الإمام محمد عبده.. حين اتَّهم محمد علي باشا بتدمير مصر

كانت ولا تزال شخصية والي مصر محمد علي باشا (1805-1848م) واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والخلاف في تاريخ مصر الحديث، بين مَن يراه باني مصر الحديثة، ومؤسِّس نهضتها، ومنشئ جيشها، وباعث حضارتها بعد عقود وقرون من التخلف والتأخر الحضاري، ومنهم مَن يراه سبب البلوى التي عاشتها مصر طيلة قرنين بما يشمل الاستبداد السياسي وحرمان الأمة من المشاركة في تحديد توجُّهاتها وكتابة مصيرها بنفسها.

 

وحتى بين الأكاديميين أنفسهم نجد هذا الاختلاف في الحكم على شخصية محمد علي، فبينما يراه وطنيون موالون للدولة العلوية التي أنشأها، مثل عبد الرحمن الرافعي وصبري السوربوني وعمر طوسون وغيرهم، رجلا لم تعرف البلاد مثله منذ قرون أزاح عنها علل التخلف الحضاري والعسكري والتصارع بين طبقات المماليك التي قضى عليها، يراه آخرون قد صنع كل هذه الإصلاحات الزراعية والصناعية والعسكرية لأجل مصالحه الشخصية فقط، إذ لم يكن المصريون في نظره إلا مجرد أدوات لتحقيق طموحاته، ولعل من آخر الدراسات وأهمها التي سلَّطت الضوء على هذه الزاوية كتاب "كل رجال الباشا" للدكتور خالد فهمي.

كتاب كل رجال الباشا

كان محمد علي قائد الفرقة الألبانية التي أرسلها السلطان العثماني إلى مصر ضمن الحملة العثمانية-الإنجليزية لمواجهة الاحتلال الفرنسي مطلع القرن التاسع عشر، وكان أحد الدُّهاة العسكريين والسياسيين الذين استغلوا صراعات المماليك الداخلية، ثم صراعات المماليك وولاة العثمانيين، ثم صراعات أصحاب المناصب العالية من العلماء والشرفاء، حتى ارتقى إلى ولاية مصر على الرغم من رفض السلطان العثماني سليم الثالث لهذا القرار الذي قبله في النهاية مضطرا بسبب إرادة المصريين وإصرارهم حينئذ.

 

وقد سردنا في تقريرنا السابق بعنوان "الباشا والرعية" تفاصيل تثبيت محمد علي لسلطته عبر الهدوء والأناة تارة، وعبر القوة والحزم تارة أخرى، حتى بلغ منصب الوالي متظاهرا بأنه قد قبله مضطرا إذعانا لإرادة المصريين وشرعيتهم، وذلك عام 1805م، وهو التاريخ الذي يبدأ فيه حكم محمد علي الذي كان -ولا يزال- مثار جدل ونقاش.

 

وكان من جملة مَن أدلوا بدلوهم في سيرة محمد علي وولايته على مصر، وآثارها الاجتماعية والسياسية وحتى النفسية على المصريين، العلامة الإمام الشيخ محمد عبده (1849-1905م) الإصلاحي الشهير، ومفتي الديار المصرية في أوائل القرن العشرين. وقد وُلد الإمام محمد عبده في السنة ذاتها التي توفي فيها محمد علي باشا، وعاش حتى توفي في الذكرى المئوية الأولى لتولي محمد علي حكم مصر، فهو إذن شديد الاقتراب من عصر محمد علي، معاصر للآثار الاجتماعية والسياسية والفكرية والنفسية التي نتجت عن حكمه لمصر والمصريين. فمَن هو الإمام محمد عبده؟ ولماذا رأى عصر محمد علي وحكمه كارثة كبرى حلَّت بمصر والمصريين؟

 

من الأزهر إلى الثورة

الشيخ محمد عبده
الشيخ محمد عبده

وُلد الشيخ "محمد عبده حسن خير الله" في قرية "محلة نصر" بمركز "شبراخيت" بمحافظة البحيرة شمال غرب مصر عام 1849م لأسرة تعتزّ بكثرة رجالها ومقاومتهم ظلم الحكام. وقد حكى محمد عبده عن هذا الأمر قائلا إن واشيا بأهله سعى "عند الحكام بحجة أنهم ممَّن يحمل السلاح فأُخذوا جميعا، وزُجّوا في السجون واحدا بعد واحد، ومن دخل منهم السجن لم يخرج إلا ميتا". وقد علَّمته هذه النشأة الاعتزاز بالمجد والأصالة، ولمس فيه أستاذه "جمال الدين الأفغاني" هذا الخلق والاعتزاز، فقال له: "قل لي بالله، أي أبناء الملوك أنت؟!"، وقال عنه الخديوي عباس: "إنه يدخل عليّ كأنه فرعون"[1].

 

ارتقى محمد عبده في مراحل تعليمه من حفظ القرآن الكريم في كُتّاب قريته إلى تلقي دروسه في الجامع الأحمدي بطنطا، ثم بعد فترة انقطاع بسبب صعوبة منهج التعليم وتقليديته، عاد إلى المسجد الأحمدي، ثم انتقل إلى الجامع الأزهر عام 1865م ليدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والبلاغة وغيرها، وقد ظلَّ يدرس في الأزهر اثني عشر عاما حتى نال شهادة العالمية عام 1877م. ولما كان محمد عبده منذ فترة دراسته في الجامع الأحمدي يبحث عن طرق جديدة في التدريس وفهم العلوم، اتجه إلى مدرسة دار العلوم التي فُتحت حديثا حينئذ، فدرَّس فيها مقدمة ابن خلدون وغيرها[2]، وشرع بجوار التدريس يكتب في الجرائد عن المشكلات والأسئلة الكبرى التي واجهت مصر والمصريين آنذاك.

 

تناولت تلك الأسئلة مسائل الإصلاح السياسي والفكري في مصر، وكان محمد عبده من المشغولين بقضية إصلاح التعليم والتربية لأنها السبيل الأهم للتغيير ولنشر الوعي بين المصريين في نظره، وزاد من اهتمامه بهذه المسائل قدوم جمال الدين الأفغاني إلى مصر عام 1871م، فكان محمد عبده من أقرب الناس إليه، وأكثرهم حماسة لأفكاره الإصلاحية. وقد تزامن ذلك مع وقوع البلاد في عصر الخديو إسماعيل تحت سطوة الدائنين وتابعيهم، وتغلغل النفوذ الأجنبي في البلاد من خلال المحاكم المختلطة، ثم ارتهان قناة السويس ومقدرات البلاد إلى البريطانيين والفرنسيين. وفي ذلك الوقت أيضا، واجهت الحكومة والجيش عجزا في المالية العامة للدولة التي تحكَّم فيها البريطانيون، ولهذا السبب انتفض الجيش بقيادة أحمد عرابي باشا ضد سياسة إسماعيل ثم ابنه الخديوي توفيق.

جمال الدين الأفغاني
جمال الدين الأفغاني

وعندما اشتعلت الثورة العرابية بمراحلها المختلفة بين عامَيْ 1879-1882، التفَّ حولها كثير من الوطنيين والأعيان وعلماء الأزهر مع جموع الشعب وطوائفه المختلفة، فامتزجت مطالبهم بمطالب جنود الجيش، وانطلقت الصحف تُشعل لهيب الثورة وتُثير الجموع. ورغم أن محمد عبده لم يتحمَّس للتغيير الثوري السريع، فإنه انضم إلى المؤيدين للثورة العرابية، وأصبح واحدا من قادتها وزعمائها، فأُلقي القبض عليه بعد فشلها، وأودع السجن ثلاثة أشهر، ثم حُكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات. إثر ذلك، انتقل محمد عبده إلى بيروت سنة 1883؛ حيث أقام بها نحو عام، ثم ما لبث أن دعاه أستاذه الأفغاني للسفر إليه في منفاه بباريس، فاستجاب محمد عبده ومن ثمَّ اشتركا معا في إصدار مجلة "العروة الوثقى" التي صدرت من غرفة صغيرة متواضعة فوق سطح أحد منازل باريس، إذ تحوَّلت الغرفة إلى مقر للتحرير وملتقى للأتباع والمؤيدين[3].

 

أزعجت تلك المجلة الإنجليز، وأثارت مخاوفهم، كما أثارت هواجس الفرنسيين، وكان محمد عبده وأستاذه وعدد قليل من معاونيهم يحملون عبء تحرير المجلة وتمهيد السبل لها للوصول إلى أرجاء العالم الإسلامي، وكانت مقالات الشيخ تتسم في هذه الفترة بالقوة وحوت دعوات إلى مناهضة الاحتلال. ولكن في النهاية، استطاع الإنجليز إخماد صوت "العروة الوثقى" الذي قضَّ مضاجعهم وأقلق مسامعهم، فاحتجبت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر، وعاد محمد عبده إلى بيروت مجددا عام 1885 بعد أن تهاوى كل شيء، فقد فشلت الثورة العرابية، وأُغلقت جريدة "العروة الوثقى"، وابتعد عن أستاذه الذي رحل بدوره إلى "فارس" (إيران). وفي عام 1889، وبعد وساطات عدة، استطاع محمد عبده الرجوع إلى مصر، مُعلنا التهادن مع الإنجليز، فعُيِّن قاضيا ثم مفتيا للديار المصرية[4].

 

الإصلاح الهادئ مقابل الثورة

عاش محمد عبده آثار دولة محمد علي وأحفاده، ورأى تطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية على الشعب المصري في ظل حكم هذه الأسرة، لكنه كان إصلاحيا من النوع الهادئ الذي رأى التعليم والتربية ونشر الوعي الفكري والأخلاقي في عموم القُطر المصري سبيلا للإصلاح حتى تأتي اللحظة المناسبة التي سيُجبِر فيها وعيُ الناس الحكومةَ على الإصلاح والحرية السياسية. وقد عبَّر بوضوح عن هذه الرغبة في أثناء نقاشاته مع أحمد عرابي قُبيل إعلان الثورة العرابية المسلحة على الخديو توفيق.

الثورة العرابية

يقول محمد عبده عن هذا اللقاء مقارنا بين رأي عرابي الثوري ورأيه الإصلاحي: "وجدتُ عرابي وجمعا غفيرا من الضباط يقولون إن الوقت قد حان للتخلُّص من الاستبداد وتقرير حكومة شورية. والكاتب (أي محمد عبده) يقول: علينا أن نهتم الآن بالتربية والتعليم بعض سنين، وأن نحمل الحكومة على العدل بما تستطيع، وأن نبدأ بترغيبها في استشارة الأهالي في بعض مجالس خاصة بالمديريات والمحافظات، ويكون ذلك كله تمهيدا لما يُراد من تقييد الحكومة، وليس من المصلحة أن نُفاجئ البلاد بأمر قبل أن تستعد له، فيكون مثل تسليم المال للناشئ قبل بلوغ سن الرشد"[5].

 

كان رفض محمد عبده للتلويح بالقوة العسكرية المسلحة ضد الخديو توفيق بهدف الإصلاح يرجع لاعتقاده أن ذلك التوجُّه كان خاطئا وخطيرا في الوقت نفسه، لأنه بحسب رأيه "لو تم للجند ما يسعون إليه، ونالت البلاد مجلس شورى، لكان بناء على أساس غير شرعي، فلا يلبث أن ينهدم ويزول، وأرى أن هذا الشغب قد يجر إلى البلاد احتلالا أجنبيا يستدعي تسجيل اللعنة بسببه إلى يوم القيامة"[6]. وعلى الرغم من هذه التحذيرات التي أطلقها محمد عبده لعرابي ورفاقه، التي صدقت بعد نجاح الاحتلال البريطاني في فرض إرادته وهزيمة عرابي ورفاقه ونفيهم، فإنه ما إن اشتعلت الثورة العرابية إلا ووجد محمد عبده أن لزاما عليه أن ينضم إليها، فصار من جملة رجالاتها الكبار، ومن ثمَّ ذاق النفي لسنوات جراء ذلك.

 

محمد عبده ينتقد الطاغية

على أي حال، فإن محمد عبده وإن رأى قلة تخطيط وعجلة في الثورة العرابية، وتنبأ بخطورة آثارها على البلاد عند فشلها، فإنه رأى أن تحرُّك المصريين للثورة، بل والاحتلال البريطاني نفسه فيما بعد، كانا بسبب ما ارتكبه محمد علي في مسيرة حكمه التي امتدت لأكثر من أربعين سنة، ثمَّ ما ارتكبه أحفاده من بعده. ولعل ذلك راجع إلى أن محمد علي كان رجلا عسكريا انقلب على مَن ساعدوه، بل وانقلب على الأفكار العامة التي تربَّى عليها المصريون من قبله، في حين رأى محمد عبده "ضرورة المحافظة على مدنية السلطة ودستوريتها، وناهض صبغها بالصبغة العسكرية، كما ناهض صبغها بالصبغة الدينية -رغم أنه قبل بصورة مؤقتة دور الحزب الجهادي العسكري (الحركة العرابية) في العمل السياسي- وقد تحدَّث عن ذلك في البرنامج الذي صاغه للحزب الوطني في 18 ديسمبر/كانون الأول 1881 بوصفه ضرورة لحماية المجلس النيابي والوضع الدستوري من الإلغاء"[7].

محمد علي
محمد علي

هذا التكوين الفكري والديني، وهذه التجربة السياسية التي عاشها وعايشها محمد عبده منذ عام 1871 حين التقى بشيخه جمال الدين الأفغاني مرورا بإرهاصات الثورة العرابية وما تلاها من الاحتلال وحتى عودته إلى مصر سنة 1889، جعله يُبدي رأيه في محمد علي باشا وإرثه بهدوء وروية عام 1902، قبل ثلاث سنوات فقط على وفاته.

 

في ذلك الوقت، تناولت مجموعة من الصحف الحديث عن شخصية محمد علي ومآثره في البلاد، ولم يكن يُعرف على وجه التحديد الأسباب التي دفعت كُتَّاب هذه الصحف لتناول محمد علي وعصره، لكن "محمد عبده" استغل الفرصة، وتحت اسم مستعار هو "مؤرخ"، شرَّح الإمام في مقاله المنشور في مجلة "المنار" عام 1902 طبيعة النظام السياسي المصري قبل مجيء محمد علي واعتلائه لعرش مصر. صحيح أن هذا النظام كان فيه من المظالم كثير، لا سيما استغلال المزارعين والفلاحين وعموم المصريين، وتقسيم الأرض إقطاعا أو "التزاما" بين الأمراء المماليك، فإن محمد عبده رأى أن تصارع المماليك على النفوذ والسيطرة قد اضطرهم إلى استرضاء الشعب المصري ليُقوي كلٌّ منهم نفوذ فريقه على حساب الآخر، فظهر في مصر نظام سياسي غير استبدادي في جوهره.

 

كتب محمد عبده في هذا الصدد قائلا إن استعانة الأمراء بالمصريين قد اضطرهم إلى "أن يُخفِّفوا من ظلمهم، وأن يتخذوا لهم من الأهلين أنصارا يضبطونهم عند قيام الحرب بينهم وبين خصومهم. أحسَّ الأهلون بحاجة الأمراء إليهم فزادوا في الدالة على الأمراء، واضطروهم إلى قبول مطالبهم، فعظُمت قوة الإرادة عند أولئك الذين كانوا عبيدا بمقتضى الحكومة، وانتهى بهم الأمر أن قيّدوا الأمراء والملوك معا، ولم يكن ذلك في يوم أو عام ولكنه كان في عدة قرون"[8].

 

وهكذا نشأ ما يعرفه محمد عبده بطبقة "الأشراف" من كبار بيوت الفلاحين والأعراب في طول مصر وعرضها، وهي "طبقة وسطى" ظلَّت راسخة طيلة قرون قبل مجيء نابليون سنة 1798، وحتى الأشهر الأولى لاعتلاء محمد علي الحكم سنة 1805. وكان لهذه "الدالَّة" أو المكانة الاجتماعية والسياسية لكبار العائلات والقبائل دورها في تشكيل طبقة عُلمائية عبَّرت هي الأخرى عن ضمير المصريين ومطالبهم المشروعة من أمثال الشيخ عمر مكرم وشيوخ الأزهر، وهي طبقة أدرك محمد علي أهميتها في بداية حكمه، وارتقى على أكتافها لحكم البلاد.

محمد علي

أدرك المصريون أهميتهم وقوتهم، ورأوا عجز المماليك عن مقاومة الفرنسيين، و"لم تكن إلا أيام قلائل حتى أخذت القوى الحيوية الكامنة في البلاد تظهر، فكثرت الفتن، ولم تنقطع الحروب والمناوشات، يدلُّك على ذلك شكوى نابليون نفسه في تقاريره التي كان يرسلها إلى حكومة الجمهورية من اصطياد العربان لعساكره من كل طريق، وسلبهم أرواحهم بكل سبيل، واضطر نابليون أن يسير في حكومة البلاد بمشورة أهلها، وانتخب من أعيانها مَن يُشركه في الرأي لتدبيرها"[9].

 

من وجهة نظر محمد عبده، كان من الطبيعي والضروري بعد طرد الاحتلال الفرنسي من مصر سنة 1801 أن تتجمع "الأحزاب" المصرية، أي زعماء الطبقات الاجتماعية في البلاد، وتنتخب حكومة تسير شؤون المصريين، وتُصحِّح أوضاعهم، وتتلافى الأخطاء السياسية التي وقعت فيها البلاد سابقا، ولكن مجيء محمد علي قلب المعادلة، ودمَّر القوة التي أنشأها المصريون لأنفسهم على مدار قرون. وقد تساءل محمد عبده: "ما الذي صنع محمد علي؟ لم يستطع أن يُحيي ولكن استطاع أن يُميت، كان معظم قوة الجيش معه، وكان صاحب حيلة بمقتضى الفطرة، فأخذ يستعين بالجيش وبمَن يستميله من الأحزاب على إعدام كل رأس من خصومه، ثم يعود بقوة الجيش وبحزب آخر على مَن كان معه أولا فيمحقه، وهكذا حتى إذا سُحقت الأحزاب القوية، وجَّه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة، فلم يدع منها رأسا يستتر فيه ضمير أنا"[10].

 

وهكذا بدأ محمد علي يقضي على الأحزاب العسكرية والسياسية بضرب بعضها بعضا، ثم شرع يتخلَّص من الزعماء المحليين في القرى والأرياف والقبائل، ثم بدأ في سلب عامة المصريين أهم عناصر قوتهم وحمايتهم في بيوتهم ومناطقهم، وقال محمد عبده في وصف ذلك: "واتخذ (محمد علي) من المحافظة على الأمن سبيلا لجمع السلاح من الأهلين، وتكرَّر ذلك منه مرارا، حتى فسد بأس الأهالي، وزالت ملكة الشجاعة منهم، وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة في أنفس بعض أفرادها، فلم يُبقِ في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه، أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان فهلك فيه"[11].

محمد علي

لم تقتصر إستراتيجية محمد علي لإضعاف وتفكيك البنية الاجتماعية والسياسية القوية في البلاد على سلب عوامل قوتها العسكرية فقط، بل قرَّر أن يرفع شأن الأراذل والأسافل الذين استمدوا قوتهم من سلطته على حساب القوى الاجتماعية الأصيلة في البلاد، فقضوا على مقومات المصريين الأخرى وعلى رأسها القوة الاقتصادية والمالية، حتى "ساد اللئام، ولم يبقَ في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال، فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفس، ليُصير البلاد المصرية جميعها إقطاعا له واحدا ولأولاده، على أثر إقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدّة"[12].

 

هكذا أدرك الشيخ محمد عبده جوهر النظام الاستبدادي واختلافه عن الأنظمة التعددية حتى وإن كانت فاسدة، حيث سمح تفتُّت السلطة وتنازعها بين الأمراء المماليك قبل زمن محمد علي بارتقاء الطبقات الاجتماعية المصرية وزيادة إسهام المصريين الفعلي في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى العسكرية مُرجِّحين كفة فريق من المتصارعين على آخر، فصنع عموم المصريين لأنفسهم بذلك مكانة وقوة، لكن جاء محمد علي وسحق فكرة تعدُّد السلطة، وجعلها استبدادية خالصة في يده.

 

يبدو أن محمد عبده أراد أن يردَّ على المادحين لمحمد علي ومنجزاته الحضارية في مصر من تأسيس الجيش والأسطول والصناعة وتنظيم الري والزراعة وحتى البعثات والطباعة والصحف، مؤكِّدا أن هذه المنجزات كانت كلها موجَّهة لخدمة الوالي، ومتسائلا في الوقت نفسه: "هل كان المصريون يحرصون على الانضمام إلى الجيش في عصره أم يهربون منه؟ وهل أُتيحت الكتب والمطبوعات لعامة المصريين أم تُركت في المخازن وأُغلقت عليها الأبواب حتى أواخر عهد حفيده إسماعيل وما ترجمت وطبعت إلا برغبة من بعض الأوروبيين الذين أرادوا نشر آدابهم في البلاد؟ وهل نشر المصريون الصناعة التي اشتغلوا بها في مصانع الوالي أم استغلوا أي ثغرة للهروب من السخرة والإهانة؟"[13].

 

هكذا وضع محمد عبده يده على الأسباب الحقيقية التي أدَّت إلى سحق الشخصية المصرية، ليس في عصر محمد علي باشا فحسب، بل وفي العصور التي تلته، فبينما شارك المصريون في الحياة العامة في عصر المماليك استغلالا للتنافس الحزبي والعسكري بينهم، جاء محمد علي فقضى على المماليك ثم قضى على القوة الذاتية للمصريين، ما سبَّب خرابا وارتهانا للمحتلين طيلة عقود كما يرى الإمام محمد عبده، الذي يصف حال مصر آنذاك قائلا: "دخل الإنجليز مصر بأسهل ما يدخل به دامر على قوم، ثم استقروا ولم توجد نخوة في رأس تُثبتُ لهم أن في البلاد مَن يُحامي عن استقلالها، وهو ضد ما رأيناه عند دخول الفرنسيين إلى مصر، وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى والموت الأخير"[14].

——————————————————————————————-

المصادر

  1. محمد عمارة: الإمام محمد عبده ص25.
  2. السابق.
  3. سمير حلبي: محمد عبده رائد الإصلاح في العصر الحديث، إسلام أون لاين.
  4. السابق.
  5. مذكرات الإمام محمد عبده ص123، 124.
  6. السابق ص124.
  7. محمد عمارة: السابق ص194.
  8. محمد عبده: آثار محمد علي في مصر، مجلة المنار، عدد يونية سنة 1902م.
  9. السابق.
  10. الأعمال الكاملة لمحمد عبده 1/853، 854.
  11. السابق 1/854.
  12. السابق.
  13. السابق.
  14. السابق 1/856.
المصدر : الجزيرة