "صاحب الشرطة" التي تولاها معقل بن قيس الرياحي، وأصبحت مهام الشرطة واضحة من النوبات الليلية والنهارية لبث الأمن والطمأنينة، وبسط النظام في المدينة المنورة ومتابعة أهل الريب والشبهات، والضرب على أيديهم، ومراقبة الأسواق للتفتيش على المكاييل والموازين، وفض المنازعات بين العامة، والقيام بحراسة الخليفة والولاة والعمال والمؤسسات الحكومية مثل بيت المال وغير ذلك[10].

تلك قصة نشوء الشرطة في عصر النبوة وحتى انتهاء زمن الخلافة الراشدة باستشهاد عليّ -رضي الله عنه- سنة 40هـ، وهي قصة تطورت فيها هذه المؤسسة من مفهوم الحراسة والأمن الجماعي والتطوعي إلى إنشاء وحدة صغيرة دائمة لحراسة النبي، ثم إلى حراسة المدينة المنورة، ثم إلى أن أصبحت مؤسسة متكاملة لحراسة كل المجال العام ومراقبته دون التعدي على حقوق الأفراد والجماعات.

——————————————————————————————-

المصادر:

  1. الواقدي: المغازي 1/95، 96.
  2. الواقدي: السابق 1/249.
  3. الواقدي: السابق 2/468.
  4. ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 13/167.
  5. نشأة وتطور جهاز الشرطة ص21.
  6. نشأة وتطور جهاز الشرطة ص21.
  7. عبد الحي الكتاني: التراتيب الإدارية 1/292.
  8. الماوردي: الأحكام السلطانية ص253.
  9. ابن سعد: الطبقات الكبرى 4/32.
  10. نشأة وتطور جهاز الشرطة ص29.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة