نصير الدين الطوسي.. العالم الفذ والسياسي الدموي الذي باع العباسيين للمغول

نصير الدين الطوسي

لم تكن ظاهرة المثقف أو العالِم الذي يخون مبادئه وينحاز للأعداء في المواقف المفصلية وليدة عصر أو زمان أو دولة أو أمة بعينها، ولكنها ظاهرة إنسانية واجتماعية في المقام الأول، وكذا ظاهرة أيديولوجية يميل فيها المثقف إلى مبادئه أو يحيد عنها تبعا للنوازع الداخلية، أو ارتباطا بشهوة أو منصب أو مكانة، وقد رأينا في التراث العربي القديم المثل السائر "الملك عقيم" اختزالا لإرث طويل من الصراعات على العرش بين أبناء الدم الواحد.

 

وفي التاريخ الإسلامي نجد هذه الظاهرة واضحة أيضا، ومن بين نماذجها رجل تردد اسمه كثيرا بين جدران التاريخ وأروقته ومؤلفاته؛ بسبب دوره الواضح في القضاء على حضارة بغداد ودولة العباسيين، فضلا عن لعبه دور المنظّر لآلة القتل المغولية، ذلك هو الفيلسوف وعالم الفلك والرصد "نصير الدين محمد الطوسي"، فمن هو الطوسي؟ وكيف أسهم في توجيه واحدة من أعظم آلات القتل والدمار في تاريخ الإنسانية على يد التتار؟

 

الفيلسوف الخائن

نصير الدين الطوسي

ولد نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن في طوس بالقرب من نيسابور في غرب إيران أواخر القرن السادس الهجري وبالتحديد سنة 597هـ/1201م، وقد تعلم على بعض علماء عصره من المعتزلة والشيعة على السواء، وعلى رأسهم "معين الدين سالم بن بدران". وقد شُغل الطوسي بعلوم الفلسفة والحكمة والمنطق والرياضة والفلك، وشغف بها وبغيرها من العلوم العقلية والتجريبية، وتفنن فيها حتى صار مرجعا من مراجع عصره، بل قيل إنّه كان أعظم أهل زمانه في هذه العلوم، واللافت أن الرجل التحق بالباطنية الإسماعيلية في قلاع "الألَمُوت" في إيران، وهي واحدة من أخطر الفرق شراسة ودموية في تاريخ الإسلام، وقد ترقى بينهم حتى صار وزيرا وكاتبا لهم، ثم لما خرجت جموع المغول للسيطرة على المشرق الإسلامي ترك الإسماعيلية التي قضى في رحابها بضعا وعشرين سنة، والتحق طائعا بخدمة هولاكو.

 

ترك الطوسي حصيلة علمية ومصنفات جمة في شتى العلوم، لعل أهمها كتابه "تجريد العقائد"، وهو من أهم المصنفات العقدية والكلامية بل والفلسفية في مذهب الشيعة الإمامية وهو لا يزال مصدرا أصيلا من المصادر المعتمد عليها في حوزاتهم العلمية[1]. ومهما يكن فإن كثيرا من علماء السنة، فضلا عن الشيعة، جعلوه في مكانة عالية من الناحية العلمية، حتى قال فيه الحافظ المحدث والمؤرخ العلامة الذهبي: "كان رأسا في علم الأوائل، لا سيما معرفة الرّياضيّات وصنعة الأرصاد، فإنّه فاق بذلك على الكبار"[2].

 

بل واللافت أننا نجد من مؤرخي السُّنة من أثنى على أخلاقه، كابن شاكر والصفدي الذي قال: "دفع عن النَّاس أذاهم وعن بعضهم إزهاق أرواحهم (أثناء هجوم المغول على بغداد)، ومن حلمه ما وقفت له على ورقة حضرت إليه من شخص من جملة ما فيها يقول له: [يا كلب]، فكان الجواب: وأما قوله كذا فليس بصحيح؛ لأن الكلب من ذوات الأربع وهو نابح طويل الأظفار، وأنا منتصب القامة بادي البشرة عريض الأظفار ناطق ضاحك، فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص. وأطال في نقض كل ما قاله هكذا برطوبة وتأن غير منزعج، ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة"[3].

 

ولكن على النقيض من هذه الآراء، كان ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ممن قالوا في الطوسي قولا شنيعا، فقد قال ابن تيمية: "كان وزير هولاكو النصير الطوسي من أئمتهم. وهؤلاء أعظم الناس عداوة للمسلمين وملوكهم"[4]. وعند حديثه عن الإسماعيلية في "مجموع الفتاوى" يقول: "إنَّ التَّتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم؛ فإنَّ مُنجِّم هولاكو الَّذي كان وزيرهم وهو " النُّصير الطُّوسيُّ " كان وزيرا لهم بالألَموت، وهو الَّذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء"[5].

مجموعة الفتاوى لابن تيمية

أما ابن القيم، تلميذ ابن تيمية، فقد كان أشد ضراوة في هجومه على النصير الطوسي، فقال: "لما انتهت النوبة إلى وزير الملاحدة النصير الطوسى وزير هولاكو، شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على السيف، حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة. ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم، وجعلهم خاصته وأولياءه، ونظّر فى كتبه قِدم العالم، وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب جل جلاله: من عمله، وقدرته، وحياته، وسمعه، وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إله يعبد ألبتة"[6].

 

لكن على الرغم من هذا الخلاف حوله، يتفق المؤرخون أن الطوسي كان من كبار رجال طائفة الإسماعيلية في قلاع الألَموت بالقرب من قزوين في وسط إيران منذ عام 625هـ/1228م، وقد رعاه وزيرهم حينئذ "ناصر الدين عبد الرحيم محتشم"، فمكث هنالك ثمانية وعشرين عاما ألّف فيها عشرات المؤلفات والرسائل في العقيدة والفلسفة والرياضة والفلك، وفي هذه المرحلة من حياته انتسب للمذهب الإسماعيلي الذي تبرّأ منه بعد خروجه من القلعة سنة 654هـ/1256م معلنا انتسابه للمذهب الاثني عشري ومنضما لهولاكو والمغول.

 

ومهما يكن من أمر عقيدة الطوسي التي ظلت في إطار التشيع، فإن الفصل الأهم من حياته بدأ عندما انتهت حملة هولاكو على الشرق الإسلامي أمام قلاع الإسماعيلية في شوال من عام 654هـ/1256م، وكان بين المغول والإسماعيلية مراسلات للتسليم أو الحرب، فجرّب الإسماعيلية بزعامة ركن الدين خورشاه -حاكمهم الأخير- عرض التهادن والمصالحة، مُرسلا وفدا من أكابر رجال دولته، وعلى رأسهم وزيره وموجه الحركة الإسماعيلية وقتها نصير الدين الطوسي، لكن الغريب أن نصير الدين الطوسي عاد وأقنع خورشاه بضرورة التسليم، بل وأقنعه بضرورة مقابلة هولاكو الذي ذبحه وذبح أتباعه، بل والأعجب من ذلك أن الطوسي احتفل مع المغول بهذه المناسبة منقلبا على من عاش بينهم، ووجّه حركتهم لما يقارب من ربع قرن، وقال في تلك المناسبة شعرا ذكره المؤرخ المعاصر لتلك الأحداث رشيد الدين الهمذاني في كتابه "جامع التواريخ"[7].

 

المساهمة في تدمير بغداد

تدمير بغداد على يد التتار

بعد القضاء على طائفة الإسماعيلية وهدم معظم قلاعهم، أمّن المغول النصيرَ الطوسي وبعض من كان معه، وقد قال الهمذاني: "لما تأكد هولاكو من صدق وإخلاص الخواجة نصير الدين الطوسي وأبناء رئيس الدولة وموفق الدولة، الذين كانوا أطباء كبارا مشهورين أصلهم من همذان؛ شملهم بعطفه وإنعامه، وأعطاهم الخيول اللازمة لحمل أهلهم ومواليهم وأقاربهم مع أتباعهم وخدمهم وأشياعهم، وألزمهم حضرته. وهم وأبناؤهم حتى اليوم ملازمون للحضرة، ومقرّبون من هولاكو خان وأفراد أسرته المشهورين"[8].

 

ومنذ ذلك التاريخ، ذو القعدة من عام 654هـ/1256م، بدأت سيطرة الطوسي الفعلية على هولاكو، حتى قال المؤرخ ابن شاكر في كتابه "فوات الوفيات": "احتوى على عقله حتى إنه لا يركب ولا يسافر إلا في وقت يأمره به"[9].

 

ولئن كان المؤرخون على أصناف وآراء ثلاثة في الرجل، فمنهم من يتهمه بالخيانة صراحة كابن تيمية وابن القيم، ومنهم مَن ينفي التهمة أو لا يذكرها إطلاقا كابن الفُوَطي وابن شاكر والصفدي، ومنهم من يقف بين هؤلاء وأولئك لا يملك دليلا ملموسا لتأكيد هذا أو نفيه كابن كثير؛ فإن معاصر هذه الأحداث رشيد الدين الهمذاني أحد أبرز المعجبين بنصير الدين الطوسي يسرد لنا أحداثا ترجح الرأي القائل بخيانة الطوسي للخلافة العباسية وسعيه للقضاء عليها.

 

لقد ذكرنا من قبل أن هولاكو كان يتبع المنجمين اتباعا أعمى، ولم يكن يتحرك لغزو بلد والهجوم عليه إلا بعد معرفة رأي الفلكيين في ذلك، وهي ظاهرة انتشرت آنذاك، وبعد قضائه على الإسماعيلية بخيانة الطوسي لهم بات الطريق مفتوحا أمامه لإسقاط العراق والخلافة العباسية في يده. وكعادته استشار هولاكو منجمه الأول "حسام الدين" الذي أثنى هولاكو عن عزمه قصد بغداد، فراح يؤكد له أن هذه الحملة تحدث خلالا في نظام الكون، فضلا على أنها سوف تكون وبالا على الخان نفسه، فكان مما قاله له: "الحقيقة أن كل ملكٍ تجاسر ـحتى هذه اللحظةـ على قصد الخلافة والزحف بالجيش على بغداد لم يبق له العرش ولا الحياة، وإذا أبى الملك أن يستمع إلى نصائحي وتمسك بمشروعه فسينتج عنه 6 مصائب كبيرة: تموت الخيول كلها، ويمرض الجنود، ولن تطلع الشمس، ولن ينزل النبات في الأرض، ولن ينزل المطر، وتهب رياح شديدة، ويعاني العالم من الزلازل، ويموت الخان الأعظم في هذا العام"[10].

 

لكن هولاكو استدعى نصير الدين الطوسي ليأخذ رأيه، ففنّد كل ما قاله حسام الدين، وطمأن هولاكو بأنه لا توجد موانع تحول دون إقدامه على الغزو، ولم يقف عند هذا الحد، بل أخبره أن الكثيرين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ماتوا في الدفاع عن الدين، ومع ذلك لم تقع أي كارثة، وإذا قيل أن ذلك خاص ببني العباس، فإن الكثير من الناس قد خرجوا على هذه الأسرة وقتلوا منهم بعض الخلفاء دون أن يحدث أي خلل، وأخذ نصير الطوسي يتمثل بطاهر بن الحسين قائد المأمون الذي قتل شقيقه الأمين، وبالأمراء الذين قتلوا المتوكل والمنتصر والمعتز وغيرهم[11].

وعلى كل حال، حضر الطوسي سقوط بغداد وشهده، وكان من جملة الوفد الذين رأوا الخليفة العباسي المستعصم وجلسوا معه واستمعوا له بل وصاحبوه إلى مجموعة دور الخلافة ليُخرج لهم دفائنه من الكنوز والتحف، ولم يُحرّك ساكنا ولا تَدخّل للعفو عن الخليفة أو حتى للحد من سفك دماء مئات الآلاف ممن قتلوا مدة 40 يوما على يد المغول. بل أكثر من ذلك، ذكر المؤرخ "ابن الطقطقي" القريب من رجال الدولة الإيلخانية المغولية والقريب من ذلك العصر أن الذي رتّب دخول وزير العباسيين الخائن "مؤيد الدين بن العلقمي" على هولاكو كان نصير الدين الطوسي، وفي رواية أخرى أنه هو الذي ربّى ابن العلقمي في حضرة هولاكو، قال: "كان الذي تولى تربيته وتقريبه (ابن العلقمي) في الحضرة السلطانية الوزير السعيد نصير الدين محمد الطوسيّ"[12].

 

تشير الدلائل الراجحة -إذن- إلى دور الطوسي في تدمير الدولة العباسية بالتواطؤ مع ابن العلقمي، وحتى لو كان فعل ذلك خوفا من بطش هولاكو كما ذكر بعض المؤرخين، فما كان في وسعه إلا أن يترك هذا السفاح ويفر بنفسه عند أول فرصة له، لكن الرجل آثر الاقتراب من هولاكو، بل قبل تعيينه له نائبا على العراق بعد القضاء على العباسيين، وظل مخلصا لدولة المغول حتى وفاته عام 672هـ/1273م.

 

وبرغم ميله وحبه للعلوم الرياضية والفلكية، وبرغم تسويغ البعض ممن قال بأنه ترك الإسماعيلية وانضم للمغول لأنه وجد فيهم عونا له لتحقيق مشروعه العلمي؛ فإن ذلك التوجه العلمي كان ثمنه انحيازات سياسية دموية، فالرجل الذي بنى أعظم مرصد ومجمع للعلماء والفقهاء في عصره في منطقة مراغة بأذربيجان، قد بناه بعد سقوط بغداد بعام واحد سنة 657هـ[13]، وكانت معظم مصنفات المكتبة الضخمة العظيمة، التي تجمع فيها أكثر من 400 ألف مجلد، من الكتب التي نُهبت من بغداد والشَّام والجزيرة كما يقول المؤرخ الصفدي في تاريخه "الوافي بالوفيات"[14].

 

وهكذا يبدو نصير الدين الطوسي نموذجا حيا من التاريخ الإسلامي على انقلاب العالم أو المثقف على مبادئه بل وأتباعه ومريديه لأجل مصالحه الخاصة، فقد انقلب على الإسماعيلية الذين عاش بينهم ربع قرن وأصبح وزيرا لهم، وباعهم بثمن بخس إلى التتار، ثم انقلب على العباسيين، وتواطأ في مذابح راح ضحيتها مئات الآلاف، ليترك لنا سيرة مُخلَّطة بين تراثه العلمي وانحيازاته الدموية تستحق النظر والتأمل.

—————————————————————————-

المصادر

[1] نصير الدين الطوسي: تجريد العقائد، تحقيق عباس سليمان ص6.

[2] الذهبي: تاريخ الإسلام 50/114.

[3] الصفدي: الوافي بالوفيات 1/149.

[4] ابن تيمية: مسألة في الكنائس ص146.

[5] ابن تيمية: مجموع الفتاوى 3/507.

[6] ابن القيم: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان 2/267.

[7] الهمذاني: جامع التواريخ مجل2 1/254 – 257.

[8] الهمذاني: جامع التورايخ مجل2 1/257.

[9] ابن شاكر: فوات الوفيات 3/250.

[10] المغول بين الانتشار والانكسار ص193.

[11] الهمذاني: جامع التواريخ مجلد2 1/280، ومصطفى بدر: محنة الإسلام ص161.

[12] ابن الطقطى: الفخري ص338.

[13] محمد إقبال: تطور الفكر الفلسفي في إيران ص139.

[14] الصفدي: الوافي بالوفيات 1/147.

المصدر : الجزيرة