البيمارستان .. ماذا تعرف عن الجذور الإسلامية للمستشفيات الحديثة؟

ميدان – البيمارستان .. ماذا تعرف عن الجذور الإسلامية للمستشفيات الحديثة؟

’’ويقيم به المرضى الفقراء من الرجال والنساء لمداواتِهم إلى حين برئِهم وشفائهم، ويصرف ما هو معد فيه للمداواة، ويفرق للبعيد والقريب، والأهلي والغريب، والقوي والضعيف، والدني والشريف، والعلي والحقير، والغني والفقير، والمأمور والأمير، والأعمى والبصير، والمفضول والفاضل، والمشهور والخامل، والرفيع والوضيع، والمترف والصعلوك، والمليكُ والمملوك، من غير اشتراط لعوضٍ من الأعواض، ولا تعريض بإنكار على ذلك ولا اعتراض، بل لمحض فضل الله العظيم وطَوْله الجسيم، وأجره الكريم، وبرّه العميم‘‘

(كلمة المنصور بن قلاوون في افتتاح بيمارستان القاهرة)

  

يدين النهج الغربي الحديث في مجاليّ الصحة والطب بالكثير للأمم السالفة، لبابلَ ومصر واليونان وروما والهند، على سبيل المثال لا الحصر، فقد جلب ابتكار المستشفى تغييرات اجتماعية وطبيّة في الآن نفسه، وفي الوقت الحاضر، تحوّل هذا الابتكار إلى مؤسسة نعتبر وجودها مسلّمة من المسلَّمات، صحيح بأننا نفضّل عدم التردد عليها كثيرًا، لكن وجودها أمر جيد في حال اضطررنا لذلك. حاليا، وفي كلّ مكان حول العالم، فإننا نتوقّع من المستشفيات بأن تكون المكان الذي يريحنا من الألم ويساعدنا على الشفاء عند الإصابة بالمرض أو التعرض للحوادث.
   

وذلك ممكن لأن النهج المنظَّم -علميا واجتماعيا على حد سواء- للرعاية الصحية قد تطوّر في كنف المجتمعات الإسلامية القروسطيّة. حيث أخذ طيف واسع من الخلفاء والسلاطين والعلماء والممارسين لمهنة الطب، أخذوا المعارف القديمة والممارسات التي حفظها الزمن عن تقاليدَ عدة ثم أضافوها إلى بحوثهم الأصليّة مراكمينَ قرونا من الإنجازات الفكريّة في السعي وراء التطوير المستمر. لم يكن البيمارستان، أو "محلّ المريض"، مجرد بذرة للمستشفى الحديث، لكنّه كان أيضا وبشكل عمليّ أخًا توأما للرعاية الصحية المتعددة الخدمات ومراكز تعليم الطب الحديثين. إذ كان البيمارستان بعدد من الوجوه مركزًا لتلقّي العلاج، وملاذا لنقاهة المتعافين من الأمراض والحوادث، وملجأً نفسيًّا ودار رعاية للمسنين، يوفّر الرعاية الأساسية للطاعنين في السنّ والعاجزين الذين لم تكن لديهم عائلات تتولى رعايتهم. 

 

محل المريض

     

كان البيمارستان نتيجة مهمّة لجزء كبير من الطاقة والفكر اللذين بذلتهُما الحضارات الإسلامية المتعاقبة في تطوير الفنون الطبيّة. إذ كانت المستشفيات  الكبيرة -قديمًا كما هو الحال الآن- تضم مدارس ومكتبات في الطب حيث يلقّن الأطباءُ الكبارُ التلامذة طرائق تطبيق المعارف المكتسبة مباشرةً على المرضى. وكان المستشفى يعقد الامتحانات للطلبة ويُصدر لهم الشهادات، لقد كُرِّس البيمارستان كمؤسسة لنشر الطب، وعلاج الأمراض وتوسعة نطاق المعارف الطبية ونشرها. 

   

أوّل المستشفيات

بالرغم من أن ملاجئ المرضى كانت موجودة من قديم الزمان، غير أن معظمها كان بسيطا، ولا يتجاوز كونه تنظيما أوليا أو هيئة مخصصة للعناية بالمرضى. واستمرت التحسينات المتراكمة خلال الفترة الهيلينية، لكن تلك المنشآت كانت تتجاوز بقليل كونها أماكن لاستضافة للمرضى. وفي بواكير أوروبا القروسطية، ساد الاعتقاد الفلسفي بأن أصل المرض خارق للطبيعة وأنه، والحال هذه، عصيّ أمام التدخّل البشري، ونتيجة لذلك، كانت المستشفيات تتجاوز بقليل كونها دور رعايةٍ للعجزة حيث جرت إدارة المرضى من قبل رهبان سعوا للتأكّد من خلاص الروح دون بذل كثيرِ جهدٍ لشفاءِ البدن. 

  

أما الأطباء المسلمون فقد سلكوا نهجا مختلفا كل الاختلاف. أسوة بحديث النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواء" وحديث "إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ"، إذ وضعوا نصب أعينهم هدف علاج المرضى باستخدام أساليب عقلانية تجريبية. 

 

وكان تصميم المستشفى يعكس اختلاف النهج ذاك؛ ففي الغرب، كانت أسرّة وأماكن المرضى مرتبة بحيث يستطيعون مشاهدة القداس اليومي، وكانت هذه المستشفيات بسيطة التحضير، هذا إن كانت مجهزة في المقام الأول، وكثيرًا ما غلب عليها الإعتام والرطوبة، بسبب المناخ وهندستها المعمارية. أما في المدن الإسلامية، التي استفادت بدرجة كبيرة من المناخ الأشد حرًّا ودفئا، فقد أُعدّت المستفيات بحيث تساعد النور والهواء على الانتشار في الأروقة، مما جعل العلاج قائما على نظريّة الأخلاط، وهو نظام في الطب يُعنى بالعلاج البدني بدلا من الروحاني. 

 

صيدليات متنقلة

   

وأُعِدّ أول مركز رعاية إسلامي داخل خيمة على يد رفيدة الأسلميّة في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ومن المعروف بأنها، خلال غزوة الخندق، داوت الجرحى داخل خيمة منفصلة جرى تنصيبها خصيصا.  وقد طوّر الحاكمون والولاة اللاحقون هذه النماذج الأولية من وحدات "المشافي الجراحية العسكرية المتنقلة" إلى قوافل صيدليات متنقلة مزودة بالأدوية، والأغذية والمشروبات والألبسة والأطباء والصيادلة. وتمثلت مهمتها في تلبية احتياجات التجمعات النائية البعيدة عن المدن الكبرى والمنشآت الطبية الثابتة. كما أنها وفرت للولاة والخلفاء أنفسهم رعاية متنقلة، وخلال حكم السلطان محمد السلجوقي في بداية القرن الثاني عشر، وُسِّع المستشفى المتنقل بحيث بات يحتاج إلى 40 من الجمال لنقله. 

  

المستشفيات الدائمة

كان أول مستشفى إسلامي مجرد مأوى للمُصابين بالجذام، وجرى تشييده في بواكير القرن الثامن الميلادي في دمشق على يد الخليفة الأموي وليد بن عبد الملك بن مروان. وقد عوّض الأطباء فيه بالأملاك الضخمة والمرتّبات المرتفعة، وأقام النزلاء المرضى في الحجر الصحي بما أن الجذام معدٍ، إذ منحت لهم مخصصات مالية، حالهم في ذلك حال العُمي، لإعالة عائلاتهم. 

  

وشُيّد أول مستشفى عام توثّقه السجلات بعدها بنحو قرن من الزمن، في عام 805، في بغداد، على يد وزير هارون الرشيد. ونعرف عنه قليلا من التفاصيل، لكن بروز أطباء البلاط من عائلة "عبد المسيح"، وهُم الرؤساء السابقون للأكاديمية الطبية الفارسية في جنديسابور بالأهواز، يشير إلى اضطلّاعهم بأدوار مهمة في تطوير هذا المستشفى. 

  

على مدار العقود التالية، ظهر 34 مستشفى إضافي في أرجاء العالم الإسلامي، واستمر العدد بالازدياد عاما بعد عام. في القيروان، بتونس، تم بناء أول مستشفى في القرن التاسع الميلادي، وأُسست مستشفيات في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وكان هناك عدة مستشفيات في بلاد فارس، في مدينة رية، وترأسها ابنُ المدينة الذي تتلمذ في بغداد، محمد بن زكريا الرازي. 

       

محمد بن زكريا الرازي (مواقع التواصل)

           

وفي القرن العاشر الميلادي شُيدت خمس مستشفيات أخرى في بغداد. إذ أُسس أولها في نهاية القرن التاسع على يد المعتضد، الذي عهِد لأبي بكر الرازي بمهمة الإشراف على بنائه وإجراءاته وعمليّاته. قبل الشروع في البناء، أراد الرازي اختيار أكثر الأماكن صحةً في المدينة، فألقى بقطعٍ من اللحم الطازج في عدد من الحارات، ثم تفقدها بعد ذلك بمدّة لكي يحدد أيّها كان أقل عفنًا وأشار ببناء المستشفى مكانها. لدى افتتاحه، كان في المستشفى 25 طبيبا، منهم الكحّالين، والجراحين ومجبّري العظام. ثم ازداد عدد التخصصات فبلغ 1258 تخصصا، حتى دمّر المغول بغداد. 

  

ويكتب الوزير علي بن عيسى بن الجرَّاح إلى سنان بن ثابت رئيس الأطباء في بغداد في بداية القرن العاشر الميلادي بشأن مجموعة أخرى من المرضى قائلا: 

’’فكرت في أمر من في السجون، وأنّه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض، فينبغي أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم كل يوم، وتُحمل إليهم الأدوية والأشربة، ويطوفون في سائر الحبوس، ويعالجون فيها المرضى‘‘. 

  

وفي مصر، شُيّد أول مستشفى عام 872 جنوب غرب الفسطاط، التي تعتبر الآن جزءا من القاهرة القديمة، على يد أمير مصر، العباس أحمد بن طولون. وتعتبر هذه أول منشأة توثّقها السجلات توفّر الرعاية للمصابين بالأمراض النفسية بجانب الأمراض العامّة. وفي القرن الثاني عشر للميلاد، أسس صلاح الدين الأيوبيّ في القاهرة مستشفى النصيري، الذي توسّع لاحقا في حجمه وأهميته على يد المنصور بن قلاوون واكتمل بناؤه عام 1284. وظل شاهدًا على أول مركز طبي في القاهرة خلال القرن الخامس عشر، ويُسمّى اليوم، بمستشفى رمد العيون، إذ خُصص لطب العيون. 

  

 بيمارستان قلاوون (مواقع التواصل)

      

أما في دمشق فكان مستشفى النوري رائدًا حينَ تأسيسه من منتصف القرن الثاني عشر حتى منتصف الخامس عشر، وفي ذلك الوقت ضمّت المدينة خمس مستشفيات إضافية. وفي شبه الجزيرة الأيبيرية، ضمت قرطبة وحدها 50 مستشفى رئيسي، وشُيِّد بعضها للجيش خصيصا، وكان الأطباءُ هناك يساعدون الاختصاصيينَ الذين ُيعالجون الخلفاء وقادة الجيش وعليّة القوم. 

  

التنظيم

بأسلوب يظل مألوفا اليوم، كان المستشفى الإسلامي النموذجي مقسما إلى أقسام من قبيل الأمراض العامة، والجراحة وطب العيون، وطب العظام والأمراض النفسية. وكان قسم الأمراض العامّة أقرب ما يكون إلى قسم الطب الباطني في أيامنا هذه، وعادة ما قُسم إلى أقسام فرعيّة تتعامل مع الحمّى، ومشاكل الجهاز الهضمي، والعدوى وغيرها. وكان للمستشفيات الأكبر أقسام أكثر واختصاصات فرعية أكثر تنوعا، وكان لكل قسم مسؤول ورئيس بجانب المشرف المختص. 

  

وكان يطوف بالمستشفيات مفتشون أوكلت إليهم مهمة ضمان النظافة العامة وتوافر الشروط الصحية. بالإضافة لذلك، كان هناك المحتسب وغيره من الموظفين الإداريين، الذين يتأكدون من أن المستشفى -من النواحي المالية وخلافها- يلاقي المعايير. وكان هناك الناظر، الذي كان مسؤولا عن مراقبة المؤسسة كلها. وعمِلَ الأطباء بساعات دوام ثابتة، يعاينون خلالها المرضى الوافدين إلى أقسامهم. وكان لكل مستشفى طاقم مخصص من الصيادلة والممرضات الذين حصلوا على ترخيص مزاولة المهنة. وكانت رواتب الطواقم الطبية ثابتة بحكم القانون وكانت المكافآت توزع بوتيرة فيها من السخاء ما يكفي لجذب أصحاب المواهب والعقول. 

    

  

كان المستشفى الإسلامي يموَّل من عائدات الأوقاف، حيث يتبرع الأثرياء والولاة بالأملاك إلى البيماريستانات الجديدة أو القائمة سلفا على شكل هِبات، وتتكفل عائدات الأوقاف بدفع المال للمبنى وتصليحاته. ولكي تعود هذه العائدات بالنفع على المؤسسات الوقفيّة، فإنها تأتي من أي مزيج كان من ملكيّة المحال، والمطاحن، والفنادق، أو حتى قرى بأكملها. وكان يأتي من أموال العائدات ما يكفي في العادة لتغطية مبلغ رمزي يُعطى للمريض العاطل عن العمل. وكان جزء من تكلفة إصلاح المستشفيات يأتي من ميزانية الدولة. أما بالنسبة إلى المرضى فكانت خدمات المستشفى بالمجّان، وإن كان الأطباء المستقلون يتقاضون المال من حين لآخر. 

  

رعاية المريض

كانت البيمارستانات تفتح أبوابها للجميع على مدار 24 ساعة، حيث يُخصص للمرضى الذكور أطباء رجال، وتخصص للمرضى الإناث طبيبات نساء، في حين رأى البعض إقامة أجنحة منفصلة بموارد بشرية ومنشآت لكل جنس على حدة. وفي علاج الحالات الأقل خطورة،كانت هناك عيادات خارجية مزودة بالأطباء الذين يصفون للمرضى أدوية تؤخذ في البيوت. 

  

وكانت ُتتخذ تدابير وإجراءات خاصة لمنع انتشار العدوى، حيث يخُصص للمرضى الداخليين ألبسة من المستشفى يجري تصنيعها في منطقة مركزية للتوريد في حين تظل ألبستهم الشخصية مودعة في مستودع المستشفى. عند أخذهم إلى قسمهم المخصص، كان المرضى يجدون الأسرة بأغطية نظيفة ومفارش محشوة، وكانت حجرات المستشفى أنيقة ومجهزة بنوافير المياه ويصلها نور الشمس. 

  

كان عمل المفتش يقتضي تقييم نظافة المستشفى والحُجرات يوميا وكان مألوفا للولاة القيام بزيارات شخصية للتأكد من تلقّي المرضى أفضل رعاية ممكنة. حيث يبدأ مسار العلاج الموصوف من الطبيب فور وصول المريض، حيث يُحمَّى المرضى عن بعض الأطعمة، حسبما يقتضيه الظرف الطبي وحالة المريض،  وكانت جودة الطعام ممتازة إذ تضمّنت الدجاج من بين دواجن أخرى، ولحوم العجلان والحملان، بجانب الفاكهة والخضار الطازجة. 

 

واعتُبِر المعيار الرئيس للشفاء هو قدرة المرضى على هضم كمية الخبز الطبيعية التي يتناولها الأصحاء، مع اللحم المشوي لطير كامل، دفعة واحدة. فإن تمكن المريض من هضمها بسهولة، ُيعتبر بأن صحته جيدة فيتمّ تسريحه. في حين نُقِل المرضى الذين تلقوا العلاج وظلّت أبدانهم واهنة بما لا يُتيح تسريحهم، نُقلوا إلى جناح النقاهة لحين التعافي كليةً فالمغادرَة فور التحسن. وخصصت للمرضى المعوزين ثياب جديدة، بجانب شيء من المال لإعانتهِم على تأسيس حياتهم. 

   

  

وفي أدناه ترجمة لرسالة شاب فرنسيّ أُدخِل إلى مستشفى قرطبة في القرن العاشر الميلادي، يقول فيها:

’’والدي العزيز: لقد ذكرت في رسالتك السابقة بأنك سوف تبعث لي ببعض النقود كي أستعين بها في علاجي، لكني لا أحتاج إلى النقود مطلقا؛ لأن المعالجة في هذا المستشفى الإسلامي مجانية، بل إن المستشفى يدفع إلى كل مريض تماثل للشفاء مبلغ 5 دنانير، وملابس جديدة حين يغادر المستشفى؛ كي لا يضطر إلى العمل في فترة النقاهة. والدي العزيز : لو تفضلت وجئت لزيارتي فسوف تجدني في قسم الجراحة ومعالجة المفاصل، وسوف تشاهد بجانب غرفتي مكتبة، وصالون للمطالعة والمحاضرات، حيث يجتمع الأطباء فيه يوميا للاستماع إلى محاضرات الأساتذة. أما قسم الأمراض النسائية فيقع في الجانب الثاني من ساحة المستشفى ولا يسمح للرجال أن يدخلوا إليه، وفي الجهة اليمنى من الساحة تجد صالونا كبيرا مخصصا للمرضى الذين تماثلوا للشفاء؛ حيث يقضون فيه فترة النقاهة، ويحتوي الصالون على مكتبة خاصة وآلات موسيقية. والدي العزيز: إن كل نقطة وكل مكان في هذا المستشفى غاية في النظافة، فالفراشُ والوسادة التي تنام عليها مغلفة بقماش دمشقي أبيض، أما الأغطية فمصنوعةٌ من المخمل الناعم اللطيف. جميع غرف المستشفى مزودة بالماء النقي الذي يصل إليها بواسطة أنابيب خاصة وفي كل غرفة مدفأة لأيام الشتاء. أما الطعام فهو من لحم الدجاج والخضار، حتى أن بعض المرضى لا يريدون مغادرة المستشفى طمعا بالطعام اللذيذ‘‘.

   

ويروي طبيب ورحّالة القرن الثالث عشر عبد اللطيف البغدادي، الذي كان معلّما للطب في دمشق، حكاية طريفة عن شاب فارسي ألمعي كان مأخوذًا هو الآخر بالأطعمة اللذيذة والخدمة الممتازة التي قُدّمت في مستشفى النوري، لدرجة جعلته يدّعي المرض. وما لبث الطبيب الذي عاينه أن عرف حيلة الشاب فأدخله المستشفى رغم ذلك، وقدَّم للشاب الأطعمة الشهية طيلة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع، توجّه الطبيب إلى حجرة المريض قائلا بابتسامةٍ آسِفة "الضيافة ثلاثة أيام، بعدها ..الجود بالموجود، فعُد إلى بيتك الآن". 

    

وقد كانت جودة الرعاية خاضعة للمعاينة والتقييم والتحكيم، فيقول محمد بن محمد القرشيّ في كتابه "معالم القربة في طلب الحسبة": 

’’وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض سأله عن سبب مرضه وعما يجد من الألم ثم يرتب له قانونًا من الأشربة وغيره من العقاقير ثم يكتب نسخة لأولياء المريض بشهادة من حضر معه عند المريض، وإذا كان الغد حضر ونظر إلى دائه ونظر إلى قارورته -لعل المراد بالقارورة التي يكون بها البول؛ ليتعرف سير المرض من لونه أو لعلها قارورة الداء-، وسأل المريض: هل تناقص به المرض أو لا؟ ثم يرتب له ما ينبغي على حسب مقتضى الحال ويكتب له نسخة ويسلمها لأهله، وفي اليوم الثالث كذلك وفي اليوم الرابع وهكذا إلى أن يبرأ المريض أو يموت، فإن برئ من مرضه أخذ الطبيب أجرته وكرامته وإن مات حضر أولياؤه عند الحكيم المشهور وعرضوا عليه النسخ التي كتبها لهم الطبيب، فإن رآها على مقتضى الحكمة وصناعة الطب من غير تفريط ولا تقصير من الطبيب قال: هذا قضي بفروغ أجله، وإن رأى الأمر بخلاف ذلك قال لهم: خذوا دية صاحبكم من الطبيب فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه، فكانوا يحتاطون على هذه الصورة الشريفة إلى هذا الحد حتى لا يتعاطى الطب من ليس من أهله ولا يتهاون الطبيب في شيء منه، وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد أبقراط الذي أخذه على سائر الأطباء، يحلفهم أن لا يعطوا أحدًا دواء مضرًا ولا يركبوا له سمًا ولا يذكروا للنساء الدَّاء الذي يسقط الأجنة ولا للرجال الذي يقطع النسل وليغضّوا أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المرضى ولا يُفشوا الأسرار ولا يهتكِوا الأستار‘‘

  

  

  

بجانب المستشفيات الدائمة، فقد كانت في المدن والبلدات الكبرى مراكز لتقديم الرعاية المكثفة والإسعاف الأولي على حد سواء. وقد كانت هذه المراكز موجودة في الوضع الطبيعي في أماكن عامة يتردد الناس عليها كالمساجد الكبرى، ويتحدث المقريزي عن أحدها في القاهرة فيقول: 

’’فلمّا أقام ابن طولون مسجده في مصر، جعل عند أحد أطرافه مكانا للوضوء ومستوصفًا، وزوّد المستوصف بأجود الأدوية وأفضل الأطباء. وكان يُكرَّس لأيام لاجُمعة طبيب مختصّ لأي إصابة يمكن أن تقع في مثل هذا الحشد المهيب‘‘. 

  

مدارس ومكتبات الطب

وبما أن أحد الأدوار الرئيسية للمستشفى كان تدريب الأطباء، فقد كان لكل مستشفى منصة محاضرات يلتقي فيها الطلبة والأطباء والمسؤولون الطبيون الكبار، للنظر في المشكلات بأسلوب "الندوة" الحديثة. ومع تقدّم مسار التدريب، كان طلبة الطب يذهبون في جولات برفقة الأطباء الكبار إلى أجنحة المستشفى ويشاركون في تقديم الرعاية للمرضى، كما يُطلب إلى الأطباء في برنامج الإقامة الحديث أيامنا هذه. 

  

ويكشف ما تبقّى من نصوص، ككتاب ابن أبي أصيبعة "عيون الأنباء في طبقات الأطباء"، بالإضافة إلى ما دوَّنه التلاميذ، يكشف عن تفاصيل هذه الجولات العيادية. إذ توصف التعليمات باتباع حميات ووصفات غذائية للعلاجات الشائعة، كالأمراض الجلديّة، والأورام والحمّى. خلال هذه الجولات، يُطلب من الطلبة فحص ومعاينة سلوكيات المرضى، ومُخرجاتهم، وطبيعة وموضع الألم والتورّم. وكان يُطلب إلى الطلبة أيضا ملاحظة لون وملمس الجلد، أكانت الحرارة مرتفعة أم عادية، أو كان ملمس الجلد رطبا أو جافا أو رخوا. 

       

يُعتبر البيمارستان مهدٌ ونموذج أوّلي لمستشفيات العصر الحديث، ومن بين المنجزات العلمية العديدة التي رافقت فترة القرون الوسطى بالعالم الإسلامي
    

ثم يتوّج التدريب بامتحان مزاولة مهنة الطب، إذ تعيّن على المرشحين المثول أمان رئيس الأطباء الذي تعيّنه حكومة الإقليم. والمتطلب الأول هو كتابة أطروحة حول التخصص الذي يريد المرشّح الحصول على شهادة الطب فيه. ويمكن للأطروحة أن تكون قطعة أصليّة من البحث أو شرحًا وتعقيبا على نصوص موجودة سلفًا، كنصوص أبقراط، وجالينوس، وابن سينا وغيرهم. 

  

وكان يُفضَّل من الطُّلاب لا تدارُس أعمال الطب فحسب، بل وأيضًا مراجعتها والتدقيق فيها بغية إيجاد أخطاء واردة. هذا التركيز على التجريبيّة والملاحظة بدلا من الخنوع للسلطات كان أحد المحرّكات الرئيسية للوَهَج الفكري الإسلامي في القرون الوسطى، ولإكمال الأطروحة كانت تعقد المقابلات الطويلة مع المرشحين من قبل رئيس الأطباء المسؤول، الذي يطرح عليهم أسئلة تتصل بالمشكلات التي يطرحها التخصص المأمول، ثم تُفضي الإجابات المطلوبة إلى حصول المرشّح على رخصة مزاولة الطب. 

  

كان أحد العناصر المهمة في المستشفى، والذي حمل أهميّة قصوى لكليّ الطلبة والمعلّمين، وجود المكتبات الطبيّة العريضة. إذ إنه بحلول القرن الرابع عشر الميلاديّ، ضمّ مستشفى ابن طولون في مصر مكتبة حوت على رفوفها  100.000 مؤلَّفا وكتابا في شتّى أفرع العلوم الطبية. في أثناء ذلك، كانت أكبر مكتبة في أوروبا، بجامعة باريس، تحتوي على 400 مؤلف فحسب.  

  

يُعتبر البيمارستان بما هو مهدٌ ونموذج أوّلي لمستشفيات العصر الحديث، من بين المنجزات العلمية العديدة التي رافقت فترة القرون الوسطى في العالم الإسلامي، لكن من بين هذه المنجزات جميعها، وعند التعرض لإصابة أو مرض، فما من إرث علميّ يحمل معنًى أكبر من هذا المنجز.

——————————————————————-

هذا التقرير مترجم عن AramcoWorld ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

يبدو الفقر أمرا طبيعيا بمسيرة التاريخ الإنساني، وهو نتيجة حتمية لسوء توزيع الثروات، أو بسبب الكوارث الاقتصادية التي لا تنفك عن المجتمعات.. فكيف عاش فقراء مصر قبل سبعة قرون؟!

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة