بِركة الفيل.. ماذا تعرف عن أجمل متنزهات مصر لألف سنة؟

"وأعجبني في ظاهرها (خارج القاهرة) بِركة الفيل لأنها دائرة كالبدر، والمناظر (الأبنية) فوقها كالنجوم، وعادة السلطان أن يركبَ فيها بالليل، وتسرُج أصحاب المناظر على قدر هممهم وقدرتهم، فيكون بذلك لها منظرٌ عجيب. وفيها أقول:

انظُرْ إلى بِركة الفيل التي اكتنفت … بها المناظرُ كالأهدابِ للبصرِ

كأنما هي والأبصارُ ترمقُها … كواكبُ قد أداروها على القمرِ"

(المؤرخ ابن سعيد المغربي في وصفه لبِركة الفيل)

أحب المصريون منذ أقدم العصور الاحتفالات والنزهات، وكانت مصر في تلك الأزمنة ولا تزال قائمة على النيل الذي يهب لها الحياة، والزراعة، وتنبت على مجاريه وخلجانه وترعِه الأشجار اليانعة، والفواكه الجميلة، والمناظر البهيجة، وبسبب فيضانه السنوي كانت تتكون العديد من البحيرات في مناطق واسعة من مصر من جنوبها إلى شمالها، ولا سيما القاهرة في عصرها الوسيط.

 

وبسبب هذه الطبيعة الغنّاء، والأوضاع الاقتصادية الجيدة، عُرف عن المصريين في عصرهم الوسيط حب الفُسحة والتنزّه، والإقبال على الحياة بالكلية، وقد نقل المؤرخ المقريزي المصري هذه الظاهرة وخصّص لها فصلا عنوانه "ذكر أخلاق أهل مصر وطبائعهم وأمزجتهم" في كتابه الشهير "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، وفصّل فيه القول، وكان مما جاء فيه:

"ومن أخلاقهم (أي أهل مصر في زمنه): الانهماك في الشهوات والإمعان من الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة، قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله تعالى: أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب"[1]. غير أن انهماك المصريين في الحياة وزينتها إلى هذا الحد الذي وصفه المؤرخون قبل سبعة قرون كان عائدا إلى استقرار أوضاعهم السياسية والاقتصادية، واعتمادهم على النيل الذي كان يمدّهم بالأمن والطمأنينة والرخاء، فضلا عن متنزهات وحدائق غنّاء كانت ولا تزال على طول مجراه.

 

ومن هنا، ظهرت في القاهرة آنذاك عدة متنزهات، وبعض بُحيرات أو بِرك كما سماها المصريون، وعلى شواطئها كان الناس يقضون أمتع أوقاتهم، وأجمل أسمارهم، ومن أشهرها بِركة قارون، وبِركة الحبش (عين الصيرة)، وبِركة الشقّاف (قرب ميدان التحرير اليوم)، وبِركة الأزبكية، وتأتي بِركة الفيل التي تُعَدُّ واحدة من أقدم وأجمل بِرك أو بحيرات القاهرة القديمة والتي كانت أيضا من أشهر متنزهات وحدائق أهل مصر لمدة قرون متطاولة. فأين كان موضع هذه البِركة أو البحيرة؟ ولماذا اشتهرت ببِركة الفيل؟ وكيف احتفى بها المصريون وجعلوها أحد متنزهاتهم الموسمية للخروج من ضيق القاهرة وزحامها؟ وكيف تحوّلت إلى حيٍّ راقٍ وكيف كانت نهايتها؟ ذلك ما سنراه في سطورنا التالية.

 

من المعروف أن الفسطاط العاصمة الإسلامية الأولى لمصر والتي أنشأها عمرو بن العاص عقب استقرار الإسلام في مصر منذ عام 20هـ كانت تتطور سكانيا بمرور الوقت، كما أُنشئت بالقرب منها مدينة العسكر في زمن العباسيين في القرن الثاني للهجرة، ثم بالقرب من الفسطاط والعسكر أُنشئت القطائع عاصمة للطولونيين وفيها جامع أحمد بن طولون الشهير، وذلك في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وحين دخل الفاطميون مصر بقيادة جوهر الصقلي وشرعوا في إنشاء القاهرة عاصمة لهم سنة 358هـ، أُنشئت هذه المدينة الجديدة بأسوار ضخمة للفاطميين وجيوشهم وحواشيهم، وفي القلب منها القصبة أو شارع المعز اليوم، وكانت القاهرة الفاطمية في الشمال من الفسطاط والعسكر والقطائع.

وكانت المناطق الواسعة بين الفسطاط (مصر القديمة) في الجنوب والقاهرة في الشمال قليلة السكان، تكثر فيها البساتين والزراعات والخلجان (الترع)، وكانت هذه المنطقة التي يطل عليها باب زويلة جنوب القاهرة من أجمل مناطق مصر لمدة قرون لكونها متنفسا لأهل مصر، وفيها وُجدت بِركة الفيل، وكانت ذات مساحة هائلة تجعل السكنى على أرضها والتنزه فيها من أمتع الأشياء للترويح عن النفس.

 

وقد أخبرنا عدد من المؤرخين بتفاصيل مهمة عن هذه البِركة، يقول المقريزي (ت 845هـ) عنها: "هذه البِركة فيما بين مصر (القديمة) والقاهرة، وهي كبيرة جدًّا، ولم يكن في القديم عليها بُنيان، ولما وضع جوهر القائد (الفاطمي) مدينة القاهرة كانت تجاه القاهرة (من الجنوب)، ثم حدثت حارة السودان وغيرها خارج باب زويلة، وكان ما بين حارة السودان وحارة اليانسية وبين بِركة الفيل فضَاء، ثم عمَّر الناس حول بِركة الفيل بعد الستمئة (من الهجرة) حتى صارت مساكنها أجلّ مساكن مصر كلها"[2].

 

وقد أوضح المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد موضع هذه البِركة الآن من القاهرة الحديثة قائلا: "لم تكن بِركة الفيل -مثلها مثل بِركة الحبش وعدد آخر من بِرك القاهرة- بِركة عميقة فيها ماء راكد بالمعنى المفهوم الآن من لفظ بِركة، وإنما كانت تُطلق على أراضٍ زراعية يغمرها ماءُ النيل سنويا وقت الفيضان عن طريق الخليج المصري (قناة من النيل للقاهرة)، وبعد نزول الماء تُزرع أصناف شتوية أشهرها البرسيم الذي كان يُستهلك في تغذية دواب القاهرة، وكانت البِركة معترة في دفاتر المساحة من النواحي المربوط على أراضيها الخراج، ولم يُحذف اسمُها من جداول أسماء النواحي إلا بعد تحوّل معظم أراضيها إلى مساكن، وبدأت أراضيها في التحول من الزراعة إلى السكن منذ سنة 620هـ/1222م"[3].

وموضع هذه البِركة الآن من القاهرة حي الحلمية الجديدة بالتقريب، فكانت هذه البِركة تشغل المنطقة التي تُحَدّ الآن من الشمال بسكة الحبّانية ومن الغرب شارع بورسعيد (الخليج المصري)، ومن الجنوب شارع عبد المجيد اللبّان (مراسينا سابقا)، ثم يميل الحد إلى الشمال الشرقي إلى مدرسة أزبك اليوسفي حتى يتقابل مع أوّل شارع نور الظّلام ويسير فيه إلى أوّل شارع الألفي، ومن الشرق كِمالة شارع نور الظلام فشارع مصطفى سرّي، فسكة عبد الرحمن بك، وما في امتدادها[4]، في المنطقة الواقعة بين حي الحسين والأزهر في الشمال وبين حي السيدة زينب وعابدين في الجنوب بصورة تقديرية.

 

وأما عن السبب في تسميتها ببِركة الفيل؛ ذلك أن الأمير خمارويه بن أحمد بن طولون (ت 282هـ/896م) كان مغرما باقتناء الحيوانات من الأسود والنمور والفيلة والزرافات، وأنشأ لكلٍّ منها مكانا مخصصا له، وكان موضع بناء دار الفِيلة على حافة تلك البِركة من الجهة القبلية الشرقية حيث شارع نور الظلام، وكان الناس يقصدون البِركة للنُّزهة والفُرجة على الفيَلة فاشتهرت بينهم ببِركة الفيل حتى اليوم[5].

 

وبالرغم من ذلك التطور والتعدي على هذه البِركة ومتنزهاتها فإنها ظلّت لعدة قرون واحدا من أجمل متنزهات المصريين، وقد مرّ ابن سعيد المغربي بالقاهرة في أوائل القرن السابع الهجري فكتب عن هذه البِركة وجمالها ومناظرها، أي الأبنية التي بُنيت على شواطئها، قائلا:

"وأعجبني في ظاهرها (خارج القاهرة) بِركة الفيل لأنها دائرة كالبدر، والمناظر (الأبنية) فوقها كالنجوم، وعادة السلطان أن يركبَ فيها بالليل، وتسرُج أصحاب المناظر على قدر هممهم وقدرتهم، فيكون بذلك لها منظرٌ عجيب. وفيها أقول[6]:

انظُرْ إلى بِركة الفيل التي اكتنفت … بها المناظرُ كالأهدابِ للبصرِ

كأنما هي والأبصارُ ترمقُها … كواكبُ قد أداروها على القمرِ".

وكانت بِركة الفيل تُغذّى بالماء في العصر المملوكي من موضعين، الأول من ناحية الجسر الأعظم (خزان ماء) تجاه الكبش قرب جامع ابن طولون عن طريق مجرى مائي مغطى بمجاديل حجرية، وقد ذكر المقريزي أنها كانت قديما قنطرة كبيرة تهدّمت فُعمل لها مجاديل حجرية. أما الموضع الآخر لتعذيتها فكان عن طريق "سرب" يتصل بالخليج الكبير (قناة مائية كبيرة) وكان قد شُق لتغذية مناطق خارج القاهرة بالمياه للزراعة، وبفضله ظهرت عدة بساتين في مناطق باب اللوق والسيدة زينب وغيرها، وبسبب هذه التغذية الدائمة للبِركة، فضلا عن الرشح السنوي أثناء فيضان النيل، فإن عمق البِركة كان يميل إلى الزيادة في أوقات كثيرة.

 

وفي الجوانب الشرقية من هذه البِركة عُمِّرت البساتين، وأُنشئ إصطبل لخيول الأمراء المماليك، فلما اعتلى السلطان العادل كتبغا عرش مصر سنة 695هـ أخرج الخيول من هذا الإصطبل، وأنشأ مكانه ميدانا يُشرف على البِركة، ولكي يلعب فيه بالكرة أو لعبة القبق، أو ما نسميه اليوم لعبة البولو، وهي لعبة مملوكية في الأصل، ثم بعدما خُلع كتبغا من السلطنة بعد ذلك بعامين، أهمل هذا الميدان، وأنشأ الأمراء المماليك على أنقاضه قصورا وبيوتا فاخرة تُطل على بِركة الفيل[7].

 

أما النهضة العمرانية الكبيرة حول البِركة فكانت في فترة حكم السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون (709-741هـ/ 1308-1341م) وما تلاه، حيث عُمّرت القاهرة والمناطق المحيطة بها خارج أسوارها القديمة، وامتد العمران إلى المناطق المحيطة ببِركة الفيل، ونشأت فيها عدة أحياء كانت بمقاييس ذلك العصر مساكن الأثرياء وعِلية القوم، إذ تميّزت مساكنها بالثراء الشديد والتأنق وعظمة وفخامة العمارة وجمال وروعة الزخرفة، فصارت بِركة الفيل متنزها عظيما يسكن حولها الطبقة المتميزة العليا في المجتمع المصري في العصر المملوكي، واستمر ذلك الوضع الطبقي في العصر العثماني[8].

خريطة توضح موقع بركة الفيل من كتاب وصف مصر (مواقع التواصل)
 

 

بنى عدد من الأمراء المماليك بالقرب من البِركة بعضا من الأبنية السكنية والمؤسسات الدينية المهمة، لا سيما للفقراء والصوفية الذين كانوا يؤثرون العبادة في المناطق البعيدة عن الزحام والعمران، منهم الأمير المملوكي أيدكين البندقداري (ت 684هـ) الذي بنى خانقاه وتربة لنفسه دُفن فيها، وهذه الخانقاه (خانكاه) هي الموضع الذي كان يُخصص للصوفية والدراويش للعبادة والسكنى، وكان يشرف على بنائها المحسنون من الأمراء والسلاطين وغيرهم، وينفقون على هؤلاء الصوفية قربة لله.

 

وقد بنى الأمير أيدكين هذه الخانقاه على مقربة من بِركة الفيل، وجعلها مسجدا لله، وخانقاه للصوفية الفقراء، ثم دُفن بها، ولا تزال هذه الخانقاه موجودة بشارع السيوفية بقسم الخليفة، وتُعرف باسم زاوية الآبار، وقد جدّدها ديوان الأوقاف المصري سنة 1300هـ/1882م، وقد جاءت الدكتورة سعاد ماهر في موسوعتها "مساجد مصر وأولياؤها الصالحون" على ذكر هذه الخانقاه، ووصفتها وصفا دقيقا، وبيّنت معالمها وأبرز سماتها وشكلها الهندسي.

 

غير أن الرحالة العثماني أوليا جلبي الذي مرّ بمصر وتناول أوضاعها الطبوغرافية والعمرانية بدقة شديدة في نهايات القرن السابع عشر الميلادي في عصر العثمانيين قد جاء على ذكر بِركة الفيل آنذاك، وأمدّنا بمعلومات على قدر عالٍ من الأهمية، فهو يقول عنها:

"هذه البِركة أصغر من بِركة الأزبكية قليلا، بيد أنها تمتاز بعمران جوانبها الأربعة، فليس فيها ذراع من الأرض الفضاء، تُحيط بها أبنية ذات قاعات وأحواض وفسقيات في حدائق غنّاء طلقة الهواء، وهي بِركة كبيرة مستطيلة من الجنوب إلى الشمال، وليس لها طريق لدخول الزوارق والقوارب وخروجها منها، ويأتي ماؤها من النيل رشحا تحت الأرض، بيد أن بها زوارق وقوارب وفلائك لأصحاب المنازل المطلة عليها يتزاورون راكبين فيها، وهم من أطهر أهل القاهرة وأعفّهم مع أن هذه البِركة من أكثر أماكن القاهرة ازدحاما"[9].

ومن خلال وصف أوليا جلبي نفهم أن جميع المساحات الخالية المحيطة ببِركة الفيل كانت قد بُنيت كلها وأحاطت بالبِركة إحاطة السوار بالمعصم في ذلك الزمن، وسكنها في عصر العثمانيين كما المماليك علية القوم الذين يصفهم أوليا جلبي بأنهم "أطهر أهل القاهرة وأعفّهم"، حتى إن ذلك الحي أصبح واحدا من أكثر أحياء القاهرة ازدحاما بسكّانه الذين كانوا يتزاورون بالمراكب والفلوكات، الأمر الذي يعني أن البِركة كانت لا تزال صالحة للملاحة الخفيفة آنذاك.

 

وبهذا تحوّلت بِركة الفيل من متنزه إلى الحي الراقي الذي حُصرت البِركة فيه على ساكنيه فقط، وظل الوضع على هذه الحال بعد رحلة أوليا جلبي بقرن من الزمان، حتى احتل نابليون بونابرت مصر في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، وقد استطاع علماء ورسّامو الحملة الفرنسية أن يضعوا خريطة مفصلة للقاهرة بعد احتلالها بين عامي 1798-1801م في أوائل القرن التاسع عشر، وكانت بحيرة أو بِركة الفيل ظاهرة في خرائطهم، لكن مع تقلُّص كبير في مساحتها في ذلك التاريخ.

 

ولم يمر على خروج الفرنسيين من مصر إلا ستون عاما فقط، حتى قرّر الخديو عباس حلمي الأول (ت 1863م) أن يتخذ قطعة من هذه البِركة فأنشأ عليها سراي الحلمية وحديقتها الكبيرة التي اشتهرت طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي سنة 1894م قُسِّمت أراضي الحديقة، ثم هُدمت السراي سنة 1902م، وقُسِّمت أراضيها أيضا، وبيعت جميع القطع وأُقيمت عليها عمارات حديثة، وبهذا نشأ حي الحلمية الجديدة اليوم على أنقاض بِركة الفيل[10].

 

تلك كانت قصة بِركة الفيل جنوب باب زويلة بين القاهرة الفاطمية ومدينة الفسطاط أو مصر القديمة، وقد ظلّت هذه البِركة أو البحيرة لألف سنة بالتقريب واحدا من متنزهات مصر الجميلة، ثم صارت في نهايات عصر المماليك وطوال عصر العثمانيين في مصر حيا راقيا يسكنه علية القوم فقط، ليتبدّل حالها في يومنا هذا ويصبح واحدا من أشهر وأكثر أحياء القاهرة الشعبية اكتظاظا بساكنيه.

————————————————————————————–

المصادر

  1. المقريزي: المواعظ والاعتبار 1/93.
  2. المقريزي: السابق 3/286.
  3. المقريزي: المواعظ والاعتبار، تعليق أيمن فؤاد سيد 3/535، 536.
  4. السابق.
  5. سعاد ماهر: مساجد مصر وأولياؤها الصالحون 3/56.
  6. المقريزي: السابق 3/286.
  7. الششتاوي: متنزهات القاهرة في العصرين المملوكي والعثماني ص109، 110.
  8. محمد الششتاوي: ص109.
  9. أوليا جلبي: سياحت نامه 10/374.
  10. أيمن فؤاد سيد: السابق نفسه.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كان الصعاليك، شرذمة من العرب طحنهم الفقر، فكونوا لأنفسهم مجتمعا موازيا بقوانين خاصة بهم، ساعدهم عليها اتساع الجزيرة العربية التي اتخذوها مسكنًا وملجئًا.. المزيد عن صعاليك العرب في هذا التقرير.

31/10/2017
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة