قصة الحمام الزاجل.. حملت رسائل "سري للغاية" و"عاجل" تحت جناحيها طوال قرون!

"ولولا الحمام الهدّي (الزاجل)، لما جازَ أن يعلم أهل الرّقّة والموصل وبغداد ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في يوم واحد، حتى إن الحادثة لتكون بالكوفة غدوة (صباحا) فيعلمها أهل البصرة عشية ذلك".

(الأديب الجاحظ (ت 255هـ) في كتابه "الحيوان")

في عصور قديمة لم يكن الإنسان قد توصّل إلى التكنولوجيا الحديثة التي اختصرت المسافات والأزمنة، كانت الحاجة مُلحّة إلى الاتصال بأقرانه ومجتمعاته وأحبابه على اختلاف البلدان وابتعاد الأقطار، وقد عرفت الحضارات القديمة البريد بأنواعه المختلفة، واستخدمت في ذلك وسائل العدو بين القرى والمدن القريبة، أو الخيول والدواب الأخرى لبلوغ المآرب، وقضاء الحاجات، لكن ثمة نوع من البريد كان أسرعهم، كان بمنزلة التليغراف الذي يعطي رسائل محددة بكلمات معدودة في وقت سريع وموجز لأمور عاجلة لا يجوز أن تستخدم معها وسائل البريد التقليدية الأخرى.

 

ويخبرنا ول ديورانت في موسوعته "قصة الحضارة" أن الإغريق الأقدمين في اليونان قد عرفوا التراسل بالحمام الزاجل منذ ما قبل الميلاد، قائلا: "كانت الرسائل الخاصة تنتظر إلى أن يتاح لها مَن ينقلها منهم. وكانت الأخبار الهامة تُرسل بالإشارات النارية يتلقفها تل من تل أو بالحمام الزاجل"[1].

 

وقد سمَّى العرب هذا النوع من الحمام بالزاجل أي الحمام الدافع أو الراسل، وقيل إن كلمة زاجل كلمة فارسية الأصل تعني قائد العسكر أو قائد الجند، وكانت تُستعمل هذه الكلمة لكل أنواع الحمام المستخدم في نقل الرسائل بمختلف أنواعها خبرية كانت أم حربية وعسكرية. وقد تطورت آليات الاستفادة من الحمام الزاجل، وأضحى المسلمون مُلمِّين بمرور الزمن بطرائق استخدام هذا النوع من الحمام حتى بلغوا فيه الخبرة والغاية. فكيف استُخدم الحمام الزاجل بين الناس طوال تلك القرون؟ وما أبرز القصص التي دارت حول الزاجل؟ وما آراء المؤرخين ورواياتهم في الرسائل شديدة السرية والأهمية التي كان يحملها بين جناحيه؟ ذلك ما سنعرفه في قصتنا التالية.

 

كانت الإشارة الأولى للحمام وأهميته في التاريخ الإسلامي هي قصة الحمامتين اللتين باضتا فوق غار ثور أثناء هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، وحين دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة المكرمة فاتحا وهادما الأصنام والأوثان كافة التي كانت تُحيط بالكعبة المشرفة، كان من جملة هذه التماثيل المحطمة تمثال مصنوع من خشب النخل على هيئة حمامة، ما يدل على أهمية الحمام وكثرته في هذه البقاع، وقد استخدم المسلمون الحمام في أغراض اللهو في عهد الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فكان الفتيان يطلقون الحمام في مباريات للسباق فيما بينهم، وكثر فساد الحمام لأجل ذلك، فكثيرا ما أصاب الناس، وفقأ أعين البعض منهم، دون أن يصلوا إلى صاحبه لأخذ القود أو الدية، الأمر الذي اضطر الخليفة عثمان لإصدار قراره بمنع اللعب بالحمام، وذبح أية حمامة تقع في يد إنسان يعلمُ أنها أُطلقت ابتغاء اللهو أو الإيذاء[2].

 

ولقد اشتهر العرب بعد الإسلام بمعرفتهم لخواص الطير وحذقهم لاستخدام حمام الزاجل، وكتبوا في ذلك رسائل علمية عديدة منذ لحظات مبكرة في تاريخ القرن الثاني والثالث الهجري، فقد وضع أبو حاتم سهل بن محمد السِّجستاني (ت 250هـ) "كتاب الطير"، وألّف الشاعر الأندلسي يوسف بن هارون الكندي الرمادي كتابا في "الطير" في عدّة أجزاء كله شِعر، وكتب أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي (ت 208هـ) "كتاب الحمام"، وفي فترة متأخرة من القرن السابع الهجري وضع محيي الدين بن عبد الظاهر رئيس ديوان البريد والإنشاء في عصر السلطان الظاهر بيبرس (ت 676هـ) "كتاب تمائم الحمام" في النوع المخصص للرسائل[3].

 

وفي جانبه العسكري كان الأقدمون عند وقوع حدث مهم يُعلّقون الخبر بعُنق حمامة أو ضمن قارورة صغيرة من الورق الذهبي، وهو مَن الذهب الخالص الذي بلغ الغاية في الرقة والخفّة، وذلك لتكون مع خفّتها على الحمامة حافظة للرسالة من تأثير العوارض الجوية، وكانوا يضعون ضمن القارورة رسالة من الورق الرقيق ويكتبونه بقلم يُسمى الغبار، ثم يوضّحون على ظهر الرسالة وقت سفر الحمامة بالتدقيق التام، وبعد قليل يُطلقون حمامة أخرى حاملة الخبر نفسه على النمط السالف خوفا من ضياع الأولى وعدم وصولها[4].

 

وقد ذكر الجاحظ الأديب الشهير (ت 255هـ) في كتابه "الحيوان" اهتمام العرب وولعهم بالحمام الزاجل الذي كانوا يُسمونه "حمام الهدّي"، بل كان عندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب، يقول: "ولولا الحمام الهدي (الزاجل)، لما جازَ أن يعلم أهل الرّقّة والموصل وبغداد ما كان بالبصرة وحدث بالكوفة في يوم واحد، حتى إن الحادثة لتكون بالكوفة غدوة (صباحا) فيعلمها أهل البصرة عشية ذلك"[5].

وإذا كان الجاحظ يُسميه بـ "حمام الهدي" فإن القلقشندي الذي جاء بعده بخمسة قرون يسميه بـ "الحمام الرسائلي"، ويصف اختصاره للمسافات والزمن الذي قد يتقلص معه إلى شهر كامل قائلا: "والحمام الرسائليّ وما يحمل مِن بَطائق (رسائل)، ويتحمّل مِن الأنباء ما ليس سواه له بِطَائقٍ، ويخوض مِن قَطْعِ الأنهار، ويقطع إلينا ما بعد مسافة شهر وأكثر منه في ساعة من نهار"[6].

 

وقد كان تدريب الحمام الزاجل آنذاك على أساس اهتدائه إلى "الغاية" بجودة الاستدلال والوعي وحُب الرجوع لأصحابه، وكان ذلك يتم عن طريق انتقاء الحمام صغيرا/فرخا جائعا، فتُحمل أفراخ الحمام إلى سطح أحد البيوت في منتصف النهار، ويُنثر الحَبّ على السطح حول صارٍ فوقه علَم، واشترط مدرب الحمام أن يكون العلَم واضح اللون حتى يمكن الاهتداء إليه، وفي أغلب الأحيان كان إطلاق هذه الأفراخ بعد مدة من قص ريشها، على أن تُطلق مثنى مثنى أي زوجين زوجين، بحيث تكون إحداهما أحدث قصا لريشها من صاحبتها، ثم يُطلق المدرِّب الحمامة التي نما ريشها، فلا تلبثُ أن تعود حنينا إلى صاحبتها، وبذا يضمن المدرب تأليف الحمام وعودته إلى أمكنة تدريبه التي كانت تُسمى "المزاجل" أي "الأبراج"[7].

 

ولم يقتصر تدريبهم على المزاجل أو الأبراج الثابتة، بل كانوا يحرصون على تدريبها من فوق ظهر السفن تعويدا للحمام على الطيران عبر البحار أيضا، وكان من أهم أركان التدريب للحمام أن تصبح الحمامة "الزاجل" قادرة وحدها على الرجوع إلى مصدرها من فوق البر والبحر معا، وهو الذي اصطلح الجاحظ على تسميته بـ "الغاية" في القرن الثالث الهجري[8].

 

وكان أداء هذا الحمام لمهامه وقدرته على التمييز بين مصدر طيرانه ومقصده من الظواهر اللافتة التي أدهشت الكثير من المثقفين والعلماء والوزراء في تلك السنين، حتى إن القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني (ت 596هـ) وزير السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ) وكاتبه المقرب، يقول عن هذا الحمام وبطائقه التي يحملها أسفل جناحيه: "كان هذا الطائر أحد الرسل المسيّرة بل المبشِّرة، والجنود المجرّدة بل المسخَّرة؛ فإنها لا تزال أجنحتها تحمل من البطائق أجنحة، وتُجهِّز مِن جيوش المقاصد والأقلام أسلحة؛ وتحمل من الأخبار ما تحمل الضمائر، وتطوي الأرض إذا نَشرت الجناح الطائر؛ وتُزوى لها حتى ترى ما سيبلغه مُلك هذه الأمّة، وتقرب بها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همّة"[9].

 

وقد استُخدم الزاجل في إبّان كل الصراعات الإسلامية ضد البيزنطيين الروم والصليبيين والتتار وغيرهم، وكان السلاطين والخلفاء يعرفون به آخر الأخبار والمستجدات في ميادين الحرب، وكذا عامة الناس، فحين اقترب المغول من مدينة حماة سنة 659هـ نصح أحد الأمراء نائبها قائلا: "اكتب الساعة إلى السلطان، على جناح طائر، وعرّفه أن القوم ثمانون ألف مقاتل فى القلب، منهم أربعة وأربعون ألفا من المغل (المغول) وهم طالبون القلب، وميمنتهم قوية جدا، فتقوى ميسرة المسلمين، وتحترز على الصناجق. فكتب النائب بذلك إلى السلطان"، وقد وصلت هذه الأخبار إلى السلطان بيبرس الذي اتخذ احتياطاته واستطاع المماليك الانتصار على المغول في تلك المعركة للعام الثاني على التوالي بعد "عين جالوت"، ثم "وصلت البطائق (في أجنحة الزاجل) إلى الرحبة (على نهر الفرات) بخبر النصر وهزيمة التتار، كان أبُغا (بن هولاكو) ملك التتار يحاصرها، فدُقّت البشائر، وأعلن الناس بالنصر، ففارقها أبغا وتوجّه إلى بغداد"[10]. فكان للحمام الزاجل أبلغ الأثر في انتصار الجيش الإسلامي المملوكي.

 

ويخبرنا القلقشندي (ت 831هـ) في موسوعته "صبح الأعشى" أن المماليك في مصر والشام في زمنه كانوا يُخصصون للحمام الزاجل أبراجا وأماكن محددة معدة للطيران، وموظفين مسؤولين عن هذا النوع الذي عُدّ إستراتيجيا من رسائل وبريد الدولة السريّ، اسم الواحد منهم "برَّاج"، وكانت هناك أماكن/محطات محددة بين مصر والشام لهذا الحمام، ففي القاهرة مكان الانطلاق والصدور نجد المركز الرئيسي في قلعة الجبل (صلاح الدين)، وفي بلبيس برج، وفي غزة برج، ثم القدس، ثم دمشق، ثم حلب، وغيرها، ومن القاهرة جنوبا سنجدُ في قُوص برجا، ومن قوص إلى عيذاب على البحر الأحمر سنجد برجا آخر.

كما ذكر القلقشندي أيضا الإجراءات التي كانت مُتبعة عند إرسال هذه "البطائق"، أي الرسائل في أجنحة الحمام، ومَن كان يستقبلها، وأنواع هذه الرسائل/البطائق من حيث الأهمية، قائلا: "إذا وصل الطائر إلى البرج الذي وُجِّه به إليه، أمسكه البرّاج (موظف الحمام) وأخذ البطاقة من جناحه وعلّقها بجناح طائرٍ من حمام البرج الذي يليه، أي من المنقول إلى ذلك البرج، وعلى ذلك حتى ينتهي إلى بُرج القلعة [في القاهرة] فيأخذ البراج الطائر والبطاقة في جناحه ويحضره بين يدي الدّوادار الكبير [سكرتير السلطان] فيُعرض عليه، فيضع البطاقة عن جناحه بيده: فإن كان الأمر الذي حضرت البطاقة بسببه خفيفا لا يحتاج إلى مُطالعة السلطان به، استقلّ الدوادار به؛ وإن كان مهمّا يحتاج إلى إعلام السلطان به، استدعى كاتب السرّ [وزير الخارجية والديوان السلطاني] وطلع لقراءة البطاقة على السلطان كما يُفعل في المكاتبات الواردة"[11].

 

ويبدو أن عادة تخصيص مؤسسة أو ديوان مستقل للحمام الزاجل كانت أسبق من الوجود المملوكي في مصر والشام، لا سيما في عصر الفاطميين ثم الزنكيين في عصر السلطان نور الدين محمود بن زنكي (ت 569هـ)، فقد ذكر ابن فضل الله العمري في "التعريف بالمصطلح الشريف" أن الخلفاء الفاطميين بالغوا في الاهتمام بهذا اللون من الحمام حتى خصصوا له ديوانا (مؤسسة) مستقلة لها تنظيم إداري معلوم، وكان لكل خليفة فاطمي شخص خبير في شؤون الحمام يُدعى "صاحب الحمام" كان من جملة كبار مسؤولي الدولة[12].

 

ويبدو أن رسائل البطائق التي كان يوصلها الحمام الزاجل أو الحمام الرسائلي كان يمكن وصفها بالرسائل "شديدة السرية" أو "شديدة الأهمية" و"العاجلة" كما في عُرفنا هذه الأيام، حتى إن القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر (ت 692هـ)، رئيس ديوان الإنشاء المملوكي (وزير الخارجية والديوان السلطاني بتعريفنا اليوم) لثلاثة سلاطين مماليك كبار هم الظاهر بيبرس والمنصور قلاوون والأشرف خليل بن قلاوون، يقول في كتابه "تمائم الحمائم": "الذي استقرت قواعدُ الملك عليه أن طائر البطاقة [الحمام الزاجل] لا يلهو المالك عنه ولا يغفل ولا يُمهل لحظة واحدة فيفوت مهمات لا تُستدرك… ولا يقطع البطاقة من الحَمام إلا السُّلطان بيده من غير واسطة أحد، فإن كان يأكل لا يُمهل حتى يفرغ، وإن كان نائما لا يُمهل حتى يستيقظ بل يُنبّه"، فتأكيده أن السلطان وحده هو المخول بالنظر في رسائل الحمام الزاجل يدل على أنها كانت "شديدة الأهمية والسرية".

وإذا كان الزاجل قد استُخدم لمطالعة الأخبار اليومية أو العسكرية بين البلدان والأقاليم طلبا لسُرعة الوصول من الولاة إلى مرؤوسيهم من الملوك والسلاطين والخلفاء، فقد استخدمها الناس أيضا لأغراض أخرى، لا سيما للتراسل العاطفي بين المحبين والعُشّاق، مثل الرسائل التي وجّهها المعتمد بن عباد (ت 488هـ) أمير إشبيلية في الأندلس إلى أصحابه ونسائه، أو الرسالة التي بعثها المعتصم بن صمادح أمير ألمرية بالأندلس إلى جواريه ومحظياته أثناء إقامته بعيدا عنهم على سبيل النزهة والاستجمام، وقد ضمّنها قوله:

وحمَلتْ ذاتُ الطوقِ منّي تحية *** تكونُ على أُفق ألمرية مجمرا

تبلغُ مِن وُدّي إليكُم رسائلا *** بأعبقِ من نشْر العبير وأعطرا[13]

تلك لمحة من لمحات اتصالات ذلك العصر القديم، الذي كان يُستخدم فيه الحمام الزاجل كأسرع وسيلة للاتصال والتواصل بين الأقاليم البعيدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في أيام وساعات معدودات من خلال هذا الحمام الذي أنفقت الدول الإسلامية فيه الأموال، وأنشأت له المؤسسات، وجعلت له الأولوية في كثير من الأوقات.

________________________________

المصادر

  1. ول ديورانت: قصة الحضارة 7/54.
  2. إبراهيم العدوي: الحمام الزاجل في العصور الوسطى ص133.
  3. عبد السلام الجعماطي: حمام الزاجل بالأندلس ص26.
  4. أشرف صالح: سيرة الحمام الزاجل ص78.
  5. الجاحظ: كتاب الحيوان.
  6. القلقشندي: صبح الأعشى 11/309.
  7. إبراهيم العدوي: السابق ص134، 135.
  8. المصدر السابق.
  9. النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب 10/279، 280.
  10. النويري: السابق 31/36.
  11. القلقشندي: صبح الأعشى 1/154.
  12. العمري: التعريف بالمصطلح الشريف.
  13. الحميدي: المقتبس في ذكر ولاة الأندلس.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة