قلعة الروم.. كيف حوّلها السلطان خليل بن قلاوون إلى قلعة المسلمين؟

"ثم سار إلى قلعة الروم فافتتحها بالسيف قهرا في يوم السبت حادي عشر رجب، وجاءت البشارة بذلك إلى دمشق، وزُيّنت البلدُ سبعة أيام، وبارك الله لجيش المسلمين في سعيهم، وكان الفتح بعد حصار عظيم جدا، مدة ثلاثين يوما، وكانت المنجنيقات تزيد على ثلاثين منجنيقا… وكان [دخول السلطان الأشرف خليل] إلى دمشق بكرة يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان، فاحتفل الناس لدخوله ودعوا له وأحبّوه، وكان يوما مشهودا".

المؤرخ والمحدث عماد الدين بن كثير في "البداية والنهاية"

كانت وفاة السلطان الصالح نجم الدين أيوب في عام 647هـ/1249م آخر أقوى سلاطين الأيوبيين في مصر إيذانا ببدء مرحلة جديدة، مرحلة سيسود فيها العنصر المملوكي المجلوب من وسط آسيا وجورجيا واليونان وغيرها، وأغلبهم من الأتراك الذين كانوا منذ عصر الصالح العنصر الأهم والأقوى في الجيش الأيوبي، وكان السلطان الصالح قد خصّص لهم قلعة عسكرية في جزيرة الروضة في بحر النيل فنُسبوا إليها وسمّوا بـ "المماليك البحرية".

 

استطاع هؤلاء المماليك أن يكون لهم دور قوي في دحر الحملة الصليبية السابعة على مصر بقيادة لويس التاسع، بل وأَسْره والقضاء على عشرات الآلاف من جيشه في معارك المنصورة ودمياط، وقد اكتسب المماليك منذ تلك المعركة شهرة واسعة، ثم زادت هذه الشهرة عقب انتصارهم على المغول في معركة عين جالوت في فلسطين سنة 658هـ/1260م ودحرهم من كامل بلاد الشام.

 

لكن المغول الذين كانوا قد أسقطوا الخلافة العباسية وسيطروا على العراق ومناطق واسعة من الأناضول ظلّوا منذ تلك اللحظة الأعداء الأشداء والأقوياء والمتربصين بالمماليك في الشام ومصر، ويسعون بكل سبيل ممكن للقضاء عليهم وهزيمتهم، فكوّنوا منذ ذلك الحين تحالفات مع أعداء المماليك من الأرمن الكاثوليك في جنوب الأناضول، وبقايا الصليبيين المحتلين لمناطق ومدن الساحل الشامي في أنطاكية وطرابلس الشام وبيروت وعكا وغيرها، ومن ثم أصبح المماليك أمام معضلة عسكرية وتهديد وجودي لهم مكوّن من تحالف الغول والأرمن والصليبيين.

السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس

وكان ارتقاء السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس (658-676هـ) إلى سدة عرش المماليك البداية الحقيقية والقوية لدحر هؤلاء الأعداء، مع تكوين تحالف مضاد من البيزنطيين في القسطنطينية، ومغول القبيلة الذهبية في مناطق جنوب روسيا والقرم، واستطاع بيبرس أن يخوض معارك منفصلة وطويلة ضد الأعداء الثلاثة، وقد استطاع النجاح والظفر في جل معاركه، ثم خلفه السلطان المنصور قلاوون (ت 689هـ) الذي سار على درب الظاهر بيبرس، وبعد موته ارتقى ابنه السلطان الأشرف خليل بن قلاوون (689-693م) الذي عزم على سحق آخر الإمارات الصليبية في الشام في عكا، ثم قرّر الانتقام من الأرمن الذين كانوا أكبر الداعمين للمغول والصليبيين في شمال بلاد الشام بالاستيلاء على قلعة شديدة الأهمية والإستراتيجية وكانت بمنزلة مخلب النمر للهجوم على مناطق المسلمين المجاورة لهم.

 

تلك هي قلعة الروم، فكيف استولى عليها السلطان الأشرف خليل؟ وما الإستراتيجية التي سار عليها في سبيل تحقيق هدفه العسكري؟ ذلك ما سنراه في سطورنا التالية.

 

 

كان الخان (الملك) المغولي أرغون بن أباقا، الذي كان قد قتل عمّه أحمد تكودار سنة 683هـ واستولى على العرش المغولي في العراق وبلاد فارس، معاصرا للسلطان الأشرف خليل، وقد حاول أرغون أن يُشكِّل تحالفا مغوليا أوروبيا للانتقام من المماليك في الشام ومصر، نتيجة لانتصاراتهم المتوالية في عصور الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون، وآخرها طرد بقايا الصليبيين من الساحل الشامي.

أرغون بن أباقا

على أن انتصار المماليك ودحرهم للصليبيين كان قد جعل السلطان الأشرف وقوات المماليك أقوى أمام الصلف المغولي، وكان للقدر كلمته في مشروع "الغزو المغولي الأوروبي المشترك" الذي أراده خان المغول؛ لأنه كان قد انتهى بوفاته سنة 691هـ، ورغم ذلك أصرّ خلفه كيخاتو على مناورة السلطان الأشرف حيث بعث إليه رسالة طالبا منه تسليم مدينة حلب للمغول، وكانت هذه الرسالة خارجة عن حقائق التاريخ والواقع؛ بسبب القوة والظفر المملوكي المتنامي في المنطقة.

 

ومن هنا أرسل الأشرف خليل إلى خان المغول رسالة جاء فيها: "الحمد لله الذي وافق أخي القان «الخان» ما كان في نفسـي، وكنتُ قد عزمتُ مع أمراء دولتي أن أسير طالبا من أخي بغداد، وإن لم يسمح لي بها، ركبتُ ودخلت بعسكري وأخربتُ بلاده، وقتلتُ رجاله، وفتحتها قهرا، وجعلتُ فيها نائبا من جهتي، فإن بغداد هي دار الإسلام، وأرجو أن أُعيدها للإسلام كما كانت، ولكن إذا وصلتم إليه عرّفوه مَن يسبق إلى بلاد صاحبه ويدخل فيها"[1].

 

لقد كانت رسالة كيخاتو في حقيقة الحال عبثية لا قيمة من ورائها؛ إذ انشغل بالمؤامرات الداخلية، والاقتصاد المتداعي، ثم انتهت هذه الألاعيب النفسية بمقتله في نهاية الأمر سنة 694هـ[2]، وكرد عملي على هذه الرسالة المغولية أصدر السلطان خليل قراره بتجهيز الجيش وفتح قلعة الروم في جنوب الأناضول، وتقع اليوم ضمن الحدود الإدارية لمحافظة غازي عنتاب في جنوب تركيا. كانت هذه القلعة مكوّنة من ثلاث قلاع متفرّقة حصّنها الأرمن الكاثوليك بأسوار موحّدة؛ فأصبحت كأنها قلعة واحدة، وقد جاء ذكر هذه القلعة في نص المعاهدة التي وقّعها من قبل الملك المنصور قلاوون وملك الأرمن ليفون بن هيثوم، فدخلت في حكم الهدنة بين الفريقين[3].

 

وبرغم هذه الهدنة، فإن سكانها ومقاتليها اتّسموا بالخداع، وظلّوا على علاقات ودية بالمغول في العراق وبلاد فارس، بل إن حاكمها البطريرك ستيفانوس الرابع آوى كثيرا من التتار أو المغول القادمين من إيران الذين شكّلوا خطورة على المسلمين القريبين منهم، ولم يتوقف هذا التحالف الأرمني المغولي في تلك القلعة عند هذا الحد، بل انطلقوا يقطعون الطرق، وينهبون مناطق المسلمين المحيطة بهم، وكان نائب مدينة حلب الأمير قراسنقر على اطلاع بهذه التطورات التي أرسلها في تقرير مفصّل إلى السلطان الأشرف خليل في القاهرة.

 

حين وقف السلطان خليل على هذه التطورات، وكان قد استرد مدينة عكا من الصليبيين منذ عدة أشهر قليلة، ولم يبقَ له في بلاد الشام عائق أو قوة تناوشه، أرسل أوامره إلى نائبي (أميري) دمشق وحلب وملك حماة بتجهيز آلات الحصار الثقيلة مثل المنجنيقات والعرّادات بسبب حصانة هذه القلعة التي كان يحيط بها نهر الفرات، ثم بدأ الاستعداد للخروج على رأس الجيش بنفسه، فخرج من القاهرة على رأس الجيش المملوكي المصري وبلغ مدينة دمشق في 6 جمادى الأولى سنة 691هـ، ثم من الشام إلى حماة ومنها إلى حلب ثم إلى قلعة الروم، وبدأت عملية الحصار في 8 جمادى الآخرة سنة 691هـ/26 مايو/أيار 1292م[4].

 

لقد كانت قلعة الروم من القلاع الحصينة شديدة الأهمية، حتى قيل إنها كانت أكثر حصانة من سور وأبراج مدينة عكّا التي استردها المماليك بشق الأنفس، وكان موقع هذه القلعة على قمة جبل عالٍ، تتخلّلها الأودية السحيقة من تحتها، وكان حدّها الشرقي نهر الفرات الذي كان يستدير حولها، ويحدها من الجهة الأخرى نهر آخر اسمه نهر مرزبان، فكانت شديدة التحصين من الناحية الطبيعية أيضا[5].

 

لكن في محاولة للتضييق على قاطني القلعة من الأرمن والمغول وإجبارهم على الاستسلام عمل المماليك على جرّ مياه نهر الفرات نحو الأودية فامتلأت بالماء، وبوجود نهر مزربان استطاع المسلمون إحكام السيطرة على القلعة من كل جهاتها، ثم نصبوا عليها عشرين منجنيقا للهجوم ودك الأسوار والأبراج، وتمركز الملك المظفر ملك حماة الأيوبي التابع للمماليك في جهة شمال القلعة على قمة جبل مرتفع مع المنجنيق الكبير الذي كانت تمتلكه حماة، واستطاع نصبه بصعوبة شديدة لارتفاع الجبل ومشارفته للقلعة، وقد تمركز السلطان الأشرف خليل على الجهة الشـرقية من نهر الفرات ونصب هو الآخر منجنيقا في مواجهة القلعة، وفي الجهة الغربية نصب الأمير المملوكي بدر الدين بيسرى منجنيقا آخر، في حين نصب الأمير عز الدين الأفرم منجنيقين على الجهة الجنوبية، هذا إضافة إلى خمسة عشر منجنيقا على طول أسوار القلعة[6].

 

تمكّنت هذه المنجنيقات التي كانت تضرب القلعة طوال شهر وبلا هوادة من نقب الأسوار أخيرا، حين ذلك "عمل الأمير سنجر الشجاعي نائب دمشق سلسلة وشبّكها في شراريف (شُرفات) القلعة، وأوثق طرفها بالأرض، فصعد الأجناد فيها، وقاتلوا قتالا شديدا، ففُتحت القلعة يوم السبت حادي عشر رجب (سنة 691هـ) عنوة، وقُتل مَن بها من المقاتلة، وسُبي الحريم والصبيان، وأُخذ بترك (بطرك) الأرمن وكان بها فأُسر، وكانت مدّة حصارها ثلاثة وثلاثين يوما، وقد سمَّاها السُّلطان قلعة المسلمين، فعُرفت بذلك، وحمل إليها زردخاناه (خزانة سلاح) وألفا ومئتي أسير… فلمَّا وردت البشائر إلى دمشق بفتح قلعة الرّوم زُيِّنت البلد، ودُقّت البشائر، ورتب السُّلطانُ الأميرَ سنجر الشجاعي نائب الشَّام لعمارة قلعة المسلمين، فعمّر ما هدمته المجانيق والنقوب، وخرّب رَبَضها"[7]، أي المناطق التي كانت مأهولة خارج الأسوار.

 

وبهذا استطاع السلطان الأشرف خليل بن قلاوون والقوات المملوكية المصرية والشامية من الاستيلاء على واحدة من أهم القلاع الأرمنية – المغولية في جنوب الأناضول آنذاك، وكان الاستيلاء على هذه القلعة إيذانا بتأمين الوجود المملوكي في الشام وجنوب الأناضول، واستقرار الأوضاع لسيادة المماليك لأكثر من قرنين قادمين.

________________________________________

المصادر

  1. ابن الجزري: تاريخ حوادث الزمان 1/101.
  2. الهمذاني: جامع التواريخ 2/2/173.
  3. ابن عبد الظاهر: تشريف الأيام والعصور ص101.
  4. المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 2/233.
  5. فلسطين تيسير: السلطان الأشرف ص124.
  6. فلسطين تيسير: السلطان الأشرف ص125.
  7. ابن حبيب: تذكرة النبيه 1/150- 152.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة