الأمة في مواجهة السلاطين والعساكر.. لماذا فشل العرب في الإصلاح والتقدُّم؟

"إن سبب المحنة العربية هو الدولة نفسها"

(برهان غليون)

في نهاية التسعينيات، بدا أن العالم وجد ضالته بالتزامن مع متابعة الجميع للثورات الملوَّنة في وسط وشرق أوروبا ضد الشيوعية، وما أعقبها من انهيار الاتحاد السوفييتي، وقد تابع العالم ما جرى بتفاؤل، إذ أكملت تلك الثورات الملوَّنة ما عُرِف وقتها بالموجة الديمقراطية الثالثة. بدا أمامنا ما يشبه حالة إجماع على نجاعة نظام الديمقراطية الليبرالية والتمثيل النيابي، بوصفه أقل النماذج السيئة سوءا -بتعبير رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل- لإقامة نظام سياسي ناجح في أي بلد.

بيد أنه ظهر تساؤل مهم آنذاك: لماذا لا يحدث تحول ديمقراطي مُماثل في المنطقة العربية؟ وقد تشكَّل رأي عالمي استشراقي عن ما بات يسمَّى بالاستثناء العربي، أي استعصاء المنطقة العربية على الديمقراطية والمواطنة والحداثة السياسية لأسباب عُدَّت في معظمها ثقافية منسوبة إلى التاريخ والدين الإسلامي، أو أنثروبولوجية منسوبة إلى القبلية والطائفية والعلاقات الأبوية التقليدية، فلا يوجد فرد عربي مستقل -بحسب تلك المقولة- كي يخرج مطالبا بحقوقه السياسية على غرار نظيره الأوروبي؛ لأن أي فرد عربي في الحقيقة عضو في عشيرة أو طائفة أو أسرة كبيرة، ومن ثَم عضو في منظومة علاقات أبوية سلطوية لا يعرِّف نفسه خارجها أبدا.

من قلب هذا الجدل العالمي، خرج كتاب "برهان غليون"، عالم الاجتماع السوري والأكاديمي بجامعة السُّوربون الفرنسية، بعنوان "المحنة العربية: الدولة ضد الأمة". وظَّف برهان غليون كل ملكاته النظرية والتحليلية لتوضيح جذور الاستثنائية العربية، المأساوية والملحمية معا، دون الخضوع لمقولات الاستشراق التي حاولت أن تصوِّر المأساة العربية بأنها حتمية ثقافيا وأنثروبولوجيا. وقد أوضح غليون أن الشعوب العربية المُسْلمة موجودة وتتطلَّع إلى التحرر والانعتاق والكرامة، مثلها مثل غيرها من الشعوب في أي مكان بالعالم، بيد أنها واقعة في أسر المنظومة السياسية القائمة وعلى رأسها الدولة العربية، وليس في أسر ثقافتها.

كتاب "المحنة العربية: الدولة ضد الأمة".

الدولة ضد الأمة

"غاية الشعوب العربية ليست مواجهة الحداثة والتصدي للتقدم، وإنما الاحتجاج على قصور هذا التقدم وبطئه، وما يرتبط بهذا الانسداد أو الاختناق من قلق على المصير وخوف من المستقبل المجهول"

(برهان غليون)

تكمن فكرة غليون الأساسية في أن تاريخ الشعوب العربية الحديث هو تاريخ من السعي إلى استيعاب الحداثة والاندراج الإيجابي في العالم الحديث. وفي سبيل ذلك، "تبقى مساعي الشعوب ووسائلها، سواء أطلقنا عليها اسم الإصلاح أو التغيير أو الثورة الوطنية أو عملية التحديث، بلا حدود، فهي مستعدة لتكرار الجهد وإعادة التجربة إلى ما لا نهاية" على حد قوله. ويرى غليون أن رد الأزمة السياسية التاريخية للثقافة والإسلام لا يفسر شيئا، ويظلم مجتمعات المشرق العربي التي أشعلت كل انتفاضاتها وثوراتها ضد القوى الاستعمارية والمحلية طيلة عقود في سبيل هذا الهدف: استيعاب الحداثة والمشاركة الفعَّالة في تشكيل الحقيقة الإنسانية المعاصرة. أين المشكلة إذن؟ لقد وجدها غليون في مكان آخر تماما.

يرى غليون أن النظريات الماركسية التي تحاول تفسير الأزمة بالتركيز على مسائل مثل علاقات التبعية وسيطرة القوى الإمبريالية ونمط الإنتاج الريعي (البترولي)، أكثر قربا من الواقع، لكنها ركزت على بُعد واحد من الأزمة هو البُعد الاقتصادي، ومن ثَم "تجاوزت إشكالية الدولة نفسها وحذفتها من الوجود، حتى لا يبقى في الصورة إلا المجتمع التابع الخاضع مباشرة لتأثيرات السوق العالمية أو الهيمنة الأجنبية". علاوة على ذلك، لا تساعدنا الليبرالية أيضا في فهم مُعضلة المشرق؛ لأنها "تتجاهل العوامل والقوى الاجتماعية الحية الكامنة وراء كل سُلطة… وتُفرِّغ السُّلطة من حقيقتها الاجتماعية… وتختزل السياسة في اللعبة التقنية والإستراتيجيات الانتخابية"، فتصبح الدولة نظيرا للمؤسسات الرسمية لا منظومة سياسية تعبر عن قوى داخل المجتمع.

عبر تلك الرحلة النقدية الطويلة، استطاع غليون أن يصل إلى مقاربة نظرية جديدة، إذ حاول بلورة "مفهوم يدمج بين الدولة.. كبنية عقلانية وبيروقراطية وقانونية.. وفي الوقت نفسه، الدولة كتجسيد لمشاريع قوى اجتماعية حية لها تصوراتها عن ذاتها ومصالحها.. وبرامجها وأهدافها". من هذه النظرة، أنتج غليون مفهوم "الدولة التحديثية" كمفهوم نظري لفهم جذور الأزمة الراهنة التي نحياها اليوم نحن العرب. إن هذا النمط من الدولة كما يذهب غليون هو المسؤول الأول عن تاريخنا المرير. فما هي الدولة التحديثية؟ وما علاقتها بما وصلنا إليه؟

تحديث بلا حداثة.. كيف بدأت المشكلة؟

"ينبغي فهم الآلية التي تبرز من خلالها الدولة التي أطلقنا عليها اسم الدولة التحديثية كمثال للقدرة على التدخل التاريخي الفاعل.. إنها التجسيد البسيط والمطلق لأمل التقدم الحضاري، وتأخذ على عاتقها مهام تحقيقه. ومن مفهومها ذاته، تنبع جميع التناقضات"

(برهان غليون)

الدولة التحديثية هي تعبير عن الحاجة للإنجاز والتقدم، فهي إجمالا أداة طوَّرتها النخب السياسية العربية في مرحلة تاريخية لتحقيق الحداثة في الواقع العربي والإسلامي، أي أنها أداة لاستدراك التأخر التاريخي ونقل المجتمعات العربية من مرحلة تاريخية إلى أخرى أكثر تقدما. ولذا فهي ليست دولة حديثة بالمعنى الحقيقي للكلمة، فهي ليست دولة تستمد شرعيتها من استيعابها للمجتمع الذي تحكمه داخل مؤسساتها وتجسيد تنوعه ومصالحه مثل الدول الحديثة في الغرب وشرق آسيا.

الدولة الحديثة إذن امتداد للمجتمع، تحكمه ويحكمها، تسمح للمجتمع أن يتدخل في تكوينها بقدر ما تتدخل هي فيه، وذلك على نقيض الدولة التحديثية، التي تعبِّر عن عجز المجتمعات العربية عن اللحاق بالحداثة، فهي دولة تقف على مسافة من المجتمع، وتتحلَّل من أي توازنات داخله، وتتصرف إزاءه باستبداد مُطلق بغرض إصلاحه وتنظيمه وفقا لمشروعها الخاص دون تدخُّل منه.

لقد تشكلت تلك الدولة مع تهديد القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر، ومع الصراع الجيوسياسي العالمي الذي اندلع بين السلطنة العثمانية ودول أوروبا، ولذا لم يكن الغرض الرئيسي منها مجرد مراكمة السلطة والسيطرة كما يتبادر إلى الذهن، بل كان هدفها اللحاق بالتاريخ العالمي الذي اكتشف المسلمون تأخرهم عنه آنذاك. وتقوم "هذه الدولة في الأساس على مبدأ تفويض جماعي افتراضي غير معلن وغير مكتوب"، وتتصرَّف وكأنها تملك حقا إلهيا لإنقاذ المجتمع، وليس خدمته أو تمثيله. فالمجتمع في الدولة الحديثة موضوع للتمثيل السياسي، أما المجتمع في الدولة التحديثية فموضوع للإصلاح والتغيير، ومن ثَم ترتكز الدولة التحديثية إلى السيطرة على مجتمعها لا تمثيله.

للتوضيح، يصحبنا غليون في رحلة عبر التاريخ إلى بدايات التحديث في المشرق العربي والإسلامي، بدءا من السلطانين العثمانيَّين سليم الثالث ومحمود الثاني، إذ أسَّس الأخير النظام الجديد (نواة الجيش التركي الحديث)، ثم السُّلطان عبد المجيد الأول، الذي أصدر ما عُرف بـ"التنظيمات"، وصولا إلى إعلان الدستور عام 1876 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. وقد مثلت تلك التحديثات النموذج الذي اقتدى به عدد من النخب السياسية في الولايات العثمانية، حيث أعلن "خير الدين" في تونس إصلاحات قانونية حديثة أسماها "عهد الأمان"، وطُبِّق النموذج نفسه في سوريا والعراق تحت ولاية حكمت باشا وسليمان باشا، اللذين تحمَّسا للثورة الفرنسية وأفكارها. وستصل تلك الموجة إلى أوجها في مصر تحت حكم الوالي محمد علي، إذ تجاوزت إنجازاتها ما حصل في إسطنبول نفسها، عاصمة العالم الإسلامي الأهم آنذاك.

السلطان عبد الحميد الثاني

مَثّل كل هؤلاء الجيل الأول من الطليعة التحديثية في العالم العربي، ونجح محمد علي في تحقيق نموذج الدولة التحديثية الذي سعى إليه هذا الجيل، فجعل مصر دولة حديثة بالمعنى التقني للكلمة، واستطاع في غضون عقدين فحسب من حكمه تكوين أجهزة وتقنيات حكم وإدارة وتنظيم مركزية حققت لأول مرة في التاريخ الإسلامي سيطرة سياسية مطلقة وشاملة للسلطة على المُجتمع. بيد أن غليون يستدرك موضحا أن أزمة المشرق العربي بدأت تحديدا عند هذه اللحظة بعد عقدين بالضبط من حكم محمد علي لمصر.

ففي حين ارتبط ابتداع تلك التقنيات الإدارية في الدول الحديثة في الغرب بتبني أنظمة قانونية وقضائية ذات قواعد واضحة وثابتة، وارتبط كذلك بنشر الروح الوطنية التمثيلية للدولة، أي أن الأفراد الذين أُدمِجوا داخل التقنيات التنظيمية والإدارية الجديدة متساوون تحت قانون واحد ضمن جماعة وطنية، ولهم حقوق سياسية في الإشراف والرقابة على الدولة وحكامها، فإن الوضع في التجربة التحديثية الإسلامية كان على النقيض تماما.

تبنَّى محمد علي وجيله من التحديثيين جهاز سيطرة وتحكم قويا، ولكن ليس بغرض تمثيل مجتمعاتهم التي أحكموا السيطرة عليها، "فلم تكن الغاية الوطنية الحديثة.. هي الدافع إلى مثل هذا التحديث البيروقراطي في إسطنبول والقاهرة.. إن العكس هو الصحيح. لقد كان الخوف من انهيار الدولة (التقليدية) وما تتضمنه من مصالح ورغبات خاصة، هو الذي دفع السلطان والوالي إلى تبني سُبل الإصلاح التنظيمي الحداثية، وتكييف أنظمة الحكم والإدارة المستمدة من الثورات الأوروبية الحديثة في خدمة مشاريعهم السُّلطانية التقليدية.. أي ضمان وحدة الإمبراطورية وتعزيز سيطرتهم على الأراضي الخاضعة لهم والحفاظ على نمط حكمهم العائلي.. وهذا يعني أنه كان لا بد للسلاطين عند أخذهم بها من تجريدها من مضمونها ووضع النظم الجديدة في خدمة الغاية السُّلطانية". التحديث التقني والمادي دون التمثيل المجتمعي والسياسي كان إذن العنوان الرئيسي لتلك التجربة التحديثية الأولى التي خدمت بنى السُّلطة أكثر مما خدمت شعوب المنطقة.

هنا تحديدا يضع غليون يده على جذور الاستبداد العربي الحديث الذي ما زلنا نحيا تحت أغلاله: "كان لهذا التحديث التقني في العديد من الميادين آثار سلبية، فقد كانت نتيجته الرئيسية تشديد قبضة السُّلطة المركزية.. هكذا كان التحديث وسيلة انتقال من الاستبداد الشرقي التقليدي ذي السُّلطة الهامشية، نحو نظام الاستبداد الحديث، أي الديكتاتورية". لم تساعد الموجة التحديثية إذن على بناء دولة وطنية حديثة، بل ساهمت بالعكس في قطع الطريق أمام تكوُّنها الحداثي الطبيعي رغم ما استجلبته من "تحديث" إداري وتقني.

فشل التحديث وبقاء الاستبداد

طمح محمد علي إلى توسيع رقعة حكمه وتنصيب نفسه سلطانا للمسلمين، وهو طموح جامح أفضى إلى تشكيل تحالف من القوى الغربية لتصفية مشروعه.

استمرت الإصلاحات التحديثية في عهد محمد علي في توسيع البيروقراطية ودمج السكان داخل النظام الإداري وبناء الجيش، وقد سبق الوالي في كل هذا سلاطين إسطنبول وولاة الشام والعراق، بل ودفعت توسعاته العسكرية في الشام والأناضول بنفسها عملية التحديث السُّلطوي في سوريا خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر دفعة كبيرة. غير أن النجاح الذي حققه مشروعه تحول إلى فخ له، إذ طمح محمد علي إلى توسيع رقعة حكمه وتنصيب نفسه سلطانا للمسلمين بديلا عن السلطان العُثماني، وهو طموح جامح أفضى إلى تشكيل تحالف من القوى الغربية لتصفية مشروعه. وسرعان ما بدأت حملة استعمارية على المنطقة كلها مع الانهيار التدريجي للسلطنة العثمانية، أصبحت العنوان الأبرز للقرن التاسع عشر كله.

تحوَّلت تلك المغامرات الكبرى إذن إلى ملحمة تعيسة جعلت المنطقة كلها رهينة للدول الاستعمارية لفترة طويلة تلت. بيد أن تجربة التحديث والعسكرة العربية المُجهَضة لن تموت دون أن تترك أثرا؛ "لقد خلفت وراءها راسبا مهما سوف يستمر بتثوير الشعوب في المشرق العربي والتحكم بها في الوقت نفسه، هو المؤسسات السُّلطوية التحديثية" التي أسسها التحديثيون الأوائل، وستصير عبئا على التحوُّل الوطني الحديث حتى يومنا هذا.

جمال الدين الأفغاني

عُرف هذا المشروع التحديثي الذي هُزم بمشروع دولة الإصلاح الإسلامي، وهو مشروع إنقاذي ثقافي وسياسي شامل، مدعوم بنظريات الفقه السُّلطاني التقليدي، وكان أحد رموزه "جمال الدين الأفغاني". وطمح هذا الجيل من النخب الدينية والسياسية إلى بناء مؤسسات تحديثية لأجل هدف نبيل، هو إنقاذ العالم الإسلامي من الأخطار الوجودية التي هدَّدته من الغرب، ومن ثَم إنقاذ الدولة التي استندت إلى حماية المجتمعات المسلمة من أعداء الإسلام. ثم ماتت تلك الدولة التحديثية الأولى قبل أن ترى النور بفعل التدخل الاستعماري الأوروبي في مصر وغيرها (امتد لحوالي قرن). الإشارة الأهم في هذا الصدد أتت من إسطنبول والشام، إذ لم تستطع الدولة الإصلاحية التحديثية الوليدة أن تقاوم ضغط القوى الجديدة التي أنجبها الإصلاح نفسه ومؤسساته التحديثية، أي المؤسسات العسكرية والإدارية والتعليمية، وهو ما ظهر مع حركتَي "تركيا الفتاة" و"الاتحاد والترقي" مع مطلع القرن العشرين، وهي حركات عسكرية شكَّلها الضباط في المقام الأول.

في سياق الحركة الثورية/الانقلابية التي نظَّموها عام 1908 ضد السلطان عبد الحميد، ظهرت سمات القرن العشرين في المشرق وطبيعة المستقبل الذي حملته المؤسسات التحديثية، فقد أعلنت "تركيا الفتاة" حالة الطوارئ فور وصولها للسلطة، وأعدمت المئات، ونفى رجالها عبد الحميد وأسرته إلى خارج البلاد. تسلَّم الجيش السُّلطة الفعلية إذن، مُدشنا لأول مرة عهدا من الحكم العسكري في المشرق، والذي استمر حتى بعد إلغاء السلطنة والخلافة عامي 1922 و1924 وتولي مصطفى كمال أتاتورك السُّلطة في تركيا. لقد انتهت الدولة التحديثية السُّلطانية الأولى، ولكن ظهر من رحمها دولة تحديثية ثانية طليعية تقدمية اختلفت عنها في سمات كثيرة، ولكن شاركتها في سمة جوهرية: رغبتها في تنظيم المجتمع، وليس تمثيله.

أعضاء حركة تركيا الفتاة (ويكيبيديا)

الطور الثاني من التحديث.. طلائع التقدُّم

لم يكن انقلاب الضباط على عبد الحميد مجرد طمع من العسكر في السلطة بالمعنى الضيق، بل كان تعبيرا عن أزمة الدولة الإصلاحية السُّلطانية التي وصلت في عهد عبد الحميد إلى الاستبداد المطلق دون عقد اجتماعي دستوري وقانوني مصاحب لها على غرار نظيراتها في الغرب واليابان، ما أعطى المشروعية لتصدُّر قوى جديدة.

كانت دول المشرق التي استسلمت للاستعمار حينئذ هي دول الإصلاح الإسلامي في مصر والشام والعراق، وقد استمرت في إنتاج القوى الاجتماعية الحديثة من خريجي التعليم الحديث والطلبة والعمال والضباط والجنود وموظفي البيروقراطية وسكان المدن والفلاحين الذين تركوا الريف إلى المُدن. لقد شكَّلت تلك الطبقةُ الوسطى الجديدة، المحرومةُ من مكاسب التحديث والمكتوية بناره في آن واحد، نواةَ العهد القادم والتحالف السياسي الذي سيناضل لإنهاء الاستعمار، وسيناضل أيضا ضد الملكيات التقليدية. وقد تمكن ذلك التحالف الجديد بالفعل، مع تغير الظروف الجيوسياسية بعد الحرب العالمية الثانية، من الحصول على استقلال بلدانه وإعلان دول المشرق العربي دولا حديثة مستقلة ذات سيادة.

فور الاستقلال وجدت تلك القوى الاجتماعية نفسها قد ورثت مشكلات غاية في التعقيد، على رأسها اختلال التوازن العام الذي نجم عن الفجوة الهائلة بين المؤسسات الحديثة التي تركها الاستعمار ودولة الإصلاح السُّلطاني، وبين المجتمع المشرقي نفسه ضعيف التنظيم المدني الحديث والمهزوم جراء الاستعمار واستبداد النخب القديمة في آن. كانت المشكلة الأهم، والجوهرية لأي دولة حديثة، هي الإرادة الشعبية الهائلة التي شحنتها الآمال العريضة في التحرر والنهوض، مع انفتاح الملايين من سكان المشرق على السياسة المحلية والعالمية، والتفافهم حول النخب الحاكمة الجديدة "التي لم تستطع أن تحقق أي تعديل فعَّال في الهياكل الحقيقية للسلطة الموروثة عن الحقبة الاستعمارية وعن دولة الإصلاح" التقليدية.

يرى غليون أن هذا التناقض الهيكلي لدولة الاستقلال الوليدة شكَّل طبيعة الدولة التحديثية العربية التي حكمت المشرق، وقد أسماها "دولة التقدم" أو دولة الطليعة التقدمية. ويرى غليون أن دخول مفهوم التقدم في البناء السياسي للحكم في المشرق كان بمثابة إضفاء شرعية جديدة على نمط سلطة قديم وموروث، فبدلا من المعادلة القديمة لدولة الإصلاح، أي التحديث لخدمة المشاريع السُّلطانية لحماية العالم الإسلامي من أخطار الاستعمار، صار غرض التحديث هو التقدم، الذي يهدف لحماية الدول العربية من الأخطار الاستعمارية.

يقول غليون إنه مع "تزايد قوة الدولة في الداخل وشعورها بتفوقها الساحق.. لم تعد تنظر (الدولة) إلى نفسها (بوصفها) الضامن للنظام في الداخل والحامي له من الأخطار في الخارج، وإنما أصبحت ترى نفسها أداة للتغيير وتحريك التاريخ". يستدرك غليون موضحا أن هذا التعريف يختلف عما كان يعنيه التقدم في بداية الثورة الفكرية الأوروبية، فلم يكن هناك نموذج جاهز في أوروبا، بل شمل التقدم التطلع للمستقبل بحرية، وإزالة القيود على التفكير والتعلم والتجربة، وإطلاق الحريات السياسية والثقافية، وتطوير وسائل العمل والمعرفة، وهو ما يكشف ما لحق بعقيدة التقدم العربية من تزييف وإكراه، إذ جرى تقييد وقمع كل الطاقات الإبداعية في مجتمعات المشرق باسم نموذج واحد.

هنا يأخذنا الكاتب لعمق الأزمة التي حملتها إلينا دولة الطليعة التقدمية العسكرية قائلا: "الملاحظة الرئيسة التي يُمكن أن نشير إليها هنا، هي أنه بقدر ما يشير نموذج دولة التقدم العربية إلى استبعاد المشاركة الشعبية الفعلية في الحياة السياسية، فإنه يؤكد على هذه العلاقة الوثيقة وشبه الحرة بين الطبقة الحاكمة والدولة. المشكلة الحقيقية التي تعانيها السُّلطة هنا ليس اختلاط السُّلطة التنفيذية بالسُّلطة التشريعية أو القضائية.. لكن الأبعد من ذلك هو اختلاط الدولة نفسها وتماهيها مع الطبقة الحاكمة أو الفئة التي تسيطر عليها وتتحكم بجهازها". هذه العلاقة الخاصة بين النمط التقدمي ودولة ما بعد الاستقلال العربية، أي التقدم كمصدر للشرعية والدولة كأداة لتحقيق هذا التقدم، أدى إلى إنتاج نخبة حاكمة متحكمة تماما في الدولة، التي صار تعريفها متماهيا مع تلك النخبة بشكل شبه تام بدلا من تمثيله الطبيعي لعموم الأمة، ومن ثَم وقفت تلك الدولة فعليا في مواجهة مجتمعها، منخرطة في ممارسات استبدادية فعلية تزعم السعي نحو الحداثة، دون أن تدري أنها تعطِّل محرِّكاتها الاجتماعية والسياسية.

كما أسلفنا، بدأ كل هذا مع حركة ضباط تركيا الفتاة قبل حوالي قرن، وهي حركة ثورية/انقلابية نادت بالقيم الحديثة كلها، مثل عودة الدستور والتعددية الحزبية وتشكيل مجلس نواب منتخب. وقد أصبح عسكر الاتحاد والترقي أصحاب السلطة الفعلية في إسطنبول والأناضول والشام، مكرسين أول نمط حكم تحديثي تقدمي. وسرعان ما أخذت تلك المعادلة مسارها المعتاد الذي آل بها إلى إجهاض الحداثة التي رفعت شعارها، فكانت المفارقة أن ضباط تركيا الفتاة خلال فترة حكمهم صاروا دولة مستقلة داخل السلطنة وبعيدين عن مبادئ الحكم الدستوري وتداول السُّلطة والمشاركة الشعبية التي نادوا بها، مقابل تحكُّمهم "السلطاني" بكل مفاصل الدولة.

في منتصف القرن، بدأت الطلائع التقدمية العربية في اتباع البرنامج السياسي التحديثي نفسه، من العراق حيث أول انقلاب على الحكم الملكي، ثم الانقلابات العسكرية في سوريا، ثم حركة الضباط الانقلابية الأهم في مصر في يوليو 1952 والقضاء على الملكية الاستبدادية لعائلة محمد علي، وصولا إلى باقي الدول العربية التي صعد فيها نجم الضباط مكرسا نمط الحكم الطليعي باسم القوى الاجتماعية الجديدة التي أنجبها الإصلاح الأول.

ستعمل تلك الدولة التقدمية الجديدة على أن تكون دولة مواطنين، لا دولة سلطان أو ملك، وستقدم نفسها للجماهير بوصفها دولة وطنية، بيد أن الوطنية لا تعني هنا "بناء المواطنة بالمعنى الحديث والسياسي للكلمة… ولكن بمعنى مواطنة التعبئة، أي ربط المجتمع ببرامج ومشاريع الدولة… وتعبئة طاقاته البشرية والمادية وبناء عصبية محلية حول الحكام… ورغم ما يعنيه هذا الربط السُّلطوي من إعدام للحرية، فإنه.. يضفي على الدولة طابعا جديدا أكثر حداثة، يميزها عن دولة الإصلاح الإسلامي التقليدية، يتعلق بموضوع مسؤولية الدولة ودورها الاجتماعي تجاه الناس، وليس السلطان".

يضيف غليون أن ما نلاحظه اليوم من تفجر أزمة هذه الدولة وانحطاط حكامها والعنف الدولتي غير المسبوق الذي تمارسه بحق شعوبها، ليس إلا بعض آثار هذه الدولة الطليعية العسكرية.

انحطاط السُّلطوية العربية

تتميز الدولة الحديثة الحقيقية بأنها تعُدُّ مبرر وجودها الأساسي تدبير مصير كل فرد من أفرادها، فهي لا تعبِّر إلا عن إرادتهم في التنظيم الذاتي وتنوع أفكارهم ومصالحهم والارتقاء بشروط حياتهم، لكن الأمر لم يكن كذلك في الدولة التحديثية العربية. ونتيجة لذلك، أصبحت هذه الدولة مبعث الأمل ومصدر الإحباط معا، فقد ساد الاعتقاد لدى عموم عرب المشرق بأنهم حالما ينجحون في انتزاع حقهم في التحرر من الاستعمار، فإنهم سيستعيدون مباشرة وتلقائيا الحريات السياسية التي صودرت منهم. ولم يستغرق الأمر أكثر من عقدين حتى أدرك العرب سذاجة هذا الاعتقاد.

بعد حوالي ثلاثة عقود من نجاح التجربة التحديثية في تركيا بقيادة أتاتورك بتحقيق إنجازات تنموية واجتماعية، ما خلق مجتمعا مدنيا فعالا خفَّف من حدة السُّلطوية الطليعية والعسكرية التي بدأ بها التحديث الأتاتوركي نفسه، كانت القيادات العربية قد أدركت أنها وصلت إلى طريق مسدود في مشاريع الوحدة القومية والتنمية الاشتراكية بعد أن أنفقت عليها كل مصادرها تقريبا، وهنا اتجهت النخب إلى النموذج المناقض عبر ربط الاقتصاد المحلي بالاقتصاد العالمي والشركات متعددة الجنسيات، وصارت المفاهيم التقدمية مثل العدالة والاشتراكية والتنمية عقبة أمام مفهوم التقدم الجديد في دولة الانفتاح الاقتصادي.

هنا يكشف غليون كيف أعيدت ترجمة التقدم كغاية ومصدر مشروعية من منطلق المصالح الاجتماعية السائدة للطليعة والنخبة الحاكمة، وهو ما جسَّد بداية انحطاط الاستبداد العربي، إذ تحرَّرت الدولة من تعبئة المجتمع خلف السُّلطة، ومن كل الالتزامات الاجتماعية والوطنية التحديثية السابقة على قصورها. وقد أتى الانفتاح بمنطق سلطوي أسوأ من النماذج التحديثية السابقة، فلم تعن حرية السوق في المشرق العربي حرية الأفراد والقوى الاجتماعية والسياسية، بل مجرد تحرير السلطة المحلية من عبء المجتمع، ومن ثَم فَقَد المجتمع الحد الأدنى من المسؤوليات التي اضطلعت تلك الدولة الطليعية بها تجاهه، تاركة إياه في وجه وحشية السوق، دون أن يملك ثمار التحديث الاجتماعي التي تعينه على التنظيم السياسي وطرح نموذج جديد.

ومن ثَم، ظهر نمط اختزل التقدُّم في "نمو اقتصادي غير منتج على الإطلاق… شكل من أشكال رأسمالية المضاربة عكس الرأسمالية الصحيحة التي تعتمد في تقدمها على توسيع دائرة إنتاج القيمة وبالتالي تزايد الثروة المحلية وتزايد عدد الشرائح المستفيدة من نجاح الأسواق". وقد دخلت الطليعة العربية في ظل دولة الانفتاح الليبرالية الجديدة طورها الأخير الأكثر انحطاطا، مع غياب أبسط قواعد العقلانية والشفافية، "وصارت وظيفتها تمكين نفسها… من احتكار الثروة والسلطة التي تسمح باندماج النخب وحدها في الدورة الرأسمالية العالمية… وأصبحت تُنتج عكس القيم الحديثة التي كانت أصل شرعيتها، وباتت تُنتج التمييز والقهر والعنف" على نطاق واسع.

ساعد هذا الانهيار في شرعية الدولة الحديثة على اختطاف مؤسساتها لصالح جماعات بعينها، مثل الطوائف والعشائر وشبكات رجال الأعمال والمؤسسات الأمنية والعسكرية، وباتت تحكم وتعاقب وتملك وتقتل دون رادع من قانون أو مجتمع مدني، في صورة أكثر رجعية من أسوأ صور الدولة الطليعية أو الإصلاحية السلطانية. تلك الحالة السياسية التي نعيشها اليوم هي الطور الأخير للسلطة التحديثية في المشرق، التي حملت في ثناياها عناصر حداثية محدودة سرعان ما أكلتها العناصر المناهضة للحداثة في جوهرها، وقد أتت الثورات العربية بمثابة إعلان للشعوب العربية بنفسها بوصفها فاعلا داخل التاريخ لأول مرة، دون وكيل سلطاني أو طليعي. لقد انتهى مشروع اللحاق بالعالم الذي قامت عليه الدولة التحديثية بأطوارها الثلاثة، بل وباتت بعد طورها الأخير الرأسمالي-الزبائني الأكثر انحطاطا هي العقبة الرئيسية ضد التقدم والحداثة والإصلاح والتنمية.

كتب برهان غليون هذا الكتاب أوائل التسعينيات، وانتهى فيه إلى أن السلطة الطليعية التي شكلت الدولة العربية الحديثة سبب الأزمة التاريخية قبل غيرها، بعد أن باتت هي تحديدا القوة الرجعية، وصارت المجتمعات العربية أكثر توقا للحداثة منها، وهو توق تجلَّى ولا يزال، وكأن المجتمعات العربية تخوض من جديد ملحمة البحث عن اللحاق بالعالم، ولكن بنفسها هذه المرة، ورغم ما تبديه الدولة في طورها الأخير من استمساك بفُرص البقاء لحماية نخبها الحاكمة، فإن الصورة الإجمالية من منظور تاريخي، وعلى غرار مسارات التاريخ الأوروبي بعد "ربيع الأمم" منتصف القرن التاسع عشر، تبدو مُبشِّرة على المدى البعيد بأن التاريخ العربي تجاوز عتبة لن تعود بعدها الأوضاع كما كانت قبلها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة