موسى بن نُصير.. ماذا تعرف عن أعظم فاتحي المغرب والأندلس؟

ميدان – موسى بن نصير

اضغط للاستماع

  

"أنا رجل كأحدكم، مَن رأى مني حسنة فليحمد الله، وليحضّ على مثلها، ومَن رأى مني سيئة فلينكرها، فإني أُخطئ كما تُخطئون، وأُصيب كما تُصيبون، وقد أمر الأمير -أكرمه الله- لكم بعطاياكم، وتضعيفها ثلاثا، فخذوها هنيئا مريئا، ومَن كانت له حاجة فليرفعها إلينا، وله عندنا قضاؤها على ما عزّ وهان، ومع المواساة إن شاء الله".

خطبة موسى بن نصير في جنوده حين دخل القيروان سنة 85 للهجرة

 

حتى الآن لا يزال سؤال "كيف استطاع المسلمون الأوائل في زمن الصحابة والتابعين أن يتوغّلوا في أعظم إمبراطوريتين عرفهما العالم آنذاك، ثم يسيطرون عليهما سيطرة شاملة في زمن قياسي لم يتعدّ التسعين سنة؟" يُثير دهشة العقل الغربي وعلومه العسكرية، في حين أن هاتين الإمبراطوريتين "فارس" و"الروم" قد تصادمتا مرارا وعلى مدار قرون، ولم تستطع أيٌّ منهما السيطرة على رقعة الآخر لفترة زمنية طويلة فضلا عن أن تكون قصيرة.

  

وتلك حكاية تتعدى مسألة الإستراتيجية والقدرات العسكرية إلى ما هو أعمق من ذلك؛ إلى الإيمان بالفكرة الذي يحرك أصحابها ويجعلهم لا يهابون الموت والمخاطر في سبيلها، ثم في إعداد هؤلاء المحاربين، الثقافي والعقلي والبدني ومعرفتهم الدقيقة بالخصم، فضلا عن الإمكانيات المتاحة لهم.

 

وإذا كانت العسكرية الإسلامية الأولى قد قاد لواءها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقطاع عريض من الصحابة بزغ فيه عمر وعلي وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل ومعاوية بن أبي سفيان وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعشرات بل مئات غيرهم، فإن الجيل الثالث الذي أدرك هؤلاء الفحول قد تشرب منهم تلك الفنون العسكرية، واستفاد من تجاربهم الميدانية استفادة لافتة ومؤثرة، فظهر منهم عقبة بن نافع الفهري ومسلمة بن عبد الملك الأموي ومحمد بن القاسم الثقفي وحسان بن النعمان وآلاف غيرهم.

        

موسى بن نصير (مواقع التواصل)

   

ومن هؤلاء الكبار لمع نجمُ موسى بن نصير اللخميّ؛ ذلك الذي أكمل ببراعة لافتة وسرعة مدهشة مسيرة الفتوحات الإسلامية في شمال أفريقيا في بلاد المغرب، من برقة إلى المغرب الأقصى، وقضى فيها على كل الموانع والمعوقات، وفتح الطريق لاستكمال تلك العمليات العسكرية الناجحة في الأندلس؛ ليخلّد اسمه كأحد هؤلاء الأبطال الكبار في تاريخ الإسلام المبكر. فمَن هو موسى بن نصير؟ وكيف كانت نشأته؟ وكيف استطاع أن يُحقِّق هذا النجاح الباهر في الميدان العسكري على الجبهة المغاربية في عشر سنوات فقط؟!

  

خالد بن الوليد كلمة السر!

حين أطلق الخليفة الراشد أبو بكر الصديق (11-13هـ) شرارة المواجهة العسكرية للمرتدين في الجزيرة العربية بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعدما آتت أُكلها، أعلن على الفور توجيه هذه الجيوش إلى استكمال عمليات الفتوحات العسكرية في جبهات العراق والشام، وكان قد ألقى إلى خالد بن الوليد (ت 21هـ) بعد انتهائه من مهمته في بلاد اليمامة شرق الجزيرة العربية بالتوجه صوب العراق.

  

يقول الطبري في تاريخه: "لما فرغ خالد من أمر اليمامة، كتب إليه أبو بكر الصديق رحمه اللَّه، وخالد مقيم باليمامة: أن سر إلى العراق حتى تدخلها، وابدأ بفرج الهند، وهي الأُبلَّة (قُرب البصرة)، وتألّفْ أهل فارس، ومَن كان في مُلكهم من الأمم" وذلك في شهر المحرم من العام 12 من الهجرة[1].

   

ومنذ ذلك الحين بدأت الفتوحات الإسلامية على الجبهة العراقية والتي كان أغلب ساكنيها من القبائل العربية الخاضعة للحكم الفارسي الساساني، وسرعان ما ظفر خالد في العديد من المواجهات أمام الفرس أو بعض من تلك القبائل التي آثرت مواجهة المسلمين على التفاوض وقبول الصلح أو الإسلام، وفي ذلك العام 12هـ، استطاع خالد بن الوليد -رضي الله عنه- القضاء على مقاومة الفرس في منطقة "عين التمر"، وهي بلدة صغيرة تقع على طرف الصحراء غرب نهر الفرات، وحين اقتحم المسلمون حصن المنطقة وجدوا فيها أربعين غلاما أُخذوا جميعا أسرى، كان منهم نُصير والد موسى بن نصير، وسيرين والد محمد بن سيرين، وقد أسلموا، وانتقل نصير في أسرِه ذلك إلى الحجاز، ودخل في قبيلة لخم اليمنية بالولاء، وتزوج منها ورُزق ابنه موسى بن نصير وذلك في عام 19هـ/640م في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-[2].

    

       

  

شبَّ موسى بن نصير وقد وجد في المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية مبتغاه في دراسة الإسلام وعلوم الشريعة على يد أكابر الصحابة والتابعين، وسرعان ما اشتهر برواية الحديث عن بعض الصحابة مثل تميم الداري، فنشأ محبا للتقوى والورع وعلوم الحديث، وقد روى عنه يزيد بن مسروق اليحصبي وولده عبد العزيز بن موسى بن نصير وغيرهم[3]، كما أدرك سِير الفاتحين الكبار لا سيما خالد بن الوليد الذي يبدو أنه تأثر به للغاية؛ إذ كان السبب في هداية أبيه إلى الإسلام حين أسره وأخذه إلى الحجاز.

   

بنو نصير في كنف الأمويين

وإذا كان موسى بن نصير قد استمد مقومات دراساته الدينية والأدبية من أرض الحجاز، فإنه مدين بتربيته السياسية والعسكرية إلى بلاد الشام؛ إذ أصبحت دمشق منذ خلافة عثمان بن عفان قاعدة نشاط البيت الأموي الطامح إلى السلطان، ومركزا يجتذب إليه كل العناصر الصالحة لتأييده وخدمة أهدافه، وكان معاوية بن أبي سفيان رجلا على درجة عالية من الذكاء في انتقاء الرجال، فأدرك ما لدى نصير والد موسى من مهارات أمنية، فعهد إليه برئاسة حرسه، فأُتيح لموسى أن ينتقل إلى بيت معاوية الخليفة الأموي الأول، وأن يتدرب هنالك في أكبر وأعظم مدرسة للسياسة شهدتها الدولة العربية الإسلامية في صدر حياتها، كما يقول المؤرخ الدكتور إبراهيم العدوي[4].

  

وقد شهد موسى خروج الغزوات إلى بلاد الروم التي عُرفت "بالصوائف" التي كانت في شهور الصيف، و"الشواتي" التي كانت تخرج في شهور الخريف والشتاء، كما شارك بنفسه في نشاط البحرية الإسلامية المبكر الذي رعاه معاوية بن أبي سفيان حين شرع في غزو جزيرة قبرص ووقوع معركة "ذات الصواري" سنة 34هـ/654هـ، وقد أحرز المسلمون نصرا مهما في هذه المعركة دفعهم لتطوير قدراتهم البحرية، وتقليم أظافر أساطيل الروم في البحر المتوسط الذي كان بمنزلة بحيرة أوروبية مغلقة، فشرع موسى بن نصير في الاشتراك في هذه الحملات العسكرية البحرية منذ كان عمره 15 عاما!

    

    

على أن صعود مروان بن الحكم بعد تنازل معاوية الثاني بن يزيد إلى كرسي الخلافة، وتقريب ابنه الأكبر عبد العزيز بن مروان أخي عبد الملك بن مروان إلى موسى بن نصير لجهاده وعلمه وتاريخ أسرته الكبير في خدمة البيت الأموي كان فاتحة جديدة وبداية مهمة في مسيرة حياته العملية في ميداني السياسة والحرب؛ إذ آثر عبد العزيز أن يتخذ موسى بن نصير مستشارا ووزيرا مقربا منه أثناء ولايته على مصر منذ عام 64 من الهجرة، وحين ارتقى عبد الملك بن مروان إلى كرسي الخلافة في العام التالي أرسل إلى أخيه عبد العزيز أن يرسل موسى بن نصير وزيرا ومستشارا لأخيهم الآخر بشر بن مروان والي العراق آنذاك، وجاء في رسالته: "إني قد وليت أخاك بشرا على البصرة، فاشْخِصْ (أرسل) معه موسى بن نصير وزيرا ومُشيرا… وأعلمه بأنه المأخوذ بكل خلل وتقصير"[5].

  

سنوات المجد والفتوحات

بعد وفاة بشر بن مروان اضطر موسى بن نصير إلى العودة من العراق إلى الشام، حيث رأى الخليفة عبد الملك بن مروان تقصيرا في عمل موسى، لا سيما في ملف الخراج والضرائب، وفرضَ عليه غرامة ثقيلة، تحمل شقها الأكبر والي مصر وأخوه عبد العزيز بن مروان الذي دافع عن موسى دفاعا مستميتا، وقرر اصطحابه من جديد إلى مصر وزيرا ومستشارا، وذلك عام 75هـ، وكانت تلك هي نقطة التحول الكبرى في حياة موسى الذي بلغ من العمر حينذاك 54 عاما؛ إذ ترك منذ هذه اللحظة العمل في ميدان السياسة في المشرق ليتجه بنفسه وتجاربه الطويلة السياسية والعسكرية إلى الميدان المغربي الذي كان يواجه صعوبات ومعوقات.

  

كانت مصر قاعدة انطلاق العمليات العسكرية للفتوح الإسلامية صوب بلاد المغرب منذ عصر الخلفاء الراشدين زمني عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما- ومن تلاهما، وقد شهدت هذه الفتوحات قبل مجيء موسى بن نصير تقدما مهما وعظيما على يد قادة عباقرة أمثال عقبة بن نافع الفهري الفاتح الشهير، الذي أسس وحدة الفتوحات الإسلامية في منطقة برقة الليبية، ومنها انطلق صوب أفريقية (تونس) فأسس بها مدينته الشهيرة القيروان لتكون قاعدة الجند والإسلام في وسط بلاد المغرب، ومن هذه القاعدة استطاع طرد القوات البيزنطية من أجزاء واسعة من كامل بلاد المغرب، ونشر الإسلام بين قبائل البربر، كما بلغت حوافر خيوله مدينة طنجة على ساحل المحيط الأطلسي، وكان مؤسسا وممهّدا عظيما لكل مَن جاء بعده مثل أبي المهاجر بن دينار وحسان بن النعمان وموسى بن نصير.

     

    

لكن وفاة عقبة بن نافع سنة 62هـ واستشهاد قائد الجبهة المغربية زهير بن قيس البلوي سنة 70هـ/ 690م على أرض برقة كانت قد أطاحت بمعظم جهود هؤلاء القادة الكبار في شمال أفريقيا، وبدا أن الموقف يتطلب عملا متصلا من جديد، ولم تستطع حملة حسان بن النعمان التي خرجت من مصر سنة 76هـ/696م أن تخلق الاستقرار المنشود في الميدان المغربي، وظلت الأوضاع هناك في حاجة إلى المزيد من الجهود السياسية والعسكرية [6].

   

فقرر عبد العزيز بن مروان والي مصر أن يطلق يدَ صفيّه ومستشاره المقرب موسى بن نصير في هذا الملف المهم، ووضع تحت يديه كل ما في مصر ودواوينها من معلومات عن هذه الجبهة القلقة، وعقد عبد العزيز بن مروان على موسى بن نصير الآمال الكبار في استقرار الأوضاع في بلاد المغرب. ومن جانبه درس موسى بن نصير تجارب الرجال السابقين عليه، وأدرك أن المهمة الأولى تتلخص في ضرورة إنهاء الوجود الرومي البيزنطي وقواعده التي تقف عقبة أمام استمرار عمليات الفتح، لا سيما في مناطق أفريقية في تونس وغرب ليبيا اليوم[7].

   

كما التقى ابن نُصير بكثير من رجالات الفتح على الجبهة المغربية، وساهم بنفسه في بعض هذه التجارب في برقة وغيرها، وظل على هذا الحال حتى العام 79 هـ وقيل 85هـ حين أرسله عبد العزيز بن مروان ليتسلم قيادة الفتوحات وولاية شمال أفريقيا التي كانت عاصمتها القيروان، وحين دخلها، وقف موسى بن نصير في جنود المسلمين من العرب والبربر قائلا:

"أنا رجل كأحدكم، مَن رأى مني حسنة فليحمد الله، وليحضّ على مثلها، ومَن رأى مني سيئة فلينكرها، فإني أخطئ كما تُخطئون، وأُصيب كما تُصيبون، وقد أمر الأمير -أكرمه الله- لكم بعطاياكم، وتضعيفها ثلاثا، فخذوها هنيئا مريئا، ومَن كانت له حاجة فليرفعها إلينا، وله عندنا قضاؤها على ما عزّ وهان، ومع المواساة إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله"[8].

      

استطاع موسى بن نصير وأد ثورات البربر وعقد السلام معهم واستمالة كبارهم ليضمن ألّا يُشعلوا أية ثورات فيما بعد

     

وهكذا اكتسب ابن نصير ثقة جنوده بالتقرب منهم، ومضاعفة العطاء لهم، وكان موسى قد أدرك الخطأ الذي وقع فيه قادة الفتوحات قبله، حين كانوا يتوغلون في المغربين الأوسط والأقصى، أي "الجزائر" و"المغرب"، دون تطهير القاعدة العسكرية للمسلمين في أفريقية (تونس وغرب ليبيا) من الوجود الرومي، مما كان يُسهّل على البيزنطيين والقبائل البربرية المتحالفة معهم بقيادة امرأة كانت تُسمى "الكاهنة" إلى رد الهجوم المباغت على المسلمين، بل وهزيمتهم كما حدث مع القائد حسان بن النعمان، حتى أصبحت قاعدتهم في القيروان تستقبل هذه الهجمات.

  

إستراتيجية ذكية

بسبب ذلك، وفي هذا السياق، أصدر موسى قراره بسحق كل المقاومة البيزنطية والبربرية الموالية لها في أفريقية (تونس) أولا، من خلال تكتيك جديد يشبه تكتيكات الفتوحات الإسلامية المبكرة، وذلك بتكثير أعداد الجيوش التي تخرج في وقت واحد وتهاجم بضربات قاتلة ومؤثرة في تزامن قريب، وفوق ذلك جعل القيادة العاملة معه من العناصر التي يثق فيها ويثق فيهم كذلك جنود الجيش الإسلامي في هذه المناطق، فجعل أبناءه الأربعة؛ عبد الله، ومروان، وعبد الملك، وعبد العزيز، على رأس هؤلاء، ثم أبناء عقبة بن نافع الفهري وهم عياض وعثمان وأبو عبيدة، هذا بالإضافة إلى نفر من أهل البلاد الأصليين الذين حسُن إسلامهم، وعلى رأسهم وأشهرهم طارق بن زياد.

  

وسرعان ما استطاع موسى بن نصير وأد ثورات البربر وعقد السلام معهم واستمالة كبارهم ليضمن ألّا يُشعلوا أية ثورات فيما بعد، كما عمل على إنشاء دار صناعة بحرية قرب مدينة قرطاجة، وتمكّن من إنشاء أسطول قوي جعل على قيادته ابنه عبد العزيز بن موسى وقيل ابنه الآخر عبد الله، حيث تمكّن من فتح جزر البليار مثل ميورقة ومنورقة (الإسبانية اليوم)، فضلا عن هجماته المؤثرة على جزر سردانية وصقلية (الإيطالية اليوم) وذلك في عام 89 من الهجرة، وسُميت "غزوة الأشراف (حيث) كان معه أشراف الناس"[9].

          

  

وفي العام ذاته (89هـ) وصلت جيوش موسى بن نصير بمعاونة آلاف من رجالات "البربر" الأمازيغ إلى المغرب الأقصى، حتى استطاع إسقاط مدينة طنجة التي كان يحكمها البيزنطيون وغيرها من مدن، ما عدا مدينة سبتة وحصنها الذي كان يأخذ إمداده وتموينه من ملوك القوط الإسبان في الجهة المقابلة للمغرب، وبعد شهور من الفتح والجهاد قرر موسى العودة إلى القيروان، تاركا القائد البربري المسلم والشجاع طارق بن زياد على طنجة معه تسعة عشر ألفا من فرسان البربر والمسلمين وقلة من فقهاء العرب ليُعلّموهم فرائض الدين وأصوله، وعهد إليه بالعمل على إخضاع قبائل غمازة وبراغواطة القاطنة حول طنجة، فضلا عن مراقبة سبتة وانتهاز الفرصة لفتحها[10].

   

فتح أوروبا وليس الأندلس فقط!

حاول طارق مرارا الاستيلاء على مدينة سِبتة التي كان يحكمها القائد الروماني يوليان، وكان ملك إسبانيا "غيطشة" يمدّه ويدعمه، على أن هجمات طارق المتكررة اضطرت يوليان إلى إنشاء الصداقة وتقديم الصلح، فقبل منه طارق ذلك، وفي تلك الأثناء في نحو سنة 90هـ، توفي ملك القوط، واستولى أحد كبار قادته العسكريين رودريجو أو كما تسميه المصادر العربية "لذريق" أو "لدريق" على زمام الأمور في إسبانيا وعاصمتها آنذاك طُليطلة، وشتت لذريق شمل ورثة غيطشة الشرعيين، بل تعدى على ابنة يوليان حاكم سبتة، وكانت تتأدب بآداب الملوك في طُليطلة كما جرت العادة حينذاك، فأهدر شرفها، ولم يجد يوليان بُدًّا من الانتقام إلا بالتعاون مع المسلمين وتحريضهم على فتح إسبانيا النصرانية ومساعدتهم، وهوّن لهم من أمرها السياسي والعسكري.

  

وذلك ما يحكيه ابن عبد الحكم المصري (ت 257هـ) قائلا: "وكان يُليان يؤدّي الطاعة إلى لذريق صاحب الأندلس، وكان لُدريق يسكُن طليطلة، فراسلَ طارق يليان ولاطفه حتى تهاديا، وكان يليانُ قد بعث بابنةٍ له إلى لُذريق صاحب الأندلس ليؤدّبها ويعلّمها فأحبَلَها، فبلغَ ذلك يُليان، فقال: لا أرى له عقوبة ولا مكافأة إلّا أن أُدخل عليه العرب. فبعث إلى طارق: إنّي مُدخلك الأندلس، وطارق يومئذ بتلمسين (تلمسان)، وموسى بن نصير بالقيروان، فقال طارق: فإنى لا أطمئن إليك حتى تبعث إليّ برهينة، فبعث إليه بابنتيه، ولم يكن له ولد غيرهما، فأقرّهما طارق بتلمسين، واستوثق منهما"[11].

    

أمدّ موسى بن نصير قائده طارق بن زياد بسبعة آلاف مقاتل، فانطلق حتى عبر الجبل الذي لا يزال يُسمى باسمه إلى اليوم، وتوغل فاتحا مدن الأندلس
     

أرسل طارق من ناحيته إلى موسى بن نُصير بهذا العرض المغري، وأرسل موسى من جانبه إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مرون (ت 96هـ) الذي أمره بالتريث وعدم الدفع بالمسلمين في أهوال البحر، وأشار عليه باختبارها بالسرايا والعمليات الهجومية الخاطفة أولا، فأُرسلت السرية الأولى المقدَّرة بـ 300 رجل بقيادة طارق بن زياد وطريف بن مالك النخعي، فنزلوا بجزيرة قرب اليابسة لا تزال تُسمى حتى الآن بجزيرة طريف فأصابت مغانم كثيرة وعادت، وهنا أدرك موسى بن نصير أن مهمة فتح الأندلس ممكنة وميسورة[12].

     

أمدّ موسى بن نصير قائده طارق بن زياد بسبعة آلاف مقاتل، فانطلق حتى عبر الجبل الذي لا يزال يُسمى باسمه إلى اليوم، وتوغل فاتحا مدن الأندلس حتى اقترب من طليطلة، فأرسل إلى موسى يطلب المدد، فأمدّه باثني عشر ألف مقاتل، وفي 28 رمضان سنة 92هـ/17 يوليو/تموز 711م قُرب منطقة شذونة انتصر المسلمون على جيش رودريجو "لذريق" وشتتوا شمله، ولم يُعثر له على أثر، وأصبح الطريق لفتح باقي مدن الأندلس مفتوحا، فأرسل طارق فرقة إلى قرطبة وأخرى إلى إلبيرة وتوجّه هو ببقية الجيش صوب طليطلة[13].

  

حين علم موسى بن نصير بهذه الأخبار التي جاءته من طارق أرسل إليه يأمره بالتوقف والتريث حتى يوافيه، يقول ابن خلدون الذي يُصوِّر لنا طموحات موسى بن نصير التي كانت تتعدى مجرد فتح الأندلس إلى فتح القارة الأوروبية كلها قائلا:

"نهض (موسى بن نصير) مِن القيروان سنة ثلاث وتسعين من الهجرة في عسكر ضخم من وجوه العرب والموالي وعُرفاء البربر، ووافَى خليج الزقاق (مضيق جبل طارق) فأجازَ إلى الأندلس. وتلقّاه طارقُ وانقاد واتَّبع، وتمّمَ موسى الفتح، وتوغَّل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق، وأربونة في الجوف، وصنم قادس في الغرب، ودوّخ أقطارها وجمع غنائمها. وجمعَ (عزم) أن يأتي المشرق على القُسطنطينية ويتجاوز إلى الشام ودروب الأندلس، ويخوض ما بينها من بلاد الأعاجم أمم النصرانيّة مجاهدا فيهم مستلحما لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة. ونمى الخبر إلى الوليد (بن عبد الملك الخليفة الأموي) فاشتدّ قلقُه بمكان المسلمين مِن دار الحرب، ورأى أن ما همَّ به موسى غررَ بالمسلمين، فبعثَ إليه بالتوبيخ والانصراف، وأسرّ إلى سفيره أن يرجعَ بالمسلمين إن لم يرجع هو، وكتبَ له بذلك عهده، ففتَّ ذلك في عزم موسى، وقفلَ عن الأندلس بعد أن أنزلَ الرابطة والحامية بثغورها. واستعمل ابنه عبد العزيز لغزوها وجهاد أعدائها، وأنزله بقرطبة فاتخذها دار إمارة"[14].

  

وينقل ابن خلّكان في كتابه "وفيات الأعيان" أن الدافع الذي دفع موسى بن نصير لهذا الفتح والتوسع فيه "إيماني صرف"؛ إذ أرسل إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك قائلا: "إنها ليست الفتوح ولكنها الجنة"[15].

   

نهاية مشرّفة لتاريخ حافل!
في العام 97 للهجرة، فاضت روح القائد العربي المسلم موسى بن نصير اللخمي في منطقة وادي القُرى شمال المدينة، ليُصلّي عليه كبار رجالات الدولة الأموية
   

عاد موسى إلى القيروان في حدود سنة 95هـ بعد شهور قضاها مجاهدا في فتح الأندلس حتى الحدود الجنوبية مع فرنسا، وكان معه غنائم هائلة، وعلى الفور قرّر التوجه صوب دمشق كما أمره الخليفة الوليد بن عبد الملك، غير أنه وصل بعد وفاته سنة 96 للهجرة، وكان سُليمان بن عبد الملك (96-99هـ) قد ارتقى إلى كرسي الخلافة الأموية، فأمر بعزل موسى بن نصير وقيل وبّخه على تغريره للقوات الإسلامية في جغرافية لا يعلمون عنها شيئا، وإن أبقاه بجواره في دمشق كأحد كبار القادة العسكريين والمستشارين أصحاب التاريخ الكبير في ميادين السياسة والحرب.

  

وفي العام التالي سنة 97 للهجرة، وبينما سليمان بن عبد الملك ومعه موسى بن نصير في طريقهم لأداء فريضة الحج، وعن عُمر يُناهز الثامنة والسبعين من عمره، تفيض روح القائد العربي المسلم موسى بن نصير اللخمي في منطقة وادي القُرى شمال المدينة، ليُصلّي عليه كبار رجالات الدولة الأموية مثل مسلمة بن عبد الملك بن مروان، ويوارى الثرى هنالك[16]، في خاتمة تليق برجل لم يذق طعم الراحة والهدوء في حياته إلا قليلا!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة