أسرار القوة الصاعدة.. أميركا بعيون مصرية قبل مئة عام

أسرار القوة الصاعدة.. أميركا بعيون مصرية قبل مائة عام

في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، كان العالم العربي وفي ذروة الكولونيالية والتمدد الغربي على أقطاره يواجه تطورات كبيرة في المناحي الثقافية والفكرية، ليس فقط في مضامين الموضوعات المهينة على الساحة الأدبية والفكرية مثل أسباب تأخر حال العالم الإسلامي ومساعي النهضة والإصلاح، ولكن أيضا على مستوى صنعة الأدب والفكر والثقافة نفسها بعدما شهدت الطباعة تقدما كبيرا وأصبحت متوافرة في مصر ولبنان.

 

أحدثت المطابع، التي عرفها الشرق الأوسط لأول مرة في إسطنبول في الربع الأول من القرن الثامن عشر، ثورة على مستوى انتشار الثقافة في العالمين العربي والإسلامي، حيث راح أدباء ومثقفو القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين يؤسسون الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية، ثم عرفت هذه المجلات والصحف التخصص بمرور الزمن، فأصبح القراء يُقبلون على الصحافة المعرفية والفكرية.

 

عهود الصحافة الثلاثة

بلغت الصحافة العربية أوج كمالها في عصر الاحتلال، وسبقت مصر على وجه الخصوص أخواتها في هذا المضمار، وصارت محط رحال أرباب الأقلام وعشاق الحرية وطلاب الرزق من سائر الأقطار، في وقت واجهت فيه الصحف الضغط الحكومي والسلطوي في كثير من البلاد الأخرى. وقد قسم "جرجي زيدان"، أحد مفكري ذلك الزمن، هذا العهد إلى ثلاثة أقسام، فيقول: "أما بالنظر إلى الصحافة فيقسم هذا العصر إلى ثلاثة أدوار: الدور الأول من تولي الخديو عباس عام 1892م إلى ظهور "اللواء" عام 1900م، والثاني من ظهور "اللواء" إلى عام 1910م، والثالث من عام 1910م إلى 1914م"[1].

جريدة اللواء مصطفى كاملجريدة اللواء

في المرحلة الأولى، برزت صحف ومجلات مثل "المقطم" المؤيدة للاحتلال البريطاني، و"المؤيد" المعارضة له، وحمي وطيس الجدال بينهما. وتكاثر ظهور الجرائد الأسبوعية، فصارت أكثر الصحف سواء مقطمية أو مؤيدية، أي مؤيدة للاحتلال أو مناهضة له. وقد بلغ عدد الصحف التي صدرت في هذه المرحلة نحو مئة وخمسين صحيفة، وكان من أهم أسباب كثرتها إطلاق سراح المطبوعات. وكان الصحفيون قبل ذلك لا يقدرون على إصدار الجريدة إلا بعد دفع التأمين أو تقديم الضمان والقبول بكل القيود والشروط، لكن الملاحَظ أن أكثر الصحف التي صدرت في هذا الدور كانت علمية أو أدبية لأنها أقل نفقة وتعبا[2].

 

أما المرحلة الثانية فتزامنت مع ذروة نشاط الحركة الوطنية ضد الاحتلال، وحديث الناس في مسألة الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية، ونمو الشعور الوطني بفضل نشاط عدد من القادة أبرزهم "مصطفى كامل" صاحب جريدة "اللواء". وفيما كانت الصحف قبله تذكر المحتلين بوعودهم وتستطيل بقاءهم، فإن مصطفى كامل كان -على النقيض- من المصرحين بانتقاد الحكومة الموالية للإنجليز، ودعا المصريين إلى المطالبة بجلاء المحتل عن بلادهم، كما سافر إلى أوروبا للسعي في هذا السبيل بالخطابة والكتابة والتحريض، وأخيرا أنشأ الألوية الثلاثة بالعربية والفرنسية والإنجليزية، وأسس شركة مالية لإنشائها، وهي أول شركة صحفية بمصر. وكان الخط التحريري الراسخ لصحف "اللواء" هو التشديد في طلب الجلاء والاحتجاج على إنجلترا، بلغة جريئة وحازمة لم تكن مسبوقة في مصر[3].

 

في تلك الأثناء وتحديدا بين عامي 1910 و1911، بدأ الدور الثالث في الصحافة مع شروع "عبد الرحمن البرقوقي"، المحب للغة، والمتخصص في الأدب، وخريج الأزهر الشريف، وأحد الذين تأثروا بالإمام محمد عبده وقرؤوا عليه؛ في إنشاء مجلة "البيان" التي عنيت بالأدب والأدباء، وتناولت الأوضاع العالمية والسياسية في عصره بطريقة بلاغية وأدبية، وقد أخبرنا الأستاذ "خير الدين الزركلي" في موسوعته "الأعلام" أن مجلة البيان كانت "صحيفة أدباء مصر: العقاد والمازني وشكري والسباعي وغيرهم"[4]، إضافة إلى الرافعي.

صحيح أن هذه المجلة وكتابها الأدباء الشباب آنذاك، الذين صاروا أئمة وأعلام مدارس الأدب العربي الحديث في مصر والعالم العربي في النصف الأول من القرن العشرين وربما حتى يومنا هذا، اهتمت بموضوعات الأدب والثقافة السائرة حينئذ، لكن نظرة كُتابها ومحرريها للعالم الغربي كانت ثاقبة ومهمة، بل إن رؤيتهم للولايات المتحدة الأميركية وتاريخها وقوتها الناشئة آنذاك، قبل تدخلها في الحرب العالمية الأولى سنة 1914، ودورها الذي كان لا يزال حياديا في نظر العرب في الربع الأول من القرن العشرين، كانت نظرة مهمة، ويمكن وسمها بـ"الاستغراب المبكر" الذي اهتم فيه المثقفون العرب بالتعرف على الآخر الغربي، بل الغربي البعيد الذي كان لا يزال ساكتا وراء الأطلنطي غير مشارك في الصراع العالمي والكولونيالي حتى تلك اللحظة.

 

لهذا السبب كان الإعجاب بالتجربة الأميركية في الصحافة العربية المبكرة قائما في أساسه على استكشاف عوامل القوة الذاتية للأمة الأميركية بوصفها نموذجا حيا يمكن للأقطار والأمم العربية والإسلامية القابعة تحت الاحتلال البريطاني والفرنسي وغيره أن يتعلموا منه النهضة والإصلاح والقوة. ولهذا السبب أفردت مجلة البيان في شهر مارس/آذار 1914، وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب العالمية الأولى، رؤية أو مقالة حول الولايات المتحدة، ونموذجها في النهضة والإصلاح القائم على العلم والتخطيط.

 

إلى العالم الجديد

بدأ المقال بالتعريف بالقارة والجمهورية الأميركية التي جمعت أشتاتا من شعوب الغرب ممن انقطعوا عن عالمهم، حيث جاء فيه: "إذا كنا نجد في تاريخ أوروبا في عصر إصلاحها الديني آثار المسيحية الكاثوليكية، فإن تاريخ أميركا اليوم يحوي الكثير من آثار العلم. في مُدن القرن السابع عشر أقبلَ شتيتٌ من الفرنجة وشراذم من أهل الغرب يستوطنون الساحل الغربي للمحيط الأطلنطي، فأما الفرنسيون ففتنتهم أسماط نيوفوندلاند وحيتانها فاتخذوا لهم مستعمرة صغيرة شمال نهر سانت لورانس، وأما إخوانهم الإنجليز والهولنديون والسويديون فاحتلوا ساحل القسم المعروف بإنجلترا الجديدة… وأقام قوم من الهوجينوت (بروتستانت فرنسا) في ولايات الكارولينا وأهطع جمع من الأسبان إلى شبه جزيرة فلوريدا… وكان وراء تخوم تلك القرى التي بناها أولئكم الجوَّابون أرض واسعة مجهولة يسكنها قوم من الهنود شأنهم التجواب والتجوال، ولم يكن يزيد عددهم من خليج المكسيك إلى نهر سانت لورانس عن مئة وثمانين ألفا"[5].

الولايات المتحدة بالقرن السابع عشر

بعد هذا التعريف الموجز بطبيعة القارة الأميركية، شرع الكاتب في تحليل الثورة الكبرى التي صاغتها الأمة الأميركية المشتتة على عينها وعنايتها، وقد لفت نظره أهمية الزيادة السكانية في أميركا حينذاك، وأثرها في مستقبل هذه الدولة أو الجمهورية وفي العالم، فضلا عن القوة المادية والاقتصادية والمالية الهائلة التي كانت تؤسسها، حيث جاء في المقالة: "على أنه لم يكد ينتهي أجل القرن التاسع عشر حتى أصبح نسل أولئك المستعمرين قوة من أعظم قوى الأرض. أسَّسوا جمهورية جمع سلطانها بين المحيطين، وهزموا مهاجمًا من عصرهم، ومحاربًا من أهليهم، بجيش يبلغ عديده أكثر من نصف مليون رجل، لا على الورق، بل ساحة الحرب، وميدان القتال… ولقد صرفوا في سبيل الذود عن حياتهم القومية في أقل من خمسة أعوام ما يربو على أربعة ملايين من الريالات، وقد ظهر من تعدادهم أنهم يزيدون بمقدار الضعف في كل خَمسٍ وعشرين سنة، فلا جرم إذا توقعنا أن يصبح تعدادهم في نهاية هذا القرن نحوًا من مئة مليون"[6].

 

لقد صدق حدس كاتب المقالة في زيادة القوة الأميركية البشرية التي بلغت في نهاية القرن العشرين حدود الثلاثمئة مليون نسمة، فضلا عن حسمها الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتأسيسها نظاما عالميا جديدا تربعت عليه ولا تزال على عرش القوة العالمية، وقد وصف لنا الكاتب ما صنعه الأميركيون في القرن التاسع عشر للتمهيد لحضارتهم القادمة، فقال: "لقد استحالت تلكم الأرض الساكنة إلى أرض صناعية كثيرة الجلَبة والضوضاء، وأصبحت تدوي بأصوات الآلات وتضج بحركات العمال والرجال، وتبدلت الغابة الكثيفة إلى مئات المدن، وتحولت الأجمة الملتفة بعشرات البلدان، وكفلت للتجارة المقادير الوافرة من الأقوات والمحصولات مثل القطن والتبغ والمأكولات، وأخرجت الأرض أثقالها من الذهب والفحم والحديد، وجمعوا إلى هذه القوة المادية قوة أخلاقية، فأُنشئت الكنائس، وأقيمت المعاهد، وفُتحت المدارس، ومُدَّت السكك الحديدية، وفاقت في طولها أطول خطوط أوروبا جميعا"[7].

 

أسهم في هذه النهضة الصناعية للأمريكان بُعدهم -وراء المحيط الأطلسي- عن صراعات العالم القديم، تماما كما استغلت الصين في نصف القرن الأخير صراعات الولايات المتحدة عالميا في إنشاء ودعم وتطوير قوتها الصناعية والاقتصادية، بيد أن الكاتب يعرّج مع ذلك على القوة الأخلاقية، ولا شك أن الإعجاب بالتجربة الأميركية قد أغفل بصره عن مجازرهم بحق الهنود الحمر، ومصائب الحرب الأهلية، واستعباد الزنوج؛ وهذه النقطة الأخيرة يتناولها في إطار إصلاح الأميركيين لأخطائهم التاريخية، ونجاحهم في تحقيق العدالة الاجتماعية والاهتمام بالنابغين مهما كان مستواهم الاجتماعي.

النهضة الصناعية بالولايات المتحدة

يشير المقال إلى ذلك بالقول: "ولا ينبغي أن نقتصر على التنويه بهذه النتائج المادية، بل هناك نتائج أخلاقية تلفت الأبصار؛ فقد أطلقوا سراح أربعة ملايين من الزنوج، وأخرجوهم من إسار الرق والاستعباد، وإذا كانت القوانين الأميركية تجنح إلى خدمة طبقة من الطبقات فهي طبقة الفقراء؛ إذ أرادت أن ترفعهم من فقرهم وتحسّن حالهم، ومِن ثَم تمهَّدت للنبوغ كل سبيل وذل كل شيء أمام العلم والجهد، ولقد شغل أعظم الوظائف رجال نهضوا بأنفسهم مِن أحقر مراتب الحياة، وأسفل درك العيش، وإذا كانوا قد فَقدوا المساواة الاجتماعية، فقد اعتاضوا عنها بالمساواة المدنية"[8].

 

إعجاب مصري بالأميركيين الأوائل

ذهب مؤلف المقالة إلى ما هو أبعدُ من ذلك حين دافع عن النهضة الأميركية أمام منتقديها ممن قالوا إن بُعد القارة الأميركية عن الصراعات العالمية ومواردها الطبيعية هما السببان الرئيسيان في تقدمها، جاعلا الجد والقوة والعرق والعلم الذي بذله الأميركيون حينذاك أصلا في هذه النهضة، وهي الفكرة الجوهرية التي استندت عليها المقالة، وأراد من ورائها المحرر أن يستحثّ بني أمته من المصريين وعموم القراء العرب على العلم بوصفه أساس النهضة من خلال نموذج عملي هو التجربة الأميركية الوليدة، التي لم تكن بعدُ قد تعدّت القوة البريطانية أو الفرنسية.

 

يشير المقال إلى ذلك قائلا: "قد يقولُ قائل: إن هذه السعادة نتجت من أحوال خاصة إذ لم يتوفر مثلها لشعب قبلهم؛ لقد كان هناك عالم فسيح ممهد للعمل، وقارة بأسرها ذلولٌ لمن يُريد امتلاكها، لا تطلب إلا الكد والناس للتغلب على قوى الطبيعة والاستحواذ على ثمرات هذا التغلب. لكن أليس من اللازم أن يكون هؤلاء القوم على مبدأ عظيم وهم يحوّلون المجاهل الساكنة إلى مقام للمدنية، ويمشون في تلك المناكب لا تروعهم مظلمة الغابات ولا الأنهار ولا الصحارى ولا الجبال، ويدفعون على سبيل الفتح في مدى قرن واحد فيصلون بين الأوقيانوسين (المحيطين الأطلسي والهادئ)، ويمتلكون ما بينهما امتلاكا؟"[9].

American Industrial Renaissance

ولا يقف المحرر عند تدوين إعجابه بالنموذج الأميركي القائم على العلم، بل يقارنه بجيران الأميركيين في المكسيك وأميركا اللاتينية الذين بقوا في خلف الأمم وذيلهم بسبب استبداد الاحتلال الإسباني وقوته العسكرية الغاشمة، فقال: "دعنا نُقارن هذه النتائج بنتائج فتح الأسبان بلاد المكسيك وبلاد بيرو، فقد هدم الأسبانُ في هذين البلدين مدنية عجيبة، كانت في كثير من الوجوه أعلى من مدنيتهم قدرا وأسمى… لقد دخل الأسبان هذين البلدين من غير حرب ولا قتال، ولم يعقهم دون الفتح عائق، ولكنهم هدموا كل ما شاد أهلوهما، وطاحوا بملايين منهم، وقذفوا في لجة الفوضى بأمتين عاشتا قديما في ظل الرضى والرخاء وتحت حكومة شهد تاريخهما بأنها ألزم لهم وأوفق حالا، وروجوا بينهما الأوهام، ونشروا الخرافات، وانتقل ملكهم وأنعمهم وخيراتهم إلى حوزة الكنيسة الرومانية"[10].

 

وختم المحرر مقالته بالتأكيد على أهمية العلم والعمل والتنظيم والتخطيط في صناعة الحضارة والمدنية، وإنشاء قوة عالمية من تحت الرماد، قائلا: "هذا مثال من أمثلة تأثير العلم أخذته من تاريخ أميركا، ولم أشأ أن أختار مثله من تاريخ أوروبا، لأن هذا المثال يصور لنا قيمة المبدأ العملي الحر الذي لا تخالجه حال لا ضرورة لها"[11].

 

ما غاب عن المحرر وأدركه المؤرخون

بيد أن ما غاب عن المحرر ذِكْره أنه في أواخر القرن التاسع عشر، وبعد استقلال الولايات المتحدة وانتهاء الحرب الأهلية في ستينيات القرن التاسع عشر، استثمرت أميركا متاعب الدولة العثمانية واستطاعت أن تبرم معها اتفاقا أصابت به امتيازات استغلتها في استلاب الحضارة الإسلامية. وفي كتابه المهم "بداية العلاقات العربية الأمريكية" الصادر عن المركز العربي للدراسات في الدوحة، تناول المؤرخ السوداني "عبد العزيز عبد الغني إبراهيم" فصولا من بواكير هذه العلاقات الأميركية بالعرب في أقطار الشام ومصر والحجاز والسودان والمغرب، مشيرا إلى الدور الأميركي المبكر الذي لم يكن محايدا قط، بل انصب تركيزه الأساسي على دعم قضية التنصير في العالم العربي.

كتاب "بداية العلاقات العربية الأمريكية"كتاب "بداية العلاقات العربية الأمريكية" للمؤرخ السوداني "عبد العزيز عبد الغني إبراهيم"

أثار إبراهيم في الفصل الثالث من كتابه الآنف الذكر، وعنوانه "بداية التنصير الأميركي في بلاد الشام"، مسألتَي التنصير الأميركي في الشرق، والجهد الذي قامت به البعثات الأميركية في هذا المجال، وكيف حُمِّلت موضوعات التاريخ والجغرافيا المُؤثّرات النصرانية، إلى درجة أن موضوعات المطالعة ضمت مقطوعات كاملة مأخوذة عن الأدبيات النصرانية الغربية. وقد دافع بعض المنصّرين الأميركيين بأن التعليم هو أنجع وسيلة لتنصير المسلمين، وأدّت هذه القناعة إلى انتشار واسع لمدارس الإرساليات الأميركية في جميع أرجاء الشام. يقول المؤلف: "أثارت المؤسسات التنصيرية الأميركية الأفكار القومية في المجتمع العربي ورفعت راية العروبة، لا لنصرتها لكن لتفتّت وحدة الأرض الإسلامية بها التي كانت تستظلّ بظل دولة بني عثمان غير الظليل، بعد أن تمرّدت تلك الدولة بالطورانية (القومية التركية) على شرعيتها الإسلامية"[12].

 

وفي الفصل الرابع "بداية العلاقات الأميركية مع وادي النيل"، بحث المؤلف في دور محمد علي باشا وأبنائه في التمكين للأميركيين، والاستثمار الأميركي في السودان، وبداية التنصير الأميركي في مصر والسودان، ومكانة وادي النيل في مؤتمرات التنصير الأولى، ومحاولات معارضة التنصير الأميركي فيه، فقال إن الدولة الأميركية بذلت في وادي النيل جهدا مضاعفا، "فمصر بثقلها السكاني المؤمن، وبموقعها الإستراتيجي في قلب الأرض العربية مشرقا ومغربا، وبنبض أزهرها المعمور الذي لا تقف دون دعوته الحدود علمًا وذكرًا، بدا لهم أن اختراقها صعب، فاحتالوا على حكامها بالدعوة إلى التحديث. أما السودان… فقد بدا لهم أن وضع حد ثقافي-سياسي بين شماله المسلم وجنوبه الوثني أمر لازم لتحقيق أهدافهم"[13].

 

مهما يكن من أمر، كان لمقال مجلة "البيان" الذي كُتب قبل مئة وبضعة أعوام هدفٌ نبيل، إذ تَلَمّس كاتبه حال النهضة في الأمم الناشئة بمثال عملي وواقعي، تماما كما نبحث اليوم عن أسباب النهضة اليابانية أو الكورية أو السنغافورية أو غيرها من الأمم التي لم تُذِق العرب ويلات الاحتلال والظلم. وصحيح أن الكاتب غفل عن ظلم الأميركيين للهنود الحمر وإبادتهم، فضلا عن ظلمهم للسود الذين استعبدهم البيض عقودا متطاولة وأنزلوا بهم العذاب والقهر، لكنه رغم هذا نظر إلى عناصر القوة المادية والمعنوية والأخلاقية للأمة الأميركية الناهضة باعتبارها دليلا على أن المستحيل ممكن، وأن النهضة العربية والإسلامية ليست بعيدة المنال.

—————————————————————————-

المصادر

[1] سعيد بن مخاشن: تاريخ الصحافة العربية سابقاً ودورها في نشر الأدب العربي.

[2] السابق.

[3] السابق.

[4] الزركلي: موسوعة الأعلام 3/309.

[5] العلم وأمريكا، مجلة البيان للبرقوقي، العدد 15، مارس 1914م.

[6] السابق.

[7] السابق.

[8] السابق.

[9] السابق.

[10] السابق.

[11] السابق.

[12] بداية العلاقات العربية الأمريكية، موقع المركز العربي للدراسات، الدوحة

[13] السابق.

المصدر : الجزيرة