يا بُني.. كيف نشأ أدب الوصية وتطوَّر في التراث العربي؟!

 

"أيها الناسُ، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تَلقوا ربكم كحُرمة يومكم هذا وكحُرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها".

(وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه وأمته في خطبة الوداع)

عرف التراث الإنساني لونا بارعا من ألوان نقل المعرفة والخبرة والتجربة بين الأجيال، وهو الوصية، والوصية ترجمة عملية لخوف السلف على أبنائهم ومجتمعاتهم، وإفادتهم بعدم الوقوع في الأخطاء والكوارث التي وقعوا فيها، أو رغبة يريد الإنسان تحقيقها بعد وفاته بصيغة إلزامية قانونية، وهي من هذا الجانب أو ذلك لون عالمي لا يمكن أن تمتاز به أمة عن أخرى؛ لكونه حاجة إنسانية واجتماعية في المقام الأول.

 

وقد عرفنا هذه الحقيقة التاريخية من نقوش أقدم الحضارات الإنسانية وآثارها وتواريخها، ففي الحضارة السومارية في بابل القديمة، كان فريق من الكَتَبة يهتمون بتسجيل الوصايا بمعناها القانوني والديني، وكانوا يتقاضون أجرا على ذلك، كما كانت هذه الوثائق محل اعتبار واعتراف أمام السلطات القضائية في تلك الحضارة القديمة. وعُرِفت تشريعات موسى -عليه السلام- بالوصايا العشرة، وتضع الوصية الأولى أساس المجتمع الديني الجديد، وهو المجتمع الذي لا يقوم على أي شريعة مدنية، بل على فكرة الله، وهو الملك القدوس الذي لا تُدركه الأبصار، والذي أنزل كل قانون، وفرض كل عقوبة، والذي سُمِّي شعبُه بعدئذٍ شعب إسرائيل.

 

وإذا كانت أقدم الحضارات والأديان قد عرفت الوصية بألوانها وأنواعها المختلفة، فقد عرفها العرب قبل الإسلام وبعد الإسلام، وأبدعوا فيها إبداعا تجلّى في قوالب أدبية متنوعة ما بين الشعر والنثر، ولم يبرع فيه الرجال دون النساء، بل اشترك فيه الجميع، وتنوَّعت المناسبات التي تُحدِّد أشكال هذه الوصية، منها ما يتعلَّق بالتشريع الإسلامي، فأضحى للوصية باب من أبواب الفقه على مذاهبه كلها، يُحدِّد شروطها وأشكالها ومقدارها وتقييداتها، كما أضحت جزءا من الميراث الثقافي والأدبي للحضارة والتراث الإسلامي. فكيف أبدع العرب والمسلمون في استكشاف هذا اللون؟ وما الأشكال التي تركوها خلفهم وظلَّت حاضرة في الذاكرة العربية والإسلامية إلى يومنا هذا؟ وكيف تأثر الخلف بهذه الوصايا في حياتهم ونشاطهم الديني والأخلاقي والاجتماعي؟

 

جاء لفظ "وصي" أو "الوصية" أو "الوصاة" في أشعار الجاهليين وأنثارهم في مواضع عديدة، ومناسبات مختلفة، بمعنى تناقل العِبَر، وتوجيه الدروس، والنصح والإفادة من الماضي وذوي الخبرة، يقول عنترة بن شداد:

ولقد حفظتُ وصاةَ عمّي بالضحى *** إذ تقلّص الشفتان عن وضَخ الفمِّ

ومنه ما جاء على لسان عبد قيس بن خفاف البرجمي الذي يقول:

أوصيكَ إيصاء امرئٍ لك ناصح *** طبنٍ بريبِ الدهر غير مغفّلِ

بل اشتهرت بعض وصايا نساء العرب في عصر الجاهلية، وأضحت من عيون التراث العربي منذ أكثر من ألف وخمسمئة عام وإلى يومنا هذا، تأتي وصية أُمامة بنت الحارث لابنتها أم إياس وقت زواجها من ملك كندة الحارث بن عمرو جدّ الشاعر الجاهلي الشهير امرئ القيس على رأس هذه الوصايا الأكثر شهرة، فقد تميزت بالوضوح والجزالة والحكمة والنصح النافع للأبناء كل وقت، تقول أُمامة في وصيتها لابنتها أم إياس:

 

" أي بنية، إن الوصية لو تُرِكَت لفضل أدب، تُرِكَت لذلك منك؛ ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل… أي بُنية، إنكِ فارقتِ الجو الذي منه خرجت، وخلّفتِ العُش الذي فيه درجتِ، إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، فأصبح بملكِه عليك رقيبا ومليكا؛ فكوني له أمَة يكن لك عبدا وشيكا. يا بُنية، احملي عني عشر خصال تكن لك ذُخرا وذكرا: الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهُّد لمَوقع عينه، والتفقد لمَوضع أنفه؛ فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح…"، وهي وصية جامعة مفيدة لكل مُقبلة على الزواج حرصت على تبيان مجالات الرضا، والنظافة ومعانيها وأهميتها، ورعاية الزوج وحقوقه، ورعاية الأبناء والبيت.

 

وحين جاء الإسلام، كان التركيز على الوصية من جانبها الديني والتشريعي والأخلاقي، فقد جاء جذر "وصي" في القرآن الكريم أكثر من عشرة مواضع، تنوعت ما بين وصايا الله لعباده من حيث الإيمان والاعتقاد وتقسيم التركات ومعاملة الوالدين بالحسنى، والأنبياء لأتباعهم وأبنائهم، وكلها في إطار أخلاقي وتشريعي وتوجيهي بحت، يقول تعالى في سورة البقرة: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

 

ولم تقتصر الوصايا على القرآن الكريم وحده، بل في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضا كمٌّ هائل من الوصايا الخاصّة والعامة المنبثقة من مَعين الوحي، منها ما كان لأزواجه وأصحابه ولعموم المسلمين، وما كان في رسائله إلى الملوك والأقوام الأخرى، وقادة سراياه، وكانت وصيته في خطبة الوداع من أشهر وأجلى وصاياه إذ وُجِّهت لعموم الصحابة والمسلمين حتى قيام الساعة، وقد جاء فيها:

"أيها الناسُ، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا. أيها الناسُ، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحُرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تُظلمون قضى الله أنه لا ربا…".

وقد صدق حدسه -صلى الله عليه وسلم-، فقد توفي بعد حجة الوداع بأشهر قليلة، وصارت وصيته تلك تشريعا وتوجيها باقيا إلى يومنا هذا.

 

وسار الصحابة من بعده -صلى الله عليه وسلم- ينتهجون خُطاه في التوصية والوصية للمسلمين عامة، ولأولادهم وذويهم خاصة، وقد أوصى أبو بكر -رضي الله عنه- حين حضره الموت عمر بن الخطاب قائلا: "إني مُستخلفك وموصيك بتقوى الله يا عمر، إن لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله بالليل، واعلم أنه لا يقبل نافلة حتى تُؤدَّى الفريضة، وأنه إنما ثقُلت موازين مَن ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق…".

 

وسار الأمويون والعباسيون من بعد عصر النبوة والخلافة الراشدة في الوصية لخلفائهم والقادمين لتولِّي مقاليد الأمور من بعدهم، وصية تهدف إلى عز الدولة، والسياسة الراشدة الحكيمة، والتعريف بموازين القوى بين العرب والفرس وغيرهم من الأعراق والملل، وكيفية التعاطي مع ذلك كله باللين والرشد، أو بالشدة والعسف إن اقتضى الأمر.

 

ولعل وصية الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي لابنه عبد الله المهدي تُعَدُّ من أشهر وصايا الخلفاء العباسيين لأبنائهم، وقد جاء فيها: "يا أبا عبد الله… اتق الله فيما أعهدُ إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل لك فيما كرَبك وحزنك مخرجا، ويرزقك السلامة وحُسن العاقبة من حيث لا تحتسب، احفظ يا بني محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته، يحفظ الله عليك أمورك، وإياك والدم الحرام فإنه حوب عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم… وأعد الرجال والكراع والجند ما استطعت، وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غدٍ، فتتدراك عليك الأمور وتضيع…".

 

وإذا كانت الوصية قد دخلت ميدان السياسة، وأضابير الحكم، والغرف المغلقة، وصارت لونا على الأداء السياسي، بل وُجِد لون من ألوان التصنيف في هذا المضمار سُمِّي بـ "الآداب السلطانية" أو "مرايا الأمراء" ظهر منذ عصر الغزنويين والسلاجقة والأيوبيين والمماليك والعثمانيين، فيه أنار الفقيهُ عقلَ السلطان ووعيه، وأرشده إلى ما يجب أن يلزمه في تدبير الملك وشؤون السياسة من الأخلاق والحيل والحكم، فإن الوصية أيضا ظلّت ترتقي في مضمار الأدب، وبين العلماء والفقهاء والصوفية والشعراء.

 

واشتهرت في أبواب هذه العلوم وصايا العلماء لأبنائهم وتلامذتهم، يتناقلها الجيل عن الذي يسبقه، ومن هذه الوصايا انبثقت منهجيات العلوم، لا سيما علم مصطلح الحديث، وتحمل الرواية، وتقعدت القواعد التي يجب أن ينتهجها طالب العلم في مضمار علمه، ليصل إلى درجة الرسوخ والترقي، ولتستمر دائرة العلم وقواعده وأخلاقياته دون تحيُّز أو تدليس.

 

لسان الدين بن الخطيب

وكما عرف المشرق الوصايا الدينية والأدبية والعلمية، فقد عرف المغرب والأندلس هذه الوصايا، وترقَّت بهم الأحوال من كونها مجرد وصايا عفوية، وأقوال متناثرة كالأمثال العابرة، والحكم الماضية، إلى فن له أصوله وقواعده، وبلغت هذه الوصايا الذروة والبلوغ والنضج في عصور الانحطاط والضعف السياسي كما في عصر ملوك الطوائف، تنشد كشف الغُمة، وتوحيد الكلمة، ليأخذ كلٌّ دوره ويستشعر مسؤوليته فيما يحاك ويُدبَّر من الأعداء، واشتهر شعراء وأدباء ومثقفون تناولوا هذا اللون من الأدب الاجتماعي الذي كان يعمل بمنزلة جرس إنذار لعموم الأندلسيين وخاصتهم، مثل ابن خاتمة الأنصاري، وابن اللبانة الأندلسي، وابن شهيد، وابن الجيّاب الغرناطي، والمعتمد بن عباد، وابن جبير، ولسان الدين بن الخطيب، وابن الأبّار، وابن حزم، والباجي، وعشرات بل مئات غيرهم.

 

ويأتي العلامة والمؤرخ والأديب والوزير لسان الدين بن الخطيب كونه أشهر هؤلاء الأندلسيين كتابة في فن الوصايا، بألوانها ومضامينها المختلفة، وكان وزيرا محنكا للدولة النصرية، آخر الأُسر التي حكمت مملكة بني الأحمر في غرناطة، وعلى يديها سقطت الأندلس، وقد وجّه لسان الدين الوعّاظ كي يغتنموا الوقت المناسب لبث نصائحهم، فهو يقول: "ولا تعدل الوعظ البليغ باللسان الفصيح، والقلب القريح، فإذا رأيتَ الأرض قد اهتزّت وربَت، وهضاب القلوب القاسية قد تقلّبت، فشمّر للغراس والزراع عن الذراع، واغتنم السراع والإسراع".

وصية لسان الدين بن الخطيب لأبناءه

وتجلَّت الوصية السياسية عند ابن الخطيب أوضح ما يكون، فلم يترك بابا من أبواب السياسة إلا وقد رأينا وصيته فيه، في أبواب الحكم والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والحياة الشخصية، وكيفية اختيار الأعوان ولا سيما الوزير الذي يتحمل عبء الشؤون الإدارية، فهو قطب الدائرة بين السلطان والأعوان والموظفين، كما يُوصِي السلاطين بكيفية التعامل مع الرعية، والحد الذي تبلغ فيه الرضا من أمرائها وملوكها، "حتى تستشعر عليتها رأفتَك وحنانَك، وتعرف أوسطها في النصَب امتنانك، وتحذَر سِفْلتها سنانك، وحظّر على كل طبقة منها أن تتعدى طورها، أو تخالف دورها، أو تجاوز بأمر طاعتك فورها… وامنع أغنياءها من البطر والبطالة، والنظر في شبهات الدين بالتمشدق والإطالة".

 

تلك صورة سريعة من أدب الوصايا في التراث الأدبي العربي والإسلامي، وهو لون من الأدب العالمي في أصله، غير أنه اصطبغ في التاريخ الإسلامي بتأثير من الدين تجلّى في فروعه وأشكاله كافة، من أول الوصية الدينية الصريحة مرورا بوصايا الساسة لخلفائهم وأعوانهم، وانتهاء بوصايا الآباء والعلماء لأبنائهم وتلاميذهم، وقد برعوا في ذلك وأبدعوا بجزالة وبلاغة وفصاحة باهرة.

__________________________________________________________________

المصادر

  1.  ول ديورانت: قصة الحضارة 2/210.
  2.  السابق 2/371.
  3.  حمزة عزام: الوصايا في الأدب الأندلسي ص8.
  4.  علي الجندي: في تاريخ الأدب الجاهلي ص268.
  5.  تهذيب سيرة ابن هشام ص371، 372.
  6.  المبرد: التعازي والمراثي والمواعظ والوصايا ص135.
  7.  الطبري: تاريخ الرسل والملوك 6/344، 345.
  8.  حمزة عزام: السابق ص25.
  9.  المقري: نفح الطيب 6/332.
  10.  السابق 6/433.

حول هذه القصة

النسائي رجل عاش حياته التي بلغت ثمانية وثمانين عاما لخدمة حديث رسول الله ونقله وتعلمه وتعليمه، حتى صار آية من آيات عصره، وأحد الستة المشاهير من رجالات الحديث ومصنفاتهم على مرّ الزمان، فمَن هو النسائي؟

كتب الكثير عن مصر في عصورها المختلفة معلومات تاريخية على قدر شديد من الأهمية والموثوقية، ولعل من أهم متأخريهم الرحالة والفقيه أبو سالم العيّاشي.. فمَن هو؟ وما رحلته التي سمّاها “ماء الموائد”؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة