وصفهم بالذكاء في الخير والشر.. أبو سالم العياشي الرحّالة المغربي الذي وصفَ المصريين وعاصمتهم وأزهرهم

"وبالجملة فمصر أم البلاد شرقا وغربا، لا نستغرب شيئا مما يُحكى عنها من خير وشرّ… وبالجملة فأهلها لهم عقول راجحة، وذكاء زائد، فمَن استعملها في الخير فاقَ فيه غيره، ومَن استعملها في غيره فكذلك".

(العياشي واصفا طبائع أهل مصر في زمنه)

ظلّت مصر طوال ثلاثة عشر قرنا حتى فاتحة العصر الحديث مع ظهور طائرات الرحلات المدنية في النصف الثاني من القرن العشرين ملتقى للقادمين للحج والعمرة وطلب العلوم من بلدان الأندلس والمغرب وغرب ووسط أفريقيا (الفودو والتكرور والسودان وغيرهم)، وفي تلك القرون المتطاولة زار مصر علماء ورحالة مغاربة وأندلسيون كانوا على قدْرٍ عَالٍ من الدقة في توصيف المشاهد والأحداث والطبوغرافيا والعُمران والعادات والتقاليد المصرية على مر العصور والدهور، ولعل من أشهرهم ابن جبير الأندلسي وابن بطوطة والمقري وابن رشيد السبتي والعبدري ومئات غيرهم.

 

وكل هؤلاء كتبوا عن مصر في عصورها المختلفة معلومات تاريخية على قدر شديد من الأهمية والموثوقية، تتجلى معها ملامح الشخصية المصرية على مر هذا التاريخ الطويل الممتد لألف وثلاثمئة عام، ولعل من أهم متأخريهم الرحالة والفقيه أبو سالم العيّاشي (ت 1090هـ/1679م) الذي زار المشرق العربي ثلاث مرات للحج وطلب العلوم والإجازات، وقد مكث في كل ذلك بمصر وعاين علماءها وأزهرها وطبائع أهلها وهي تحت السيادة العثمانية. فمَن هو العياشي؟ وما رحلته التي سمّاها "ماء الموائد" أو "الرحلة العياشية"؟ وكيف كانت مصر وقلبها النابض الأزهر وعلماؤه قبل أربعة قرون في نظره؟ ذلك ما سنراه في سطورنا التالية.

 

في الأطلس الكبير وتحديدا في المناطق القريبة من سجلماسة المتاخمة للصحراء، غرب مدينة ميدلت، تقع مدينة "آيت عياش" البربرية الأصل، وفيها اتخذ العياشون هذه المنطقة الإستراتيجية مستقرا لهم يتمثّل في سهل مُنبسط مُحاط بجبال، بُنيت فيها زاوية أصبح لها دور مهم في تاريخ المغرب الأقصى في القرن 11هـ/17م، وقد تركَت هذه العائلة بصماتها البارزة في تاريخ هذه المنطقة شرق المغرب قرب الجزائر؛ إذ ساهمت بزاويتها وعلمائها ومُجاهديها على امتداد قرن من الزمن في توفير الأمن والغذاء ونشر العلم والتوعية الدينية[1].

 

وتاريخ هذه العائلة العلمية المهمة في شرق المغرب في تلك الفترة كتبه أحد أبنائها وهو عبد الله بن عمر العياشي في كتابه "الإحياء والانتعاش في تراجم سادات آيت عياش"[2]، وقد تلقى أبناء هذه العائلة تكوينهم العلمي والديني في زاويتهم العياشية فضلا عن غيرها من الزوايا العلمية في تلك المنطقة مثل الزاوية الدلائية والدرعية، وكوّنوا لأنفسهم على مر الزمان مكتبات على درجة من الأهمية حتى أضحى لهم صيت في المجال العلمي والديني في إقليم سجلماسة وما حوله.

 

وفي وسط هذه الزمرة المتقنة للعلوم والمعارف وُلِد أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي في أواخر شهر شعبان سنة 1037هـ/1628م، وقد تلقف تعليمه على يد أبيه وأقاربه من العلماء العياشيين، ثم قصد جامع القرويين بفاس والزاوية الناصرية ومشاهير علماء المغرب آنذاك، لكن ذلك لم يشفِ غلته وطلبه للعلوم، يقول: "وكنتُ أول معاناتي الطلب وتشبّثي بأذيال الأدب كلفا بالرواية ومستروحا إليها من أثقال الدراية، فأخذتُ عن الأعلام الذين أدركتهم بالمغرب قليلا فلم يشفِ ما لديهم مما أجدُ غليلا؛ لأنهم اقتصروا من الكُتب على ما اشتهر، واستغنوا عمّا غلب بما ظهر دون المُسلسلات والأجزاء الصغار، وعوالي الإسناد وغرائب الأخبار"[3].

 

فكان الدافع لطلب العلوم على يد كبار علماء عصره في المغرب والمشرق سببا مهما للانطلاق نحو دمياط والإسكندرية والقاهرة ومكة والمدينة وبيت المقدس وغزّة والرملة والمدينة المنورة ومكة المكرمة، وقام بثلاث رحلات في سبيل ذلك، كانت الثالثة والأخيرة سنة 1072هـ/1661م والتي دوّنها باسم "ماء الموائد".

 

أبو سالم العياشي (مواقع التواصل)

ومن ثم انطلق العياشي من سِجلماسة قاطعا جنوب الجزائر ثم مناطق جنوب تونس فطرابلس الغرب ثم إلى الإسكندرية، وقد وصلها والوباء قد حلّ بأهلها في ذلك العام 1661م، وكان العياشي فقيها مالكيا متصوفا على طريقة أبي الحسن الشاذلي، وهي الطريقة التي انتشرت في المغرب ومصر معا، لا يكاد يمر على ولي من الأولياء إلا ويُظهِرُ له الاحترام والتقدير، ورغم ذلك كان متمسكا بالسنة، عالما بها، حريصا على أخذ الإجازات من شيوخها وعلمائها في هذه الرحلة، وحين اقترب من الإسكندرية ولم يقدر له ولا للركب المغربي الدخول إليها بسبب ما بها من الوباء القاتل، كتب قصيدة إلى الشيخ العارف الصوفي أبي العباسي المرسي، وأرسلها مع أحد الإسكندريين لكي يُعلّقها في ضريحه بالمدينة، وفيها يقول:

وإني مِن حُبّي له مُتطفّلٌ *** عليه وما تابعتُ منهجَهُ القُدسي

عساهُ بفضل منه يجذبُني إلى *** هُداه ويحميني من الرجز والرجسِ

لقد حازَ فخرا دانَ من بعده له ** وناهيكَ من فضل له بان للحسّ[4]

ويبدو أن الاستغاثة بالأولياء لدفع الشدائد والأمراض والأوبئة كانت من الثقافة العامة في ذلك العصر، بين العلماء والعامة على السواء، فحين ترك العياشي الإسكندرية وسار جنوبا في منطقة كثيرة الرمال بها بعض نخل وماء ورهبان، ويبدو من خلال الوصف أن نزوله كان في منطقة "وادي النطرون" بالبحيرة، قال: "وهناك أنشأتُ أبياتا متوسّلا إلى الله ومستغيثا به بمَن في مصر من الأولياء في دفع شر الوباء، لضيق القلوب، وترادف الكروب"[5].

 

وقد ذكر العياشي أن نزول الركب المغربي في القاهرة ليلتحم بالركب المصري المتجه للحجاز في يوم 27 شوال من كل عام كان عادة في تلك السنين، وكان نزول المغاربة من كل عام في النصف الثاني من شهر رمضان، يمكثون في القاهرة شهرا كاملا أو أزيد قليلا حتى السفر والانطلاق للحجاز، وكان أغلب التجار يمكثُ في الوكالات أو الخانات، وهي بيوت كانت معدة للكراء، في طوابقها العليا يسكن الناس وفي صحنها وطوابقها السفلية تُربط البهائم والدواب، وتُخزّن السلع والتجارات، وفريق آخر كان يستأجر بيوتا في حي الصليبية وبالقرب من جامع أحمد بن طولون لوجود الأسواق الكبيرة من الدواب وغيرها في ميدان الرملة أسفل قلعة الجبل، فيشتري منها المسافرون كل زادهم وحوائجهم.

 

لكن العياشي كان رجلا عالما فقيها، لم يكن ليعدل عن سُكنى الأزهر والمناطق القريبة منه أي مكان آخر في القاهرة؛ لأن هدفه الأكبر لُقيا العلماء والسادات من الصوفية، وهم لا يسكنون إلا في تلك المناطق، يقول: "بعثنا بعض إخواننا وأصحابنا فتقدّموا مع مَن تقدّم إلى القاهرة ليرتادوا لنا منزلا قرب الأزهر؛ لأن كثيرا من الحجاج ينزلون بطولون (الجامع) ليقربوا من [ميدان] الرملة [أسفل قلعة الجبل] محل سوق الدواب وما يُحتاج إليه من أمور السفر، ومَن كان ذا تجارة ينزل بالوكائل، ونحن لا نعدل بقرب الأزهر مكانا"[6].

 

ولقد بلغ الأزهر في العصر العثماني مكانة عالمية مرموقة في العالم الإسلامي كله، لأسباب مختلفة، على رأسها سعة أوقافه، وعدم تدخُّل العثمانيين في السياسة التعليمية به، وهو ما يؤكّده الدكتور ناصر عبد الله بقوله: "أهم ما كان يميز الدراسة بالأزهر [آنذاك] الحرية التامة، إذ كانت تكفل للطالب الحرية في الدراسة فيتتلمذ على مَن يريد من العلماء، كما كان لكل طالب الحرية في أن يبقى في الأزهر ما شاء من الزمن، وكان الأساتذة يعقدون الحلقات العلمية حول أعمدة الأزهر"[7].

 

لكن حسام عبد العاطي في دراسته "شيخ الجامع الأزهر في العصر العثماني" يتوسع في بيان الأسباب التي أدّت إلى عالمية الأزهر آنذاك، فيُرجعها إلى تزايد إيرادات الأزهر وأوقافه ودعم السلاطين العثمانيين وبخاصة السلطان سليمان القانوني له؛ فكان خير معين للعلماء وطلبة العلم على السواء، ثم زيادة أهمية القاهرة آنذاك باعتبارها أهم مركز ثقافي في المشرق العربي خلال العصر العثماني مقارنة بإسطنبول التي كانت المركز السياسي، وغلبة الدراسة باللغة التركية فيها، وكون القاهرة أيضا ملتقى الحجاج المغاربة والأفارقة قد أسهم في هذه السمعة والمكانة للأزهر الذي أصبح التعليم فيه مسوغا لنيل أعلى المراتب الوظيفية في بلدان المشرق والمغرب كافة[8].

 

والعياشي نفسه يخبرنا عن مصر في مخيال المغاربة ممن سبقوه منذ ابن خلدون المتوفى قبله بثلاثة قرون من الواردين والصادرين حتى زمنه، فهو يقول: "وبالجملة فمصر أم البلاد شرقا وغربا، لا نستغرب شيئا مما يُحكى عنها من خير وشرّ… وبالجملة فأهلها لهم عقول راجحة، وذكاء زائد، فمَن استعملها في الخير فاق فيه غيره، ومَن استعملها في غيره فكذلك"[9]. ولعل هذا الوصف يُبيّن لنا الأسباب التي جعلت الأزهر جامعة إسلامية عالمية آنذاك، نظرا لأهمية مصر العلمية والثقافية والاقتصادية والجغرافية، فكل مَن أراد شيئا فيها وجده كما يخبر العياشي.

وعلى الرغم من حرص العياشي على السُّكنى بالقرب من الجامع الأزهر طوال مدة مُكثه فإنه يقول: "لم نجد دارا للكراء (الإيجار) بقرب الأزهر مع شدّة رغبتنا في ذلك… وجعلنا نتطلب دارا للسُّكنى فما وجدنا إلا آخر النهار بمحل يقال له البردبكية، وجدنا هناك دارا واسعة فيها عدة مساكن إلا أنها بعيدة عن الأزهر بنحو من أربعمئة خطوة قريبة من مشهد (مسجد) الحسين رضي الله عنه"[10].

 

لقد أراد العياشي أن يقضي جُل وقته في الأزهر الشريف، صلاة ودراسة ولقاء بكبار العلماء الأزاهرة في الحديث والتفسير والفقه والتصوف، ففي اليوم الأول من دخوله القاهرة يلتقي بالشيخ عبد الجواد الطريني أحد الفقهاء المدرسين بالأزهر، والشيخ إبراهيم بن محمد الميموني (ت 1079هـ) أحد علماء الحديث والفقه الكبار، وكان ذا شهرة كبيرة في أرجاء المغرب ومصر، كانت قد "أخذت السِّن من قواه ما ظهر أثره في قوله وفعله، ومع ذلك قد مُتّع بسمعه وبصره… دخلت عليه بعد العصر فوجدته يُصَحّح مع بعض الطلبة تأليفا له في مباحث تتعلق بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ ليُهلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ)، مع آية أخرى أتى فيه بالعجب العُجاب، وهشَّ -رضي الله عنه- للقائنا وبشَّ… وعزم علينا أن نُفطر عنده تلك الليلة [من رمضان] مع جماعة من الإخوان، ففعلنا وبتنا تلك اللّيلة بالجامع الأزهر لأنها ليلة سبع وعشرين، وفي الحقيقة كل الليالي بذلك المسجد كليلة القدر لأنه معمور بالذكر والتلاوة والتعليم آناء الليل وأطراف النهار، لا تنقطع منه العبادة ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، فهو عديم النظير في مساجد الدنيا، حاشا المساجد الثلاثة (الحرام والنبوي والأقصى)"[11].

 

ولم يفته أن يلتقي بشيخ المالكية والحديث النبوي في الأزهر وعموم مصر في زمنه الشيخ عبد السلام بن إبراهيم اللقاني المصري المالكي (ت 1078هـ) الذي "هو وارث علوم أبيه، والفذ من أصحابه الذي ليس له شبيه" كما يصفه، وقد ناقشه أبو سالم العياشي في عدة مسائل فقهية وطبية، وأبدى اعتراضه على بعض ما ذكر الشيخ، كما التقى بالشيخ سلطان بن سلامة المزاحي المصري (ت 1075هـ) شيخ التجويد والإقراء في الديار المصرية الذي "كانت في خُلقه -رضي الله عنه- شدّة، لا يترك أحدا يُقبّل يده غالبا… ولا يتحمل للطلبة الذين يقرؤون عليه أدنى غلط يقع منهم، بل يُبالغ في التقريع والتوبيخ، بل ربما زاد إلى الشتم، والناس يتحملون ذلك منه لتحقيقه وانفراده بذلك"[12].

 

ويلمح العياشي بذكائه طبيعة الشخصية المصرية التي كانت تتحمل شدة الساسة والعلماء على السواء بخلاف المغاربة، فهو يقول: "والمغاربة لما في أخلاقهم من الشكاسة لا يكادون يصبرون على القراءة عليه [أي الشيخ سلطان المزاحي]؛ فأكثر الملازمين له أهل بلده [أي المصريين]؛ لما جُبلوا عليه من سعة الخلق، وتحمل الأذى، والصبر الذي لا يوازيهم فيه أهل قُطر من الأقطار"[13].

ويمضي العياشي في الحديث عن بقية من مشاهير علماء الأزهر ومصر الذين التقى بهم وأخذ عنهم وأجازوه بسندهم، بل وبعض مناظراته العلمية معهم، وهو في كل ذلك رجل مستمسك بأهداب دينه وعقيدته، ينمّ وصفه عن بلاغة عالية، وفهم قوي عميق، يدرك أهمية مصر وعلمائها وأزهرها في ذلك الزمان، ويعلم أنها أحد أهم مصادر العلم التي لا يجب أن يفوّت طالب العلم الرحلة إليها.

 

كما كان حريصا على زيارة أسواق القاهرة لما رآه فيها من التحف ونفائس الكُتب التي لم يرها في مكان آخر، يقول: "وكنتُ طول النهار ذاهبا وجائيا في قضايا الأوطار، وتهيئة أسباب الأسفار وشراء كتب، وقد يسّر الله منها جملة اشتريتها نحو الخمسين من جملتها نُسخة من الكشَّاف قُرئت على العلامة الجاربردي اشتريتُها ليلة خروجنا بواسطة محبّنا وأخينا الشيخ علي الدمشق من عند رجل له تعلّق بالعسكر"[14].

 

تلك بعض من خفايا الزوايا التي نراها في رحلة الشيخ الفقيه أبي سالم العياشي المغربي للقاهرة والأزهر في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، على اختصار شديد، وفيها من الفوائد والدرر والمعلومات الموثّقة ما يُفنِّد مزاعم أن مصر في العصر العثماني كانت قُطرا غارقا في الجهل أو التخلف أو الرجعية من أبوابه العلمية أو الاقتصادية، بل على العكس من ذلك، فنراها عند العياشي وغيره ملتقى للأجناس من كُل أقطار الدنيا كما وصف، وتلك حقيقة جليّة!

__________________________________________

المصادر

  1. العياشي: إتحاف الأخلاء بإجازات المشايخ الأجلاء ص11.
  2. السابق ص11.
  3. فهرست أبي سالم العياشي المسمى "مسالك الهداية".
  4. الرحلة العياشية 1/213، 214.
  5. الرحلة 1/215.
  6. الرحلة العياشية 1/220.
  7. ناصر عبد الله: قبل أن يأتي الغرب ص132.
  8. حسام عبد العاطي: شيخ الجامع الأزهر في العصر العثماني ص14- 17.
  9. الرحلة 1/222.
  10. الرحلة 1/227.
  11. الرحلة 1/228.
  12. الرحلة 1/229.
  13. الرحلة 1/230.
  14. الرحلة العيّاشية 2/359.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة