كيف حاول مغامرون مسلمون عبور المحيط الأطلسي قبل ألف عام؟

البحارة المسلمون

"ومن مدينة لشبونة كان خروج المغرَّرين إلى بحر الظُّلمات ليعرفوا ما فيه وإلى أين انتهاؤه.. ولهم بمدينة لشبونة بموضع بمقربة الحمَّة دربٌ منسوب إليهم يُعرف بدرب المغرَّرين.. وذلك أنهم اجتمعوا ثمانية رجال كلهم أبناء عم، فأنشأوا مركبا حمَّالا وأدخلوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهر، ثم دخلوا البحر".

(الجغرافي الإدريسي في وصف رحلة الفتيان المغررين في المحيط الأطلسي)

يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن تاريخ استكشاف الأميركتين الشمالية والجنوبية الرحَّالة والمستكشف الإيطالي "كريستوفر كولومبوس"، ذلك الرجل الذي استطاع الوصول في أواخر القرن الخامس عشر وفاتحة القرن السادس عشر الميلادي إلى العالم الجديد وفتح أبوابه مُستعينا بكل أدوات التقدُّم والقهر معا، مُعبِّدا الطريق لنشأة مجتمعات جديدة بالكُلية ستُغيِّر مجرى التاريخ. لكن نشأة هذه المجتمعات الجديدة جاءت على حساب الآلاف من السكان الأصليين الذين قُتلوا من أجل إخضاع هذه المناطق للعالم الغربي القديم، حيث تسابقت إسبانيا وبريطانيا وفرنسا والبرتغال على الظفر بخيرات القارتين الجديدتين وكنوزهما.

 

لكن التأمل فيما قام به كولومبوس في تلك الفترة الزمنية المتأخرة نسبيا، التي بدأت إبَّان عصر النهضة الأوروبية وعقب هزيمة المسلمين من الأندلس وطردهم، يدفعنا للتساؤل: هل غاب المحيط الأطلسي عن المعرفة الجغرافية والاستكشافية للمسلمين طيلة تسعة أو عشرة قرون كاملة قبل كولومبوس، وهم الذين جعلوا بحار العالم القديمة بكل مضايقها وخلجانها وبحارها تحت سيادتهم لمئات السنين؟

 

كيف فات على الجغرافيين المسلمين من جيل الرواد، ممَّن كتبوا مؤلفات مثل "صورة الأرض" لـ "ابن حوقل"، و"المسالك والممالك" لـ "ابن خرداذبه"، و"معجم البلدان" لـ "ياقوت الحموي"، مرورا بـ "المسعودي"، والعلامة الإدريسي أول مَن صنع مُجسَّما للكرة الأرضية، وحتى "ابن فضل الله العُمري" و"القلقشندي"، كيف فات عليهم أن يتناولوا الحديث عن هذا المحيط الشاسع؟ إنها أسئلة مشروعة لكنها سرعان ما تنحلُّ عند البحث في مؤلفاتهم وموسوعاتهم الجغرافية، التي تُثبت اهتمامهم وبحثهم عمَّا وراء ذلك المحيط المُعجِز بالفعل، الذي سمَّاه المسلمون ببحر الظُّلمات.

 

لقد أوضحت الخرائط والكتابات التي سبقت كولومبوس معرفة المسلمين بهذا المحيط وبعض أسراره ومناطقه والبلدان المُطِلَّة عليه، وفي هذا المقال سنكتشف معا ما عرفه المسلمون عن المحيط الشاسع وبلدانه حتى سبقتهم سُفن أوروبا إلى الإحاطة الشاملة بالأميركتين قبل نحو خمسة قرون.

 

المحيط الأطلسي في تراثنا الجغرافي

البحارة المسلمون

تناول العديد من الجغرافيين المسلمين المحيط الأطلنطي، إذ رسم الجغرافي والمؤرخ المسعودي في القرن الرابع الهجري خريطة بيَّنَ فيها العديد من جزر المحيط، ثم بيَّنَ مُسطَّحا كبيرا سمَّاه الأرض المجهولة. وفي كتابه "مسالك الأبصار" تحدَّث الجغرافي ابن فضل الله العُمري في القرن الثامن الهجري عن وجود أرض في الجانب الآخر من بحر الظُّلمات. نرى أيضا إدراكا بسيطا لدى هؤلاء الجغرافيين بكروية الأرض، حيث يقول العُمري (749هـ): "قد تقرَّر أن العالم كُروي، وأنّه لا يمتنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الناحية الأخرى مسكونا، وبذلك يصير مَشرق هذا العالم مَغربا لتلك الجهة ومَغربه مَشرقا"[1].

 

للجغرافي ابن الزيات خريطة مهمة لا تزال في مكتبة قصر الإسكوريال في مدريد حتى اليوم، وتظهر فيها السواحل الشرقية للأميركتين، وفي مُصنَّفه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" الذي فرغ من تأليفه سنة 1335م/735هـ، وتوجد نسخته الأصلية في المكتبة الوطنية بباريس، أورد "ابن الوردي" معلومات مثيرة للدهشة حول جزر المحيط الأطلسي ومناطق في أميركا الجنوبية لم يصلها أي أوروبي إلا بعد قرنين على الأقل من ذلك التاريخ.

 

وكتب ابن الوردي أن جزر الخالدات (وهي "جزر الكناري") التي توجد في هذا المحيط تزخر بالمياه والأشجار والذهب، وأن كثرة الذهب هنالك جعل أهل هذه الأرض يُقايضونه فيما بينهم بالسلع الرخيصة كالأقمشة والخرز والحجارة الملونة، كما حدَّثنا ابن الوردي عن سكان هذه الأرض ببشرتهم المائلة إلى الحُمرة وعاداتهم وتقاليدهم، وأن لباسهم ورق الشجر، وأنهم حاربوا دواب البحر وأسماكه الكبيرة حتى يأكلوها، وهي أوصاف يُحتمل أن تنطبق على السكان الأصليين للعالم الجديد[2].

 

استقى الجغرافيون المسلمون معلوماتهم الأولية والأساسية عن المحيط الأطلسي من التُّجار المسلمين، لا سيما الأندلسيين الذين أطلَّت بلادهم على المحيط، الذين أوثقوا عُرى العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الشعوب المُطِلَّة عليه. على سبيل المثال، ينقل الجغرافي "القزويني" (682هـ/1283م) عن الجغرافي والرحالة "أبي حامد الغرناطي" أن بلاد "يورا" تقع "بقرب بحر الظُّلمات.. النهار عندهم في الصيف طويل جدا حتى إن الشمس لا تغيب عنهم مقدار أربعين يوما.. (و)في الشتاء ليلهم طويل جدا حتى تغيب الشمس عنهم مقدار أربعين يوما.. وأهل يورا ليس لهم زرع ولا ضرع، بل عندهم غياض "غابات" كثيرة، وأكلهم منها ومن السمك، والطريق إليهم في أرض لا يفارقها الثلج أبدا"[3].

 

هذا الوصف يبدو أنه يتناول بعض المناطق الإسكندنافية المُطِلَّة على المحيط الأطلسي مثل النرويج أو بعض جزرها في الشمال، وإذا عرفنا أن أبا حامد الغرناطي تُوفي سنة 565هـ/1170م أدركنا أن المسلمين صالوا وجالوا في شتى شواطئ المحيط الأطلسي، وأهمها بريطانيا (الجزر البريطانية) التي تناولها العلامة الشريف الإدريسي بشيء من التفصيل في موسوعته "نزهة المشتاق باختراق الآفاق"، ومن بعده "الحميري" في "الروض المعطار في خبر الأقطار".

 

رحلة الفتية المغرَّرين

البحارة المسلمون

من الجدير بالذكر هنا أن نُشير إلى رحلتين قام بهما مغامرون مسلمون من الأندلس لاستكشاف المحيط الأطلنطي وجزره وعوالمه التي طالما حيكت حولها الأساطير، الأولى بقيادة بحَّار قُرطبي اسمه "خشخاش بن الأسود"، الذي اصطحب معه مجموعة من الرفقاء ثم أبحر من "بالوس" بأقصى جنوب الأندلس على المحيط الأطلسي عام 276هـ/889م، فتوغَّل شرقا عبر المحيط الأطلسي ورسا على العديد من الجزر المتناثرة فيه، حتى وصل به الحال إلى أرض واسعة مجهولة عاد منها إلى الأندلس بكنوز كثيرة، وقد اشتهر خشخاش ومغامرته هذه بين أهل الأندلس[4]، وتُعَدُّ رحلته أولى الرحلات الاستكشافية للمسلمين في عُمق المحيط الأطلسي، وإن لم يكن واضحا أنه عبره كاملا إلى شاطئه الأميركي بالفعل أم رسا عند إحدى الجزر المُطِلَّة عليه من جهة العالم القديم.

 

أما الرحلة الاستكشافية الثانية والأشد غرابة والأكثر شهرة فهي رحلة "الفتية المغرَّرين"، أي الإخوة المغامرين أو المخاطرين، وقد كانوا ثمانية إخوة وأبناء عم من مسلمي مدينة لشبونة عاصمة البرتغال اليوم، وقد حكى قصتهم الجغرافي الإدريسي (560هـ/1165م)، أي إن القصة وقعت في زمن الأمويين في الأندلس أو زمن ملوك الطوائف، وربما في عصر المرابطين.

 

قال عنهم الإدريسي: "ثمانية رجال كلهم أبناء عم أنشأوا مركبا، ثم دخلوا البحر في أول طاروس الريح الشرقية، فجَروا بها نحوا من أحد عشر يوما، فوصلوا إلى بحر غليظ الموج كدر الروائح قليل الضوء، فأيقنوا بالتلَف، فردُّوا قلاعهم في اليد الأخرى وجَروا مع البحر في ناحية الجنوب اثني عشر يوما، فخرجوا إلى جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عَدٌّ ولا تحصيل، وهي سارحةٌ لا راعي لها ولا ناظر إليها، فقصدُوا الجزيرة، فنزلوا بها، فأخذوا من تلك الغنم فذبحوها، فوجدوا لحومها مُرة لا يقدر أحد على أكلها، فأخذوا مِن جُلودها وساروا مع الجنوب اثني عشر يوما، إلى أن لاحت لهم جزيرة فنظروا فيها إلى عِمارة وحرْث، فقصدوا إليها ليروا ما فيها، فما كان غير بعيد حتى أُحيط بهم في زوارق هناك، فأُخذوا وحُملوا في مركبهم إلى مدينة على ضفة البحر، فأُنزلوا بها فرأوا فيها رجالا شُقرا زُعرا شُعُور رؤوسهم سبطة، وهم طوال القدود، ولنسائهم جمال عجيب".

 

بعد أسْرهم مِن قِبَل ملك هذه الجزيرة، جاء بمترجم يعرف اللغة العربية، فأخبروه "أنهم اقتحموا البحر ليروا ما به من الأخبار والعجائب، ويقفوا على نهايته، فلما عَلِم الملك ذلك ضحك وقال للتُّرجمان: أخبر القوم أن أبي أمرَ قوما من عبيده بركوب هذا البحر وأنهم جروا في عرْضِه شهرا إلى أن انقطع عنهم الضوء وانصرفوا من غير حاجة ولا فائدة تُجدي".

البحارة المسلمون

ثم أمر الملك بإطلاق سراحهم بعد إغماء أعينهم ووضعهم في مراكب سارت بهم مدة ثلاثة أيام في المحيط الأطلسي، يقول أحدهم: "حتى جيء بنا إلى البر فأُخرجنا وكُتِّفنا إلى خلفٍ، وتُركنا بالساحل إلى أن تضَاحَى النهار، وطَلَعت الشمسُ ونحن في ضنك وسوء حال من شدة الكتاف حتى سمعنا ضوضاء وأصوات ناس، فصِحْنا بجُمْلتنا، فأقبلَ القومُ إلينا فوجدونا بتلك الحال السيئة، فحلُّونا مِن وثاقنا وسألونا فأخبرناهم بخبرنا وكانوا برابر (من أهل المغرب)، فقال لنا أحدهم: أتعلمون كم بينكم وبين بلدكم (الأندلس)؟ فقلنا: لا، فقال: إن بينكم وبين بلدكم مسيرة شهرين"[5].

 

يتضح من تفاصيل هذه الرحلة الاستكشافية للبحارة الثمانية أنها بلغت ثمانية وثلاثين يوما، أي زادت عن رحلة كولومبوس التي استمرت 33 يوما، وقطعوا ما بين 3600 إلى 3800 كم، وهي مسافة كافية للوصول إلى العالم الجديد "أميركا". وقد كتب "مصطفى الشهابي" (1968م) رئيس المجمع العلمي في دمشق أن هؤلاء الشبان نجحوا بالفعل في الوصول إلى إحدى جُزر أميركا الجنوبية في البحر الكاريبي أو الأنتيل، بينما يرى بعض المحللين الأوروبيين أن الجزيرة الأولى التي وصلها هؤلاء هي جزيرة ماديرا الواقعة في المحيط الأطلسي التي تتبع البرتغال اليوم، بينما الجزيرة الثانية التي وصلوا إليها كانت إحدى جُزر الكناري[6].

 

استطاع المسلمون إذن بلوغ أراضٍ جديدة قُرب الأميركتين، ولعلهم وطئوا جزرا تُعَدُّ اليوم أقرب لأميركا اللاتينية من العالم القديم، وهذا احتمال راجح سواء في رحلة خشخاش القرطبي الأندلسي، أم في مغامرات فتيان لشبونة، وقد سبقوا في ذلك بلا شك كولومبوس بقرون من أجل استكشاف المحيط الأطلسي ومعرفة أسراره وخباياه التي طالما شغلت الجميع، بمَن في ذلك الصينيون الذين يُزعم أنهم بلغوا الساحل الغربي لأميركا اللاتينية قبل كولومبوس ببضعة عقود. في الأخير، ورُغم أن الأوروبيين نجحوا في أن يحطوا رحالهم على أرض أميركا بشكل صريح، وأن يستوطنوها قبل غيرهم، فإنهم لم يكونوا أول مَن دفعه الفضول لعبور "بحر الظُّلمات" أو التطلُّع إلى الأراضي الشاسعة التي ظهرت باستمرار، ولو بصورة غامضة، في رحلات العديد من الرحالة المسلمين.

————————————————————————-

المصادر

  1. مسالك الأبصار 5/97.
  2. حسني عبد المعز: رحلات المغامرين العرب في المحيط الأطلسي ص35، 36.
  3. القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد ص620.
  4. المسعودي: مروج الذهب 1/135.
  5. الإدريسي: نزهة المشتاق 2/548، 549.
  6. حسني عبد الحافظ: السابق ص38.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كيف هزمت فلسطين نابليون عند أسوار عكَّا؟

صعد نجم نابليون بونابرت القائد العسكري الفرنسي الفذ الذي أدرك أهمية الشرق الأوسط وفي قلبه مصر والشام في صراع النفوذ العالمي.. ولكن كيف تحطَّمت آماله عند أسوار عكا فأسقطته فلسطين؟

Published On 3/10/2021

حين يتبحَّر المرء قليلا في التاريخ، يذكر أولئك المهاجرين الأُوَل، الذين حملتهم القوارب عبر المحيط الأطلسي باحثين عن الحياة في مكان آخر.. في هذه الحكايات، يقتفي “ميدان” آثارهم في أبعد قارات العالم عنا.

Published On 14/10/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة