تاريخ التحرش الغربي بالصين.. ثأر قديم عمره ٥٠٠ عام يتجدّد اليوم

بما أن صراع الصين مع الغرب والولايات المتحدة تحديدا على أشدّه، فلربّما يكون الوقت مناسبا للنظر في التاريخ البعيد لهذه العلاقة. كثيرا ما يقترن فجر التاريخ الصيني في العالم الغربي بـ "حرب الأفيون"، مما يولد الانطباع بأن الغلبة لطالما كانت للقوى الأوروبية، لكن الهيمنة كانت للصين بدءا من التماس المباشر الأول بين الشرق والغرب، أي منذ حطّ البرتغاليون رحالهم في جنوب الصين مستهلَّ القرن السادس عشر.

 

عام 1517، ظهر قرب ملاذ التجارة الشهير في غوانزو برابرة غرباء عنيدون على متن سفن شراعية، كانت لغتهم أحجية، أمّا زوارقهم الثمانية فقد بدت تافهة أمام "سفن الكنز" الخاصة بـ "تشنغ خه"، وأصولهم الفعلية غير واضحة تماما. لكنهم كسائر برابرة البحار، أرادوا التجارة طمعا بالحرير النفيس وعجائب الصين الأخرى، وسمّاهم الصينيون بـ "الفرنجة"، وهو تعبير تصنيفي استُخدِم في الإشارة إلى الأوروبيين، بل إلى البرتغاليين تحديدا، الذين كانوا في طليعة الأوروبيين الذين قطعوا البحار صوب الصين.

 

استهل مغاوير البحرية القادمون من مملكة البرتغال مشوارهم من المحيط الهندي عام 1498، عندما دار فاسكو دي جاما حول رأس الرجاء الصالح شاقا طريقه نحو الساحل الجنوبي الغربي الهندي؛ في لحظة ستغير وجه الأرض. حتى ذلك الوقت، كانت أوروبا الغربية على هوامش اقتصاد عالمي تقوده رئيسيا التداولات في الصين والهند والعالم الإسلامي، وكانت البرتغال على هامش ذلك الهامش. غير أن كل ذلك سيتغيّر، فوصول البرتغاليين إلى آسيا كان بشارة الصعود القادم لـ "الغرب"، أي أوروبا ومن بعدها أميركا.

وكان التوغل البرتغالي نقطة تحول حاسمة بالقدر نفسه في التاريخ الصيني العالمي. وفي الحقيقة، فإنه سيغير مسار التاريخ الصيني بطريقة فاقت أي شيء قبله، ربما باستثناء فترة حروب تشن لتوحيد الصين عام 221 قبل الميلاد. وكانت تلك إحدى اللحظات النادرة التي كانت فيها سرديتانِ من التاريخ تنعرجان في طرق متفرقة ثم تصطدمان فجأة فتتلاحمان معا دون أن يفرّقهما شيء.

 

لم يجل هذا الأمر ببال الصينيين أبدا عام 1517، فقد بدا البرتغاليون بالنسبة إليهم مثل أي برابرة آخرين متعطشين للتجارة وممن تجرؤوا على الصين بالزوارق والخيول والجمال على مدار العديد من القرون، أكانوا من بلاد الصغد، أو الهند، أو بلاد فارس، أو اليابان.

 

جلب البرتغاليون معهم من أوروبا مفاهيم تجارية ودبلوماسية جديدة تماما على الصينيين، وكانت الثقافة التي حملها البرتغاليون على متن سفنهم الشراعية مختلفة كليا عن تلك التي قابلها الصينيون سابقا. فقد كان البرتغاليون والأوروبيون الذين تبعوهم إلى آسيا مؤمنين بأن لثقافتهم تفوقا ما، وكان ذلك على عكس البرابرة المعتادين، الذين نحوا لاعتناق بعض الممارسات الثقافية الصينية، أو الاشتراك في قواعد وأعراف النظام الصيني العالمي، وإن كان جزئيا على الأقل، ولاح تصادم في الأفق بين طرفين يعتقدان بعلوّ كعب حضارتهم على كل الحضارات الأخرى.

 

لم يكن الصينيون ببساطة معتادين ولا مستعدين لتحدٍّ من هذا النوع من قِبَلِ الأجانب. كان بإمكان البرابرة الأجانب هزيمة الجيش الصيني، وحتى اجتياح الإمبراطورية، لكن بالمنظور الصيني، فلا المغول ولا الشيونغنو ولا غيرهم من الآفات الأجنبية يمكن أن يُعكّروا صفو إدراك الصينيين لذاتهم بالاستثنائية، حيث اعتُبر العديد ممن هزموا البلاد مهزومين. غير أن الأوروبيين سيُمثِّلون تهديدا جديدا كليا للنظام الصيني العالمي، بسبب ثقتهم التامّة بقيمة حضارتهم.

ولاحت علامات سابقة على ما سيأتي منذ الأيام الأولى للحضور البرتغالي في آسيا. فحينما أبحر دي جاما وخلفاؤه إلى المحيط الهندي، كانوا قد دخلوا عالما من شبكات التجارة المترسخة المتعددة الثقافات والممارسات التي استمرت عصورا من الزمن. وكان اللاعبون الجدد ومنهم الصينيون يشاركون في المعمعة التجارية ببساطة. وكان تشنغ خه مثلا يتمنى إثارة إعجاب العالم بالقوة الصينية، لكنه لم يكن يسعى للهيمنة على المنطقة وتجارتها. وما من بقعة نزل فيها البرتغاليون إلا وسبقهم الصينيون إليها، وتقول الروايات إن دي جاما لما نزل بجنوب الهند، قُصّت عليه حكايات عن رجال ملتحين بشرَتهم شاحبة زاروا هذا الساحل قبله بأجيال، وتشير الإشارات المرجعية في شأن هؤلاء القوم إلى أساطيل تشنغ خه التي أنزلت مراسيها على الساحل الهندي الجنوبي قبلهم بنحو قرن من الزمن.

 

لكنّ البرتغاليين نشؤوا في أحضان الوحشية التجارية الأوروبية، حيث بالكاد يلحظ المرء أي فصل بين التجارة والحرب والسلطة. ولم تقتصر نيتهم على مجرد المشاركة في التجارة بين الشرق والغرب، وإنما التحكم بها أيضا باستخدام تكتيكات جديدة عدائية وأسلحة متفوقة لفرض إرادتهم. فحينما وصلوا المراكز التجارية في مدينة "ملكة" الماليزية جنوب شرق آسيا، سعى البرتغاليون لفتح تمكّنوا من تحقيقه في عام 1511، ولم تكن الدول البحرية في جنوب وشرق آسيا قد رأت مثيلا للبرتغاليين من قبل.

 

في مستهل القرن السادس عشر، كان تهديد البرتغاليين لإمبراطورية المينغ العظمى لا يكاد يُذكر، ولم يفعل البرتغاليون الشيء الكثير لخلخلة نظام التجارة الصيني في البداية، إذ تساوى سعيهم لإقامة علاقات مع الصين مع سعي برابرة البحار العاديين الذين كانوا يتدفقون إلى غوانزو لقرون من الزمن. وحملت بعثة عام 1517 على متنها تومي بيريز، الصيدلي السابق الذي عيّنه ملك البرتغال أولَ مبعوث رسمي إلى بلاط المينغ. ودار في خلد البرتغاليين التحوّل إلى دولة تابعة لولي عهد المينغ والمشاركة في تقديم الإتاوات وممارسة التجارة مثل سائر البرابرة، بهدف الوصول إلى البضائع الصينية المربحة، أي إنّ غايتهم كانت الانضمام إلى العالم الصيني وليس تدميره.

 

وكانت البداية متعسّرة؛ إذ مُنعت الأساطيل البحرية بقيادة فرناندو بيريز دي أندرادي من العبور إلى غوانزو على يد قائد بحريّ محلي في المدينة. فقد كان المينغ المرتابون يضيقون خناقهم على التجار الأجانب؛ ولم تكن البرتغال دولة خاضعة رسميا، مما ترتب عليه عدم اعتراف المسؤولين الرسميين للسلالة بحقّها في التجارة. وبعد انتظار دام شهرا، توعّد أندرادي بتحريك سفنه على أي حال، فأذعنَ قائد البحرية المحليّ المتخوف.

المستكشف البرتغالي أفونسو دي ألبوكيركي، الذي أرسل أندرادي وبيريس إلى مينغ الصين عام 1517. وإلى اليمين: إمبراطور مينغ تشنغده " (مواقع التواصل)

وأثار أندرادي خيفة الموظفين المقيمين في المدينة دون قصد منه عندما أطلق النيران من فوّهات مدافعه تحية لهم، وهي زلة لا تُغتفر في المواثيق الصينية. لم تكن السلطات المينغيّة راضية عمّا نال ملك مدينة ملكة من حطّ وتصغير على يد البرتغاليين عندما دخلوها عام 1511، فلطالما كان الملك تابعهم الوفي. لكن لحسن حظ أندرادي أنه تمكّن من تلطيف الأجواء بصدقه ودبلوماسيّته، وسرعان ما كان الطرفان يتبادلان المجاملات.

 

وسال لعاب البرتغاليين لما وجدوه في غوانزو؛ فقد فاقَ ثراؤها كل ثراء عرفوه في بلادهم. وتنقلُ إحدى الروايات التي واكبت تلك الأيام دهشتهم في احتفالية باذخة أُقيمت للترحيب بعودة الحاكم إلى المدينة، فتقول: "كانت الأسوار مكسوة برايات من حرير، والأبراج تعلوها ساريات ثُبِّتت فوقها أعلام حريرية بلغت من الجسامة ما يصيّرها أشرعة للسفن"، ثم يضيف الراوي فيقول: "وبقدر ما تبلغ البلاد من ثراء بقدر ما تملك من حرير، إنهم يبذّرون الصفائح المذهّبة والحرير على تلك الرايات، فيما نحن نستخدم الألوان الرخيصة وقماش الكتّان الخشن".

 

وصل أندرادي في فترة مواتية كان فيها الإمبراطور تشانغ دو والتبادل الدولي أقل عداوة للأجانب عما كان عليه الحال عند معظم أسلافه، وهكذا وافق المسؤولون الصينيون في غوانزو على منح بيريز وحاشيته الإذن المنتظر لزيارة الإمبراطور. ثم رحل أندرادي عن البلاد عام 1518 بعلاقات متينة مع الصينيين، ويروي أحد الرحالة البرتغاليين قائلا: "كان أندرادي قد رتب الأمور في المدينة والبلاد الصينية ببراعة أدّت إلى قيام التجارة بين البرتغال والصين بسلام وأمن بعد رحيله، وقد جنى الرجال أرباحا طائلة"، لكن الأفراح لم تدم طويلا.

فما لبث البرتغاليون أن أفسدوا عمل أندرادي الطيب عام 1519، عندما وصل شقيقه سيماو أندرادي الساحل الصيني آتيا من ملكة، وهذا الأندرادي شخصية مختلفة كل الاختلاف، وتقول إحدى الروايات إنه كان "مغترا ومتغطرسا وسفيها"، وكاد يثير عداوة مضيفيه ببناء معقل برتغالي فوق جزيرة صينية، ومنع الأجانب الآخرين من التجارة قبله هو، وأساء معاملة مسؤول مينغيّ حاول أن يفرض سيطرته على الأوضاع. وتمثٍلت أسوأ إهانة ارتكبها سيماو في اقتناء أطفال صينيين ليعملوا خدما تحت إمرته على الأرجح، غير أن الصينيين اعتقدوا أن البرتغالي طها الأطفال كوجبة عشاء، وقد شقت هذه الأقاويل طريقها حتى إلى التاريخ الرسمي لسلالة مينغ، فيقول: "ومضى البرتغالي في غيّه حتى اصطاد الأطفال للغداء". بينما يندب أحد الكاتبين البرتغاليين فيقول: "وجلبت لهم تلك الأيام القليلة من الفحش والدناءة صيت القراصنة والأعداء بعدما كانوا أصدقاء وحلفاء".

 

وقضت البلاغات التي وصلت إلى بكين حول هذا السلوك المشين على مهمّة بيريز المأزومة سلفا، ثمّ شق السفير البرتغالي طريقه إلى العاصمة، حيث كان بانتظاره الإمبراطور وحاشيته في أجواء مشحونة بعض الشيء. وأرسل المسؤولون الصينيّون مذكّرات إلى البلاط تدين تعامل البرتغالي المعتل مع ملك مدينة ملكة وتُشير على الإمبراطور برفض سفارة بيريز. ومما زاد الطين بلة أن بيريز سلّم البلاط رسالة وجد الصينيون أن نبرتها متطاولة من الحاكم البرتغالي، الملك مانويل الأول، وكانت تقول: "إنه تصرف بالطريقة التي اعتاد التصرف بها دائما مع الأمراء الوثنيين" وفقا لوصف برتغالي.

الملك مانويل الأول (مواقع التواصل)

وسجلت وفاة الإمبراطور في عام 1512 نهاية هذه البعثة، فأُخرج بيريز من بكين في اليوم التالي ثم أُعيد إلى غوانزو، وأُرغم هُناك على أن يكتب للملك مانويل عن أوامر الإمبراطور المينغيّ بأن يعيد البرتغاليون سلطان ملكة إلى عرشه الشرعي، ثم أُخذ بيريز رهينة لتعاونه، ولم يغادر الصين بعدها قط، وتوفي هناك في عام 1524 بعد احتجازه مكبّلا في ظروف قاسية لفترة من الزمن.

 

وتفاقم سوء الأوضاع عندما جاءت أساطيل برتغالية جديدة بغرض التجارة بعد وفاة الإمبراطور بمدة قصيرة. فعندما تسرب نبأ موته إلى غوانزو، أمر المسؤولون المحليون البرتغاليين وغيرهم من الأجانب الرحيل عن المدينة. لكنّ البرتغاليين العنيدين رفضوا الانصياع بسبب أعمالهم التجارية الجارية سلفا. فجمع الصينيون أسطولا ضخما وأغاروا على البرتغاليين الأقل منهم عددا، وأغرقوا سفنهم ثم أسرُوهم، واندلعت مناوشات بين سفن التجارة البرتغالية والسفن الحربية الصينية في مناسبتين لاحقتين، وظهر أسطول برتغالي آخر قرب السواحل الصينية عام 1522 حمل على متنه لجنة كُلّفت بصياغة علاقات سلمية مع المينغ.

 

وأبحروا مبتهجين على متن أسطول صيني أغرق اثنتين من سفنهم. لكن نهاية فظيعة كانت بانتظار البرتغاليين العالقين في هذه السجالات، ويروي أحد الشهود الناجين قائلا: "قُطّع 23 برتغاليا من أطرافهم، ففقدوا أيديهم وأرجلهم وأذرعتهم، وتم إخصاؤهم ثم وُضِعتْ أحشاؤهم في أفواههم".

 

ودُفِعَ بالبرتغاليين إلى هوامش التجارة الصينية، فأمضوا الثلاثين سنة التالية منكبّين على تجارة غير قانونية لكنها حيوية تفادت سيطرة المينغ، في ظل حرمانهم من التجارة مع الإمبراطورية. لكنهم عادوا في النهاية من النفي، فقد أثبتت التجارة مع البرتغال أن مكاسبها أكبر من أن تُتَجاهَل، وبدأ المسؤولون المحليون في سلالة المينغ يرون فائدة من أصدقاء اليوم وأعداء الأمس.

 

وفي عام 1775، سمح الموظفون المينغيّون في جنوب الصين للبرتغاليين بالاستقرار في مستعمرة تجارية على شبه جزيرة ماكاو، على مقربة من غوانزو، وخلال خمس سنوات، تجمّع 900 برتغالي في مجتمع أهلي هناك، وشيّدوا كنيستين وبعضا من البيوت المتواضعة، وازدهرت المستعمرة أكثر من ذي قبل مع زوال مزيد من القيود عن التجارة. وكانت مكاو بالنسبة للصينيين مكانا غريبا وأجنبيا بحق، بهندسة معمارية غير مألوفة، وسكّان أجانب، وطوائف دينية أجنبية. ورأى بعض المحليين الصينيين الاستيطان في مكاو نذير شؤم، في حين تذمّر البعض الآخر من أنها لم تعد جزءا من الصين بعد الآن. وأشار أحد الأوروبيين من ثمانينيات القرن السادس عشر إلى أن "خوف الصينيين من الأجانب وإضمار الضغينة لهم إنما كان نزوعا فطريا لديهم"، إذ قالوا عن البرتغاليين إنهم "شياطين أجانب".

أما الأغرب من مكاو نفسها فقد كان فكرة قيام المستعمرة أساسا، إذ كان من الواضح أن المستوطنة تقع خارج نطاق الأحكام المعروفة للتجارة والدبلوماسية التي سيّرت العالم الصيني. لم تتمكّن البرتغال من إقامة علاقات رسمية مع البلاط المينغي كسائر البلدان الأخرى التي تاجرت مع الإمبراطورية. وقد نجت مكاو لأنها عادت بالأرباح على المسؤولين الصينيين المحليين والتجار الذين حازوا السلطة والجرأة على تحدي الحكومة المركزية. وانتقد التاريخ المينغي الرسمي هذه العقلية المستقلة للموظفين المينغيين "لأن البضائع النفيسة التي يأتي بها البرتغاليون تنال إعجابهم؛ إنهم يحرّمونها علنا، ويسمحون للشر بأن يستطيل سرا".

 

وكانت العلاقات الغربية الصينية محكومة منذ بواكيرها بقواعد مختلفة عن غيرها، لكنّ الصينيين استعادوا اليد العليا، إذ عُرف البرتغاليون بتقنيّات عسكريّة جذابة، أبرزها جميعا قطع المدفعية الفائقة الجودة التي لاحظها الصينيون حق ملاحظة. غير أن السفن الكثيرة التي وطأت الساحل الصيني لم ترقَ لأن تكون نِدًّا للتفوق الصيني. والحقيقة أن خبراء البحار البرتغاليون تعلموا بناء السفن من الصينيين، بما في ذلك عادة طلي الهياكل الخشبية بالبيتومين العازل للماء. وفي عام 1573، أُقيم جدار وبوابة على امتداد الأحواض القريبة من شبه جزيرة مكاو، في حال تجرّأ أولئك الفرنجة على تجاوز الخط المرسوم لهم، وكان محرّما على البرتغاليين اجتياز ذلك الجدار، وسُيِّجت أرض زراعية صغيرة داخله بحيث يظل البرتغاليون تحت رحمة الصينيين من أجل الغذاء. وهكذا، فقد تسنّى للمينغيين إقفال البوابة وتجويع البرابرة حتى يخضعوا. لقد كانت مكاو رهن إشارة الصينيين.

 

وكان إخضاع البقية من "المحيط الغربي" البعيد على القدر نفسه من السهولة، إذ أبحر الإسبان بقيادة ميغيل لوبيز دي ليجازبي عبر المحيط الهادئ من الإمبراطورية الإسبانية في العالم الجديد واستولوا على مانيلا فيما بات يُعرف بالفلبين. وفي عام 1573، أُرسلت أول سفينة محملة بالبضائع الصينية من مانيلا إلى أكابولكو في إسبانيا الجديدة، التي تُعرف اليوم بالمكسيك. وحاول الإسبان إقامة علاقات تجارية رسمية مع المينغ أسوة بالبرتغاليين لكن دون جدوى. لكن مانيلا أصبحت برغم ذلك مركزا تجاريا صينيا ضخما، وقد حُمِّلت السفن الصينية الضخمة بالبروسلين ومنتجات أخرى شُحنت لاحقا إلى المكسيك عبر السفن التجارية الضخمة. ثم جاء الهولنديون، وظهر أول زورق هولندي على ساحل مكاو في عام 1601.

ميغيل لوبيز دي ليجازبي (مواقع التواصل)

غُيِّب البرتغاليون عن المنافسة، لكنهم سرعان ما عادوا، بل سريعا جدا، كما رأت السلطات المينغيّة. فقد اكتسب أولئك الهنونغامو أو "الصُّهب" كما سمّاهم الصينيون سمعة أسوأ بكثير من سمعة الفرنجة. وفي عام 1622، احتل الهولنديّون الجزر المقابلة لساحل فوجيان، وشرعوا في بناء معقل لهم، وبعثوا بإنذار نهائي للسلطات المنيغيّة يقول إن الهولنديين سيُغيرون على الشحن الصيني البحري والمدن الصينية الساحلية إن لم يأذنوا للتجار الصينيين بالتجارة معهم. وعندما جاء الرد الصيني على غير ما أراد الهولنديون، نهبوا القرى وأحرقوا السفن الصينية قرب مدينة شيامن. وقد فاق ذلك كل حدٍّ في أنظار الصينيين، فقاموا بتجميع أسطول بحري في نحو عام 1624 وشنّوا هجومهم ضد الهولنديين وأرغموهم في النهاية على الرحيل.

 

وحطّ الهولنديون رحالهم على جزيرة تايوان حيث شيّدوا قلعة مهيبة تُدعى "قصر زيلانديا" بعد عجزهم عن الحصول على موطئ قدم على الساحل الصيني، وأبحرت السفن الصينية إلى هذه النقطة الهولندية للتجارة. وإن كان نوع التجارة ذاك على غير هوى الهولنديين، فإنه كان كل المتاح لهم. ورغم إصرارهم، فقد دُفع بهؤلاء البرابرة الجدد -رغم إصرارهم- إلى هوامش العالم الصيني أيضا.


هذا التقرير مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

أسهمت سياسة السلطان فرج الطائشة في فتح المجال أمام الغزو الخارجي التيموري في بلاد الشام، وهي ما فجرت المأساة التي حدثت منذ سبعة قرون خلت!.. ليحكي لنا التاريخ قصة سقوط دمشق على يد المغولي "تيمورلنك".

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة