الزعران والحرافيش.. بصمة الفقراء والمهمَّشين في التاريخ الإسلامي

كانت الطبقية ولا تزال منذ أقدم العصور أساسا ومدخلا اجتماعيا لفهم تكوّن الحضارات وأسباب وجودها وديمومتها، فضلا عن العلاقات الجدلية بين أطيافها، فليس ثمة شك أن جميع المجتمعات تقوم على تنوُّع يتكئ على فروقات اقتصادية أحدثت على مدار التاريخ ظواهر تستحق التوقف والتأمل.

وقد برزت طبقات شعبية من الهامش لتؤدي أدوارا محورية مؤثرة في سير التاريخ العربي والإسلامي، وتُسهم في صعود حكام وتقويض دعائم آخرين، بل وفي سقوط دول وبروز أخرى على أنقاضها. شكلت هذه الطبقات كتلة حرجة مؤثرة في سير التاريخ الاجتماعي والسياسي على السواء، وقد ناقش دورهم "غوستاف لوبون" قبل قرن، خلال عصر التقلُّبات الأوروبية التي أنتجت الحرب العالمية الأولى، في كتابه "سيكولوجية الجماهير"، واصفا إياهم بالكتلة الانفعالية المتقلبة التي إذا اجتمعت فإنها تكون متطرفة في مشاعرها وعقلها الجمعي الذي يحركها تجاه المجهول، إذا لم يكن لها قائد يحركها ويستغل عواطفها المتأججة[1].

منذ عصور الجاهلية قبل الإسلام وبعده، نجد "الصعاليك" مثالا على هذا التمرد على تقاليد القبيلة وثقافتها وتقديسها للخطوط الفاصلة بين السادة والعبيد، وفي عصر العباسيين ظهر "الشطَّار والعيَّارون" على المنوال نفسه، إذ السرقة والغارة لا تكون إلا من الأغنياء لسد حاجاتهم وحاجات الفقراء المعدمين دون تقيد بقانون أو شريعة أو عرف، ودون خوف في بعض الأحيان من سلطة الدولة وجيوشها. ثم تطورت الظاهرة مع الفاطميين مع ظهور طائفة "الأحداث"، وأخذت مسارها في عصري الأيوبيين والمماليك مع بروز طوائف "الحرافيش والزُّعران"، وكلها مجموعات ظهرت نتيجة عوامل الظلم الاقتصادي والاجتماعي، والتهميش السياسي والثقافي.

نرى في ظاهرة "الزُّعران والحرافيش" المملوكية مثالا تاريخيا حيَّا على أزمات الهامش ومحاولاته الجادة خلق واقع جديد يُمكِّنُ له التنفيس عن آلام المُهمَّشين ومطالبهم، إما باستخدام أدوات الاحتجاج أو بممارسة العنف تجاه المجتمع أو تجاه السلطة المملوكية العسكرية. كيف إذن عبَّر الحرافيش والزُّعران عن صرختهم وشعورهم بالظلم الاجتماعي آنذاك؟ وكيف حاولوا تغيير واقعهم السياسي والاجتماعي على مدار قرنين من الزمان؟ ذلك ما سنعرفه في هذا المقال.

أعمال الحرافيش

يعطينا المؤرخ والمحدث المشهور "ابن كثير" في تاريخه "البداية والنهاية" بعض الأوصاف والعادات التي اتسم بها الحرافيش حين يُؤرِّخ لوفاة الشيخ "العالم الماجن" (كما يصفه) "علم الدين بن شكر" سنة 688هـ/1289م، بعد أن تحوَّل من العلم إلى مجالسة الحرافيش "والتشبُّه بهم في اللباس والطريقة، وأكل الحشيش واستعماله"[2].


يبدو من الوصف السابق أن الحرافيش -بخلاف الزعران كما سنرى- ارتبطوا بالطرق الصوفية التي وُجدت آنذاك، حيث سيطر التصوف على الحياة العامة في العصرين الأيوبي والمملوكي، وباتت كل طريقة تمتلك زاوية خاصة بها، وامتلكت تلك الطرق موارد مالية جيدة من الأوقاف والتبرعات والصدقات والمساعدات[3]، ويبدو أن الحرافيش كانوا الذراع العسكرية لهذه الطوائف -إن صح التوصيف- في أوقات القلاقل والفتن.

اعتمادا على وصف المؤرخين لهذه الطوائف التي انتشرت في حواضر المماليك الكبرى، وعلى رأسها القاهرة ودمشق، فقد اتسمت بما يُمكن وصفه بالخروج على القانون، وعدم التقيُّد بالأخلاق وآداب الدين، وترويع الآمنين حين ضعفت قبضة الأمن، وجمعهم بين الفقر المدقع وانعدام المعرفة.

من اللافت أن ظاهرة الحرافيش لفتت نظر الرحالة الأشهر "ابن بطوطة" حين حطَّ رحاله في القاهرة عام 726هـ/1326م، فوصفهم بأنهم "طائفة كبيرة أهل صلابة وزعارة"[4]، بما يشي بوجود الحرافيش منذ فترة الدولة المملوكية الأولى في عصر سيادة الأتراك، وفي زمن السلاطين الأقوياء مثل "الناصر محمد بن قلاوون" (741هـ/1341م) الذي زار ابن بطوطة مصر في زمن ولايته.

يؤكد ذلك تملُّق الحرافيش للسلطان "المنصور حسام الدين لاجين" (698هـ/1299م) حين وقع من فوق حصانه أثناء لعبه الكرة -القبق أو البولو- أسفل قلعة القاهرة، فدعوا له بالشفاء العاجل، وقد سمع المنصور لاجين أحد الحرافيش ينادي عليه بعد سقوطه قائلا: "يا قضيب الذهب، بالله أرني يدك"[5]، فرفع السلطان يده وهو ممسك المقرعة، وحين أتم المنصور شفاءه من تلك الكسور قرر تفريق الأموال على هؤلاء الحرافيش.

يصف "تاج الدين السبكي" عمل الحرافيش بأنهم اتخذوا مهنة التسول وسيلة للتكسب، كما كان السلب وسيلة أخرى من وسائلهم للعيش.

في سياق آخر، يصف "تاج الدين السبكي" (771هـ/1370م) عمل الحرافيش في التسول والتسكع في الشوارع قائلا إن "منهم من يكشفُ عورته ويمشي عريانا بين الناس ويوهم أنه لا يجدُ ما يستر عورته"[6]، أي أنهم اتخذوا مهنة التسول وسيلة للتكسب، كما كان السلب وسيلة أخرى من وسائلهم للعيش، ففي سنة 662هـ/1264م نُهبت الأثقال المملوكية من قبل المغول في إحدى المعارك بين الجانبين، وكان قسم آخر قد نهبه الحرافيش والكسَّابة. وفي الوباء الذي وقع سنة 695هـ/1296م حمل الحرافيش الجثث ودفنوها لقاء نصف درهم على أحسن الأحوال[7]، وبهذا تنوعت مصادر رزقهم ما بين تملُّق السلاطين والأمراء والتسول والأعمال اليومية التي لم تسد رمقهم واحتياجاتهم الأساسية، كما اشتُهروا بالملبس البالي المرقَّع، ولبس الخرقة على عادة صوفية عصرهم[8].

مساكنهم وتنظيماتهم

يلفت النظر تشابه مواطن إقامة طوائف الزعران والحرافيش في مصر والشام (القاهرة ودمشق)، ويُخبرنا عدد من المؤرخين أنهم فضَّلوا الإقامة بالأحياء الفقيرة التي تقعُ على حدود وأطراف هذه المدن. ففي القاهرة آثر الزعران والحرافيش الإقامةَ في ثلاثة أحياء كانت تقع على مشارف القاهرة الشمالية والجنوبية، وهي أحياء الحسينية والصليبة والجعيدية[9].

أمّا في دمشق، تركز نشاط الزُّعران عند منطقة "باب الصغير"، وهي منطقة عُدَّت آنذاك من أطراف دمشق وأحيائها النائية المرتبطة بـ"الغوطة"، وكان نشاطهم متمركزا في منطقة "ميدان الحصى" أيضا، وهي امتداد لمنطقة باب الصغير نحو الجنوب، كما وُجدوا في "الشاغور"، وارتبطت هذه المنطقة بباب الصغير من الجهة المقابلة لميدان الحصى. ويكشف لنا ذلك أنهم آثروا الاستقرار في المناطق النائية[10]، وهي المناطق الأشد صلة بالريف، فضلا عن كونها مناطق بعيدة عن يد السلطات.

في الشام أصبح لكل حارة زُعْرُها، وتزعّم هؤلاء الزعران زعيم واحد أو أكثر في الحي ذاته، ويصفه بعض المؤرخين باسم "أزعر".

أدت تفاعلات الفقر والتهميش إلى تزايد نشاط الجريمة، وتحولت هذه المجموعات مع الزمن إلى طوائف أدركت ذاتها وفقرها، فقرر الزعران حمل السلاح وتقلُّد الخناجر، وقد عبَّروا عن ذلك الشعور بالمظلومية عبر الهجوم على الأبرياء قتلا وسلبا ونهبا[11]، أو الدخول في صراعات سياسية مع المماليك، لمصلحة فريق على حساب آخر، مقابل امتيازات مالية أو اجتماعية قُدّمت إليهم. وقد صار لهم مع الوقت شيخ أو زعيم يدافع عن مصالحهم في دوَّامة العنف الأهلي التي لم تهدأ في زمن المماليك، لا سيما في أوقات القحط والطواعين والصراع السياسي الداخلي. وهذا يوضح لنا أن الزعران كانوا أشد عنفا وإجراما من الحرافيش.

ففي الشام أصبح لكل حارة زُعْرُها، وتزعّم هؤلاء الزعران زعيم واحد أو أكثر في الحي ذاته، ويصفه بعض المؤرخين باسم "أزعر"، وقد حصل الزعران على بعض الإتاوات مقابل خدماتهم، وغالبا ما لجؤوا إلى تحصين الحارات وتحدِّي السلطة والتحكُّم بسكان الأحياء وإرهاب الخصوم، كما امتد نهبهم إلى عمق المدينة في أسواقها حين غاب الأمن وضعفت قبضة السلطة[12].

جرائم مروِّعة

لم تهدأ دوامة عنف الزعران والحرافيش لفترة طويلة، إذ دأب زعران دمشق على مهاجمة الأبرياء وسرقة أموالهم، وكثرت الشكاوى من عامة الناس والتجار إلى القضاة من هذا الخطر المستفحل الذي هدد أمن وسلامة الجميع. ففي سنة 735هـ/1335م انطلق القُضاة إلى نائب السلطان في دمشق الأمير "تنكز" (ت741هـ/1341م) مطالبين إياه بردع الزعران ومواجهتهم بالبطش وعقوبات مغلظة تصل إلى حد التعذيب[13].

ولكن رغم المحاولات المستميتة من السلطة المملوكية ونوابها لمواجهة الزعران، امتد نشاطهم الإجرامي على مساحة واسعة وبين عموم الناس وطبقاتهم، فقد وردت في بعض المصادر إشارات لتكرار حوادث سلب ونهب الحوانيت والقيساريات في دمشق سنة 764هـ/1345م، ما أثَّر سلبا على الأمن في المدينة، كما سرقوا سوق "جقمق" داخل "باب الجابية"، وهاجموا حوانيت النصارى، حيث سرقوا سبعة حوانيت قماش، ثم أغاروا على سوق آخر سنة 890هـ/1485م[14].

يأتي المؤرخ "شمس الدين بن طولون الصالحي" -الذي عاصر نهايات عصر المماليك بالشام- في تاريخه " مفاكهة الخلَّان في حوادث الزمان" بوقائع كارثية، مسلطا الضوء على جرائم هذه الفئة، إذ تقاتل الزُّعران تارة فيما بينهم على النفوذ والأسلاب كما حدث سنة 893هـ/1488م حين تقاتلوا في حارات المزابل بمنطقة الشاغور، وتارة أخرى ألحقوا الأضرار برجالات دمشق وأعيانها، مثل الشيخ "خضر بن علاء الدين المعري" الشاهد بسويقة المصلاة وزميله الشيخ "شهاب الدين بن المحوجب" اللذين تعرضا لهجوم الزعران، إذ روى شهاب الدين: "إنا كُنا ذهبنا إلى الغيضة قُرب الربوة، فبينما أنا وهو إذ ولج علينا مغربيان ورجل أزعر، يقال له ابن النيات من الشاغور، فأرادوا يجرحُونني فهربتُ منهم، ولم أعلم ما فعلوا مع رفيقي خضر المذكور. فذهب أبو خضر، وجماعة أُخر معه إلى الغيضة المذكورة، فوجدوه مقتولا مذبوحا ومضروبا"[15].

حاولت السلطات المملوكية مواجهة هذه "البلطجة" المتنامية بالردع حين أنزلت عقوبة الإعدام بأحد كبارات الزعران، ويحكي ابن طولون أنه في ذي القعدة سنة 895هـ/1490م "أمرَ النائب بضرب عُنق رجل أزعر، يُعرف بابن سويدان، ضبطت عليه أمور منكرة من القتل وغيره"[16].

في مصر، يبدو أن قبضة الحكومة المملوكية كانت أشد منها في الشام، صحيح أن الحرافيش وُجِدوا بكثرة، وشاركوا في الأوضاع السياسية والاجتماعية في عصرهم، لكن ظهورهم وعنفهم كان غالبا في أوقات الفراغ الأمني والأوضاع الاقتصادية المتردية، مثل قلة وجود الحبوب والقمح نتيجة انخفاض النيل أو تأخر الحصاد، مثلما حدث عام 736هـ/1336م[17] حين نهب الحرافيش الدقيق والخبز من بعض مخازن القاهرة بسبب أزمة طارئة، ووقفت السلطات أمام هذا الانفلات دون ردة فعل تُذكر.

بيد أنه في أوقات أخرى وقفت الحكومة المملوكية من هؤلاء الحرافيش موقف حزم وقوة، فكانت المناشير الصادرة تُحذِّر الحرافيش من استغلال الأزمة وإلا أُنزلت بهم عقوبات الصلب أو التسمير على أبواب القاهرة، كما حدث في أزمة سنة 774هـ/1372م، إذ "نُودي فِي القَاهِرَة ومصر بألا يتَصَدَّق أحد على حرفوش، وَأي حرفوش شحذ صُلب"[18].

الحرافيش واللعبة السياسية

رغم الانتفاضات ومظاهر القتل والسلب التي اشتُهر بها الزعران والحرافيش في الشام ومصر، وما يبدو للوهلة الأولى من أنهم مجرد "عصابات" خارجة عن القانون عاشت في الأحياء المهمشة واستغلت ابتعادها عن سلطة المركز وتسلَّحت بالخناجر ومارست التسول والسرقة لسد رمقها، فإن تلك الفئات لم تكن -قط- منفصلة عن الواقع السياسي والعلاقات الداخلية بين المماليك والعامة أو بين المماليك وطبقة العلماء.

لقد أبدى الحرافيش والزعران على الدوام رأيهم فيما يجري على الساحة إما بالقول وإما بالمشاركة العملية الخشنة، ويبدو أن المماليك اعترفوا بوجودهم على أنهم أمر واقع لا فكاك منه ما دام أنهم تقيَّدوا بالقانون وحافظوا على الأمن العام، لا سيما حرافيش مصر الذين صار لهم "شيخ" أو "سلطان" لم تتواصل السلطة المملوكية الممثلة في سلطانها وأمرائها معهم إلا من خلاله.

أتى العلامة "ابن حجر العسقلاني" (852هـ/1448م) في "إنباء الغمر بأبناء العمر" على ترجمة واحد من سلاطين الحرافيش هؤلاء، وهو "علي بن أبي علي الجُعيدي" المتوفى في 16 جمادى الأولى 792هـ/1390م، وقد أشاد به ابن حجر حين قال: "ولم يأتِ بعدَه في فنِّه مثله"[19].

حين قرر السلطان القوي الناصر محمد بن قلاوون سجن "الأمير طشتَمُر"، اشتُهر إحسانه بين العامة ومنهم الحرافيش، فلما عرفوا اجتمعوا أسفل قلعة الجبل في مشهد احتجاجي عارم إلى أن أخرجه.

وكذلك أعطى لنا المؤرخ "جمال الدين بن تغري بردي" (874هـ/1470م) في تاريخه الشهير "النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة" لمحة عن أزمة وقعت في شوال 841هـ/1438م حين نزل السلطان "الأشرف برسباي" (841هـ/1438م) من القلعة إلى بعض متنزهات القاهرة، وأمر أثناء ذلك بتفريق الصدقات على الفقراء والمعوزين، فشاركهم في ذلك دون وجه حق الحرافيش والجُعيدية (طائفة قريبة منهم كان عملها الشحاذة والتسول)، وأخذوا منهم الأموال بالغصْبِ والتقاتل، ما أدى إلى سقوط الموظف المسؤول عن تفريق الصدقات عن فرسه، وقد روى ابن تغري بردي: "فغضبَ السلطان من ذلك، وطلب سلطانَ الحرافيش وشيخ الطوائف وألزمهما بمنع الجعيدية من السؤال في الطرقات وألزمهم بالتكسّب، وأن مَن يشحذ منهم قُبض عليه"[20].

يبدو الاعتراف بـ"سلطان الحرافيش" دليلا واضحا على استيعاب حكومة المماليك لهذه المجموعات ضمن فئات "الطوائف" التي أشرف عليها محتسب أو والي القاهرة آنذاك[21]، لكن ذلك لم يمنع أن يبدي الحرافيشُ رأيهم في سلاطين المماليك وأمرائهم دون خوف أو وجل، وجعلوا أوقات خلافات المماليك فيما بينهم مواسم لعرض قوتهم لمن يستميلهم بالمال والجاه ويُحسِّن من أوضاعهم البائسة، وفي بعض الأحيان كان للجانب الأخلاقي دوره في اعتزازهم بمآثر بعض الأمراء والسلاطين ورجال الحكم في عصرهم.

يبدو هذا واضحا حين قرر السلطان القوي الناصر محمد بن قلاوون (741هـ/1341م) سجن "الأمير طشتَمُر"، وكان من أكثر أمراء المماليك عطفا على الفقراء والأيتام، واشتُهر إحسانه بين العامة ومنهم الحرافيش، فلما عرفوا ما وقع من السلطان الناصر في حق هذا الأمير اجتمعوا أسفل قلعة الجبل في مشهد احتجاجي عارم. وقد شهد ابن بطوطة هذه الحادثة بنفسه حين زار القاهرة قائلا: "وسجنه الملك الناصر مرة فاجتمع من الحرافيش آلاف ووقفوا بأسفل القلعة ونادوا بلسان واحد: يا أعرج النحس (يعنون الملك الناصر)، أَخْرِجْه؛ فأخرجه من محبسه"[22].

حين خرج السلطان "قنصوه الغوري" على رأس جيشه من القاهرة لمواجهة العثمانيين في "مرج دابق"، ضم إليه هؤلاء الحرافيش و"سلطانهم".

لم يخشَ هؤلاء الحرافيش من سلطان يُعد من أعظم سلاطين المماليك وأكثرهم سطوة وقوة حينذاك، وقرروا أن يُهينوه في قلعته وحصنه الأكبر بالسباب والشتائم، مذكِّرين إياه بعرجته التي اشتُهر بها، ولا شك أن هذا الفعل الاحتجاجي الذي أجبر الناصر على إطلاق سراح الأمير طشتمر دليل صريح على انخراط مجموعات الهامش -مثل الحرافيش- في الحياة السياسة في ذلك العصر دفاعا عن حقوقهم التي رأوها على الدوام مسلوبة أو منسيَّة من قبل السلطان وحاشيته.

بل تطور وجود الحرافيش وسلطانهم في معادلة السياسة في زمن الفتنة أو المرحلة الانتقالية بين دولة المماليك البحرية والمماليك البرجية، خاصَّة إبان صراع الأميرين "منطاش الظاهري" حاكم "ملطية" و"يلبُغا الناصري" حاكم "حلب"، مع السلطان "الظاهر برقوق". فقد حلف "سلطان الحرافيش" يمين الولاء للظاهر برقوق قبل السفر إلى الشام لمواجهة كلٍّ من منطاش ويلبغا[23]. وبهذا تطور دور "سلطان الحرافيش" من مجرد شيخ لطائفة هامشية صوفية قوامها فقراء العامة ممن استغلوا الفتن والأزمات للنهب والسلب والتسول، إلى أحد الأعيان الكبار الذين أوكلت إليهم مهمات جوهرية في تلك الفترة.

ثم تطوَّر منصب "سلطان الحرافيش" إلى المشاركة في الحملات العسكرية المملوكية التي انطلقت من القاهرة في ذروة الصراع المملوكي العثماني، وكان لطائفة الحرافيش حينئذ علمها الخاص وتنظيمها شبه العسكري. وحين خرج السلطان "قنصوه الغوري" على رأس جيشه من القاهرة في ربيع الآخر سنة 922هـ/1516م لمواجهة العثمانيين في "مرج دابق"، ضم إليه هؤلاء الحرافيش و"سلطانهم"[24].

هكذا أدى الزعران والحرافيش، أو مجموعات الهامش من أبناء الطبقات الاجتماعية الفقيرة، دورا لافتا في تاريخ العصور الإسلامية الوسيطة اجتماعيا وسياسيا، وعبَّروا عن أزماتهم المعيشية واليومية بأساليب شتى جمعت في أغلبها بين العنف والجريمة المنظمة والخروج عن المألوف، وهي ظاهرة تشبه نظيراتها في عالم اليوم من أوجه عديدة.

________________________________________________

المصادر:

[1] غوستاف لوبون: سيكولوجية الجماهير ص65.

[2] ابن كثير: البداية والنهاية، 13/316.

[3] إبراهيم زعرور: السابق ص144.

[4] ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة (1/214).

[5] مجهول: تاريخ سلاطين المماليك، تحقيق زيترشتين، مطبعة بريل، ليدن 1919م، ص44.

[6] السبكي: معيد النعم ومبيد النقم، ص114.

[7] بدر الدين العيني: عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان 1/153-156.

[8] الذهبي: تاريخ الإسلام 52/480.

[9] أندريه ريمون: فصول من التاريخ الاجتماعي للقاهرة العثمانية ص268.

[10] شاكر مصطفى: الحركات الشعبية وزعماؤها في دمشق، ص174-213.

[11] ابن طولون الصالحي: إعلام الورى بمن ولي نائبا من الأتراك بدمشق الكبرى، ص195-203.

[12] إبراهيم زعرور: السابق ص142.

[13] المقريزي: السلوك ج2، ق2، ص381.

[14] ابن طولون الصالحي: مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، ص70.

[1] ابن طولون: السابق ص145.

[16] ابن طولون: السابق ص95.

[17] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 3/211.

[18] المقريزي: السابق 4/375.

[19] ابن حجر العسقلاني: إنباء الغمر بأبناء العمر، 1/405.

[20] جمال الدين بن تغري بردي: النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة،15/97.

[21] ابن تغري بردي: السابق نفسه.

[22] رحلة ابن بطوطة 1/214.

[23] محمد بن محمد بن صصرى: الدرة المضيئة في الدولة الظاهرية، ص6.

[24] ابن أجا: العراك بين المماليك والعثمانيين الأتراك ص240.

المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة