المآصِر.. كيف حفظ المسلمون موانئهم وأنهارهم عبر القرون؟

 

وكان في دجلة ألفَ مأْصَرٍ *** لم يعنها إلا جناح طائرِ

يُجبون كُلّ مُقبِل ومُدْبرٍ *** مُجاهرين بالفِعالِ المنكرِ

كَم تاجر راوغهم بزورقِه *** فأغمدوا سيوفَهم في مفرقِه

الشاعر والأمير العباسي ابن المعتزّ (ت 296هـ)

 

حرص المسلمون في عصورهم القديمة على تحقيق الأمن والأمان لأنفسهم ومدنهم، وفضلا عن وجود الجيوش والحرس والشرطة والعيون والمخابرات، ثم تحصين المدينة الإسلامية بأسوار وأبراج ومراقبين على مدار الساعة، فقد بالغوا في حراسة الأنهار والموانئ لتحقيق غايتين، الأولى هي الأمن والأمان، والثانية لأخذ الضرائب المستحقة على التجار غير المسلمين أو المسلمين وكذلك العُشور.

 

فأنشؤوا على مجاري هذه الأنهار لا سيما في دجلة والفرات وبعض الطرق البرية القريبة من العراق منشآت أسموها المآصر أو المآصير، كما حرصوا على وجود هذه المآصير في الموانئ البحرية الإسلامية الكبرى في كلٍّ من عكا واللاذقية والإسكندرية ودمياط والسويس وطرابلس وغيرها، ولم يكن هذا النظام إسلاميا فقط، بل وجدناه عند القوى البيزنطية الرومية في القسطنطينية (إسطنبول) ورودس وقبرص وكريت وغيرها من موانئ البحر المتوسط، بل أشار بعض المؤرخين إلى وجوده قبل الإسلام. فما المآصِر؟ وكيف كتب عنها المؤرخون والجغرافيون المسلمون؟ وأين وُجِدت؟ وهل كانت تُحقِّق الأمن أم كانت تُستَغلّ لإرهاق كاهل الناس بالجبايات والضرائب والمظالم؟ ذلك ما سنتعرف عليه في سطورنا التالية.

 

عنوان ميدان

لوحة فنية

كان مما عُني به الجغرافيون المسلمون في كُتبهم وموسوعاتهم الثغور المطلة على سواحل البحار، فوصفوها بما أوتوه من علم ومعرفة، وخصّوا موانئها بقسط وافر من هذا الوصف، تلك الموانئ العجيبة التي كانت تعجّ بالسفن الذاهبة والقادمة والراسية، ولا غرابة من قول بعضهم في وصف ميناء طرابلس الشام إنه "ميناء عجيب يحتملُ ألف مركب"، وإن "المراكب تحطُّ فيه ليلا ونهارا، وترِدُ بالتجارة على مرّ الأوقات والساعات صباحا ومساء مِن بلَد الروم وأرض المغرب بضروب الأمتعة والأطعمة"[1].

 

على أن ما يسترعي الاهتمام في كثير من هذه الموانئ وجود "سلسلة" ضخمة من الحديد تعترض الميناء فتحدّه من جهة البحر، رسخ أحد طرفيها في صخرة مرتفعة مشرفة على جانب الميناء ورُبط طرفها الآخر بقُفل محكم الصُّنع وُضع داخل بُرج أو مرصد مُطلّ على الميناء من جهته الثانية، ويجلس في البرج المذكور شخص يُطلق عليه اسم "صاحب القفل" بيده الأمر والنهي في خروج السُّفن من الميناء ودخولها إليه، فيعمل على رفع السلسلة أو على خفضها، ويشبه هذا ما كان يجري في بعض الأنهار غير أنه كثيرا ما استُبدلت السلاسل بالقلوس وهي الحبال الضخمة السميكة، والأبراج بالسفن النهرية، ويُطلق على هذه كلها "المآصر"[2].

 

وتعطينا المعاجم العربية لمحة مهمة عن التطور الدلالي والتاريخي لكلمة "مأصر"، فبينما يعتبر الجوهري (ت 393هـ) في معجمه "الصِّحاح" أن "أصره يأصره أصرا: حبسه، والموضع مأصَر ومأصِر والجمع مآصر"، نرى الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) يقول في مادة أَ صَ رَ: "الأصرُ عقد الشيء وحبسه بقهره، يُقال أَصرته فهو مأصور، والمأصَر والمأصِر محبس السفينة"[3]، وعند ابن منظور المصري (ت 711هـ) في "لسان العرب": "المأصر يُمدّ على طريق أو نهر تُؤْصر به السُّفن والسابلة، أي يُحبس لتؤخذ منهم العُشور"[4].

إذن المآصر هي السلاسل الحديدية أو الحبال الغليظة التي كانت تُشد لاعتراض السفن والمارّة في الأنهار والموانئ وربما في بعض الطرق البرية التي كان على رأسها المخافر للحراسة وجبي الضرائب والعُشور، فحققت هذه المآصر وظيفتين؛ الأولى أمنية بتفتيش المشتبه فيهم، والقبض على اللصوص والقتلة والهاربين من العقاب، والثانية اقتصادية بجبي الضرائب والعُشور من التجار وعامة الناس.

 

واللافت أن المآصر كانت إرثا من أزمنة ما قبل الإسلام، ولم تتغير وظيفتها بعد الإسلام الذي جاء بتحريم الظلم وضريبة العشور إلا بشروط قاسية، ويذكر الدكتور جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أنه "كان مما يفعله العشّارون وضع "المآصر" على مفترقات وملتقيات الطرق وعلى المواضع المهمة من الأنهار ليؤصروا السابلة وأصحاب السفن، ولتؤخذ منهم العشور. وقد عُرف مَن كان يقوم بالتقدير والخرص بـ "الحازر" و"الخارص"، لأنه كان يحزر المال ويُقدّر ما يجب أخذه منه ومن غلة الزرع بالحدس والتقدير. وكان الحاذر يشتد في أخذ الحزرة ويتعسف على الناس، وقد نهى النبي عن ذلك، والحاذر مثل العشَّار والخارص من المكروهين عند الجاهليين"[5].

 

عنوان ميدان

المأصر

وقد أقام الأمويون والعباسيون على نهر دجلة العديد من هذه المآصر، ويخبرنا ابن رستة في موسوعته الجغرافية "الأعلاق النفيسة" في وصفه للطريق بين بغداد والبصرة في أواخر القرن الثالث الهجري وأهم المدن بينهما أو المراحل التي كان يرتاح فيها الناس، وفي نهايتها منطقة تُسمى الحوانيت كانت مرفأ لنوع من السفن النهرية آنذاك تُسمّى "السيّارة"، قائلا: "مِن بغداد إلى المدائن، ومن المدائن إلى دير العاقول، ومنه إلى جَرْجرايا… وبالحوانيت (موضع) أصحاب السيّارة (نوع من المراكب)، والمأصر مِن قِبل السُّلطان، والمأصر أن تُشدّ سفينتان من أحد جانبي دجلة وسفينتان من الجانب الآخر، وتُشد السفن على شطّين، ثم تؤخذ قلوس (الحبال الكبار) على عرض دجلة وتُشدّ رأسها إلى السفن لئلا تجوز السُّفن بالليل"[6].

 

وقد أمدّتنا كتب التاريخ عن العديد من هذه المآصر أو السلاسل التي كانت تمنع السفن من المرور قبل تفتيشها وأخذ الضمانة أو الضرائب أو العُشور المستحقّة عليها بمعلومات مهمة مع ندرتها، وتعود بعض هذه الأخبار إلى زمن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ) وواليه على العراق زياد بن أبيه الذي عُيّن من قِبله موظفا على مأصر منطقة صريفين في واسط، وكانت سلسلة ضخمة من الحديد، وهذا الأمير أو موظف أو عامل المأصر كان اسمه مسروق، وقد أخبر بعض شهود العيان أنه قال: "كنتُ مع مسروق بسلسلة واسط فمرّت سُفن فيها هدايا إلى مُعاوية"[7].

 

ولئن كان مسروق والي مأصر واسط عفيفا شريفا مترفعا عن الحرام وإرهاق المارّة بالضرائب والعشور كما شهد له مؤرخ واسط أسلم بن سهل الواسطي (ت 292هـ) المعروف ببحشل، فقد جاء زمن تواطأ فيه ولاة المآصر على نهر دجلة شمال بغداد وجنوبه مع ظلمة الولاة أو العيارين والشُّطّار، وهم نوع من اللصوص والقتلة مِن عامة الناس طوال قرون في العراق العباسية، ففي حوادث سنة 425هـ كان "عود العيَّارين إلى الانتشار ومواصلة الكبَسات بالليل والنهار، ومضى البرجَمي (قائد اللصوص) إلى العامل على المأصر الأعلى بقطيعة (حيّ) الرقيق، فقرر معه أن يُعطيه في كل شهر عشرة دنانير… ويُطلقوا له سميريتين (سفينتين) كبيرتين بغير اعتراض، وأخذ عهده على مراعاة الموضع"[8].

 

وحين ارتقى أمير الأمراء محمد بن رائق في زمن ضعف الخلافة العباسية في النصف الأول من القرن الرابع الهجري إلى مقاليد السلطة، فرض على الناس الضرائب المرهقة، "وهو الذي وضع المآصير ببغداد، وما كانت سُمعت الضرائب من قبله" كما يذكر مسكويه في "تجارب الأمم". وأضحى ابتزاز الناس على هذه المآصر أو المآصير ظاهرة لافتة في أزمنة ضعف السلطات، حتى جنى ولاة هذه المآصير أموالا من السحت وابتزاز الناس واستغلال ضعفهم وحاجتهم إلى المرور إلى مقاصدهم.

وكان منهم رجل اسمه ابن الهاروني، قال عنه ابن الجوزي في تاريخه "المنتظم" في حوادث سنة 530هـ إن ظلمه بلغ الخاصّة والعامة، حتى شكا منه السلطان عماد الدين زنكي للخليفة العباسي الراشد بالله، وطالبه بقتله جراء استفحال ظلمه وفساده على نهر دجلة، يقول ابن الجوزي: "ثم تقدَّم إلى أبي الكرم الوالي بقتله، فقُتل (ابن الهاروني) في الرحبة وصُلب على خشبة قصيرة، ومَثّل به العوام، فلما جنّ الليل أخذه أهله، وعفَوا أثره، وظهرت له من الأموال والأثاث وأواني الذهب والفضة أمر عظيم، ووصل إلى الخليفة من ماله مئتا ألف، وكانت له ودائع عند القُضاة والتجّار"[9].

 

ويبدو أن مظالم المآصير وولاتها صارت مستفحلة، حتى إن الشاعر والأمير العباسي أبا العباس عبد الله بن المعتزّ (ت 296هـ) يقول في بعض رَجزه:

وكان في دجلة ألف مأصر *** لم يعنها إلا جناح طائر

يُجبون كلّ مقبل ومدبر *** مُجاهرين بالفعالِ المنكرِ

كَم تاجر راوغهم بزورقِه *** فأغمدوا سيوفَهم في مفرقِه

عنوان ميدان

لوحة فنية

ولقد اشتهرت الموانئ البحرية الإسلامية والرومية بوجود العديد من هذه المآصر أو السلاسل الضخمة التي كانت تُوضع في تركيبها أقفال مُحكمة الصُّنع، توضع عند أطراف السلاسل تُفتح وتُغلق عند الحاجة، وكانت هذه السلاسل توفر الحماية ذاتها التي توفّرها الأسوار والقلاع والأبراج في المدن الداخلية، فإذا أُريد إدخال سفينة إلى الميناء أُرخيت السلسلة من جانب القفل حتى تغوص في الماء فتمر السفينة من فوقها ثم تُشدّ السلسلة بعد ذلك[10].

 

ولعل أشهر هذه السلاسل أو المآصر سلسلة خليج القسطنطينية التي دافعت عن عاصمة البيزنطيين أكثر من ثمانية قرون أمام هجمات المسلمين التي بدأت مع عصر الدولة الأموية حتى زمن العثمانيين، بل لم يستطع العثمانيون إدخال سفنهم ومدافعهم لمهاجمة أسوار المدينة بقيادة السلطان محمد الفاتح إلا بعد أن قرّر تجاوز هذه السلسلة، بتفكيك السفن العثمانية وحملها على الجمال وتجاوز هذه العقبة من ناحية البر، وإعادة تركيبها على الشاطئ المواجه للقسطنطينية، وهو التكتيك العسكري الفريد الذي كان كلمة الفصل في دكّ أسوار القسطنطينية وحصارها من البر والبحر، فسقطت في أيدي العثمانيين بعد أسابيع من المعاناة، وقرون من المحاولات الفاشلة.

 

وكانت مدينة دمياط الواقعة على الضفة الشرقية من النيل وفي شمالها البحر المتوسط قد حفظت النيل بسلسلة كبيرة، تبدأ من برج السلسلة على الضفة الأخرى بعرض النيل إلى مدينة دمياط ذاتها، وكان لهذه السلسلة الفضل في منع مرور السفن الصليبية في الحملة الصليبية الخامسة (615-617هـ) على مصر، يقول ابن واصل الحموي في تاريخه "مفرج الكروب": "كانت منزلة الفرنج في جيزة دمياط غربيها، وبينهم وبين برّ دمياط بحر النيل، ومراكبهم لا يمكنها الدخول في بحر النيل بسبب السلسلة الممتدة من برج السلسلة إلى دمياط"[11]. وطوال عامين كاملين مع مقاومة أيوبية شرسة، كان لمأصر أو سلسلة دمياط الفضل في فشل الحملة الصليبية الخامسة على مصر.

 

وقد وُجِدت مآصر في موانئ الإسلام الكبيرة مثل طرابلس واللاذقية والسويس والإسكندرية، ولعل برج السلسلة الذي كان أحد أبراج ميناء الإسكندرية في عصرها الإسلامي وحتى بواكير العصر الحديث يُدلِّل على هذه الحقيقة، وهكذا أدّت المآصر خدمات أمنية واقتصادية جليلة لمدن الأنهار والبحار، بل وعلى الطرق والمخافر البرية طوال قرون.

____________________________________

المصادر

  1. ابن حوقل: صورة الأرض ص69.
  2. ميخائيل عوّاد: المآصر في بلاد الروم والإسلام ص6.
  3. الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن ص78.
  4. ابن منظور: السان العرب، مادة أصر
  5. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9/308.
  6. ابن رستة: الأعلاق النفيسة ص184، 185.
  7. بحشل: تاريخ واسط ص36، 37.
  8. ابن الجوزي: المنتظم 15/239.
  9. ابن الجوزي المنتظم 17/307.
  10. ميخائيل عواد: المآصر ص24.
  11. ابن واصل: مفرج الكروب 3/259.

حول هذه القصة

كتب الكثير عن مصر في عصورها المختلفة معلومات تاريخية على قدر شديد من الأهمية والموثوقية، ولعل من أهم متأخريهم الرحالة والفقيه أبو سالم العيّاشي.. فمَن هو؟ وما رحلته التي سمّاها “ماء الموائد”؟

Published On 3/8/2020

أبلى بلاء حسنا بإيران وأفغانستان، وقاد الانتصارات الظافرة على أولئك الذين حاولوا إعادة دولة بني ساسان الكسروية القديمة، فوأدها في مهدها، وقضى عليها بجحرها، فمَن هو عبد الله بن عامر؟ وكيف كانت تنشئته؟

Published On 10/8/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة